English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

فقه السيرة النبوية : الدرس :55 ـ تاريخ : 09 / 06 /2007 ـ " تأسيس القاعدة الإدارية والأمنية  والدعوية " ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

 Text Box: مقدِّمة وتذكير :

 

أيها الإخوة الكرام ، لا زلنا في بناء الدولية الإسلامية في المدينة ، والحديث اليوم عن تأسيس القاعدة الإدارية والأمنية والدعوية ، وهو آخر موضوع في مثل هذه الموضوعات .

مر معنا أيها الإخوة كيف كانت بداية بناء المجتمع المدني بإقامة عهد المدينة ، والذي نص على أن أهل يثرب أمة واحدة ، سلمهم واحدة ، وحربهم واحدة ، وهذا مِن فِعل النبي عليه الصلاة والسلام ، فكأنه أول من رسخ مفهوم المواطنة أو التعايش ، والعالَم اليوم في أمسّ الحاجة لمفهوم المواطنة والتعايش حقناًَ للدماء .

 

Text Box: أسُس القاعدة الإدارية في الإسلام :

 

1 – التشريع من عند الله وحده ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :

حينما يشرّع الإنسان فإنّه يشرّع بنظر قاصر ، يشرّع من زاوية واحدة ،  ولمصلحته ، فيأتي تشريعه ناقصاً ، فإذا حابى نفسه في التشريع ، وحرم غيره نشأت الفتن ، ولكن من أولى الخصائص المنهج الإلهي أن المشرّع ليس بشراً ، هو خالق البشر ، هو خالق الجميع ، لا يحابي أحداً ، ولا يحرم أحداً ، ولا يعطي أحداً ما ليس له .

لذلك النفوس جميعاً تخضع لتشريع سماوي ، ولا تخضع لتشريع من بشر عنده قصر نظر ، أو عنده رؤية محددة ، أو عنده أهواء ومصالح يريد أن يحققها على حساب المجموع العام .

هذا مبدأ من مبادئ الإدارة : (( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) .

سيدنا الصديق رضي الله عنه في أول خطاب خطبه قال فيه : << أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >> .

في مجتمع المسلمين أمر الله هو النافذ ، تشريع الله هو المعتمد ، الأمة الإسلامية تشريعها القرآن ، وتفاصيل تشريعها سنة النبي العدنان ، هذا الذي قامت عليه القاعدة   الإدارية .

مثلاً : غير مسموح لبلاد المسلمين أن يُنشَأ فندق من خمس نجوم ما فيه خمر ، هذه القاعدة لمن ؟ مَن قالها ؟ ما دام الفندق من خمس نحوم فلا بد له من مسبح مختلط ، ومن بيع خمر ، وفي نظام الإدارة الإسلامية الخمر محرمة ، فيكون الفندق خمس نجوم ، وسبع نجوم ، وعشر نجوم ، وما فيه خمر ، وأحيانا يتهمون المسلمين أنهم متمسكون بتعاليم دينهم تعصبا أو تمسكا ضيقا ، والحقيقة أن عند الطرف الآخر قواعد تافهة ، ولا معنى لها ، والجميع متمسكون بها تمسكا مذهلاً .

لذلك الآن في العالم الإسلامي لا تعطى فرصة لفندق خمس نجوم إلا إذا وزع فيه الخمر ، ولحم الخنزير ، هذا تشريع مَن ؟ من قال ذلك ؟ هذا القاعدة من قعدها ؟ من شرعها ؟ أما في مجتمع المسلمين الحقيقي فأمر الله هو المعتمد ، (( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) .

الآن من لوازم العرس عند المسلمين أن يجلس العروس على منصة وأمامه المدعوات في ثياب فاضحة مبتذلة .

(( كاسيات عاريات ، مائلات مميلات )) .

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ] .

من قال ذلك ؟ فإذا اعتذر أن يجلس أمام المدعوات يظن أن به عيباً خطيراً ، مَن قال ذلك ؟ إنها تقاليد ما أنزل الله بها من سلطان .

أبلغ من ذلك : هناك مصمم أزياء يهودي في فرنسا ، تصميم ثياب المسلمات بيده ، يقصر منها ، ويطيل ، يضيق ، يحدِث شقا ، فأعراض الجهلة بيده ، وهو مصمم أزياء يهودي ، وكأن صرعات الأزياء منهج يعبد من دون الله ، يقول أحدهم : لا أقدر ، إنها ( موضة ) ، من قال ذلك ؟

القاعدة المعتمدة في النظام الإداري الإسلامي :

(( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) .

[ أحمد عن علي ]

طاعة الله ورسوله ، والالتزام بكتاب الله ، وسنة رسوله ، هذه قاعدة أولى .

نحن أمة معنا وحي السماء ، نحن أمة أكرمنا الله بخاتم الأنبياء ، نحن أمة معنا دستور من عند خالق الأكوان ، فلا معنى لوجودنا ، ولا لتقدمنا ، ولا لتألقنا إلا بطاعة ربنا .

2 – الشورى بين المسلمين :

القاعدة الثانية في النواحي الإدارية التي أرسى دعائمها النبي عليه الصلاة والسلام هي الشورى فيما بين المسلمين .

 ( سورة الشورى الآية : 38 ) .

أبلغ من ذلك : أن هذا النبي الكريم ، وهو الإنسان الأول سيد الأنبياء ، وسيد الرسل ، وسيد ولد آدم ، أمره الله أن يشاور أصحابه ، قال :

 ( سورة آل عمران الآية : 159 ) .

فالمشاورة منهج إسلامي تقوم عليه الدولة الإسلامية .

بل إن النبي عليه الصلاة والسلام شاور زوجته أم سلمة في صلح الحديبية ، وأخذ بمشورتها ، ونجحت مشورتها ، الشورى مبدأ .

أنا أقول لمن تولى أمر مؤسسة أو مستشفى ، أو جامعة : اسأل مَن حولك ، خذ برأيهم ، من أنت أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله أن يشاور أصحابه ؟ .

 

Text Box: ومضات مشرقة مِن مشورة النبي لأصحابه :

 

الآن ومضة تؤكد هذه الحقيقة :

موقع الجيش الإسلامي في غزوة بدرٍ :

لحكمة بالغةٍ أرادها الله عز وجل حجب الله عن نبيه الكريم الموقع المناسب يوم بدر وحياً وإلهاماً واجتهاداً ، فلم يأته الوحي بالموقع ، ولم يحسن اجتهاد الموقع ، ولم يلهم صواب الموقع ، لحكمة بالغة ، فجاء صحابي جليل قمة في الأدب ، فسأل النبي على استحياء ، قال : يا رسول الله ، هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك ، فإذا كان وحيا فلا نتكلم كلمة ولا حرفا ، أم هو الرأي أم المشورة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : بل هو الرأي والمشورة ، أي اجتهاد ، فقال هذا الصحابي الجليل : والله يا رسول الله ليس هذا بموقع ، بكل تواضع ، وبكل رحابة صدر ، وبكل نفس رضية ، وبكل تقدير ، فقال له : جزاك الله خيراً ، أين الموقع المناسب ؟ فدله عليه ، أمر أصحابه أن يتحولوا إليه ، هذه هي الشورى .

لأن فضيلة الرجوع إلى الحق لا يمكن أن تظهر من النبي ، لماذا ؟ لأنه معصوم لا يخطئ ، فالله عز وجل حجب عنه الموقع المناسب ، حجبه وحياً ، وحجبه إلهاماً ، وحجبه اجتهاداً ، كي يشرع لنا فضيلة الرجوع إلى الحق .

نسيان النبي ركعتين مِن صلاة الظهر :

النبي لا ينسى :

( سورة الأعلى ) .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ : أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالَ النَّاسُ : نَعَمْ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ )) .

[ متفق عليه ]

سأل أصحابه عن حقيقة الأمر ، وهذا اسمه تقصي الحقائق ، فإذا بهم يؤكدون أنه صلى ركعتين ، وقد ورد في بعض الكتب أنه قال : إنما نُسيت كي أسن ، النبي لا ينسى ، إذاً : كيف يشرع لنا سجود السهو ، مستحيل ، إلا أن ينسيه الله عز وجل ، لذلك قال تعالى :

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ﴾ :

 ( سورة الأعلى ) .

لحكمة بالغة .

Text Box: من خصائص مجتمع المسلمين :

 

إذاً : مجتمع المؤمنين أمرهم شورى بينهم ، مجتمع المؤمنين يتشاورون ، يتناصحون ، يتبادلون الخبرات ، يؤثر بعضهم بعضاً ، يتطاوعون ، ولا يتنافسون ، هذه من خصائص مجتمع المؤمنين .

من خصائص مجتمع المسلم : أن المؤمنين يبذلون كل ما يملكون من نفس ومال  ومتاع في سبيل دين الله ، والدفاع عن مقدساته ، وحرماته .

إخواننا الكرام ، المشكلة أن انتماء الناس لا إلى مجموعهم ، ولا إلى دينهم ، ولكن انتماء الناس انتماء شخصي ، فالبيت الذي دخل صاحبُه السجن في عهد عمر هو شعار كل إنسان ، ألاَ و هو :

دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِهــا       وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكاسي

***

الآن هو شعار أيّ إنسان ، أهم شيء دخلٌ وفير ، بيت ، زوجة ، نزهات ، وعلى الدنيا السلام ، تجد البلد مسلما ، وتقام فيه الحفلات في والمطاعم ، والرقص ، والفجور ، وحول البلد قتل وإزهاق أرواح ، واغتصاب ، وكأن المسلمين لا ينتمون إلى مجموع المؤمنين ، بل ينتمون إلى ذواتهم ، وإلى حظوظهم ، وهذا وصمة عار في حق الأمة الإسلامية ، بينما الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ )) .

[ متفق عليه ] .

وللحديث زيادة :

(( ويكره له ما يكره لنفسه )) .

[ رواه سَعِيدِ بنِ أَبي سَعِيدٍ عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ ] .

حينما تحمل همّ المسلمين تكون مسلماً ، وحينما تحمل همّ المؤمنين تكون مؤمناً ، وحينما تبذل كلما تملك من أجل تخفيف الأذى عنهم ، أو نصرتهم فهذه علامة الإيمان .

هناك كلمات عند العامة قذرة ، لا دخل لنا ، فخار يكسر بعضه ، سلامتك يا راسي ، كل من أخذ أمي فهو عمي ، هذه كلمات الكفر والبعد عن الله عز وجل .

3 – المشاركة الجادة والمستمرة في بناء الحياة الإسلامية في كل المجالات :

ومن قواعد القاعدة الإدارية المشاركة الجادة والمستمرة في بناء الحياة الإسلامية الجديدة بكل المجالات ، وعلامة الإيمان أنك تشارك غيرَك ، والمسلمون في أول عهدهم كانوا كتلة واحدة ، وقلباً واحداً .

عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )) .

[ أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ، واللفظ لمسلم ] .

4 – مشاركة المرأة في بناء المدينة الإسلامية :

بقي شيء مهم في الحياة الإدارية نحن مقصرون فيه ، وهو : مشاركة المرأة في بناء هذه المدينة الإسلامية .

إنّ المرأة لها دور كبير ، وفي عصور الانحطاط هُمِّش دورها ، والمرأة لا تقلّ أهميةً عن الرجل ، بل هي مساوية له في التكييف ، وفي التشريف ، وفي المسؤولية ، ومكلفة بأركان الإسلام ، كما هو مكلف بأركان الإسلام ، ومكلفة بأركان الإيمان ، كما هو مكلف بأركان الإيمان ، ومشرفة بطاعة الله ، كما هو مشرف بطاعة الله ، ومسؤولة عما استرعها الله ، كما هو مسؤول عما استرعاه الله ، المرأة مساوية مساواة تامة في التكليف ، وفي التشريف ، وفي المسؤولية .

لذلك حينما يعلِّم الإنسان بناته يرتقي بالفتيات إلى مستوى هموم المسلمين ، أما إذا تركت الفتاة من دون تعليم انشغلت باهتمامات نسائية تبعدها عن قضايا أمتها الكبرى .

فلذلك مشاركة المرأة في بناء هذه الأمة الإسلامية مشاركة حتمية تؤكد أن المرأة نصف المجتمع ، وأن المجتمع يقوم على شقين النساء والرجال .

5 – احترام حقوق الإنسان والحرص على سلامته :

شيء آخر يقوم على إدارة المجتمع كقاعدة : إنه احترام الإنسان ، والحرص على سلامته ، والتمتع بكل حقوقه التي منحها الله له غير منقوصة ، وبالتالي بذل كل الجهود لخدمة وإيصال كلمة الحق إليه ، وله حرية الاعتقاد لقوله تعالى :

 ( سورة البقرة الآية : 256 ) .

إنّ الإنسان مكرم ، وسيدنا عمر أوّل أكدّ هذا الحق ، قال : << متى استعبدتم الناس ولقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً >> ، فالإنسان كل شيء من أجله ، النظم من أجله ، حتى الثورات في تاريخ البشرية من أجله ، حتى العلم من أجله ، والطب من أجله .

لذلك حينما يكون الإنسان ضحية في مجتمع ما فهذه هي الطامة الكبرى ، لأن الإنسان هو الضحية .

مثلاً : في بعض البلاد سباقات الجمال ، يأتون بطفل صغير ، لأن وزنه خفيف ، يركب هذا الجمل ، وتخريب عموده الفقري حتمي ، لأن عظمه رقيق وطري ، يركب هذا الطفل ، وفي الأعم الأغلب يسقط فيموت ، أو يصاب بأمراض مزمنة في عموده الفقري ، مَن هو مسخر للآخر ؟ الجمل للإنسان ؟ أم الإنسان للجمل ؟ هذا السباق خلاف منهج الله عز وجل ، لأن الله سبحانه وتعالى سخر للإنسان كل شيء :

 ( سورة الجاثية الآية : 13 ) .

الآن الحمد لله السباقات من دون راكب ، سباق يتم من دون أطفال يركبون على ظهر الجمل ، هذا تطور إيجابي .

فلذلك احترام الإنسان واجب ، الإنسان من حقه أن يحيى ، من حقه أن يعتقد ما يشاء ، من حقه أن يكون حراً ، وهذه هي حقوق الإنسان ، والإسلام أولُ مَن نادى بها .

حينما جاء رجل قبطيٌّ إلى سيدنا عمر يشكو له ظلم ابن أمير مصر ، فاقتص منه ، وقال له سيدنا عمر : << اضرب ابن الأكرمين >> ، وقال بعدها قولته الشهيرة : << متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟ >> .

الإسلام يحترم الإنسان .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ )) .ِ

[ أبو داود ]

النبي عليه الصلاة والسلام وقف لجنازة ، فقيل : هذه جنازة يهودي ، فقال : أليس إنساناً ؟ كان يحترم الإنسان ، كائناً من كان ، وأية حضارة لا تقوم على احترام الإنسان فليست حضارة .

لذلك أنا أقول بملء فمي : هناك بلاد يظنها الناس متحضرة ، وهي متوحشة ، لأنها تقيم فروقاً عرقية بين شعب أبيض وشعب آخر أسود  .

مرة قال بعض أصحاب النبي كلمة سيئة مخاطبا بها رجلا آخر ، فأنكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام ، فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((  يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ … )) .

[ متفق عليه ]

فأصرّ قائل هذه الكلمة أن يضع رأسه على الأرض ليدوس ذلك الرجل على رأسه ، تكفيراً لذنبه الذي ارتكبه .

لذلك الإنسان محترم في الإسلام ، والمرأة محترمة في الإسلام ، واحترام الإنسان والحرص على سلامته ، والتمتع بكل حقوقه التي منحها الله له غير منقوصة ، وبالتالي بذل كل الجهود لخدمته ، وإيصال كلمة الحق إليه ، يؤكد هذا قوله تعالى :

 ( سورة التوبة الآية : 6 ) .

وله حرية الاعتقاد ، لقوله تعالى :

﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ .

 

Text Box: وجوب احترام الإنسان من كل جوانبه الدنيوية والدينية :

 

أيها الإخوة الكرام ، هذه مبادئ الإدارة في مجتمع المسلمين ، وينبغي أن نأخذ بها جميعاً على مستوى البيت ، على مستوى المدرسة ، على مستوى المؤسسة ، على مستوى المعمل ، على مستوى الجامعة ، يجب أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط ، والإنسان يجب أن يكون محترماً ، لأنه هو المعني بكل ثورة في الأرض ، وبكل منهج إلهي ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

 ( سورة البقرة الآية : 30 ) .

ويقول أيضاً :

 ( سورة الذاريات ) .

ويقول أيضاً :

 ( سورة الجاثية الآية : 13 ) .

ويقول أيضاً :

 ( سورة الإسراء ) .

Text Box: مثل عجيب من التاريخ الإسلامي في احترام حقوق الإنسان :

 

أضرب لكم مثلاً : سيدنا عمر في عهده جاءه ملَك الغساسنة مسلماً ، إنه جبلة بن الأيهم ، أعلن إسلامه ، ورحب به عمر أشد الترحيب ، ثم توجه إلى الكعبة ليطوف حولها  بعد أن أسلم ، في أثناء الطواف داس بدوي من فزارة طرف ردائه ، فانخلع رداءه عن كتفه ، فالتفت جبلة إلى هذا البدوي من فزارة ضربه ضربة هشمت أنفه ، فما كان من هذا البدوي إلى أن توجه إلى عمر ليشتكي إليه ، سيدنا عمر استدعى جبلة ، وقف جبلة أمام عمر ، وإلى جانبه هذا البدوي من فزارة ، وجرى حوار ، بعض الشعراء المعاصرين صاغه شعراً .

قال سيدنا عمر :

أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟

قال جبلة :

لست ممن ينكر شيا ، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيديا .

فقال عمر :

أرضِ الفتى لا بد من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه .

أو يهشمن الآن أنفك ، وتنال ما فعلته كفك .

قال جبلة :

كيف ذاك يا أمير ؟ هو سوقة .

أي من دهماء الناس ومن عامتهم .

هو سوقة وأنا عرش وتاج .

كيف ترضى أن يخر النجم أرضا .

فقال عمر :

نزوات الجاهلية ، ورياح العنجهية قد دفناها .

أقمنا فوقها صرحاً جديدا ، وتساوى الناس أحراراًَ لدينا وعبيدا .

فقال جبلة :

كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز .

أنا مرتد إذا أكرهتني .

فقال عمر :

عالَم نبنيه ، كل صدع فيه يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .

 

Text Box: ثلاث مراحل للمجتمع البشري :

 

هذا هو الإسلام ، لذلك مرت المجتمعات البشرية بمراحل بثلاث ، بعصر المبادئ ، وهذا أرقى عصر ، وهذه القصة تشف عن عصر المبادئ ، ومر المجتمع البشري بعصور متلاحقة تسمى عصور الأشخاص ، الشخص هو الأول ، كل الناس له ، يعيشون له ، يمجدونه ، هذا العصر أقلّ رتبة من عصر المبادئ ، ولكن الطامة الكبرى أن نصل إلى عصر الأشياء :

 

 ( سورة الفرقان الآية : 43 ) .

أسوأ عصر يعيشه البشر هو عصر الأشياء ، والدليل الآية الكريمة :

هذه الأشخاص .

هذه الأشياء .

 ( سورة التوبة ) .

فالبطولة أن نعيش عصر المبادئ ، فإذا زلّت القدم انتقلنا إلى عصر الأشخاص   ، فإذا انهارت القيم انتقلنا إلى عصر الأشياء ، وفي عصر الأشياء قيمة المرء متاعُه فقط ، قد يكون تاجر مخدرات ، لكن بيته فخم جداً ، مركبته غالية جداً ، يعظمه الناس ، قد يبني ثروته على سحق البشر ، لكن لأن بيته فخم ، مركبته من نوع غالٍ جداً يعظمه الناس ، نحن في عصر الأشياء ، أما عصر المبادئ فقيمة المرء ما يحسنه ، إنسان له دعوة ، له مبدأ ، له عمل صالح ، هذا عصر اسمه عصر المبادئ .

 

Text Box: أقِم الإسلام في بيتك وعملك :

 

أيها الإخوة ، عظمة هذا الدين أنه قابل للتطوير على مستوى جماعي كبير ، على مستوى أمة ، وقابل للتطبيق على مستوى أسرة ، فإن إن لم يتح لك أن تطبق على مستوى أمة فلا أقلَّ مِن أن تطبقه على مستوى أسرة ، فكل إنسان يحيى حياة نابعة من منهج الله وسنة   رسوله .

فلذلك أنت مسؤول عن بيتك الذي هو مملكتك ، وعن عملك الذي أيضاً مملكتك .

 

 ( سورة الرعد الآية : 11 ) .

أقم الإسلام في نفسك ، وفي بيتك ، وفي عملك ، وتكون قد أديت الذي عليك ، عندئذٍ اسأل الله الذي هو لك  .

 

Text Box: خاتمة :

 

أيها الإخوة الكرام ، الإنسان في هذه الحياة الدنيا له رسالة ، العبادة سر وجودنا  ، لذلك قال تعالى :

والعبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية .

نحن في هذا الدرس أنهينا القواعد المتعددة التي جعلها النبي عليه الصلاة والسلام  أركان مجتمعه ودولته ، فمن البناء الفردي إلى المساواة بين الناس وعدم التفريق ، والتمييز بينهم أفراداً وجماعات ، إلى إصلاح العلاقات بين الأفراد ، وإزالة آثار ما سلف ، إلى أخلاق الحياة اليومية والصحبة ، إلى جمع الشمل ، إلى البناء الاجتماعي المؤاخاة ، والمؤاخاة في العهد المكي ، والمؤاخاة في المدينة ، إلى أهداف المؤاخاة ، إلى صور المؤاخاة ، إلى نص عهد المدينة الرائع ، إلى تأسيس القاعدة الصحية والعمرانية ، إلى البيئة الطبيعية في المدينة ، إلى العمران النبوي في المدينة ، إلى خطط المدينة ، إلى تأسيس القاعدة التعليمية والتربوية على المستوى الفردي والجماعي ، إلى التدوين والكتابة ، وهي بداية الطريق إلى تأسيس القاعدة الاقتصادية .

 وننتقل بعدها في درس آخر إن شاء الله إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم  في المدينة .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi