English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

فقه السيرة النبوية : الدرس : 53 " الأسس التي رسخها النبي في الاقتصاد الإسلامي " ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، ولا زلنا في المدينة المنورة ، ولا يزال النبي عليه الصلاة والسلام يرسخ الأسس ، أسس العلاقات الاجتماعية ، أسس التعليم .

وقد بدأنا في اللقاء السابق بالأساس الاقتصادي ، وكان الشرح حول تنمية الموارد ووضع العلاقات .

 

 Text Box: الأسس التي بنى عليها النبي عليه الصلاة والسلام الاقتصاد الإسلامي :

 

أما إذا أردنا أن نقف وقفة متأنية عند الأسس التي رسخها النبي عليه الصلاة والسلام للاقتصاد الإسلامي فهناك نقاط لا بد من الحديث عنها .

الأساس الأول : الاقتصاد من الدين :

أول نقطة : الاقتصاد من الدين ، وتنظيم العلاقة بين المسلمين الاقتصادية من الدين ، والتعليم من الدين ، وإصلاح الشؤون الحياتية من الدين ، وتأمين حاجات الإنسان من الدين .

أنا لا أصدق أن الدين فُهم فهماً كهنوتياً ، ولم يفهم فهماً حياتياً ، هذا سيد الخلق وحبيب الحق ، هذا الإنسان الأول فهم الدين عملاً وتعاوناً ، أن يرى شاباً يتعبد ربه وقت العمل ، فيسأله النبي عليه الصلاة والسلام : من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك ، أمسك بيد أحد أصحابه ، وكانت خشنة من العمل ، رفعها وقال لأصحابه : هذه اليد يحبها الله ورسوله .

رأى النبي وكان مع أصحابه شاباً ينطلق من بيته إلى عمله فقال بعض     أصحابه : لو كان هذا في سبيل الله ، فقال :

(( من سعى على أهله فهو في سبيل الله ، من سعى على أولاده فهو في سبيل الله )) .

[ ورد في الأثر ]

النبي الكريم أعطى الدين مفهوما واسعا جداً ، وأنت في دكانك تبيع المسلمين بالصدق والأمانة ، تعطيهم سلعة جيدة ، بسعر معتدل ، أنت في عبادة .

وأنت في عيادتك تعالج المرضى بإخلاص وإتقان ، واعتدال في الأجر ، فأنت في عبادة .

وأنت في حقلك تسهم في تخفيف المتاعب عن الأمة ، تقدم لهم الإنتاج الزراعي بشكل جيد ، دون أن يؤذيهم بمواد ممنوع استيرادها ، فأنت في عبادة .

حينما تفهم الإسلام هو الحياة ترى أن الاقتصاد جزء من الدين ، وحينما انفصلت الحياة عند المسلمين عن الدين فصار الدين عبادات فقط ، والحياة لها مجال آخر ، والمسلمون ابتعدوا عن هذا الفهم الصحيح فضعفوا ، ولما ضعفوا تسلط عليهم الأعداء .

وكنت أقول دائماً : لا يمكن أن يحترم دينك إلا إذا تفوقت في دنياك ، مسلم لا عمل له ، متواكل ، يمد يده ، يتضعضع أمام غني ، أهذا هو المسلم ؟! النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى )) .

[ البخاري عن حكيم بن حزام ]

يجب أن أؤكد لكم الحقيقة : الاقتصاد من الدين ، أن تفتح محلاً تجارياً ، تكسب المال الحلال ، تدفع زكاة مالك ، تعين الفقراء والمساكين ، تربي أولادك ، تقدم لهم حاجتهم  ، لأنه كما قال بعض أصحاب رسول الله : << حبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي >> .

فالعمل جزء من الدين ، ويمكن أن يكون عملك كذلك فقط إذا كان في الأصل مشروعاً ، وسلكت به الطرق المشروعة ، وخدمت المسلمين ، ولم تكذب عليهم ، ولم تغشهم ، ولم تسوف ، ولم تماطل ، وأتقنت عملك ، يمكن أن يكون عملك سبباً كافياً لدخول الجنة .

وكلما تقدم المسلمون ، وقوي المسلمون ، واكتفى المسلمون قوي الإسلام ، أما كان المسلمون ضعفاء ، يستوردون كل شيء ، ولا يصنعون شيئاً ، ولا يصدرون شيئاً ، وهم تحت رحمة الدول القوية والغنية ، أكلهم يستورد ، وثيابهم تستورد ، وأدواتهم تستورد ، ولا يبيعونهم السلاح ، هم إذاً تحت حكم أعداءهم ، أليس كذلك ؟.

لذلك سيدنا عمر مر ببلدة فوجئ معظم الفعاليات الاقتصادية فيها من غير المسلمين ، عنفهم ، بل وبّخهم ، فقالوا كما يقول الأغنياء الكسالى : إن الله سخرهم لنا ، والله قال قولة لا أرتوي من تكرارها ، قال لهم : << كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟ >> ، لأن القوي هو المنتج ، والمستهلك ضعيف .

أنت تشتري سيارة ، يتعطل فيها شيء ، يقول لك : ثمنه ألف ليرة ، حاضر  ، خمسة آلاف ، حاضر ، عشرة آلاف ، حاضر ، أربعون ألفا ، حاضر ، 150 ألف ، حاضر ، هذا اسمه عقد إذعان ، باعوا لنا طائرة تعمير المحرك خمسة ملايين دولار ، أربع محركات بعشرين مليونا ، مليار ليرة ، كم طنا من القمح هذه ؟ أو من القطن ، كم إرسالية ملابس تصدير ، لما ملكوا العلم ملكونا ، لا تستطيع ، أنا أتكلم من واقع ، المسلم يعيش سبهللا ، كله شغل سيدك ، ماذا نريد ، هذه هي الدنيا كلها ؟ نحن أملنا بالآخرة ، لا الدنيا ولا الآخرة لك ، يجب أن تعمل ، أن تكون قويا ، أول طبيب ، أول مدرس ، أول محام ، أو مهندس ، أول تاجر ، أول صانع ، تجد إخواننا صناعيين ، عنده ألف عامل ، فتح ألف بيت ، لا تكن خمولا ، ما هذا الموقف الانهزامي ؟! اعمل ، خذ شهادة عليا ، خذ الدكتوراه ، افتح محلا ، أتقن عملك ، طور صناعتك ، إن لم نفعل هذا فمصيرنا ليس بأيدينا ، هذه كلمة دقيقة جداً ، يجب أن تكون من النخبة ، طالب ؟ الأول ، طبيب ؟ الأول ، ولا أكتمكم مهما ضاقت الأمور ، مهما كسدت الأسواق ، مهما انتشت البطالة ، المتقن دخله كبير بأي وقت ، وبأي مكان ، وبأي زمان ، المتقن ، المتقن لا يتوقف عن العمل ، يكون مئة إنسان يحترف حرفة ، أحيانا يحدث كساد ، تسعون بالمئة لا عمل لهم ، أما العشرة المتقنون فمحجوزون لستة أشهر قادمة .

(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه )) .

[ رواه البيهقي عن عائشة ]

أنا والله أحترم جميع المسلمين ، وأكبرهم والله ، أما حينما أرى إنسانا متفوقا يقدم لمن حوله الخيرات فهو ناجح بعمله .

حدثني أخ عامل بشركة برمجية ، قال رقما أنا صعب أصدقه من أرباحه بالسنة ، ويعيّن مئة عامل تقريباً ، كل واحد دخله كبير ، يحل مشاكل مئة إنسان ، مئة شاب مؤمن ، هذا المسلم .

الغرب ملكوا الدنيا وملكونا معهم  ، ملكوا الدنيا ، وتحكموا برقابنا ، ملكوا الدنيا ، وفرضوا علينا ثقافتهم ، ملكوا الدنيا ، وفرضوا علينا صحونهم ، ملكوا الدنيا ، وأفسدوا أخلاق أهلنا وأولادنا ، ملكوا الدنيا ، وسخرونا لمصالحهم من التقصير ، أنا تأثرت لهذه الكلمة ، الاقتصاد من الدين .

أيها الإخوة ، مرة ثانية : لن يحترم دينك إن لم تتفوق في دنياك ، في بلد إسلامي الاتجاه المناقض للإسلام قوي ، فلما أراد أن يقمع الاتجاه الإسلامي فوجئ أن 60 % من الاقتصاد بأيدي المسلمين ، فتهيبوا ، وقفوا ، لا تكن ضعيفاً ، كن قوياً ، ضمن القوانين والأنظمة ، أما إهمال ، عدم تطوير عمل ، إرجاء ، تسويف ، عدم إتقان ، عدم إحكام الخطة فلا ، لأن العمل جزء لا يتجزأ من الدين .

الأساس الثاني : الحلال والحرام وفق التشريع الإسلامي :

اعمل بالحلال ، الحرام اركله بقدمك ، الحرام قل له : الله الغني ، الحرام لو كان بالملايين ، اركله بقدمك ، وخمسة آلاف ليرة بالشهر من حلال يبارك الله لك بها .

(( طلب الحلال فريضة بعد الفريضة )) .

[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]

بالدراسة الأول ، محلك التجاري نظيف مرتب ، المواد درجة أولى ، سعر معتدل واصل للبيت ، دوام محدد ، تجد تألقت .

صدقوا أيها الإخوة بعضكم شباب ، بأي وضع ، بأي ظرف ، إن أتقنت العمل تفوقت ، وربحت .

أحياناً نجد شركة أتقنت جداً أول فرع ، ثاني فرع ، ثالث فرع ، رابع فرع  خامس فرع ، بالشام ، لماذا ؟ فيها إتقان ، دائماً وأبداً المتقن دخله كبير جداً .

 

  Text Box: اجعلْ همَّك خدمةَ المسلمين :

 

 

 

لي طلاب أطباء ، قلت لهم مرة ، طبعاً الطبيب وغير الطبيب ، لكن الطبيب بالذات : ضع المال تحت قدمك تربحه ، اجعله هدفك تخسره ، همتك أن تشفي هذا الإنسان ، ولا تعبأ بالمال ، يتألق نجمك ، ويتهافت الناس عليك ، فتغدو غنياً ، أما إذا ابتززت أموالهم ، ولم تنصحهم في معالجتهم ، واكتشفوا كذلك انصرفوا عنك .

في شيء دقيق : اجعل همك خدمة المسلمين ، اجعل همك أن تقدم شيئاً ثميناً اجعل همك أن تكون قوياً .

دققوا في كلام النبي ، نحن أحياناً ننسى أن هذا الكلام كلام مقدس لكن لا نطبقه  لمَ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ )) .

[ رواه مسلم عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه ]

قوي بالمال ، قوي بالعلم ، متفوق ، قوي احتل مركز قوي ، بتوقيع يحل مشكلة .

فلذلك الانسحاب من الحياة ، والتقوقع ، وقولك: الشهادة لا يخرج منها شيء ، وهي يخرج منها كل شيء ، فلان دكتور ، فلان متخصص ، أما لا شهادة ، ولا علم ، ولا عمل حر ، عالة على الناس ، ومن محل لمحل ، وقلبه من الله ، ويحب الله كثير ، وبالذكر يذوب ، ويبكي ، وجوعان ، لا ، اعمل ، ادرس ، خذ شهادة ، أتقن عملا ، اكسب مالا ، تزوج ، أنجب أولادا ، احضر مجلس علم ، طبق ، إن نجحت في حياتك يُنتظر أن تنجح في دينك أيضاً .

لذلك الحلال والحرام من شأن الله وحده ، لذلك الحرام مهما يكن بحجم كبير فاركله بقدمك ، والحلال تشبث به .

سيدنا الصديق يوم تولى الخلافة ، حمل القماش على كتفه ليكسب رزق يومه من البيع والشراء ، حتى منعه الصحابة الكرام من ذلك ، وأعطوه حاجته .

والله مرة أحد إخواننا طالب طب في الصف الثالث ، يقول : لي إن أخاه ينفق عليه ، أخوه يعمل في صنع الثريات ، يعمل ، وينفق على أمه وأخيه الصغير ، وعلى أخيه الطبيب في الجامعة ، أقسم لكم بالله شعرت أن هذا الذي يعمل في الثريات ، ولا يضع جانب اسمه د . دكتور ، عامل ثريات ، لكنه ينفق على أمه وأخيه الصغير ، ويغطي نفقات أخيه الطبيب بالجامعة ، قلت له : أخوك قلامة ظفره تساوي مئة واحد .

قال له : من يطعمك ؟ قال له : أخي ، قال له : أخوك اعبد منك .

من ألمي  أن أري المسلمين فقراء جداً ، وبعيدين عن مراكز القوة ، ويُخطط لهم ، ويُستغلون ، ووضعهم  بائس .

لذلك :

((من جلس إلى غني وتضعضع له ذهب ثلثا دينه )) .

[ورد بالأثر ] .

يعني تمسكن ، (( ذهب ثلثا دينه )) .

(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ؛ فإن الأمور تجري بالمقادير )) .

[ أخرجه ابن عساكر عن عبد الله بن بسر ]

لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، المؤمن عزيز ، والعمل شرف للإنسان .

أحياناً أرى أخا يعمل في السيارات ، تزوره في أثناء العمل تجده لابسًا ثيابًا متبذلة ، لا تعرف لونها ، كانت زرقاء بزمانها ، من الشحم والزيت والوحل ما لها لون أساساً ، وعمله بالميكانيك والزيت ، يأتي إلى بيته مساء فيغتسل ، ويلبس ثيابا أخرى ، انتهى ، العمل وسام شرف .

هذه كلمة دقيقة : لا تفهم الدين فهما كهنوتيا ، افهمه فهما واقعيا ، فهما حياتيا ، الدين هو الحياة ، لذلك أنا أتمنى يكون المهندس داعية ، والطبيب داعية ، والمعلوماتي داعية ، أتمنى يكون لك حرفة متقنة تتفوق بها ، وتكون داعية ، أما أن تتفرغ للدعوة ، ولا معك قرش ، لا تتقن صنعة ، ولا عملا ، ولا أحد يعطيك ، تريد أن تحترم الغني زيادة ، فتبذل ماء وجهك أمامه ، كلما رأيت قويا تنبطح أمامه ، لا ، اعمل ، ارفع رأسك ، متى هونت علينا ديننا ؟ .

الأساس الثالث : الاستثمار :

الاستثمار فريضة ألزم الله فيها عباده لتحقيق حاجاتهم ، وهو الذي سخر لعباده ما في البر والبحر ، ما الحكمة أنه إذا معك مليون ليرة وزكاتها 25 ألفا ؟ أربع سنوات مئة ألف ، عشرة أضعاف ، في أربعين سنة انتهى ، إذا كنزت مليون ليرة تنتهي في أربعين سنة   تأكلها الزكاة ، الحكمة من فريضة الزكاة على المال المخزن أنك إذا خزنته فقدته ، يجب أن تستثمره .

مثلاً : سكن رجل في بيت ، بيت والده ، والده اشترى بيتا من قديم الزمان بمبلغ صغير ، بأحياء دمشق الراقية ، الآن ثمنه 30 مليونا ، يبقى فيه ، 30 مليون تحل مئة مشكلة ، خذ بيتا بخمسة ملايين ، واعمل شركة ، ووظف ناسا ، واربح ، واشترِ بيت ثانيا ، تجد التصرف عجيبا ، سكونيا ، على القديم ، غيّر ، طوّر ، إلى أن تشعر أنك قدمت شيئًا .

أريد منكم هذا السؤال ، من حين لآخر اسأل نفسك هذا السؤال ، ماذا قدمت لهذه الأمة ؟ هل حملت همّ هذه الأمة ؟ هل أسهمت في تخفيف آلام هذه الأمة ؟ أحياناً تنشئ مزرعة تفاح ، ينزل التفاح إلى السوق بسعر مقبول ، أمّنت فاكهة جيدة ، بسعر أقل ، نوعية جيدة ، ما مِن إنسان يعمل إلا ويقدم للمجتمع خير ، أما الذي لا يعمل فهو عبئ على الآخرين .

أنا كنت أقول دائما : حولي أناس ، إما أنني أحملهم ، أو هم يحملون الدعوة ، والفرق كبير جداً بين من يحمل معك ، وبين من ينبغي أن تحمله ، فكن عبد الله المعطي ، ولا تكن عبد الله الآخذ .

الأساس الرابع : الصدق وعدم الغشِّ والاحتيالِ والابتزازِ :

ليس في النظام الاقتصادي الإسلامي كذب وغش واحتيال .

(( إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يطروا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا )) .

[ ورد في الأثر ]

لما تكسب مالك الحلال من طريق مشروع يمكن أن يكون النفع لكل الناس ، لا احتكار ، ولا غش ، ولا تدلس ، ولا إيهام ، ولا غبن ، إذا ألغيت معاصي البيع والشراء تهبط الأسعار ، الأسعار يحددها قانون العرض والطلب ، لمجرد أن تلغى المعاصي يكون السعر الطبيعي المقبول ، وهذا شأن اقتصاد السوق أحياناً ، البضاعة موجودة بحسب الطلب عليها ، ما دامت موجودة فسعرها معتدل ، أما حينما تُحتكر تُسحب من الأسواق يشتد الطلب عليها فيتضاعف السعر ، هذا مال حرام ، واحتكار ، والمحتكر خاطئ .

فنحن اقتصادنا فيه ممنوعات ، لو ابتعدنا عن هذه الممنوعات يكون العرض والطلب وحده كافياً لاستقرار الأسعار ولاعتدالها ، ولهبوطها .

 

  Text Box: المكاسب المحرمة أساسها منفعة بنيت على مضرة :

 

 

 

وأتمنى أن أوضح لكم : أن المكاسب المحرمة أساسها منفعة بنيت على مضرة  وأن المكاسب المحللة الأصل فيها منفعة متبادلة ، إنسان في معه مال ، لكن لا يحسن استثماره ، موظف ، أو متقاعد ، أو شاب ناشئ ورث عن أهله مالاً ، وهناك إنسان معه خبرة ولا مال معه ، عنده خبرة عالية جداً ، لكن بغير مال ، لو تعاون صاحب المال مع صاحب الخبرة على ربح بينهما ، واحد قدم لك خمسة ملايين ، وأنت أسّستَ محلا تجاريا ، أنت مهندس زراعي ، بعت مواد زراعية ، أنت خبير ، معك شهادة ، لذلك المضاربة ، والمتاجرة ، والاستثمار من أحلّ الدخول ، لأنه في الأصل منفعة متبادلة ، أما الكسب الحرام فمنفعة بنيت على مضرة ، أنت احتكرت مادة ضاعفت سعرها أربعة أضعاف ، ولا إنسان يحاسبك ، الآن في بعض الأدوية الزراعية دواء منتشر بالبلد ، وكيله واحد ، لا يمكن أن يعطي الوكالة لأحد ، يتفق مع الشركة ، يقول لك اللتر بـ500 ليرة ، 700 ـ 700 ، 1000 ـ 1000 ،  نقدي محتكر .

لذلك العالم الغربي لا يسمح لاختراع أن يُحتكر من جهة واحدة ، الاختراع يجب أن يُباع إلى شركتين ، حتى يتنافسوا ، والتنافس لصالح من ؟ لصالح المستهلك .

لذلك مجتمع التنافس رائع جداً ، مجتمع الاحتكار قاسٍ جداً ، نحن بعقلية مهترئة سقيمة نحب اقتصاد الاحتكار ، يقول لك : هذه محصورة فيّ ، هذه الشركة لي ، لا ، الاحتكار قد يسبب أرباح فلكية لفئة قليلة على حساب الكثرة الكثيرة .

لذلك الإسلام حقق العدالة في توزيع الثروة ، وتحقيق التعامل والتكافل بين أفراد المتجمع الواحد ، ومع المنافسة لصالح من ؟ المستهلك ، هذا علبة الصابون معها عرض ، معها علبة صغيرة ، هذه البضاعة معها عرض ثان ، لما يكون التنافس من يقطف ثمار هذا التنافس ؟ المستهلك ، إذا كان الاحتكار يصبح المستهلك مستهلكاً ، يستهلك المستهلك  فالمحتكر ملعون ، والمحتكر خاطئ .

الاقتصاد عصب الحياة ، وإذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت .

 

 

 

 

أقول لكم هذه الكلمة الأخيرة : ما من نجاح جزئي ، تنجح بعملك ، ولا تنجح في بيتك ، ليس هذا نجاحاً ، تنجح بعملك وبيتك ، وما تنجح مع ربك ، ليس هذا بنجاح ، تنجح مع ربك ، صائم ، مصل ، عابد ، مستقيم ، لكن ما في يدك لا مصلحة ، ولا عمل ، ولا وظيفة ، ولا شهادة ، بل أنت عالة على الآخرين ، ليس هذا نجاحاً ، لا بد من أن تنجح في كل شؤون حياتك ، أبرز هذه الشؤون علاقتك بربك ، تعرفه ، تطبق منهجه ، تقيم أوامره ، يراك حيث أمرك ، ويفتقدك حيث نهاك ، وأن تنجح مع أهلك .

هناك أشخاص ناجحون جداً ، لكنهم مخفقون جداً مع زوجاتهم وأولادهم ، يجب أن تنجح مع زوجتك وأولادك ، يجب أن تنجح مع صحتك ، طبق تعليمات .

صدقوا أيها الإخوة ، الدول النامية نفقات المعالجة مئة ضعف ، من ضعف الوعي ، يحب الملح ، ويكثر منه ، فيرتفع ضغطه ، الضغط ما له أعراض ، فجأة خثره بالدماغ فشُل ، ليس هناك جهاز ضغط في البيت أساساً ، والقاتل الصامت هو الضغط .

الحياة تحتاج إلى وعي ، إلى إدراك ، (( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ )) .

يجب أن تنجح مع ربك ، ويجب أن تنجح مع أهلك ، ويجب أن تنجح مع جسمك ويجب أن تنجح في عملك ، وما لم تحقق النجاح في العمل وفي الصحة ، ومع الأهل ، ومع الله لا يعد نجاحاً .

يسافر الرجل إلى بلد نفطي ، فيأتي معه بثمن بيتين ، لكن تفلت أولاده ، عاشوا في الطرقات مع رفقاء السوء ، الأم عند الجيران ، والأولاد مع رفقائهم ، لا صلاة ، ولا صوم ، وانحراف ، والزوجة تغلط ، هذا نجاح رافقه انهيار أسرة .

أؤكد لكم هذا المعنى : النجاح الحقيقي نجاح شمولي ، مع الله ، ومع أهلك وأولادك ، ومع عملك ، ومع جسمك ، لا تقطف ثمار النجاح إلا إذا كان شمولياً ، لا تعد ناجحاً إلا إذا كان نجاحك شمولياً ، هذا ما أؤمن به .

الصحابة تفوقوا ، كانوا رهباناً في الليل ، فرساناً في النهار ، تفوقوا ، كان عليه الصلاة والسلام قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى نظر إليهم فابتسم ، حتى رئيت نواجذه قال :

(( حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء )) .

[ ورد في الأثر ]

أعلام .

المؤمن شخصية فذة ، يحيرك بعلمه ، بأخلاقه ، بجمالياته ، أنيق ، بيته مرتب ، فقير لكن أنيق ، ثيابه مرتبة ، مواعيده دقيقة ، حساباته منتظمة ، ثقافته واسعة ، بيته منتظم ، ناجح مع زوجته ، مع أولاده ، هذا المؤمن .

ليس هناك مؤمن يعيش سهللا :

 ( سورة الكهف ) .

 

 

 

 

لا حسابات مضبوطة ، ولا مواعيد مضبوطة ، ولا بيت منضبط ، ولا عمل متقن ، وهو يحب الله ! هذا النموذج مرفوض ، يجب أن تكون شخصية فذة ، الإيمان مرتبة علمية .

" ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه " .

الإيمان مرتبة أخلاقية ، إذا حدثك فهو صادق ، عاملك فهو أمين ، استثيرت شهوته فهو عفيف ، الإيمان مرتبة جمالية ، عنده مسحة جمالية في حياته ، أذواقه عالية جداً ، حتى يكون جذابا من أجل أن تحب الإيمان ، تجد شخصا لئيما ، خبيثا ، منحرفا ، لكنه أنيق ، بذلته رائعة جداً ، معطر ، شعره منتظم ، أو تجد رجلا طيب الخُلق ، ولكن لا يعجبك ، يعجبك الجل بقدر ما تحترمه ، بقدر ما تحبه ، تحبه لكماله ، وتحترمه لتفوقه .

إخواننا الكرام ، الآن نحن أمام مشكلة كبيرة ، ما لم نتفوق فلا يحترم ديننا ، والشيء بأيدينا ، والحياة واحدة تفوق بها ، واكسب دنياك وأخراك .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi