English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا علي بن أبي طالب  : الدرس 3/ 8  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

الموضوع         :  رجولته وبطولة .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثالث والخمسين من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وقد بدأنا قبل درسين بسيرة الإمام عليٍ كرم الله وجهه ، وقد بينت لكم أن الخلفاء الراشدين هؤلاء قممٌ شامخةٌ من الصحابة الكرام ، فعَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْفَجْرِ ثُمَّ وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا فَقَالَ :" أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ " و قَالَ أَبُو عَاصِمٍ مَرَّةً : " وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَة*                                             

( رواه أبو داود الدارمي )

   إذًا فهؤلاء الصحابة الأربعة الذين ذكرهم عنهم النبي عليه الصلاة والسلام يمكن أن نقتدي بهم في كل أفعالهم وأقوالهم ، واليوم ننتقل إلى جانبٍ آخر من جوانب شخصية هذا الإمام العظيم البطل والرجل ، تحدثنا عنه في الدرس الماضي من زاوية علمه ونشأته ، واليوم نتحدث عنه من زاوية رجولته وبطولته، ولا تنسوا أن كلمة رجل في القرآن الكريم في أكثر الآيات لا تعني أنه ذكر ، بل تعني أنه بطل :

( سورة النور )

           أي إنهم أبطال ، وسيدنا سعد يقول : ((ثلاثةٌ أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس)) ، وقد اشتقت من كلمة رجل الرجولة ، والرجولة هي البطولة ، فهذا الصحابي الجليل لمّا نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآنٌ كريم بآيةٍ جديدةٍ ،و هي قوله تعالى :

( سورة آل عمران )

            فهذه الآية أحدثت في نفس الصحابة الكرام ردَّ فعلٍ قوي ، وظن بعضهم أنها تنعي النبي صلى الله عليه وسلم ، لذلك صاح عليُ بن أبي طالب : ((والله لا ننقلب على أعقابنا بعد أن هدانا الله ، ولئن مات أو قتل لأُقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت)) .

            ماذا نستنبط من هذا الكلام ؟ نستنبط من هذا الكلام أن النبي عليه الصلاة والسلام بث في أصحابه مبدأً ثابتاً ، وكان تركيز النبي على المبدأ لا على شخصه :

     سيدنا علي يقول : ((والله لا ننقلب على أعقابنا بعد أن هدانا الله)) ، لا تنسوا أيها الإخوة أن لدينا آياتٍ وأحداثًا أتلوها على مسامعكم ، وقد تقولون نعرفها ، إذْ ليس قصدي من هذه الدروس أن آتيكم بجديدِ أحداثِ السيرة ، لا ، لأن السيرة سيرة أصحاب رسول الله مغلقة وليست مفتوحة ، بمعنى أن هناك أحداث وقعت وسجلها التاريخ ، وأن هناك أقوال قيلت وسجلها التاريخ ، ولكن ما دور الذي يدرس السيرة في آخر الزمان ؟ الدور الحقيقي هو التحليل ، كي نستنبط من أقوال الصحابة ، ومن مواقفهم الحقائق والدروس والعبر التي تعيننا على التحرُّك في عصرنا .

    فالنبي عليه الصلاة والسلام مثلاً هذا هو الإنسان الأول ، وهو الذي جعله الله سيد الأولين والآخرين، هذا الذي جعله الله سيد الأنبياء والمرسلين ، هذا المعصوم ، هذا الذي يوحَى إليه ، هذا الذي أول خلق الله قاطبةً ، حينما مات ماذا قال سيدنا الصديق ؟ أنا أعتقد أنه ما من رجلين على وجه الأرض يحبّان بعضهما بعضاً كالنبي عليه الصلاة والسلام وسيدنا الصديق ، فلما مات النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال سيدنا الصديق ؟ قال : ((من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت)) ، إذاً ديننا دين مبادئ فقط :

    ماذا قال سيدنا علي ؟ ((والله لا ننقلب على أعقابنا بعد أن هدانا الله ، ولئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت)) .

وهناك آية قرآنية في سورة الروم :

( سورة الروم: آية " 32 " )

    عندما تكون الدعوة إلى الذات ، ومغلفة بغلاف ديني رقيق يتجمَّع عندنا مجموعة ذوات ، ومجموعة أديان ، فإذا دعا الإنسان إلى ذاته فقد فرَّق دين الله عزّ وجل ، وصار دين الله شيعاً ، ووقعت الخلافات، والمهاترات ، والطعن :

 

( سورة الأنعام ) 

     نحن ديننا هو الإسلام ، وعندنا مجتمع المؤمنين ، وأنت واحدٌ من هذا المجتمع ، فإذا ركَّزت على شخصك ، وكفَّرت مَن حولك فقد جعلت دين الله شيعاً ، وقد مزقت المسلمين شر ممزق ، الذي لفت نظري في هذا الموقف موقفُ هذا الصحابي الجليل قال : ((واللهِ لا ننقلب على أعقابنا بعد أن هدانا الله ، ولئن مات أو قُتل لأُقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت)) .

   هنا سؤال يَطرح نفسَه : لِمَ لمْ يقل هذا الإمام الكبير : واللهِ لئن مات أو قتل لأسيرن على منهجه ، واللهِ لئن مات أو قتل لأقتفينّ أثره ، واللهِ لئن مات أو قتل لأستمسكنّ بسنته ؟ بل قال : ((والله لئن مات أو قتل لأُقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت)) ، الحقيقة أن بذل النفس أقصى غاية الجود ، أي أن أعلى درجة من درجات التمسك بالدين ، وأعلى درجة من درجات الإيمان ، وأعلى درجة من درجات الإخلاص أن تقدم نفسك التي بين جنبيك وبين يدي مبدئك وهدفك .

   فماذا نستنبط إذًا من هذا الموقف أيها الإخوة ؟ نستنبط أنه ينبغي أن تتعلق بالله عزّ وجل ، وأن تتعلق برسوله المعصوم ، وأن تتعلق بصحابته الذين رضي الله عنهم ، وأن تخلص في تعلقك هذا ، وأن تنتمي إلى مجموع المؤمنين ، وأن تكون رجل مبدأ لا رجل أشخاص ، لأن الأشخاص يأتون ويذهبون ، ويرتفعون ويسقطون ، وينضبطون وقد لا ينضبطون ، فالنقطة الدقيقة في قول سيدنا الصديق هي : ((من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت)) ، وأنا أعتقد أن قلبه كان يتفطَّر حزناً على وفاة النبي ، ومع ذلك فقد فَصَل بين الدين الذي هو مبدأٌ ثابت ، وبين مشاعره الشخصية تجاه النبي عليه الصلاة والسلام .

    فأنت أيها المؤمن حين تعرفت إلى الله ، وعاهدته على الطاعة ، وأخلصت له ، سلوكك واستقامتك مع وجود من يعلِّمك ، أو مِن دون وجوده ، مع وجود إخوانك المؤمنين أو في غيبتهم ، مع وجودك في بلدك، أو كنت مسافرًا فأنت أنت ، فإذا كنت رجل مبدأ لا يتغير سلوكك ، لا في معية المؤمنين ، ولا في غيبتهم ، لا في بلدك ، ولا في بلدٍ آخر ، لا وأنت مراقب ، أو أنت غير مراقب ، أنت أنت لأنك عرفت الله عزّ وجل وآمنتَ به ، واستقمت على أمره وأخلصت له ، هذا هو الإخلاص في عدم التغيّر ، في التثبُّت على المبدأ .

    في غزوة أُحد يخرج من صفوف المشركين أحدُ مبارزيهم الأشداء ، هو أبو سعد بن أبي طلحة ، وينادي علياً ليبارزه ، فيخرج عليٌ إليه ، ويلتقيان في مبارزةٍ ضاريةٍ حامية ، ويتمكن سيف عليٍ رضي الله عنه بضربةٍ تطرحه أرضاً ، أي يتمكن من خصمه سيف عليٍ بضربةٍ تطرحه أرضاً ، وهو يتلوى من الألم ، وبينما يتهيأ عليٌ كرم الله وجهه ليجهز عليه بضربةٍ قاضية ينحسر جلباب الرجل فتنكشف عورته، فيغمض عليٌ عينيه ويغضُّ بصره ويثني إليه سيفه ويعود إلى مكانه من الصف .

   أنتم دائماً تقولون : الإمام عليٌ كرم الله وجهه ، يؤثر عن هذا الإمام العظيم أنه ما رأى عورةً قط ، فهذه العين لها عبادة ، ومن عبادتها أن تنظر في آيات الله ، وأن تغض البصر عن عورات المسلمين ، ومن علامة المؤمن أنْ يغضُّ بصره عن النساء ، لا يمشي وراء امرأة ، ولا يصعد الدرج وراء امرأة ، ولا يختلي بامرأةٍ في مصعد ، ولا في مكتب ، ولا في غرفة ، فهو دائماً عفيفٌ في بصره ، فكان سيدنا علي كرم الله وجهه عفيفًا ، حتى إن التاريخ يروي أن أحد المقاتلين ، وهو يبارز سيدنا عليًّا شعر أنه ميتٌ لا محالة ، فكشف عن عورته ، فانصرف عنه سيدنا علي ، فقال أحد الشعراء :

***

لا خير في ردّ الردى بمذلّةٍ           كما ردّها يوماً بسوأته عمرو

***

أي أنه رد الموت عنه حينما كشف عن عورته ، يقول أحد أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم بعد أن صافح النبيَّ بيده اليمنى : ((واللهِ هذه اليد بعد أن صافحت يد النبي ما مسَّت عورتي إطلاقاً)) .

   طول حياته إلى أن مات تكريماً للنبي ، ما هذا الحب ؟ ما هذا التعظيم ؟ ما هذا الولاء ؟ ما هذا التكريم؟ صافحت يده يدَ النبي ، إذًا هذه اليد يجب أن تكون مقدسةً طوال حياته ، قال : ((واللهِ ما مسست بها عورتي طوال حياتي منذ أن صافحتُ النبي)) .

يسألونه لمَ لْم تُجْهز عليه ؟ فيجيبهم : ((لقد استقبلني بعورته ، فعطفتني عنه الرحمة)) .

    والحقيقة أنّ القتال مشروع ، ولكنْ له آداب ، وله مكارم أخلاق ، فسيدنا علي ما كان يقبل أن ينتصر في مبارزة إلا إذا توافر مع المبارزة صفات البطولة والمروءة والشهامة والعفة .

   إنّ براعة سيدنا عليّ في القتال كانت تزلزل خصومه خوفاً وفرقاً وهلعاً ، لكن خصلةَ شرف المقاتل في سيدنا علي كانت تملأ نفوس خصمه طمأنينةً وأمناً ، لأنه لا يغدر أبداً ، ولا يقسو ، ولا يمثِّل ، فقتال قتالٌ شريف .

       وفي أثناءِ قتاله مع بعض خصومه يومًا قام أحدٌ من رجاله فشتم خصمه ، فنهاه سيدنا علي نهياً شديداً ، وقال : ((يا أمير المؤمنين ألسنا على حق وهم على باطل ؟ فقال الإمام علي : بلى ورب الكعبة ، قال: فلمَ تمنعنا من شتمهم ولعنهم ؟ قال الإمام علي : كرهتُ لكم أنم تكونوا شتَّامين لعاَّنين ، ولكن قولوا : اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرِفَ الحقَّ من جهله ، ويرعوي عن الغي من لجَّ به)).

لقد كان مهذَّبًا كل التهذيب حتى مع خصومه ، والقرآن الكريم هكذا يقول:

( سورة فصلت )  

أحياناً بعض الناس قد يقرأ القرآن من غير تدقيق ، يقول الله عزّ وجل :

كلمة (أحسن) ما وزنها الصرفي ؟ أفْعَل ، ما نوع اشتقاقها ؟ اسم تفضيل ، معنى (أحسن) أي في تعاملك مع خصمك ألفُ سلوك حسن ، فيجب أن تختار الأحسن :

       والحقيقة أن حياة الإنسان هي مجموعة مواقف ، فإنْ جلستَ إنسانًا قد تقول : أنا في حياتي عملت كذا ، وتعففت عن كذا ، وعاونت فلانًا ، وبذلت ، وضحيت ، معنى ذلك أن الإنسان حجمه عند الله من حجم مواقفه ، والإنسان له مع الله أيام ، ولله معه أيام ، وأيام الله عزّ وجل هي الأيام المباركة التي أكرم الله بها عباده ، أو أكرم بها عبداً معيناً ، فربما وقعتَ مرة في ضائقة شديدة فقلتَ : يا رب ، فرأيت أن الأمور انفرجت ، هذا يومٌ من أيـام الله ، أو عانيتَ من مرض عضال ، فدعوت الله مخلصاً فشفاك الله بقدرةٍ منه ، فهذا يومٌ من أيام الله ، أو وقعتَ في أشدِّ حالات الفقر ، فسألت الله عزّ وجل بإخلاصٍ وصدق فأغناك الله ، فهذا يومٌ من أيام الله، ربنا عزّ وجل قال :

 

( سورة إبراهيم )

    فالإنسان عندما تفتر نفسه ، وعندما يشعر أن في طاعته لربه تقصيرًا وتلكؤًا ، فأصبحت صلاتُه جوفاء ، فماذا يفعل ؟ ليذكرْ أيام الله ؛ اليوم الفلاني أكرمه الله عزّ وجل ، واليوم الفلاني أنقذه الله عزّ وجل ، واليوم الفلاني حفظه الله عزّ وجل ، واليوم الفلاني الله أعانه عزّ وجل :

     ثم عليك بالمقابل إذا ضاقت بك الدنيا تذكَّرْ أيامك مع الله .

     حدثني رجل متقدم في السن ، وهو والد صديق من أصدقائي ، وكل عيد نزوره ، عمره ستة وتسعون عاما ، فزرته مرة ، وقال لي : الحمد لله أجرينا تحليلاً وكانت النتيجة سليمة في كل مراحل التحليل .

    فهذا إنسان في السادسة والتسعين من عمره يُجري تحليلاً كاملاً للدم وليس هناك أي خلل ، ثم قال لي عند تبادل : واللهِ ما عرفتُ الحرام في حياتي ، لا أعرف المال الحرام ، ولا الفعل الحرام في حياتي كلها ،  وكان تاجرًا من تجَّار الغنم ، وقال أيضًا : مرة كنا في الصحراء ، وضللنا الطريق ، وأشرفنا على الموت عطشاً ، صلى ، وسجد ، وقال : يا رب أنا قبل عامين عَرَضتْ لي امرأةٌ في البادية ذات جمال فقلت : إني أخافكَ يا رب ، فإنْ كنتَ تعلمُ أنني تعففتٌ عنها خوفاً منك فأنقِذْنا الآن ، فلم نلبث أنْ أدركَتنا رحمةُ الله عن قريب ، فنجونا .

   وهذا توجيه لطيف جداً ، أنت عليك أن تذكر أيام الله ، وعليك أن تُذَكِّر نفسك بمواقفك مع الله ، المرحلة الأولى كي ترتفع معنوياتك ، وقد ورد في السنن وفي الأحاديث الصحاح أن الإنسان إذا وقع في ضائقة فليسأل الله عزّ وجل بصالح عمله ، وإذا فترت نفسك ذكِّر نفسك بأيام الله ، كيف أن الله سبحانه وتعالى أسمعك الحق ، كيف أن الله سبحانه وتعالى أكرمك ، فيسَّر لك مأوىً تأوي إليه ، ويسّر لك امرأةً تحصنك ، ووهبك أولاداً صُلحاء ، فذكِّرْ نفسك بهذه النعم التي أكرمك الله بها ، حتى تعرف فضلَه عليك فتشكره ، فإن النعم تدوم بالشكر .

   حينما أزمع النبي عليه الصلاة والسلام أن يهاجر ، كان كفَّار قريش يتربصون به ، ويتحلّقون حول بيته ، وكان ينبغي له أن يغادر ، كان سيدنا عليّ الفتى الفدائي ، وقد ورد في السيرة أن النبي ألقى كَفًّا من تراب ، وقال : شاهت الوجوه ، فلم يره أحدٌ حينما خرج ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أمر سيدنا علياً أن يستلقي على سريره وأن يتغطى ببرده ، فكلما نظروا إلى بيت النبي يطمئنون ، أنه في سريره وفي بيته ، لكن النبي كان قد خرج من مكة ، وصار في أطراف مكة  ، وقريش قد عُرفت ببأسها وجبروتها وقسوتها وحقدها وكرهها ، وحينما تدخل إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام فوجِئَت أن النبي قد خرج ، وسيدنا عليٌّ في الفراش ، أليس هناك احتمالٌ كبير أن يُقتَل هذا الإمام العظيم ؟ فالاحتمال كبير جداً ، أن فالإنسان حينما يمتلئ حقداً وغيظًا ، وحينما يُسقط في يده ، وحينما يحبط عمله وحينما يخيب أمله قد يفعل فعلاً ارتجاليًّا عشوائيًّا ، فهذا موقف من مواقف سيدنا علي ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال له مطمئناً : " لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ، فاعتبروا يا رعاك الله .

    لِيسألْ كلُّ واحدٍ منا نفسه هذا السؤال : في حياتي كلها ماذا فعلت للإسلام ؟ ما الموقف الذي فعلته ، وترك في نفسي أثراً ؟ فالإنسان حينما يحيا حياةً رتيبةً ليس فيها بطولةً ، ليس فيها عطاء ، ليس فيها مؤاثرة ، هذه حياةٌ لا قيمة لها ، وكما تعلمون أن أتفه عمر للإنسان هو عمره الزمني ، وقيمة العمر بأعماله الصالحة ، والغنى الحقيقي هو غنى الأعمال الصالحة ، وسيدنا موسى حينما سقى للمرأتين قال :

( سورة القصص )

فهذه أيامه مع الله ، مواقفه المشرفة ، وإذا كان للمسلم مواقف مع الله كثيرة ، وله خبرات إيمانية ، فهذه الخبرات ، وهذه المواقف المشرفة تعينه كلما فترت نفسه على أن يتصل بالله عزّ وجل .

   ورد في الأثر أنّ (( نفسك مطيتك فارفُق بها)) ، فالإنسان يحتاج إلى أن يُري نفسه أعماله الطيبة ، فإذا شطت ، وتجاوزت يحتاج إلى أن يُؤنِّبها ، وأن يلومها .

   في غزوة أُحد كان سيدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه يحمل لواء المعركة ، فسقط هذا اللواء من يده ، وبادر إليه سيدنا عليٌ كرم الله وجهه ، والنبي عليه الصلاة والسلام أمره أن يحمل اللواء ، وكان يقول عليه الصلاة والسلام : " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتىً إلا علي " أي إن سيدنا علي له مكانة كبيرة، وكما قلت لكم في الدرس الماضي : إن المسلمين الصادقين ، والمؤمنين الصادقين تمتلئ قلوبهم تقديراً وإعجاباً بهذا الإمام العظيم ، الذي هو ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام .

   سيدنا علي بن أبي طالب يحمل اللواء ويشرئب عالياً عزيزاً خفَّاقاً ، ويصيح به حامل لواء المشركين ويقول : " ألا هل من مبارز ؟" ، ولا يجيبه من المسلمين أحد ، فقد كانوا في شغلٍ عنه بالمعركة التي بلغت أقصى عنفوانها وشدتها وضراوتها ، وتتكسر السيوف على السيوف والنصال على النصال ، ألم يقل الشاعر المتنبِّي يومًا :

***

رماني الدهر بالأرزاء حتى    فؤادي في غشاءٍ من نِبــالِ

فكنت إذا أصابتني سهـامٌ     تكسَّرتِ النصالُ على النِّصالِ

***

           ثم يقول حامل لواء المشركين مرةً ثانية : ((ألستم تزعمون أن قتلاكم في الجنة ، وقتلانا في النار ، ألا فليخرج إليّ أحدكم)) ، ولم يطق عليٌ رضي الله عنه صبراً فصاح به : ((أنا قادمٌ إليك يا أبا سعدٍ بن أبي طلحة فابرز يا عدو الله إلي)) ، والتقيا بين الصفوف الملتحمة تحت وقع السيوف ، وتبارزا ، فاختلفا أي تبادلا ضربتين ، ضربه عليٌ ضربةً واحدة فسقط على الأرض يعالج مصرعه ومنيته وهمَّ عليٌ أن يضربه الثانية ليجهز عليه ، فتنكشف عورته على مرأى من سيدنا عليّ ، وقد مرّ بنا هذا الخبر قبل قليل ، فاستحيا ، وغض بصره ، وانصرف عنه ، على النحو الذي أشرنا إليه آنِفًا .

   يروي التاريخ أن سيدنا صلاح الدين أيضاً حينما التقت امرأةٌ مع زوجها الأسير ، فتعانقا ، فهذا السلطان الرحيم العادل يروي التاريخ أنه غضَّ بصره ، ولم ينظر إليهما ، أي أنه أكبرَ هذا الود الذي بينهما ، فعفَّتُه ، وشرفُه أبيا أن ينظر إليهما ، فغض بصره عنها ، وهذا الموقف يشبه موقف سيدنا موسى حينما جاءته إحدى المرأتين ، قال تعالى :

( سورة القصص : آية " 25 " )

   واستنبط العلماء أن من أدب المرأة في حوارها مع الرجل أن تختصر ، وأن تلقي كلاماً لا جواب له ، فلا تقل : إننا ندعوك ، فيقول : إلى أين ؟ إلى بيت أبي ، لماذا ؟ صار بينهما حوار بل قالت :

وسيدنا موسى تكلم معها كلاماً مختصراً جادًّا مانعاً جامعاً ، قال :

( سورة القصص : آية " 23 " )

ليس في اللغة العربية كلمةٌ أشدُّ إيجازاً واختصاراً ودلالةً من هذه الكلمة قال :

    ويروي التاريخ أنه حينما أرادت أن تَدُلَّه على البيت سار أمامها وأمرها أن تدله على البيت وهي خلفه ، لذلك ، ما الذي يلفت نظر المرأة في الرجل ؟ عفته وقوته وأمانته ، القوة أي أنه يحميها ، أما أمانته أي أمينٌ عليها ولا ينظر إلى غيرها ، وما الذي يلفت نظر الرجل في المرأة؟ حياؤها :

( سورة القصص : آية " 26 " )

    فنحن أحياناً نقرأ القصة ونظن أنها قصة ، لكنها في القرآن كلها دلالات ، منذ أيام تلوْنا آية قرآنية واحدة فيها خمسة آداب للضيافة :

( سورة الذاريات )

   إن كلمة (راغَ) تعني : انسلَّ خفيةً ، فإذا جاء لك ضيف فالمفروض ألاّ تقول له : أنصنع لك عشاء ؟ نعمل لك قهوة؟ أنعمل لك شايًا ؟ كلما سألته بصوت عالٍ تجده قد استحيا ، ويقول لك : شكراً :

( سورة هود )

لم يغب طويلاً بل أحضره سريعاً ، وعجل حنيذ ، أيْ سمين .

( سورة الذاريات )

      أيْ عليك أنْ تنسلّ خفيةً ، وأن تأتي بالطعام سريعاً ، وأن يكون الطعام طيباً ، وأن تقدمه للضيف ، وأن تدعوه للأكل ، هذه هي آداب الضيافة ، وهي آية تحكي قصة ، فلو وقفت عند آيات القرآن آيةً آيةً، بل كلمةً كلمةً ، بل حرفاً حرفاً ، بل حركةً حركةً لوجدتَ فيه العجب العجاب .

     هناك موقف لسيدنا علي ، وهو الحقيقة شهادة كبيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي الجليل ، إلا أنني كما قلت في الدرس السابق : المزية لا توجب الأفضلية ، فما من صحابيٍ اتصل به النبيُّ الكريم ، وتعامل معه ، واقترب منه إلا وظن هذا الصحابي أنه أقرب الناس إليه ، وهذه من روائع عظمة النبي عليه الصلاة والسلام ومن حكمته ، أي أن كل إنسان تعامل معه ظن أنه أقرب الناس إليه ، فسيدنا علي حينما كان يوم خيبر أمام حصنها المنيع ، ارتدت أول يومٍ كتيبةٌ قوية يقودها أبو بكر ، ثم ارتدت في اليوم الثاني كتيبةٌ أُخرى يقودها عمر بن الخطاب، فلم يجزع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فما كان هو بالجازع أبداً ، وإنما ألقى على الصفوف الحافلة بأصحابه وبجيشه نظرةً متفائلة وقال:

         " لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ : أَيْنَ عَلِيٌّ ؟ فَقِيلَ : يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ : أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا ؟ فَقَالَ : انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ " *                       

( عن سهْلٌ بْنَ سَعْدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم : صحيح البخاري )

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ((ما تمنيت الإمارة قط في حياتي إلا ذلك اليوم رجاء أن أكون مَن يحبه الله ورسوله)) .

   وهذا شيء مغر حقًّا لهذا الذي سوف يعطيه النبيّ الكريم الرايةَ غداً :

( سورة النجم )

 

   أُعطي الراية رجلٌ يحبه الله ورسوله ، وهو يحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ، يقول سيدنا عمر : ((ما تمنيت الإمارة قط إلا ذلك اليوم رجاء أن أكون ممن يحبه الله ورسوله)) ، فلما أصبح الناس ، أقبل المسلمون إلى حيث يلتقون برسولهم ، وكلهم شوقٌ إلى معرفة الرجل الذي سيعطيه الرسولُ الرايةَ ، والذي سيتم على يديه فتح ذلك الحصن ، واكتملت أعدادهم واستوت صفوفهم واشرأبَّتْ أعناقهم متمنيةٍ راجيةً مستطلعةً ، وشق السكونُ صوتَ رسول الله  صلى الله عليه وسلم قائلاً : " أين عليٌ بن أبي طالب؟ .

    وهذه أكبر شهادة ، ولقد كنت مرةً في عقد قران ، فقام أحد الخطباء ليتكلم ، فذكر نصاً أعرفه ، خاطب النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا معاذ بن جبل قال : " والله يا معاذ إني أحبك " ، صدقوني ما رأيت في الدنيا شيئاً أثمن من هذا المقام ؛أن يحبك رسول الله ، فإذا أحبك رسول الله أحبَّك الله ، لذلك النبي الكريم يقول : " ابتغوا الرفعة عند الله " .

    قد يكون حجمك في المجتمع حجمًا صغيرًا جداً ، يعني إنسانًا بسيطًا ، صاحب دكان ، أو موظفًا صغيرًا ، مجرد كاتبٍ مثلاً ، أو معلمًا في مدرسةٍ ، أو تاجرًا صغيرًا ، ولك حجم اجتماعي متواضع جداً، فلست من أصحاب الحول والطول ، ولا من أصحاب الأوسمة والرتب ، ولا من أصحاب الأموال الطائلة ولا ممن ينظر إليهم ويشار إليهم بالبنان ، إنسان عادي جداً ؛ ولكن إذا كان الله ورسوله يحبك وأنت على منهج الله فأنت ورب الكعبة في مقام الملوك يوم القيامة ، ابتغوا الرفعة عند الله ، ودائماً يغيب عن أذهاننا المقياس الذي يقيس به عباده في القرآن الكريم ، قال :

( سورة الحجرات )

    كان عليٌ وسط الزحام ، ولم يخطر بباله أن يكون هو الرجل الذي وعد النبيُّ أصحابه ، وجعل بشرى الفتح على يديه ، ولبَّى نداء النبي من فوره ، وقال : "ها أنا ذا يا رسول الله ".

   أحياناً تطلب زيدًا فلا تجده ، وتطلب عبيدًا فلا تجده ، في المغانم ما أكثرَ الناس ، أما في المغارم فمّا أقلهم ، فإذا كانت هناك نزهة أو وليمة ، فالكل يحضر ، دونما تلكُّؤٍ ، وفي الوقت نفسه إذا طرأ عمل متعِب ، أو عمل فيه بطولة، أو فيه بذل ، أو تضحية ، أو تكليف فلا تجد أحدًا حولك ، وهذه علامة ضعف في المسلمين ، فسيدنا سعد بن معاذ له قول شهير ، إ ذْ قال : ((يا رسول الله امض لما أردت ، خذ من أموالنا ما شئت ودَعْ منها ما شئت ، صل حبال من شئت ، واقطع حبال من شئت ، سالم من شئت وعادِ من شئت ، فوالله - قال كلمة رائعة - إنّ الذي تأخذه منا أحب إلينا من الذي تدعُه لنا)) ، المال الذي تأخذه منا أحب إلينا من الذي تدعه لنا ، هكذا كان أصحاب النبي ، أما اليهود :

( سورة المائدة )

    أما أصحاب النبي فقالوا : امضِ لِما أردت فنحن معك ، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ، ما تخلف منا رجلٌ واحد ، أحياناً الإنسان يقطع بالطائرة سبع ساعات،  أو ثماني ساعات ليصل إلى الشاطئ على المحيط الأطلسي، كيف وصل سيدنا عقبة بن بي نافع وخاض بفرسه البحر ، وقال : ((والله  لولا هذا البحر يا رب لمضيت مقاتلاً في سبيلك)) .

    فالإنسان حجمه عند الله بحجم عمله ، وإياكم أن تتوهموا أنه لا يمكن في هذا الزمان أن تكون بطولات ، فكل زمان له بطولاته ، كل زمان له خصائصه ، فمِنَ الممكن أن تصل إلى أعلى أهدافك في أي زمن ، والبطولة مبذولة ، وأسبابها متوافرة ، والتقرب من الله عزَّ وجل ممكن ، ورب الصحابة هو ربنا ، وهو هو ، فالمشكلة مشكلة همم ، مشكلة عزائم .

     لكن هذا الصحابي الجليل كان بعينه وجعٌ ورمد ، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام ما بعينيه من وجعٍ وهياج ، فبلل أنامله الشريفة بلعابه الطهور ، ومس بها عين البطل ، ثم دعا بالراية ، فأمسكها ، ورفعها إلى أعلى،  وهزَّها ثلاثاً ، ثم غرسها في يمين علي ، فقال : " خذ هذه الراية فامضِ بها حتى يفتح الله عليك ".

     وهناك أمرٌ هام جديرٌ ببسطه والحديث عنه : إن عند المؤمن قوة ، وهذه القوة ما أسبابها ؟ قد ترى إنسانًا خائر القوة ، متهالكًا ضعيفًا خائفًا جبانًا خوَّارًا يائسًا سوداويَ المزاج ، ليس عنده إمكانية أن يتحرك ، فلماذا تجد المؤمن في أعلى درجات القوة ؟ فالحقيقة أنّ هناك أسبابًا ؛ وأول سبب أن المؤمن آمن بالله وتوكَّل عليه ، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله  :

( سورة هود )

    الشيء الثاني أنّ المؤمن يعلم أنه على حق ، فهو في خدمة هدفٍ قامتْ من أجله السماوات والأرضُ، لا يسعى لشهوةٍ ولا لنزوةٍ ، ولا لمالٍ ولا لدنيا ، ولا لمجدٍ زائفٍ ولا لقوةٍ طارئة ، بل يسعى لتحقيق مبدأ قامت من أجله السماوات والأرض ، اسمعوا الآية الكريمة :

( سورة النمل )

    وعندما يشعر الإنسان أن هدفه نبيل ، وهدفه حق ، وهو على الحق ، وسواه على الباطل ، وأن هدفه يتجاوز مصالحه وشهواته ونزواته فهذا كلُّه يبثُّ فيه القوة ، فصارت أسباب القوة ؛ أول سبب أنه عرف الله وتوكل عليه ، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل عليه ، والسبب الثاني أنه يشعر أنه على الحق ، والسبب الثالث أنه يؤمن بالخلود ، فليست الدنيا أكبر همه ، ولا مبلغ علمه ، ولا منتهى أمله ولا محط رجائه ، الآخرة حياته في الدنيا قصيرة وطارئة ، وعابرة ، أما لو آمن الإنسان في الدنيا فقط فيكون حينئذٍ جباناً ، يقول لك " ألف جبان ولا الله يرحمه " لكنْ إذا آمن بالآخرة يرى أنّ الدنيا عرضٌ حاضر يأكل منه البر والفاجر ، والآخرة وعدٌ صادق يحكم فيه ملكٌ عادل ، ثلاثة عوامل اجتمعتْ ؛ الأولُ أنك آمنت بالله ، وتوكلت عليه ، والثاني أنك على الحق ، والثالث أنك مؤمن بخلودك في الآخرة ، وهناك عامل رابع هو القضاء والقدر ، فعن أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ " *                   

( مسند أحمد )

   والشيء الخامس وهذا الشيء مهم جداً حينما تشعر أنك مؤمن ، وأنك لكل المؤمنين ، وأن المؤمنين لك ؛ بإمكاناتهم، بخبراتهم ، بقدراتهم ، بوجاهتهم ، بعلمهم ، فأنت للكل ، والكل لك ، إذًا لست وحدك في الحياة ، تجد إنسانًا في العالم الغربي يموت ، ولا يسأل أحد عنه ، قال : أغزر طريق في فرنسا بين باريس وليون ، هذا الطريق يقيسونه بعدد السيارات التي تقطعه في الدقيقة ، أوتستراد من أضخم الطرق، أجروا تجربة ، فجاءوا بسيارة واقعة في حادث، وجاء إنسان فاضطجع أمامها ، وضعوا حبرًا أحمر تمثيلاً منهم محكمًا تماماً ، وكأنه في حادث مروِّع ، هناك إنسان جريح ، انتظروا بعد عددٍ من السيارات تقف إحدى هذه السيارات لتسعف هذا المصاب ، فالمجتمعات الغربية مجتمعات كثيفة جداً ، لكن الوحشة فيها كثيرة جداً .

    فالمؤمن يشعر أنه للجميع ، والجميع له ، فهذا شعور يبث فيه الأنس والطمأنينة هذه هي أسباب قوة المؤمن ، فسيدنا علي رضي الله عنه قال : لبيك يا رسول الله ، وفي زماننا إذا صدر أمرٌ لشخص يدرسه ويدرسه ويدرسه حتى يقتله دراسةً ، وينتهي بأنْ يعتذر ولا يفعل شيئًا ، أما الإيمان فيؤدّي إلى الاندفاع ، وإلى التوكل على الله عزَّ وجل .

حمل هذه الراية سيدنا علي ، وتقدَّم الكتيبة يهرول هرولةً وأمام باب الحصن نادى : أنا علي بن أبي طالب ، وقال : ((والله ، والذي نفسي بيده لأذوقن ما ذاق حمزة أو ليفتحن الله علي)) .

   أي إما النصر وإما الشهادة ، وأجرى الله جلَّ جلاله على يد هذا الإمام النصر ، وفتح باب الحصن ، واقتحمه المسلمون وتمت نبوءة النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " يحمل الراية رجلٌ غداً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ، يفتح الله على يده خيبر ، وهتف المؤمنون : الله أكبر خربتْ خيبر .

   وقف عليٌ رضي الله عنه يوم الخندق أمام أحد الفرسان الأعداء ، وهو عمرو بن عبد وُدٍّ ، فتسلل هذا المشرك الفارس إلى صف المسلمين ، ووقف أمام علىٍ كرم الله وجهه وجهاً لوجه ، وقال : ((يا عمرو إنك كنت عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش ، إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه)) ، فأجابه عمرو : أجل، قال عليٌ : " فإني أدعوك إلى الله ، وإلى رسوله ، وإلى الإسلام " فقال عمرو : لا حاجة لي إلى ذلك . قال علىٍ : " إذًا أنا أدعوك إلى النزال " قال عمرو : " لمَ يا ابن أخي، فواللات ما أحب أن أقتلك ، قال عليٌ : " لكنني والله أحب أن أقتلك ". فغضب عمرو ، وأخذته حمية الجاهلية ، واقتحم عن فرسه وعقره ، ثم هجم على علِيٍّ كرم الله وجهه الذي تلقاه بعنفوانٍ أشد ، وخاض معه نزالاً رهيباً ، لم تطل لحظاته حتى رفع عليٌ سيفه المنتصر ، بينما كان خصمه عمرو بن عبد ود مجندلاً علـى الأرض صريعاً.

   ولقد وقف هذا الصحابي مواقف بطولية رائعة جداً ، ففي أكثر مواقفه كما يقول الناس : وضع روحه على كفه .

   الحقيقة يجب أن توقن أن انتهاء الحياة لا يمكن أن يكون إلا إذا انتهى الأجل ، لأن الشجاعة لا تقرب أجلاً ، واقتحام المخاطر في سبيل الله لا ينهي حياةً ، فسيدنا على كرَّم الله وجهه اقتحم أخطارًا كثيرة ، وعرَّض نفسه لمواقف صعبة جداً ، كان في كل موقفٍ أقلّ ما فيه أنه يكاد يخسر حياته ، فلذلك عندما يقف المسلم هذه المواقف البطولية ، يشعر أن الله سبحانه وتعالى راضٍ عنه .

   فهذا الإمام الجليل له صفات إنسانية أخرى ، مع أنه بطل ، ومع أنه شجاع ، ومع أنه مقدام ، ومع أنه ضحَّى ، ومع أنه عرَّض نفسه للمخاطر ، لكن دائماً هناك مواقف إنسانية نلمحها وهو في أعلى درجات البطولة .

   في فتح مكة ، كان الزعيم الأنصاري سعد بن عبادة ، يحمل الراية على رأس كتيبةٍ كبيرةٍ من المسلمين ، ولم يكد يرى أطراف مكة حتى استفزته ذكرياتٌ قديمة وذكريات عداء قريشٍ للمسلمين ، فصاح قائلاً وسط النشوة التي تستخف الأحلام (( اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة)) ، وسمعه بعض أصحاب رسول الله ، فروعهم هذا النداء ، وسارع عمر بن الخطاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، ونقل إليه كلمات سعد ، وقال معقباً عليها : ((يا رسول الله ما نأمن أن يكون لسعدٍ في قريشٍ صولة)) ، فكأنهم خافوا أن يفتح سعدٌ مع قريشٍ قتالاً ، فما كان مِن النبي عليه الصلاة والسلام إلا أنْ نادى علياً كرم الله وجهه على الفور ، وقال : ((أدركْ سعداً وخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها)) .

فسيدنا علي نفَّذ هذه المهمة ، وأخذ الراية ، ودخل مكة دون أن يهرق دماً مراعاةً لتوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.

   هناك مشهد آخر دقيق ، سيدنا خالد كان على رأس إحدى السرايا، أمره النبي أن يسير بأسفل تهامة داعياً لا مقاتلاً، وعند قبيلة بني خزيمة بن عامر تصرَّف أحد رجالها تصرفاً فتسرع تجاهه سيدنا خالد فأعمل فيهم السيف ، ونُمِي الخبر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فغضب وحزن وبَرئ إلى الله مما صنع خالد ، ثم رأى عليه الصلاة والسلام أن يبادر بإرسال رسول سلامٍ وكان ابن أبي طالب ذاك الرجل ، دعاه النبي وقال له : ((يا علي - دققوا في هذا الكلام - أخرج إلى هؤلاء القوم ، فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك)) ، المنازعات ، العصبية الجاهلية ، العنجهية ، الخصومات ، هذه سماها النبي جاهلية ، قال اجعلها تحت قدميك ، وهكذا فعل الإمام على ، حتى إن هذا الإمام الجليل دفع دية القتلى الذين قتلوا في أثناء فتح مكة .

   أبو سفيان الذي حارب النبي عشرين عاماً في أثناء هذه الفترة الطويلة ، بعد صلح الحديبية ونقض قريشٍ لهذا الصلح ، وتهيؤ النبي لقتال قريش ، خاف القرشيّون أن يغزوهم النبي عليه الصلاة والسلام ، فذهب أبو سفيان بنفسه إلى المدينة المنورة ليطيِّب قلب النبي وليعيد العمل بوثيقة صلح الحديبية ، وليجدده ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، وكانت إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام ، فأبت ابنتُه أن تُجلسه على فراش رسول الله ، وكان مبسوطاً في فناء حجرتها ساعة دخوله ، فطوته عنه ، ولما عاتبها في صنيعها بقوله : " أضننتِ به عليّ ، أم ضننتِ عليه بي ؟ قالت : " إنك مشرك ، وفراش رسول الله لا يطأه مشرك " .

   فهذا الانتماء العظيم ، وعاد إلى مكة خائب المسعى ، جلس يحدث قريشاً عن محاولته ، فقال فيما قال: (( جئت ابن أبي قحافة - يعني أبا بكر - فلم أجد منه عوناً ، وجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو لقد قال لي : أأنا أشفع لكم عند رسول الله ؟ والله لو لم أجد إلا الذرَّ لجاهدتكم به ، وجئت علياً فوجدته ألين القول)) ، فالصحابة الكرام متنوِّعون ، بينما يقال لك الآن : لدينا صقور وحمائم ، فسيدنا الصديق ما قبِل أن يشفع لأبي سفيان عند رسول الله ، وسيدنا عمر لم يقبل كذلك، وسيدنا علي أخذ موقفاً ألين من أبي بكر وعمر ، وعلى كلٍ أصحابي كالنجوم ، فكل صحابي له موقف وهذا الموقف مبرر وهذا الموقف له وجهة نظر.

   أذكر مرة أن سيدنا عثمان بن عفَّان كان في حضرته رجل فدخل إنسان إليه وسأله حاجةً أعطاه إياها، فبكى هذا الرجل ، قال: ((ما يبكيك ؟ قال : الله الله تغير الزمان ، كنت في عهد عمر ، وجاء هذا الإنسان نفسه ، وسأله هذه الحاجة ، فأبى أن يعطيها ، فسيدنا عثمان غضب وقال : أنا أعطيت لله وعمر منع لله)) ، يعني اجتهادات .

   فنحن إذا وجدنا خلافاً طفيفاً في مواقف الصحابة ، فعلينا تأويل هذا الاختلاف باجتهاد ، وكل مجتهد له من اجتهاده نصيب ، والمجتهد إذا أصاب فله أجران ، وإذا أخطأ له أجر ، وأنت دائماً إذا رأيت موقفاً من أخيك لم تجد له تفسيراً مقبولاً قل : لقد اجتهد ، لعله اجتهد فلم يصب ، برِّئْ نيته من السوء ، لعله اجتهد فلم يصب .

               وللنبي عليه الصلاة والسلام قولٌ شهير خاطب به هذا الإمام الجليل ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى*

(متفق عليه)

 

أي كان يده اليمنى ، وكان وزير النبي وحسبكم قول النبي عليه الصلاة والسلام :" أنا مدينة العلم وعليٌ بابها .

(كشف الخفاء للعجلوني)

    ومحبه هذا الإمام الجليل من لوازم إيمان المؤمن ، لأنه لا يبغض أصحاب رسول الله إلا منافق ، هم أصحابه الذين اختارهم الله له والذين كانوا عونه في حروبه وفي دعوته وفي كل أحواله ، لا ينتقص من قدر أصحاب النبي إلا جاهل ، أو منافق .

        وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ *

(رواه الترمذي وأحمد)

وأجمل ما قيل : " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا " .

   يعني حادثة لا تُعرَف أبعادها ، ولم تَكتشِف حكمتها ، ظاهرها لا يرضيك عن أصحاب رسول الله ، فالأكمل والأَولى أن تطوي عنها الصفح ، لأنّه كما قلت قبل قليل ، هناك في التاريخ شيءٌ يعد عبئاً علينا ، وهناك شيءٌ يعد حافزاً لنا ، فاختر من التاريخ مايحفزك إلى البطولة ودع منه ما يكون عبئاً عليك يثبِّط عزيمتك .

    وإن شاء الله تعالى نمضي في الدرس القادم ، إلى الحديث عن هذا الإمام العظيم مذكراً إيّاكم أن الخلفاء الأربعة الراشدين نعلِّق أهميةً كبرى على مواقفهم ، وعلى بطولاتهم ، لأنه ُشرع لنا أن نقتديَ بهم ؛ وببطولتهم، وبتواضعهم ، وبزهدهم ، وبورعهم ، وبعلمهم ، وبجرأتهم ، وبشجاعتهم ، هؤلاء الأربعة ، فعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ يَقُولُ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ *

(رواه الترمذي وأبو داود وأحمد)

والحمد لله رب العالمين

*  *   *

Copyright © 2007 Nabulsi