English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

سيرة أمهات المؤمنين : السيدة رملة (9) لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

الموضوع                : سيرة السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان .

تفريغ                 : عبد الرحمن التكريتي .

التدقيق اللغوي        : الأستاذ احمد مالك .

التدقيق النهائي        : المهندس غسان السراقبي .

 

 

       

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس العشرين من دروس الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، ومع زوجات النبي أمهات المؤمنين ، ومع السيدة حبيبة بنت أبي سفيان ، وهي رملة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أسلمت قديماً ، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش ، ولها مأساة كبيرة جداً ، حدث عنها أخواها الخليفة معاوية بن أبي سفيان ، وعنبسة ، وابن أخيها عبد الله بن عتبة ، وعروة بن الزبير .

          وكان لأم المؤمنين أم حبيبة مكانة عالية وحرمة فائقة ، ولمكانتها قيل لأخيها معاوية : أنت خال المؤمنين ، لأن أخته أم المؤمنين ، وهو أخوها ، فكان معاوية يدعى خالَ المؤمنين لمكانتها العلية عند المسلمين .

          يعني قبل أن أتابع الحديث المرأة تستطيع أن تصل عند الله إلى أعلى مكانة ، ولا تمنعها أنوثتها أن تكون ولية لله ، ولا يمنعها كأنثى أن تكون عالية القدر عند الله ، ولا يمنعها أن تسبق آلاف الرجال ، هذه حقيقة ، أما نحن فعندنا فكر جاهلي ، أن هذا امرأة ، لا ، هناك نساء صحابيات جليلات فُقْنَ الرجال ، بربكم هل تصدقون امرأة ترى زوجها مقتولاً في ساحة المعركة ، ثم ترى أخاها مقتولاً ، ثم ترى أباها مقتولاً ، ثم ترى ابنها مقتولاً ، وتقول : ما فعل رسول الله ؟ لم تطمئن حتى وقعت عينها على شخص النبي ، فلما رأته معافًى سليماً قالت : يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل ، أية امرأة هذه ؟‍! فالمرأة إذا عرفت ربها ، واستقامت على أمره ، وأدت مهمتها التي أناطها الله بها تسبق الرجال .

          أنا أتمنى أن زوجتك في البيت تعطيها نفَسًا قويًا ، تعطيها معنويات عالية ، بإمكانها أن تفوق ، وتتفوق ، بإمكانه أن تكون في أعلى مقام ، ((اعلم أيتها المرأة وأعلم من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله)) ، والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام .

          متاح لكل امرأة أن تكون بطلة ، متاح لكل امرأة أن تدخل الجنة من أي أبوابها ، متاح لكل امرأة أن تسابق الرجال ، امرأة زاحمت النبي عليه الصلاة والسلام هكذا تروي بعض الأحاديث : ((أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهن)) .

          تنازع رسول الله في دخول الجنة ، فالمرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف والتشريف والمسؤولية ، إلا أن خصائصها غير خصائصه ، خصائصها مناسبة لأنوثتها ، وللمهمة التي أنيطت بها ، وخصائص الرجل مناسبة لرجولته وللمهمة التي أنيطت به ، وهذا العصر خلط الأوراق ، أنت يمكنك أن تقوم برحلة على متن (تراكس) ؟ مستحيل ، وتسخر سيارة سياحية من أجل بناء ، هذا الذي يحصل ، خلطنا الأوراق ، وتشبهت النساء بالرجال ، والرجال بالنساء .

         أصبحت المرأة في غير موقعها مفسدة ، موقعها مقدس ، موقعها أم ، موقعها زوجة ، موقعها أخت ، أصبحت ممتهنة ، أصبحت سلعة من السلع ، أنت إذا أردت أن تروج أي سلعة تضع عليها امرأة شبه عارية ، حتى إن مرة عدد كبير من نساء بريطانيا قمن بمظاهرة يحتجن بها على أن المرأة امتهنت إلى درجة أنها سلعة من السلع ، لا تروج بضاعة في العالم كله إلا عن طريق المرأة ، صورة مغرية لامرأة مع البضاعة ، أما المرأة المسلمة فإنها ملكة .

          أعجبني من رجل سألته امرأة : لماذا يمنع أن نصافح الرجال ؟ هو أجابها إجابة ليست شرعية ، ولكنها إجابة حكيمة ، ليس معنى الشرعية ليست حكيمة ، ولكن في بلد أجنبي بعيد عن الدين بعدًا كبيرًا جداً ، قال لها : لأن الملكة في بريطانيا لا يصافحها إلا سبعة رجال بالقانون البريطاني ، ونساء المسلمات ملكات لا يصافحهن إلا سبعة رجال بالقانون الرباني .

          لما اشتد الأذى على المسلمين من الشركين في مكة ، وأذن النبي عليه الصلاة والسلام للمسلمين المستضعفين بالهجرة فراراً بدينهم إلى الحبشة هاجرت أم حبيبة مع زوجها عبيد الله مع من هاجر من الصحابة إلى الحبشة ، وتحملت هذه الزوجة الكثير مما تحمله الصحابة من أجل إسلامهم ، أنتم قبضتم الثمن ، أما الصحابة فقد دفعوا الثمن ، أنتم حملكم الإسلام ، نشأتم في بلد إسلامي ، المساجد مفتوحة ، الصلاة لا شيء عليك بها ، تصلي في البيت ، وفي المسجد ، والدروس قائمة ، والخطب قائمة ، وهناك مكتبة إسلامية ، ولك أن تفعل ما تشاء ، أما الصحابة فكانوا إذا صلوا يقتلون ، ففرّوا بدينهم إلى الحبشة ليقيموا شعائر الله ، هم دفعوا الثمن ونحن قبضنا الثمن ، هم حملوا الإسلام ، ونحن حَمَلَنا الإسلام .

          تحملت أذى قومها ، وتحملت هجر أهلها ، والغربة عن وطنها وديارها ، كل ذلك لتحيي حياة الإيمان والإسلام بعيداً عن الشرك والعصيان ، وحينما استقرت في الحبشة آمنة مطمئنة فاجأتها محنة شديدة وعصيبة ، تلك المحنة هي ردة زوجها عن الإسلام ، وتنصره بعد أن هداه الله للإسلام ، إنها محنة منكرة ، الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، والنجاشي أعلن إسلامه ، وأسلم كبار البطارقة ، وهذه زوجها تنصر ، وشرب الخمر ، وعاقرها حتى مات من شرب الخمر ، هل هناك محنة أقصى من هذه المحنة ! أقرب رجل إلى المرأة زوجها ، زوجها أصبح يعاقر الخمر ، من البطولة إلى معاقرة الخمر .

          هي ترى زوجها الذي هاجر معها من أجل إسلامه يترك إسلامه ، ويدخل في دين أهل الحبشة ، وهي غريبة في ديار الغربة ، بعيدة عن وطنها وأهلها .

          أخرج ابن سعد عن ابن عمر بن سعيد الأموي قال : قالت أم حبيبة : (رأيت في المنام كأن زوجي عبيد الله بأسوأ صورة ففزعت ، فأصبحت فإذا به قد ترك دينه ، فأخبرته بالمنام فلم يحفل به ، وأكبّ على الخمر حتى مات من شرب الخمر ، فأتاني آت في نومي فقال : يا أم المؤمنين ...) .

          ربنا جلّ جلاله أحياناً يدعم الإنسان برؤيا صادقة ، كلمة يا أم المؤمنين أي ستغدو زوجة النبي عليه الصلاة والسلام .

          ففزعت ، فما هو إلا أن انقضت عدتي ، فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن لي ، فإذا هي جارية يقال لها أبرهة فقالت : إن الملك يقول لك : وكِّلِي من يزوجك ، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص بن أمية فوكلته ، فأعطيت أبرهة على بشارته سوارين من فضة ، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا ، وخطب النجاشي ، فحمد الله تعالى ، وأثنى عليه ، وتشهد ، ثم قال : أما بعد ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة ، فأجبت ، وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار ، ثم سكب الدنانير ،  ثم خطب خالد بن سعيد فقال : قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وزوجته أم حبيبة ، وقبض الدنانير ، وصنع لهم النجاشي طعاماً .

          إخواننا الكرام ... صدقوا أنه ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ، والله أعرف شبابًا مؤمنين مستقيمين ورعين كلُّ الطرق أمامهم مسدودة ، ولا يوجد أمل أن يتزوج ، هناك من طَرَقَ بيته ، وعرض عليه ابنته مع بيت وفرش ، ومع مبلغ لتأمين حاجاته ، هذا شيء دائم ، فما من إنسان يعف عن الحرام ابتغاء وجه الله إلا وله من الله معين ، إلا وله من الله نصير ، العبرة أن تكون مطيعاً لله ، البطولة أن تطيعه ولا تعبأ بما سوى ذلك ، فإذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .

          فامرأة مؤمنة طاهرة صحابية جليلة تترك قومها ، وديارها ، وأهلها ، وتهاجر في سبيل دينها ، فإذا بزوجها يترك دينه ، ويعاقر الخمر ، أصبحت غريبة مرتين ؛ فهي غريبة بعد أن ترك زوجها دينه ، وغريبة ، وهي في بلاد الغربة ، كيف كوفئتْ مِن قبل الله عز وجل ؟ بأن أرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى النجاشي أن وكلتك بتزويجي من أم حبيبة ، والنجاشي دفع المهر ، وأولم ، ودعا المسلمين في الحبشة إلى طعام وليمة العرس .

          قالت أم حبيبة : فلما وصل إليّ المال أعطيت أبرهة منه خمسين ديناراً ...          سوارين فضة ، وخمسين دينارًا ، فردتها إليّ ، وقالت إن الملك عزم عليّ بذلك ، يعني يبدو أنها صادقة ، أبلغت الملك أنها أعطتها سوارين من فضة ، فزجرها ، وقال : أرجعي كل ذلك ، وردت عليّ ما كنت أعطيتها أولاً ، ثم جاءتني من الغد بعود من الطيب ، وورس ، وعنبر ، فقدمت به معي على رسول الله ...

          قدمت لها هدية هذه الجارية ، ولما بلغ أبا سفيان والدها ، وكان مشركاً أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ابنته قال : هو الفحل لا يجدع أنفه ، أي أنه الكفء الكريم الذي لا يعاب ، ولا يرد .

          كم هي عالية أخلاق النبي ، حتى إن هذا من أكبر أعدائه ، أبو سفيان ناصبه العداء عشرين عاماً ، وحاربه ثلاث مرات ؛ في بدر ، وأحد ، والخندق ، ومع ذلك ماذا قال عنه ؟ قال : إنه الكفء الكريم الذي لا يعاب ولا يرد ، معنى ذلك لو أن للمشركين على النبي مأخذاً واحداً لملؤوا الدنيا صياحاً ، لكنه هو الكريم ابن الكريم ، الصادق ، الأمين ، الورع ، هذا قبل البعثة ، اسمه الأمين أساساً .

          أحد الرجال مغرر به ، مغسول دماغه يقول : إن كل مال الكفار يجب أن نأخذه عنوة ، فلما قرأ أن النبي ترك في فراشه عليَ بن أبي طالب ليردّ الأمانات إلى أهلها ، وكلهم مشركون ، معنى ذلك أن تفكيره غلط ، إذا كنت تريد أن تبني إسلامك على العدوان فهذا الإسلام منبوذ ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ، وهو نبي الأمة ، وهو المشرع حينما هاجر ترك علي بن أبي طالب في سريره ليردّ الأمانات إلى أهلها .

          وسيدنا أبو العاصي لما أسلم كل ما معه من تجارة ضخمة لكفار قريش صودرت في المدينة ، وعرضوا عليه الإسلام ، فإذا أسلم صارت له ، قال : والله لا أبدأ إسلامي بهذا ، فعاد إلى مكة ، وأعطى كل ذي حق حقه ، ثم أعلن إسلامه .

          إياك أن تخلط الدين بالدنيا ، إياك أن تأخذ الدنيا ، وتعللها بالدين ، هذا لا يخفى على الناس ، أبو العاص ردّ الأموال إلى أهلها ، ثم أعلن إسلامه ، وقال : والله لا أبدأ إسلامي بهذا .

          عادت هذه المهاجرة عقب فتح النبي خيبر ، يعني بقي هؤلاء الصحابة في الحبشة ثلاثة عشر عاماً يصلون ، ويصومون ، ويعبدون الله عز وجل ، كم هي الحوادث صعبة ، إنسان مبعد عن أهله ثلاثة عشر عاماً ، ولم يكن ذنبه إلا أن يقول  ربي الله .

          عادوا مع جعفر بن أبي طالب ومن معه ، وقد سرّ النبي عليه الصلاة والسلام أيما سرور بمجيء هؤلاء الصحابة بعد غياب طويل ، ومعهم الزوجة الصابرة الطاهرة الكريمة ، إنهم خرجوا من مكة فارين بدينهم من الشرك ، واليوم يعودون ، وأمر الإسلام يعلو ، وسلطانه يمتد ، فلا خوف من ظلم ، ولا إرهاب ، وعندما حلّوا بالمدينة استقبلهم النبي عليه الصلاة والسلام مسروراً مبتهجًا ، وهو يقول : والله لا أدري بأيِّهم أفرح ، بفتح خيبر ، أم بقدوم جعفر؟.

          هناك حب حقيقي ، أنا أقول لكم نحن نحتاج إلى الحب ، نصوص موجودة ، وكتب موجودة ، وكل شيء موجود ، مساجد ضخمة ، شيء جميل جداً ؛ مساجد ، مكتبات ، مؤتمرات ، المظاهر الدينية صارخة الآن ، وثمة عدوات ، وحسد ، وبغي ، ومصالح ، وأهواء ، لذلك : [وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا] .

          استقبل النبي عليه الصلاة والسلام جعفر بشكل غير معقول من شدة الفرح  قال : لا أدري بأيِّهما أنا أفرح ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ .

          هناك لطيفة لا بأس من ذكرها ، عن أبي موسى الشعري قال : كان أناس يقولون لنا : سبقناكم بالهجرة ، ودخلت أسماء بنت عميس ، وكانت مع مهاجري الحبشة على حفصة زوج النبي زائرة ، فدخل عمر على حفصة ، وأسماء عندها ، فقال حين رأى أسماء : من هذه ؟ قالت : هذه أسماء بنت عميس ، قال عمر : الحبشية ، هذه البحرية ، قالت أسماء : نعم ، قال عمر : سبقناكم بالهجرة ، فنحن أحق برسول الله منكم ، فغضبت وقالت : كلا ، والله ، كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ، ويرشد جاهلكم ، وكنا في أرض العداء البغضاء ، وذلك في الله ، وفي رسول الله ، وايم الله لا أطعم طعاماً ، ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ، وقالت له : والله لا أكذب ، ولا أزيغ ، ولا أزيد عليه ، أنت قلت : سبقناكم بالهجرة ، أنا سأذهب إلى النبي ، وأنقل ما قلته لي ، فإن أقر قولك قبلته ، وإن لم يقره سأنقله إليك دون زيادة .

          فلما جاءت النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ماذا قلت له ؟ قالت : قلت له كذا وكذا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ليس بأحق بي منكم ، وله ولأصحابه هجرة واحدة ، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان .

          أنتم هاجرتم مرتين مرة إلى الحبشة ، ومرة إلى المدينة ، اعتزاز الإنسان بإيمانه ، سيدنا عمر قال كلمة لا تعني كثيراً : نحن سبقناكم بالهجرة ، والنبي عليه الصلاة والسلام جبار الخواطر ، من عظمة هذا النبي العظيم أن كل صحابي من صحابته كان يظن أنه أقرب الناس له ، هذه بطولة ، الصغار أحياناً يخصون بعض الناس باهتمامهم ، يقربون لهم بعض الأشخاص ، ويهملون الباقين ، هذا شيء من الفجاجة في قيادة الدعوة ، أنت لكل .

          مرة إنسان بعيد عن الدين بعد السماء عن الأرض في فرنسا ، نجح في الانتخابات ، فألقى خطابًا في أربع كلمات ، قال : أنا أشكر من انتخبني ، وأحترم من لم ينتخبني ، وأنا لكل الفرنسيين ، وهذا إنسان كافر ، ليس فيه دين ، يقول : أنا لكل هؤلاء ، فالنبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق ، وحبيب الحق ، هو لكل المؤمنين ، لكلهم بعطفه ، ومحبته ، و، وفائه وقربه ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال : لن يمضي وقت على هؤلاء المهاجرين العادين حتى اكتسبوا ما فاتهم من علم القرآن والسنة طوال غيابهم ، ثم انتسبوا في مواكب الجهاد مع من سبقوهم بإحسان ، وقد أشركهم النبي في مغانم خيبر .

          هذه لها معنى عميق ، يعني كأنهم حضروا غزوة خيبر ، أشرك النبي من هاجر إلى الحبشة في مغانم خيبر مع أهل الحديبية .

          وما أن وصلت أم حبيبة رضوان الله عليه إلى المدينة بعد تلك الغربة الطويلة والأعجوبة المريرة حتى استقبلها النبي عليه الصلاة والسلام بالسرور والبهجة ، وأنزلها إحدى حجراته بجوار زوجاته الأخريات ، واحتفل نساء المدينة بدخول أم حبيبة بنت سفيان بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهنَّ يحملن إليها التحيات ، والتبريكات ، والتهاني ، والأمنيات بهذا الزواج المبارك ، وقد أولم خالها عثمان بن عفان وليمة حافلة نحر فيها الذبائح ، وأطعم الناس اللحم فرحًا وبهجة بهذا الزواج الميمون ، واستقبل أمهات المؤمنين هذه الشريكة الكريمة بالإكرام والترحاب ، ومن بينهن صفية العروس الجديدة التي لم يمض على عرسها أيام معدودات ، لأنها جاءت من خيبر ، وقد أبدت السيدة عائشة استعداداً لاستقبال الزوجة الجديدة التي لم تثر فيها حفيظة الغيرة حين رأتها ، وقد قاربت سن الأربعين ، وتعيش أم حبيبة بجوار صواحبها الضرائر بكل سعادة وأمان .

          حضر أبو سفيان إلى المدينة ، قصة طويلة ، صلح الحديبية فيه شرط ، وهو في ظاهره لصالح قريش ، أما في الحقيقة فقد انقلب عليهم ، فمن خرج من المسلمين إلى مكة مرتداً خذوه ، أما من جاءنا منكم مسلماً نرده ، ليس هناك تكافؤ ، فهذا الشرط لم يقبله سيدنا عمر ، وقال : علام نعطي الدنية في ديننا ، قال له سيدنا الصديق : إلزم حجرك ، هو رسول الله ، هذا الشرط من غرائب الصدف ، فهو في ظاهره مهانة ، أما عملياً فهؤلاء الذين جاؤوا وردَّهم النبي شكَّلوا عصابة قطعوا الطريق على أهل مكة ، فضجرت تجارتهم ، لأن الطريق غير آمن ، فجاء أبو سفيان إلى النبي يرجوه ، ويتوسل إليه أن يلغي هذا الشرط ، أيّ واحد أسلم من عندنا فاقبلوه ، ليس هناك مانع ، فالنبي لم يرض ، هذا هو سبب مجيء أبي سفيان إلى المدينة .

          لقد حضر أبو سفيان والد أم حبيبة المدينة يطلب من النبي  عليه الصلاة والسلام أن يمد في أجل الهدنة التي تمت المصالحة عليها في الحديبية فيأبى عليه النبي هذا الطلب ، أراد أبو سفيان أن يستعين على تحقيق الطلب بابنته زوجة النبي ، فدخل دار أم حبيبة ، وفوجئت به يدخل بيتها ، وما رأته من خمسة عشر عاماً ، ولم تكن قد رأته منذ أن هاجرت إلى الحبشة ، فلاقته بالحيرة ، فلا تدري أترده لكونه مشركاً ، أم تستقبله لكونه أباً ؟ ، وأدرك أبو سفيان ما تعانيه ابنته ، فأعفاها من أن تأذن له بالجلوس ، وتقدم من تلقاء نفسه ليجلس على فراش رسول الله ، فما راعه إلا وابنته تجذب الفراش من تحته لئلا يجلس عليه ، فسألها بدهشة : يا بنية أرغبتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه ؟ فقالت : بل هو فراش رسول الله ، وأنت امرؤ نجس مشرك ، فقال : يا بنية لقد أصابك بعدي شرٌّ ، وخرج من بيتها خائب الرجاء .

          الإسلام فرق بين الكفر والإيمان ، انتماء المسلم إلى إيمانه قوي .

          وبعد أن خرج أبو سفيان من بيت ابنته توجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد علم من أمر ابنته ما علم ، فكلمه أبو سفيان في العهد فلم يجبه بشيء ، فأجابه علي فقال : ويحك يا أبا سفيان ، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه به ، له هيبة كبيرة ، صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو سفيان : يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد اشتدت عليَّ فانصحني ؟ قال : والله لا أعلم لك شيئاً يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، أي أن الناس بمكة بجواري ، أي بحمايتي ، ثم الحق بأرضك ، يعني أجر أهل مكة ، قال : أو ترى هذا مغنياً عني شيئا ، قال : لا والله ، لا أظنه مغنياً عنك شيئاً ، ولكنني لا أجد لك غير ذلك ، طلب من النبي فرفض ، سيدنا الصديق رفض ، سيدنا عمر رفض ، سيدنا علي قال شيئاً لا يقدم ولا يؤخر : أجر أهل مكة .

          فذهب أبو سفيان حتى وقف في مسجد النبي ، والناس مجتمعون للصلاة فقال : أيها الناس ، إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره فانطلق ، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يجبه بشيء ، ولم يردّ عليه الصحابة بكلمة ، فلما قدم على قريش أخبرهم بما جرى معه ، وأنه جاء علياً فوجده ألين القوم ، وقال عليّ شيئًا صنعته ، فوالله لا أدري هل يغني هذا شيئاً أم لا ؟ قالوا : وبما أشار عليك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت ، قالوا : فهل أجاز ذلك محمد ؟ قال : لا ، قالوا : ويلك والله إذا زاد الرجل أن لعب بك ، فما يغني عنك ما قلت ، قال : لا والله ما وجدت غير ذلك ، يعني عاد خائباً ، ما حقق شيئاً .

          الحقيقة أم حبيبة ، لما نقضت قريش عهدها مع رسول الله لم يكن من أم حبيبة لأبيها وأخيها أي عون أو مساعدة إلا أنها تدعو الله بالهداية لأبيها وقومها ، ولعل نساء النبي عليه الصلاة والسلام راقبنها ، وهي في موقفها ذاك الحرج ، ترى جيش رسول الله يتأهب ليأخذ قومها على غرة ، ومكة لا تزال في حيرة من الأمر ، وأبوها يحمل إلى قريش خيبة الرجاء ، والحقيقة هذا موقف صعب ، أبوها وقومها وزوجها النبي ، وكما يقول كتاب السيرة لا تراها أغلى عليها من المسلمين ، وهي التي هجرت أهلها وقومها ثلاثة عشر عاماً في الحبشة فرارًا بدينها من أذاهم .

          ولما تم فتح مكة ، وطارت البشرى إلى أهل المدينة بنصر الله والفتح ، وما تسامع الناس بما كان من لقاء النبي بأبي سفيان ، وقد أجاره العباس ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم معه حيث قال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأنِ لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ، قال أبو سفيان : بأبي أنت وأمي ما أحلمك ، وما أكرمك ، وما أوصلك ، وما أحكمك ، وأبو سفيان زعيم قريش ، وأحد أكبر قادتها يرى أن النبي في أعلى مكان من الحكمة ، والكرم ، والرحمة ، والصلة قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك ، وما أكرمك ، وما أحكمك ، وما أوصلك ، والله إني لظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئاً عنّا .

         حسب اعتقاده لا إله إلا الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : ويحك يا أبا سفيان أم يأنِ لك أن تعلم أني رسول الله ! قال أبو سفيان : بأبي أنت وأمي ما أحلمك ، وما أكرمك ، وما أوصلك ، أما هذه فوالله إنه لفي النفس منها حتى الآن شيء ، اقتنع أنه لا إله إلا الله ، أما محمد رسول الله فهذا ليس بعد .

          فزجره العباس على مقالته هذه زجراً قاسياً ، وقال : ما لبث أبو سفيان إلا أن أعلن إسلامه ، أسلم في وقت متأخر جداً بعد أن حارب النبي عشرين عاماً ، هكذا سمعت ، أو قرأت ، وقف على باب عمر فلم يؤذن له ، ورأى أبو سفيان بلالاً وصهيبًا يدخلان بلا استئذان فتألم ، فلما قابل عمر قال : زعيم قريش يقف بابك ساعات وبلال وصهيب يدخلان بلا استئذان ، قال له : أنت مثلهما ؟!.

          أسلم في وقت متأخر جداً بعد أن فتحت مكة ، وبعد أن كان لا بدّ له أن يسلم فأسلم .

          الآن في بعض الصحابة كانوا حكيمين جداً قال : فالتمس العباس من النبي أن يكرم الرجل بشيء يرضي كبريائه ، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام : نعم ، وقال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل بيت الله الحرام فهو آمن ، هذا كرمه.

          وطارت أصداء هذا الحدث الجلل المبارك حتى بلغ سمع أم حبيبة ، الآن هي طارت من الفرح ، فإذا أخ من إخواننا اهتدى إلى الله فأقرب الناس إليه لا يزال في زيغ ، يتألم أشد الألم ، أما إذا فوجئ أن هذا القريب صار مثله مؤمناً ، أخ يحضر الدروس ، ويستفيد ، ويتوب ، ويصطلح مع الله زوجته سافرة ، بعد مدة فوجئ بأنها قد تحجبت ، يمتلئ قلبه من الفرح بشكل لا يوصف .

          فرحتْ فرحاً شديداً ، وشكرت الله تعالى أن حقق لها أمنيتها ورجاءها في إسلام أبيها وقومها .

          وأنا أنصحكم ، إذا كان لديك قريب منحرف شارد ضال لا يلتزم فادع له بالهداية ، وإذا اصطلح الإنسان مع الله ، أنا في تاريخ الدعوة أشخاص كثيرون جداً قالوا لي كلامًا متشابهًا ، قال لي أحدهم : ليس هناك معصية تتصورها إلا وفعلتها إلا القتل ، ثم تاب إلى الله ، وعاد إليه ، سيدنا عمر دخل عمير على رسول الله والخنزير أحب إليّ منه ، وخرج من عنده وهو أحب إليّ من بعض أولادي ، ليس هناك عداوة مستمرة ، وكل إنسانا تراه بعيداً شارداً فظلاً غليظاً فادع له بالهداية كما دعت أم حبيبة ربها بهداية أبيها وقومها ، الآن فرحتها عظيمة ، لكن موقفها كان مشرفاً ، قالت له : أنت نجس مشرك ، وهذا فراش رسول الله ، انظر الولاء ، ولاؤك لله ورسوله ، أما قلبك فإنك تتمنى أن يهتدي من هم أقرب الناس إليك ، هذا تمنٍّ شريف .

          وكانت رضي الله عنها قد رأت أنه قد أزيح عن كاهلها عبء الحزن على عدم إسلام أبيها وقومها ، وقد اعتبر يوم الفتح يوم فتح لفرحتها ، وسرورها ، وسعادتها بنجاة أبيها من الخلود في النار .

          والله بعض الإخوة الكرام عندهم حرقة على أوليائهم ، وعلى آبائهم ، أنا أكبرهم عليها كثيراً ، الأب عمره ستون سنة لا يصلي ، وبعيد عن الدين ، وابنه متألق يرى أباه هكذا .

          قبل وفاتها أرسلت إلى عائشة كما روى ذلك ابن سعد عنها قالت : دعتني أم حبيبة عند موتها فقالت : قد كان يكون بيننا ما يكون من الضرائر فتحللي من ذلك ، فحللتها من ذلك واستغفرت لها ، فقالت لي : سررتِني سرّك الله .

          إذا أخطأ إنسان مع أخيه ، وقال له سامحني ، فليس هناك ألطف من الاعتذار ، كان بين عائشة وبين أم حبيبة ما كان بين الضرائر ، وهذا الشيء مألوف ، قبل وفاتها طلبت المعذرة من السيدة عائشة ، وأرسلت بمثل ذلك إلى باقي ضرائرها ، وتوفيت رضي الله عنها سنة أربع وأربعين ، ودفنت بالبقيع .

          مرة كنت في العمرة ، والفندق مطل على البقيع ، والطابق عالٍ ، أنظر إلى البقيع كل أصحاب النبي فيه ، أعلام ، سيدنا عثمان ، والسيدة عائشة ، وزوجات النبي ، وبنات النبي ، شيء لا يصدق ، النبي عليه الصلاة والسلام كان عصره عصر الأبطال ، قال : ((إن الله اختارني واختار لي أصحابي)) .

          أيها الإخوة ... والله الذي لا إله إلا هو إنّ أبواب البطولة مفتحة على مصارعيها في كل مكان وزمان ، إله الصحابة هو إلهنا ، والوسائل هي نفسها ، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، ومتاح لك أن تكون بطلاً في كل عصر ، الشرع أمرك ، والقرآن بين يديك ، والسنة بين يديك ، وبإمكانك أن تصل إلى الله بطاعته والإحسان إلى خلقه ، والولاء لله ورسوله ، هذا ولاء أم حبيبة عجيب ، أبوها يدخل بيتها تسحب من تحته الفراش ، وتقول : هذا فراش رسول الله ، وأنت نجس مشرك ، ما هذا الولاء ؟ طيب في أعماقها دعاء إلى الله بهداية أبيها وقومها ، هذا الموقف الأكمل ، إذا أنت واليت إنسانًا فاسقًا منحرفًا فموالاتك له طعن في إيمانك ، ولاؤك للمؤمنين ، ودعاؤك لمن حولك من أقربائك ، الولاء للمؤمنين والدعاء للشاردين ، أما الولاء للشاردين والقسوة على المؤمنين فلا .

          الله عز وجل وصف المؤمنين بأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، الناس بالعكس ، على المؤمنين قساة جداً ، أما أمام الأقوياء فضعاف جداً ، يستخزي ، ويذل أمام قوي ، ويقسو على المؤمن لتوهمه أنه ضعيف ، هذا موقف مسجل عليه ، يقسو على المؤمنين لاعتقاده لا ناصر لهم في هذه الدنيا ، ويستخزي أمام الكافرين ويخنع لهم ، أما المؤمن يذل للمؤمن ، ويكون عزيزاً أمام الكافر ، ومن جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi