English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

فقه السيرة النبوية : الدرس : 51 ـ 27/ 01 / 2007 ـ " العمران النبوي في المدينة المنورة " ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

مربع نص: تذكـيرٌ :

 

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، وقد وصلنا في الدرس الذي قبل الماضي إلى التنظيمات الإدارية ، والصحية ، والتعليمية ، والسياسية التي نظمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان من أبرزها أنه أنشأ ميثاقاً طبقه على كل شرائح أهل المدينة ، وجاء في مقدمته أن سكان المدينة أمة ، وسِلْمُ المؤمنين واحدة ، وحربهم واحدة ، وهذه هي المواطنة ؛ التعايش ، الذين فهموا الدين فهماً آخر سببوا متاعب لا تنتهي للمسلمين .

 

مربع نص: العمران النبوي في المدينة المنورة :

 

على كلٍ ننتقل اليوم إلى العمران النبوي في المدينة المنورة :

1 – التجمعات العشائرية ( القبائلية ) في الحصون :

قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وسكانها موزعون عشائرياً في قرى صغيرة ، وأكمل تجمع للسكان تجمع القرى .

هناك دراسات حديثة أن الإنسان إذا عاش في مجتمع محدود يرتفع مستوى الانضباط السلوكي ، وأشد الأمكنة وحشة هي المدن الكبرى ، لذلك حينما درس نخبة من كبار علماء الغرب أسباب العنف في العالم قالوا : المجتمعات الكبيرة ، وسكان القرية أشد انضباطاً من سكان المدينة ، بسبب أن الشخص الواحد معروف هناك .

فلذلك حينما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان سكانها موزعين عشائرياً في قرى صغيرة ، أو في حصون ، أو أطام ، والأطام هي الحصون ، فكل حصن فيه عشيرة تحيطه حيطانها ، ويعمل أصحاب هذا الحصن في الزراعة ، والصناعة ، وإذا جاء المساء دخلوا حصنهم ، وأقفلوا أبوابهم ليأمن كل منهم جيرانه ، وما تحمله ظلمة الليل من طوارق السوء .

أنا فيما أعلم دمشق كان فيها أبواب ، باب توما ، باب شرقي ، هذه الأبواب مساء تُغلق ، المجتمع يعرف بعضه بعضا ، فيه انضباط ، فيه أمن ، هذا كان مطبقاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد بلغ عدد حصونهم 59 حصناً موزعة على قبائلهم وعشائرهم ، وفيما بلغني أن أكبر مدينة في العالم ( نيويورك ) معلومات قديمة ، بعض أحيائها التي يسكنها المسلمون أحياء مغلقة تقفل أبوابها مساء ، ما فيها مخدرات ، ولا فيها ملاهٍ ، ولا فيها شيء من هذا القبيل ، كبار الشركات تتنافس على فتح محلات في هذا الحي الإسلامي ، فيه انضباط ، فيه أمن .

2 – مهمة النبي توفير السكن والعمل للمهاجرين :

أيها الإخوة ، وقدم المهاجرون إلى المدينة ، وكان أمام النبي عليه الصلاة والسلام  مهمة كبيرة ، وهي توفير السكن والمعاش لهم .

 

مربع نص: مبدأ المؤاخاة ومساهمة الأنصار في المجال الاقتصادي والاجتماعي  :

 

وكان للأنصار مساهمات عظيمة تعرفونها جميعاً ، كان كل أنصاري بعد أن آخى النبي بينه وبين مهاجر .

النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين الأنصار والمهاجرين ، فكان الأنصاري يقول للمهاجر : عندي بستانان ، خذ أحدهما ، عندي بيتان ، خذ أحدهما ، عندي دكانان ، خذ أحدهما ، أما الشيء الذي يغيب عن أذهانِ بعضِ المسلمين أنه لم يسجل التاريخ أن مهاجراً واحداً أخذ من أنصاري شيئاً ، الأول بذل ، والثاني تعفف .

فلما عرض سعد بن الربيع رضي الله عنه على سيدنا عبد الرحمن بن عوف بستاناً ، وبيتاً ، ودكاناً ، قال قولته الشهيرة : << بارك الله لك في مالك ، لكن دُلّني على السوق >> ، ودخل إلى السوق ، وتاجر ، واغتنى ، وكان هذا الصحابي الجليل من كبار تجار الصحابة ، وله بعض التوجيهات ، قال : < والله ما استقللتُ ربحاً ، ولا بعت ديناً >> ، يعني أن أقلّ هامش ربح كان يقبل به ، لذلك بالتعريف الاقتصادي الآن : رأس المال يُقلب في العام مرتين أو ثلاثا ، لأنه ما استقل ربحاً ، باع بسرعة ، باع ، واسترد رأس ماله ، واشترى بضاعة ثانية ، وباعها واسترد رأس ماله .

لذلك التجارة حينما يدور رأس المال في العام الواحد مرتين يكون التاجر من كبار التجار ، إذا دار ثلاث مرات يكون من نوادر التجار ، أما بعض التجار فيدور المال دورة واحدة كل عامين أو ثلاثة .

قال : << والله ما استقللت ربحاً ، ولا بعت ديناً >> .

وهذا الصحابي الجليل سمع أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : << يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبواً ، فقال : لا ، والله لأدخلنها خبباً ، وما عليّ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء >> .

 

مربع نص: المال قوّةٌ :

 

أيها الإخوة ، المال قوة ، الذي يغتني ، ويبتغي بماله خدمة المسلمين ، توفير فرص عمل ، معالجة المرضى ، تزويج الشباب ، فيرقى بماله إلى أعلى عليين ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام  يقول :

(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ : رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار )) .

[ متفق عليه ] .

وكأن النبي عليه الصلاة والسلام رفع مرتبة الغني المحسن إلى مرتبة العالم   ، فالعلم قوة ، والمال قوة ، وهما يتكاملان .

 

مربع نص: ماذا فعل النبي حتى هيأ للمهاجرين مساكن وعملاً ؟

 

لذلك ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام حتى هيأ لهؤلاء المهاجرين        مساكن ؟

 

1 – منحُ الأراضي يغير الصالحة للزراعة لبناء المساكن :

منح الأنصار الأراضي ، فقد ورد عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة جعل كل أرض لا يبلغها الماء يعطيها لبعض المهاجرين ، ماذا نفهم من هذا الملمح ؟

مربع نص: المنظور النبوي للأرض الزراعية :

 

حرام وألف ألف حرام أن نقطع الغابات ليحل محلها صحراء من الإسمنت ، إذا كان عندنا منطقة مشجرة ، عندنا الغوطة لا ينبغي أن نبني في الغوطة ، بل في مكان صحراوي ، هذه إشارة من النبي عليه الصلاة والسلام ، منح الأرض ليبنى عليها إن لم يكن فيها ماء ، الماء للزراعة ، فهذا من أول إشارات النبي عليه الصلاة والسلام .

2 – قانون : تمليك الأرض لمن يزرعها :

بعد هذا قانون تمليك الأرض لمن يزرعها ، تحويل الأرض الجرداء إلى أرض خضراء ، هذا سلوك حضاري .

بعض البلاد فيما بلغني أنّ أيّ إنسان يأخذ خمس دنمات يأخذها هبة من الدولة ، بشرط أن يقلبها إلى جنة خضراء ، ويعطى مبالغ كبيرة جداً لحفر بئر ، وبناء منزل  ، واستصلاح هذه الأرض ، لأن في النهاية الإنسان كائن له فم يحتاج إلى طعام ، والمستقبل للزراعة الإنسان ، وقد يستغني الإنسان عن آلاف الأشياء ، لكن لا يستغني عن الطعام ، والآن حينما يكون التضخم النقدي يصبح الراتب فقط للطعام والشراب ، ولن يستطيع الإنسان ترك الطعام والشراب .

فلذلك ما سمح النبي ببناء بيت في أرض فيها نبع ماء ، أما أرض فيها مياه جارية فهذه الأرض للزراعة فقط .

أنا سمعت في بعض البلاد أن غرامة قلع شجرة تصل إلى المليون ليرة ، الشجرة فيها حياة ، فيها تعديل جو ، فيها استجلاب أمطار ، فيها منظر جميل .

وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان : " فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة مهاجراً أقطع الناس الدور والرباع ، فخط لبني زهرة في ناحية من مؤخرة المسجد ، فكان لعبد الرحمن بن عوف الحصن المعروف به ، ووزع هذه الأراضي التي ليس فيها ماء وزعها على أصحابه لينشئوا عليها مساكن لهم " .

 

مربع نص: هذا مِن حضارة الإسلام :

 

أيها الإخوة ، ومن يتأمل فيما فعله النبي عليه الصلاة والسلام يرى أمراً عظيماً فيما كان من عمارة المدينة وسعتها ، واتصالها بعضها ببعض ، وآثار من العمارة شاهد من ذلك .

إذاً حل مشكلة الناس ، إنشاء منازل ، تنظيم هذه المنازل ، تأمين الماء والخدمات لهذه المنازل ، هذا سلوك حضاري فعله النبي عليه الصلاة والسلام .

مَرة سأل عمر بن الخطاب والياً له فقال : << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال : أقطع يده قال : إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم ، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التسمت في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .

أيها الإخوة الكرام ، وقد ورد في المغازي للواقدي في مشورة غزوة أحد أن أصحاب رأي القتال في المدينة اعتمدوا على اكتمال البنيان ، وتراص المنازل مما يساعد على مشاركة النساء والأولاد في الدفاع عن المدينة ، وقتال المشركين ، وتستمر المدينة في عمرانها واتساعها مع الهجرة إليها حتى فتح مكة حتى تصبح المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى ، وقد أسس فيها النبي عليه الصلاة والسلام كياناً سياسياً .

ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء الهجرة تبعه سراقة ليقتله  وليأخذ 200 ناقة جائزة لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً ، قال له النبي الكريم : يا سراقة ، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ كلام كالخيال ! إنسان مطارد ، ملاحق ، 200 ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، يقول : يا سراقة ، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ مضمون هذا الكلام أنني سأصل سالماً ، وأنني سأنشئ دولة ، وسأنشئ جيشاً ، وسأحارب أكبر دولتين وقتها ، أحارب الفرس والروم ، وسوف تأتيني غنائم كسرى ، ويا سراقة لك سوار كسرى ، هذا هو المؤمن ، المؤمن لا يضعف .

( سورة آل عمران ) .

مربع نص: التربية الفردية والاجتماعية لمجتمع المدينة :

 

الآن أيها الإخوة ، منذ اللحظة الأولى للهجرة النبوية بدأت مهمة التربية الفردية والاجتماعية لمجتمع جديد :

 

1 – نشر الأخلاق الحسنة ونفيُ الأخلاق السيئة : :

فكان عليه الصلاة والسلام يعزز مكارم الأخلاق ، وينفي خبائثها بل ويتمم مكارمها ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنما بعثت معلما )) .

[ أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ].

(( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق )) .

[ أخرجه ابن سعد البخاري والحاكم والبيهقي ، عن أبي هريرة ] .

في المجتمع المكي كان في البيت الواحد شاب مسلم ، وشاب مشرك ، فكان له ظرف خاص ، وخصوصية خاصة ، أما في المدينة فالمؤمنون مجتمعون في مكان واحد ، وتحت لواء واحد ، مع نبي واحد ، وقرآن واحد ، لذلك أول سورة نزلت في المدينة :

( سورة المطففين ) .

دخلنا في التشريع ، الآيات المكية فيها إشارات إلى الكون .

( سورة الشمس ) .

( سورة الفجر ) .

( سورة الضحى ) .

( سورة النبأ ) .

السور المكية تتحدث عن الإيمان باليوم الآخر ، وعن الكون كأكبر دليل على عظمة الله ، ولكن السّور المَدنيّة جاءت للتشريع .

 

مربع نص: صورٌ من تربية النبي لأصحابه في المدينة :

 

الحديث الأول :

لذلك أيها الإخوة ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )) .

[ متفق عليه ] .

الحديث الثاني :

عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ )) .

[ متفق عليه ] .

كان الولاء أُسريا وقَبليا ، الولاء للأسرة ، والولاء للقبيلة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام صَعّد هذا الولاء فجعله لله ، وجعله لدين الله ، ولرسول الله .

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )) .

وسيدنا عمر صارحه ، فَعَن عَبْد اللَّهِ بْن هِشَامٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، إِلَّا مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآنَ يَا عُمَرُ )) .

[ البخاري ] .

شيء آخر : يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِه )) .

وفي بعض الزيادات : ولا يؤمن أحدكم حتى يكره لأخيه ما يكرهه لنفسه  .

والأخوّة في هذا الحديث ما دامت غير مقيدة تعني الأخوة الإنسانية ، تقول هذا أخي في الإيمان ، قيدته ، أخي في النسب ، أخي في الجوار ، أخوة مقيدة ، إن جاءت مطلقة فتعني الأخوة في الإنسانية ، لذلك :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِ )) .

 

خطط النبي عليه الصلاة والسلام تعتمد على توثيق الأخوّة والجوار ، حتى تصل إلى أعمق الجذور التي تتغلب معها على حب الله ورسوله والمؤمنين ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاء يهودي اقترب من المئة اسمه شاس  ، ودفع غلاماً يهودياً ، وأنشد قصيدة ، كان الأوس ينشدونها في حربهم مع الخزرج ، في يوم بُعاث ، أنشد لهم القصيدة فتأثروا ، واضطربوا ، وهاجوا ، وتكلموا ، وتلاسنوا ، فتماسكوا ، وسحبوا السيوف ، بلغ ذلك النبي فخرج عليهم وقال : أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟! لذلك نزلت آية كريمة يقول الله فيها :

( سورة آل عمران الآية : 101 ) .

فالله عز وجل عد الاختلاف بين المؤمنين كفراً .

الحديث الثالث :

لذلك قال :

((  لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض )) .

[ رواه البخاري ومسلم ، عن جرير بن عبد اللّه رضي اللّه عنه ] .

كما تسمعون كل يوم في فلسطين ، وفي العراق ، وفي معظم بلاد المسلمين  ، يخطط أعداءنا إثارة الفتن الطائفية .

الحديث الرابع :

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ )) .

[ متفق عليه ] .

الحديث الخامس :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ )) .

[ متفق عليه ] .

الحديث السادس :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ )) .

[ رواه  مسلم ] .

الحديث السابع :

ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالتعاون بين الجيران ، ونظم بينهم حقوق الارتفاق ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ )) ، قَالَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : << مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ >>.

[ متفق عليه ] .

الحديث الثامن :

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ )) .

الحديث التاسع :

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، وَمَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَدْعَمَ عَلَى حَائِطِهِ فَلْيَفْعَلْ )) .

[ أحمد ] .

الحديث العاشر :

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ )) .

[ أحمد ] .

 

مربع نص: خـاتمة :

 

لقد أقطع النبي عليه الصلاة والسلام الأراضي ، وابتعد عن الأراضي المروية ، أقطع الأراضي الجافة لبناء المساكن ، ونسق بين أصحابه ، وأعطى هذه التوجيهات ليكون الإعمار إعمارين ، إعمار البناء ، وإعمار القلوب ، وليكون الولاء لا إلى الأسرة ، ولا إلى القبيلة بل إلى الله ورسوله والمؤمنين ، وليكون هذا المجتمع مجتمعاً نموذجياً .

 

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi