English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا علي بن أبي طالب  : الدرس 4/ 8  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

الموضوع         :  إمارته ، وحكمه.

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

   أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع والخمسين من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله عليهم ، ومع الدرس الرابع من دروس سيدنا عليٍ بن أبي طالب كرم الله وجهه.

   أيها الإخوة الكرام ... أتمنى أن أضع بين أيديكم حقائق بمناسبة وصولنا إلى إمارة سيدنا علي بن أبي طالب ، والحقيقة الصارخة الأُولى هو أنه لم يتح للتاريخ الإسلامي رجالٌ ثقاتٌ كرجال الحديث ، ليقوموا بتمحيص رواياته ، وفحصها ، ودرسوا الرجال ، حتى استقام لهم الحديث الصحيح من الحديث الزائف ، والذي توافر للحديث الشريف أنه قام رجالٌ أشداء ، أصحاب عزائم وإخلاص ، فدرسوا الحديث الشريف ، وعرفوا الصحيحَ من الموضوع ، هذا الذي حصل للحديث الشريف لم يحصل للتاريخ الإسلامي ، لذلك تجد في التاريخ الغث والثمين ، الصحيحَ والزائف ، الذي وقع والذي لم يقع ، وتجد الوصف الموضوعي والوصف المبالغ فيه ، فلذلك أيها الإخوة الكرام كونوا على حذرٍ شديد مما تقرؤون من تاريخ المسلمين ، لأن المسلم مسلمٌ ، والمؤمنَ مؤمنٌ ، أما أن يأتي أعداء هذا الدين فيضيفون على التاريخ الإسلامي ما ليس منه ، ويزوِّرون ويقحمون ويدسُّون من أجل تشويه صورة هذا الدين العظيم ، فهذا وقع فعلاً ، فالذي أعتقده أن كثيراً مما كتب عن خلافاتٍ طاحنةٍ وعن حروبٍ مستعرةٍ بين سيدنا عليٍ وبعض صحابة رسول الله إن لم يكن له أصل فإنّه مبالغٌ فيه مبالغةً لا حدود لها ، فنحن نَكِلُ أمر ما حدث إلى الله عزّ وجل، لقول الله عزّ وجل :

( سورة الإسراء )

   أيها الإخوة إن المؤمن الصادق ينطلق من هذه الحقيقة ، تقييم الرجال ليس من شأن البشر بل من شأن خالق البشر ، الإنسان أعقد مخلوق ، فقد علمونا في الجامعة أن العلوم المادية قوانينها قطعية وثابتة ومطَّردة ، أما كل علمٍ متعلقٍ بالنفس البشرية فلشدة رقيِّها ولشدة تعقيدها ولشدة العوامل المتداخلة في صنع قرارها ينبغي أن نقول دائماً فيما يتعلَّق بالإنسان هذه الجملة : ""في الأعم الأغلب" ، لأن كل القوانين المتعلقة بالإنسان قوانين ظنية وليست قوانين قطعية .

   وأنا أريد أن أقف الموقف الكامل ؛ إنسان أمامه كونٌ عظيم ، وكل ما في الكون ينطق بعظمة الله ، وينطق بوجوده ، وينطق بكماله ، وينطق بوحدانيته ، وأمام المؤمن كتابٌ معجز ، كل ما في القرآن يشير إلى أنه كلام الله عزّ وجل ، وأمامنا سُنّةٌ صحيحةٌ توافر لها رجال الحديث الألمعيُّون ، هذه السنة تأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن ، فهي تفصيلٌ وبيانٌ له ، والهدف هو الله ، والطريق واضح المعالم ، هذا الذي وراء ظهري ، هذا الذي في التاريخ القديم ، ألا تكفينا فيه آيةٌ كريمة :

( سورة البقرة )

لكن الإنسان يقيس والقياس نشاط عقلي ، فقد يأتي مؤمن في آخر الزمان والفتن حوله مستعرة ، والأمور بالغة التعقيد ، ومع ذلك لا يفعل إلا الشيء الذي يرضي الله عزَّ وجل ، فكيف بصحابيٍ عاش مع رسول الله واستقى منه الحديث ، ورأى من كماله ، ورأى من جماله ، ورأى من أخلاقه ، ورأى من شمائله ، أيعقل أن هذا الصحابي الجليل الذي رضي الله عنه والذي بوأه الله مبوأ صدق ، أو مقعد صدق ، أن يصدر منه شيءٌ يترفَّع عنه مؤمنٌ في هذا الزمان ؟ لذلك فالمسلم كلما أحسن الظن بأصحاب رسول الله كلما كان أرقى وأعدلَ .

    وقد ذكرت لكم فيما أذكر أن التاريخ يمكن أن يقسم قسمين ؛ تاريخٌ يعد عبئاً علينا ، وتاريخٌ يعد حافزاً لنا ، ليس من مصلحة المسلمين أن ننقِّب عن التاريخ العبء وندع التاريخ الحافز ، فأية روايةٍ ، وأية قصةٍ ، وأي موقفٍ من التاريخ يحْفزنا إلى البطولة ، نتمسك بها ، ونعرضها ، ونحللها ، أما الشيء الذي يضعنا في حيرة ، أو يجعلنا نَرْتَبِك نتركه جانبًا ، هذا التاريخ يمكن ولا أبالغ أن يكون لا أصل له، ويمكن أن يكون ذا أصلٍ صغيرٍ جداً وقد بولِغَ في وصفه ، طبعاً بولغ من قبل أعداء الإسلام ، ولا تنسوا أيها الإخوة أن الكيد للمسلمين بدأ من عهد سيدنا عثمان على يد عبد الله بن سبأ ، الكيد قديم جداً ولا تنسوا أن أعداء الدين أعجز من أن يواجهوا الإسلام مواجهةً ، لكنهم يسلكون الأساليب الملتوية من أجل الكيد لهذا الدين، لا عن طريق مواجهته ، بل عن طريق الدسِّ فيه ، واسمعوا مني هذه الحقيقة : الآن العالم كلُّه مجمعٌ على محاربة الإسلام ، ولكن فيما أعتقد لا بطريقة المواجهة ، بل بطريقة التفجير الداخلي ، يعني أحياناً افتعال مذاهب في الإسلام غير صحيحة ، قراءاتٌ معاصرة للقرآن الكريم تسمح للفتاة أن تبدو عاريةً أمام الناس ، هذا شيء غير مقبول ، وغير معقول ، ولكن أعداء الدين يريدون أن يفجروه من الداخل ، فأن يُدَسَّ على التاريخ الإسلامي ، وأن تُدَسَّ في التاريخ رواياتٌ لا أصل لها ، فهذا مكرُ الماكرين الذين صوّروا الصحابة على أنهم حاقدون على بعضهم بعضاً ، يتوارثون العداوة والبغضاء ، هذا التاريخ ينبغي أن نتجاوزه لأنه ليس في صالح المؤمنين ، وأن يبقروا بطون الكتب ليعثروا على رواياتٍ أغلب الظن أنها غير صحيحة ، أو أغلب الظن أنه مبالغ به ، فلذلك أنا أنصح إخوتنا الكرام ، ألا تقرؤوا من التاريخ إلا ما هو مشرق ، والذي لا يعجبكم قيسوا أنفسكم عليه ، فأنتم أتيتم في آخر الزمان ، وكلُّ واحد منحكم يتمنى أن يرضي الله عزَّ وجل ، ويقف الموقف المشرف الكامل ، الموقف الذي يضع نفسه تحت قدمه إرضاءً لله عزَّ وجل ، أفمؤمنون أتوا في آخر الزمان على ضعفٍ منهم يقفون هذه المواقف المشرِّفة ، وأصحاب النبي عليهم رضوان الله الذين عاشوا مع النبي واستقوا من كماله ومن شمائله ومن علمه أيضيِّعون عملهم في الآخرة من أجل خلافٍ بسيط ؟!! فاحذروا يا أولي الألباب .

    على كلٍ إن شاء الله ربما تلوت على مسامعكم خطبةً ألقاها الإمام علي كرم الله وجهه ، ألقاها حينما توفي سيدنا الصديق ، قال له :(( كنتَ أشبَهنا برسول الله خَلْقاً وخُلُقاً ، سماك الله في كتابه صديقاً حيث قال : والذي جاء بالصدق وصدَّق به يريد محمداً ويريدك ، صدقته حينما كذبه الناس ، قمتَ معه لما قعدوا ، واسيته بمالك ...)) .

هذا كلامٌ يعبر عن معرفةٍ كبيرةٍ بهذا الصحابي الجليل ، وهذه روايةٌ صحيحة لأنها تتناسب مع مقام أصحاب رسول الله .

   إنني في هذا الدرس سألقي علي مسامعكم بعضاً من حكم هذا الإمام الجليل ، يقول : ((صدر العاقل صندوق سره ، والبشاشة حبالة المودة ، والاحتمال قبر العيوب)) .

ثلاثُ صفات ؛ اجعلْ صدرك صندوقاً لسرك ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود *

(كشف الخفاء للعجلوني بلفظ : إنجاح بدل من قضاء ، وذكره القرطبي في تفسيره للآية 5 من سورة يوسف)

والشيء الثاني "البشاشة حبالة المودة" ، الوجه الطلق ، الوجه البشوش ، هذا يسبب تأليف قلوب الناس لك ، هذا يسبب اكتساب الأصدقاء ، والاحتمال قبر العيوب ، أنت فيمن حولك لك أصدقاء ، لك إخوان ، لك أقرباء ، هؤلاء ليسوا معصومين ، فإذا حاسبتهم على كل واحدة ، ضج الناس من حولك وانفضوا عنك ، أما إذا احتملت أخطاءهم، فهذا من كرم الأخلاق ومن علو المقام عند الله عزَّ وجل ، الاحتمال قبر العيوب ، والبشاشة حبالة المودة ، وصدر العاقل صندوق سره .

   قال هذا الإمام الجليل : ((إذا أقبلت الدنيا على أحدٍ أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه ، سلبته محاسن نفسه)) .

   ومما جاء في بعض الحِكم التي قالها بعض حكماء الصين : ((اللهم ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول ، ولا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ)) ، فإذا وفّقك الله عزَّ وجل فكل مَن حولك في خدمتك ، وإذا لم يوفقك فمحاسنُك ، وعقلك لا تنفعك ، ومالك لا ينفعك ، بل كل ما تملكه يتلاشى، قال : ((إذا أقبلت الدنيا على أحدٍ أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه ، سلبته محاسن نفسه)) ، لذلك فسر بعض المفسرين قول الله عزَّ وجل :

( سورة طه )

آية عظيمة جداً ، أي إذا ألقى الله عليك محبته ، أي ألقى حبك في قلوب الخلق وهذه من أعظم النعم ، أيْ : أعظم نعمةٍ أن يمدحك الناس في غيبتك ، لكنَّ  الإنسان القوي قد يهابه الناس ، ولكنهم في غيبته يذمونه ، ويتحدثون عنه بما لا يريد ، فمقياس نجاحك مع الناس لا ما يقال في حضرتك ، بل ما يقال في غيبتك ، ومِن أجمل التوجيهات اللطيفة لحديث رسول الله عليه وسلم :إنّ أسرع الدعاء إجابةً دعوة غائب لغائب ، أو دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب " .

    فأنت متى تمدح أخاك في غيبته ؟ إذا كان محسناً ، أما إذا كان مسيئاً لا تمدحه ، لكن طبيعة الحياة والمجاملات تقضي مجاملته في حضرته ، أما حينما تمدح أخاً في غيبته ، فهذا دليلٌ قطعيٌ على أنه محسن ، إذًا هذا المحسن الذي يُمدَح في غيبته ، وإذا دعوت له فأغلب الظن أن الله يستجيب له، بل إن أسرع الدعاء إجابةً دعوة غائبٍ لغائب ، أو دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب ، إذًا فاسعوا من خلال سلوككم أن يمدحكم الناس في غيبتكم لا في حضرتكم .

   قال : ((خالطوا الناس مخالطةً إن متم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنوا إليكم)).

بعض الناس قد يقبض يده ، فأقرب الناس إليه يتمنى موته ، وبعض الناسِ أحياناً يبسط يده ، فأبعدُ الناس عنه يتمنى حياته ، وشتان بين من يعيش بين أُناسٍ يفدونه بأرواحهم ، وبين من يعيش مع أناسٍ ينتظرون موته .

   قال : ((خالطوا الناس مخالطةً إن متم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنوا إليكم)).

   قال : ((إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه)) .

موضوع الشكر أيها الإخوة مِن أرقى الأحوال ، ألا يكفينا أن الله عزَّ وجل يقول:

( سورة النساء )

فإذا آمنتَ ، وشكرتَ فأنت على الصراط المستقيم ، فأنت على المنهج القويم ، فأنت باتجاه الهدف الصحيح ، فأنت تحقق سر وجودك إذا آمنت وشكرت ، الشكر أيها الإخوة ، مستويات ، أبسطها وأدناها أن تعرف أن هذه النعمة من الله ، وثانيها أن يمتلئ قلبك امتناناً وحمداً لله، وثالثها أن ترد على هذه النعمة الجزيلة بخدمة الخلق ، لذلك أقول لكم دائماً في اللحظة التي يستقر فيها الإيمان في القلب يعلن عن نفسه بحركةٍ نحو خدمة الخلق والدعوة إلى الحق .

   ويقول هذا الإمام الجليل : ((أعجز الناسِ مَن عجز عن اكتساب الإخوان ، وأعجزُ منه مَن ضيَّع من ظفر به منهم)).

   أقول لكم بصدق : وسائل وأساليب كثيرة ، وجهود جبارة ، ومواقف ذكية جداً، إذا فعلتها اكتسبت ود أخيك ، لكنْ موقفٌ أحمقٌ واحد ، أو موقفٌ غير مسؤولٍ ، أو موقفٌ فجٌ واحد يصرفه عنك ، لذلك قال الله عزَّ وجل وهذه الآية أرجو من الله عزَّ وجل أن تكون عندكم واضحة ، يخاطب الله النبي عليه الصلاة والسلام ، يقول له يا محمد :

( سورة آل عمران )

   من هو ؟ هو سيد الخلق وحبيب الحق ، المعصوم ، الذي يوحى إليه ، الذي جاءه القرآن ، المؤيَّد بالمعجزات ، كل هذه الميزات لو أنه كان مع أصحابه فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله ، فأنت من ؟ إذا كان النبي على عظمته ، وعلى عصمته ، وعلى وحي الله له ، لو أنه كان مع أصحابه فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله ، فإذا كنتَ مؤمناً فلا تملك أي ميزة ، فإذا قسوت على الناس فمن باب أولى أن ينفض الناس من حولك ، إذًا التفاف الناس حولك ، وانفضاضهم من حولك ، مقياسان أشار القرآن إليهما ، وعليه فأعجزُ الناسِ مَن عجز عن اكتساب الإخوان :

***

ما كنت مذ كنت إلا طوع إخواني       ليست مؤاخذة الإخوان من شاني

إذا خليلي لم تكثر إساءته فأيــن       موضع إحساني وغفرانــــي ؟

***

    أنا أقول لكم هذا الكلام : بطولة أحدكم تتجلى في اكتساب الأصدقاء ، حتى إن كتباً أُلِّفت في العالم الغربي ، وطُبِع منها عشرات الملايين مِن النسخ " كيف تكسب الأصدقاء" ؟ هم يبحثون عن صديقٍ لينتفعوا به ، لكن المؤمن يبحث عن صديقٍ ليدله على الله ، وشتان بين الهدفين .

   يقول هذا الإمام الجليل : ((أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان ، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم)) .

   أنا ضربت أمثلة في هذين اليومين عديدة ، أن النجاح شيء عظيم ، وأيُّ نجاح؛ قد تجد إنسانًا نجح في التجارة لكنه بدأ عاملاً ، أو بدأ عاملاً متجولاً ، وانتهى إلى تاجر يتكلم بألوف الملايين ، فهذا نجح في التجارة ، وأحياناً ينجح الإنسان في الصناعة ، ويصبح صناعيًّا كبيرًا ، وأحياناً ينجح في العلم فيأخذ أعلى الشهادات ،و يكتب المؤلفات ، ويلمع صيته ، ثم ينال درجة نوبل مثلاً ، هذا نجاح ، فهناك نجاح بالعلم ، ونجاح بالمال ، حتى في مجال الدعوة إلى الله فهناك نجاح ، فالنجاح شيء عظيم ، والوصول إلى قمة النجاح لا بدَّ من أن يسلك طريقاً طويلة وشاقَّة وصاعدة وملتويةً ، وفيها أكمات ، وفيها حفر ، وفيها أشواك، وفيها حشرات ، فإذا وصل إلى قمة الجبل أي إلى قمة النجاح والله الذي لا إله إلا هو هناك عشرات الطرق الزلقة التي تجعله في قعر الوادي فليحذرْ ليبقى في قمة النجاح .

    هذه الكلمة أتمنى من كل قلبي أن تكون في كيانكم كلكم ، بطولتك لا في بلوغ قمة النجاح بل في البقاء في قمة النجاح ، فهنا يقول سيدنا علي : ((وأعجز منه من ضيَّع من ظفر به منهم)) .

   تذكرون أنّ هرقل حينما سأل أبا سفيان : أيتركه أصحابه ؟ قال : لا . الإنسان تتنامى علاقاته ، تتنامى محبته ، يتنامى ولاؤه ، يتنامى إكباره ، تتنامى استفادته ، فالتنامي دليل أن هذا الإنسان على حق ، وأنه مطبِّقٌ للسنة فلو حصل انفضاض من حوله فلديه خلل واضح جداً ، ((أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان ، وأعجز منه من ضيَّع من ظفر به منهم)) .

    وقال رضي الله عنه : ((من ضيعه الأقرب أتيح له الأبعد)) .

    إنّ الله رحيم فيمتحن الناس ، وأقرب الناس قد يتخلى عنك ، فإذا كنت مع الله سخَّر لك أبعد الناس ، لذلك قالوا : ((إذا كان الله معك فمَن عليك ، وإذا كان عليك فمَن معك؟)) ،  من ضيعه الأقرب أتيح له الأبعد ، كن مع الله ولا تبالِ ، فإذا رضي الله عنك سخَّر خصومك وأعداءك الألداء لخدمتك ، وإذا تخلى الله عنك ، تخلى عنك أقرب الناس إليك .

   وقال : ((تذل الأمور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير)) ، قد يقع الإنسان  في غضب الله ، وقد يكون مع ذلك ذكيًّا جداً ، وقد يكون متفوقًا جداً ، وقد يكون مِمَّن يُعِدُّ لكل شيءٍ عدَّته ، ثم يكون حتفه في تدبيره ، أي إذا أراد الله إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍ لبه ، لذلك إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ، ((تذل الأمور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير)) .

   قال : ((من جرى في عنان أمله عثر بأجله)) .

   حينمــا يفكر الإنسانُ تجـد خواطره تذهب عشرين سنة إلى الأمام ، وأحياناً ثلاثين سنة ، ولا يدري أن أجلّه بعد سنة واحدة ، فهذا المتأمِّل أحمق ، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام رسم خطًّا خارجًا من مستطيل ، وهذا الخط بعضه داخل المستطيل ، وبعضه خارج المستطيل ، ثم قال : هذا أجله وهذا أمله  .

   لقد كنت جالسًا يومًا أنتظـر في مكان ، وإلى جانبي رجلان يتحدثان ، قال أحدُهما : فلان أتْعَبَنَا كثيراً في كسوة بيته ، قال له الآخرُ : وكيف ؟ قال له : هو في حيرةٍ شديدة من التدفئة ، أيجعلها ظاهرةً أم باطنةً ؟ إنْ جعلها ظاهرةً ،ف ليس هذا من أرقى أنواع الأناقة ، وإن جعلها باطنة فربما فسدت فاضطر إلى تكسير البلاط ، قال : وبعد ستة أشهر استقر رأيه على أن يجعلها باطنة ، فبعد عشرين عاماً إذا فسدت سيمدِّدها ظاهرة ، كان يفكر مؤمّلاً أنْ يعيش عشرين سنة ، ومثل هذا كثير ، وما مِن إنسان توفاه الله إلا وفي ذهنه مشاريع إلى آماد طويلة جداً .

   قال : ((من جرى في عنان أمله عثر بأجله)) ، أما العاقل فإنه يجري في عنان أمله في الدار الآخرة ، وينهض في الدنيا ليعمل صالحاً استعداداً للدار الآخرة .

   ويقول هذا الإمام الجليل : ((أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم ، فما يعثر منهم عاثرٌ إلا ويد الله بيده يرفعه)) .

(انظر المقاصد الحسنة للسخاوي ، وكشف الخفاء للعجلوني)

كلام جميل جداً ، إنسان له ماضٍ ، فهذا حاطب بن أبي بلتعة صحابيٌ جليل ، ضُبِط متلبساً بخيانةٍ عظمى ؛ أرسل كتابًا إلى قريش مع امرأةٍ وهذا الكتاب يُفْشي سر رسول الله يقول لقريش : ((إن محمداً سوف يغزوكم فخذوا حذركم)) ، هذا الخبر في مقاييس العالم كله خيانةٌ عظمى يستحق الإعدام ، جاء الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام ، وأخبره الخبر فأرسل أحد أصحابه إلى المرأة وهي في الطريق فانتزع منها الكتاب ، واستدعى النبي حاطب بن أبي بلتعة ، قال له : ما هذا يا حاطب ؟ فقال سيدنا عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق . والقتل جزاء عادل له، ولكن هنا عظمة رسول الله ، قال : لا يا عمر إنه شهد بدرًا ، فالهدر أي أن تهدر للإنسان ماضيه ، تهدر له عمله الطيِّب لإساءةٍ كبيرة أو صغيرة ، فهذا ليس من المروءة ، دعه يا عمر فإنه شهد بدراً . وقال حاطب : يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت ، وذكر له عذرًا ، على أنه ليس له أحد من قريش يحمي أهله ، ((فأردت أن أجعل لي هذه اليد البيضاء فاغفر لي يا رسول الله)) ، فالنبي الكريم قال : ((إني صدقته فصدقوه ، ولا تقولوا فيه إلا خيراً)) .

   حتى إن كُتَّاب السيرة قالوا : ((نظر عمر إلى ذنبه ، ونظر النبي إلى صاحب الذنب ، فرأى أن ذنبه لحظة ضعفٍ طارئة ألمّت به ، فأعانه على نفسه ، وأنهضه ، وصلح عمله ، وأرسله بعد حين رسوله الشخصي إلى بعض الملوك ، واستحق أعلى مراتب الإيمان)) .

   إذًا ماذا يقول هذا الإمام الجليل ؟ ((أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلا ويد الله بيده يرفعه " أي إن الله عزّ وجل وفيٌّ ، فإذا كان لك ماضٍ طيِّب ، إذا كانت لك استقامتك، وأعمالك الصالحة ، ودعوتك إلى الله ، ثم حدث خطأ أخذَ الله عزّ وجل بيدك ، ليؤدبك ، ولكن الله عزّ وجل لا يتخلى عنك ، وهذا من أجلِّ الطمأنينة .

 فيا أيها الإخوة الكرام ، اطمئنوا ، فالله عزّ وجل ينمي الخير القليل ، ويأخذ بيدِ المؤمن كلما عثر ، أو كلما زلَّت به قدمه ، إذًا فالله عزّ وجل في عليائه يأخذ بيدِ المؤمن إذا عثر ، أفأنت لا تغفر له ؟ ولا ترحمه ؟ ولا تعفو عنه ؟ هذا كلامٌ كما يقال يكتب بماء الذهب .

   قال : ((قُرنت الهيبة بالخيبة ، والحياء بالحرمان ، والفرصة تمر مرّ السحاب، فانتهزوا فرص الخير))  .

   إنّ في الإنسان صفتين وهما : صفة الحياء ، وصفة الخجل ، الحياء فضيلة لكن الخجل صفة مذمومة ، فسيدنا علي أشار إلى أن الخجل أحياناً ترافقه الخيبة ، استحى يطالب بحقه ، استحيا أنْ يتقدم بطلب ، واستحيا أنْ يتكلم ، واستحيا أنْ يعرض ما عنده ، هذا الحياء أوصله إلى الخيبة ، وهذا الخجل نقله إلى الحرمان ، والفرص تمرُ سريعاً ولا تتكرر ، فانتهزوا فرص الخير ، فالأذكياء دائماً ينتهزون الفرص ، قال الشاعر :

***

إذا هبت رياحك فاغتنمها    فإن الريح عادتها السكـون

وإن درَّت نياقُك فاحتلبها    فما تدري الحليب لمَن يكون

***

هذا كلام طيب فالخجل يقودك إلى الخيبة ، والخجل أيضاً ينقلك إلى الحرمان ، والفرص تمرُ مرّ السحاب فانتهزوا فرص الخير ، هذا الكلام يؤكد قولَ النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : أنا مدينة العلم وعليٌ بابها *

(كشف الخفاء للعجلوني)

قال : ((إن من كفارات الذنوب العظام إغاثة اللهفان ، والتنفيس عن المكروب))، أي إن إغاثة اللهفان مِن كفارات الذنوب العظام ، فأنتم تسمعون أن امرأةً بغياً سقت كلباً يأكل الثرى من العطش فغفر الله لها ، فاللهفان إذا أغثتَه غفر الله لك ، واللهِ أنا سمعت أن أحدهم تمكَّن من الدخول إلى حجرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وبعض الخواص يتاح لهم أن يدخلوا إلى حجرة النبي عليه الصلاة والسلام وقد كُتِب في حجرة النبي حديثٌ شريفٌ له وهو : " أفضل المعروف إغاثة الملهوف " .

    قد حدثني مرة أخ فقال لي : كنت أركب مركبتي ، وقد أتيت من مكان بعيد، فوصلت إلى بلدة دمر الساعة الثانية عشر ليلاً ، فرأيت امرأةً وزوجها ومعهما طفلٌ صغير ، يبدو أنه مريض، فوقفتُ لهما ، وأسعفت الطفل الصغير من مستشفى ، إلى طبيب ، إلى الصيدلي ، حتى تماثل ، وذهب عنه الخطر ، وبقيت معهما حتى الساعة الخامسة صباحاً ، وهو مرهق ، ويقول لي وهو صادق يقول : عشرة أيام، وأنا منغمسٌ في سعادةٍ لا توصف ، إغاثة الملهوف ، أفضل المعروف إغاثة الملهوف ، من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب .

   وعلماء النفس يقولون : ((إن الذي يكذب يكشف نفسه من فلتات لسانه)) ، وقد قال الإمام عليٌ كرم الله وجهه يقول : ((ما أضمر أحدٌ شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه ، وصفحات وجهه ، ولحكمةٍ بالغة جعل الله صفحة الوجه مرآة النفس)) ، فإنك ترى في الوجه المودة وترى التسامح وترى العفة وترى الحقد وترى الكراهية ، كل ما يعتلج في النفس يطبع على صفحة الوجه وكأن الوجه وجه النفس ، لذلك ورد في الأثر: " ((لو كان الوجه الحسن رجلاً كان رجلاً صالحاً)) .

   ويقول هذا الإمام الجليل : ((أفضل الزهد إخفاء الزهد)) .

الشيطان له وساوسُ لا تنقطع ، فإذا صليت الليل فلا تقل : صليت قيام الليل ، أو تصدقت ، فكلما أخفيت أعمالك الصالحة كان هذا عوناً لك على أن تستخدمها في الإقبال على الله ، فقد يقال عنك : أنت منافق ، فعلت هذا ليقول عنك الناس كذا وكذا .   

    فإذا سكتّ أخرستَ الشيطان ، لذلك افعل بعض العبادات التي لا يستطيع الشيطان أن يقول لك : إنك ترائي بها ، ((أفضل الزهد إخفاء الزهد)) ، إنه كلامٌ رائع .

قال : ((إذا كنت في إدبارٍ ، والموت في إقبالٍ ، فما أسرع الملتقى)) ، إذا وجدتَ سيارتين باتجاه واحد ، وإحداهما أسرع من الثانية ، فإن اللقاء يكون صعبًا ، وقد يكون اللقاء مستحيلاً ، وقد تزداد المسافة بينهما سعةً وبُعْدًا ، أما إذا كان ثمّة مركبتان تتحركان باتجاهين متعاكسين ، فما أسرع اللقاء ولو أنهما بطيئتان ، فماذا يقول هذا الإمام الجليل ؟ يقول : " إذا كنت في إدبار ..." فالإنسان تتقدم به السن ، وهو في إدبارٍ من الدنيا ، والموت في إقبال فما أسرع المُلتقى ، لذلك أخطر حدث في حياتنا هو نهاية العمُر، وختام العمل :

( سورة الفجر )

وما أرى أعقل ممن يعد لهذه الساعة ولو كان شاباً .

    ويقول هذا الإمام الجليل : " الحذر الحذر فوالله لقد ستر حتى كأنه قد غفر ". أي أن الله أرخى الحبل ، يقول لك : لم يحدث لي شيء ، ليس مِن كلمة أغبى من هذه الكلمة ، اقترف المعاصي، وكسب المال الحرام ، وتعامل بالربا ، ونظر إلى ما لا يحل له،  فعل الأعمال السيئة ، ثم يقول : لم يصِبْني مكروهٌ ، لكنّ الإمـام قـال : (( الحذر الحذر فوالله لقد ستر حتى كأنه قد غفر )) ، أي أن الله يرخي الحبل لأنه لو عاقبك بعد المعصية وأكرمك بعد الطاعة لأُلغي الاختيار ودخلنا في الجبر والاضطرار ، الإنسان إذا جاءه العقاب فور المعصية والمكافأة فور الطاعة ، طبعاً سيطيع طمعاً في المكافأة ولن يعصي خوفاً من العقاب ، لم يعد مختارًا ، ولم يعد عبداً لله عزّ وجل " ((الحذر الحذر ، فوالله لقد ستر حتى كأنه قد غفر)) .

   وأنا أنصحكم صادقًا ؛ أن تقرؤوا في نهج البلاغة ، وهذا شيء جميل جداً .

   يقول هذا الصحابي الجليل : ((فاعل الخير خيرٌ من الخير ، وفاعل الشر شرٌ من الشر)) .

    هذا الذي ألقى على هوريشيما قنبلة ذرية ، سواء الذي ألقى والذي أمر بإلقاء هذه القنبلـة ، وها قد مضى عليها خمسون عامًا وأكثر ، وآثارها انتهت ، والبلدتان الآن قد عُمِرَتا ، وتمتلئان بالناس ، والقضية أصبحت في طِّي النسيان ، والآثار كأنها انتهت ، لكن هذا الذي أراد أن يفني ثمانمائة ألف إنسان في ثلاثة ثوانِ .. " فاعل الشر شرٌ من الشر " ، لأن الشر انقضى ، وانتهى ، لكنْ بقي الإثم الذي يعذَّب به في النار إلى أبد الآبدين ، وأنت أنشأتَ مستشفى ، أو أنشات ميتمًا ، أو بنيت مسجدًا ، وعملت أعمالاً جليلة، لا أقول لك تنقضي سريعاً ، وجاء يوم القيامة ، وانتهت هذه الأعمال ، فأنت أفضل منها لأنك تسعد بهذه الأعمال إلى أبد الآبدين ، نقطة مهمة جداً ((فاعل الخير خيرٌ من الخير ، وفاعل الشر شرٌ من الشر )) ، فالشر ينتهي بانتهاء العالم ، والخير ينتهي بانتهاء العالم ، ولكن ما الذي يبقى ؟ يبقى فاعل الشر في جهنم وبئس المصير ، وفاعل الخير في جناتٍ عرضها السماوات والأرض .

   قال : ((مَن أطال الأمل أساء العمل)) ، ضعف اليقين والأمل آفتان خطيرتان تضعف الإنسان .

     سيدنا علي رضي الله عنه يقول لابنه الحسن : ((يا بني احفظ عني أربعة وأربعة ، لا يضرك ما عملتَ معهُن ؛ إن أغنى الغنى العقل ، وأكبر الفقر الحمق ، وأوحش الوحشة العجب ، وأكرم الحسب حسن الخلق)) ، أيْ أغنى شيء تمتلكه هو العقل ..  وأشد الناس فقراً من كان أحمقَ ، وأوحش الناس من أُعجب بنفسه ، فانفض الناس مِن حوله ، أي إنه متكبر ، أكرم الحسب حسن الخلق .

    وهذا حكم فقهي جليل قال: ((لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض)) ، أسمع عن أُناسٍ كثيرين قاموا ليصلوا قيام الليل ، فضاعت عليهم صلاة الفجر،  والفجر فريضة ، أحيانًا تسمع عن شخصٍ يذهب الإنسان ليعتمر ، وترك ابنه بلا زواج فانحرف ، ((لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض)).

   واسمعوا لهذا التعليل قال : ((سيئةٌ تسوؤك خيرٌ عند الله من حسنةٍ تعجبك ))، عملت عملا طيبًا ما شاء الله ، فقد أصابه الغرور فلا أحد يستطيع أن يكلمه ، وأصبح فوق الناس ، وأصبح الناس عنده كلهم كفارًا ، لا والله ، لو قصَّرت تقصيرًا ، وهذا التقصير حملك على التواضع ، والتذلل ، والعبودية لله كان أفضل منه ، " ((سيئةٌ تسوؤك خيرٌ عند الله من حسنةٌ تعجبك)) .

   قال : " أسعد الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة " .

   قال : " من حذَّرك كمن بشَّرك " ، أي إذا حذرك إنسان ، وكان مخلصًا ، واستجبت له فكأنما أكرمك ، وبشرك بالنجاة .

   قال : " فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها " . أي إذا أنت وقفت موقف ذليلاً ، وتضعضعت ، وبذلت ماء وجهك أمام إنسان لئيم ، ولو شعرت بكرامتك لآثرت أن تفوتك هذه الحاجة على أن تقف هذا الموقف ، ولهذا الإمام الجليل قول مشهور وهو : ((والله والله مرتين ؛ لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين ، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين ، أهون عليّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين )) ، لأن فوت الحاجة أهون مِن طلبها إلى غير أهلها ، ((ومن جلس إلى غنيٍ فتضعضع له ذهب ثلثا دينه*

(كشف الخفاء للعجلوني ، واللآلئ المصنوعة للسيوطي)

 وعلى الإنسان أنْ ينتبه .

    وقال : ((لا تستحيِ من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه)) ، فقدِّم ما عندك .. (( لا تستحيِ من إعطاء القليل ، فإن الحرمان أقل منه)) .

    قال : ((إذا تم العقل قل الكلام)) ، الإنسان يزين كلامه .. يتكلم فيغنم أو يسكت فيسلم ، هذا هو العقل .. ((إذا تم العقل قل الكلام))  .

   قال : (( من نصَّب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ، ومعلِّم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم)) .

   قال : (( نَفَسُ المرء خطاه إلى أجله )) ، أي كل نَفَسٍ يقدِّمنا خطوة ، كالعدِّ التنازلي .. ((نفس المرء خطاه إلى أجله)) .

وقال : ((كل معدودٍ منقضٍ ، وكل متوقعٍ آت)) ، مادام الشيء يُعدُّ ينتهي فهو سينتهي يومًا مِن الدهرِ ، الواحد يعيش ستين سنة ، أو سبعين سنة ، ثم تنتهي وتنقضي .

 مرة قرأت كتابًا مِن أربعة أجزاء اسمه قصص العرب وهو ممتع جداً كلها قصص واقعية ، بعد أن قرأت الكتاب وجدت فيه عبرةً عظيمة ، أن هؤلاء الذي قرأت عنهم بعضهم ملوك ، وبعضهم قوَّاد ، وبعضهم علماء ، وبعضهم حكماء ، وبعضهم حمقى ، وبعضهم صعاليك ، وبعضهم أذكياء ، وبعضهم أغبياء، هؤلاء جميعاً من دون استثناء كلُّهم الآن تحت الثرى ، قلت : وسيأتي علينا جميعاً يوم لا ترى فوق التراب إنْسِيًّا ولا مخلوقًا ، لو قلنا سنة ألفين وخمسمائة فهل سيوجد واحد منا فوق التراب ؟ لن يبقى منا أحد على وجه الأرض ، وأعتقد قبل هذا الرقم يكون ، ألفين وثلاثمائة ، ألفين ومائتين ، ألفين ومائة لا يوجد أحد ، كل من في هذا المكان تحت أطباق الثرى ، إذًا : ((كل معدودٍ منقضٍ وكل متوقعٍ آت وكل آتٍ قريب)) .

   له خطاب رائع يخاطِب به الدنيا ، فقال : ((يا دنيا يا دنيا إليك عني - أي ابتعدي عني-، ألي تعرضتِ ؟ أم إليَّ تشوفتِ ؟ لا حان حينك ، هيهات ، غُرِّي غيري ، لا حاجة لي فيكِ ، قد طلقتكِ ثلاثاً لا رجعة فيه ، عيشكِ قصير ، وخطوكِ يسير ، وأملكِ حقير ، آهِ من قلَّةِ الزادِ ، وطول الطريق ، وُبْعدِ السفر ، وعظيم المورد " .

ومن أروع ما قال هذا الإمام الجليل في القضاء والقدر عندما سأله أحدٌ : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاءٍ من الله وقدر ؟ وبعد كلامٍ طويل قال : ((ويحك لعلك ظننت قضاءً لازماً ، وقدراً حاتماً ، لو كان ذلك كذلك لبطُل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد ، إن الله تعالى أمر عباده تخيراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلَّف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعْصَ مغلوباً ، ولم يُطَعْ مكرهاً ، ولم يرسل الأنبياء لعباً ، ولم ينزل الكتاب للعبادِ عبثاً ، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ، ذلك ظنُّ الذين كفروا ، فويلٌ للذين كفروا من النار)) .

    هل كان هذا الإمام جبرياً في عقيدته ؟ أبداً إنه يؤمن أن الإنسان مخير ، لو كان هناك جبر لبَطُل الوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، والجنة والنار ، والتكليف والأمانة والتبعة والمسؤولية، وأصبح إرسال الأنبياء لعبًا وعبثًن ، وإنزال الكتب عبثًا ، وانتهى كل شيء ، فما مِن إنسان يعتقد عقيدة الجبر إلا زلَّ وضلَّ  .

قيمة كل امرئٍ ما يحسنه ، أما في آخر الزمان فقيمة المرء متاعه ، أي ثمن بدلتك ، ونوع سيارتك ، وموقع بيتك ، ومساحته ، وآثاثه ، والتحف ، والفضيات المذهبات ، والكريستال ، والسجاد ، هذه هي مكانتك ، وقد يكون صاحبُ هذا المتاع أحقرَ إنسان ، يقول سيدنا علي : ((قيمة المرء ما يحسنه)) ، أما في آخر الزمان قيمة المرء متاعه ، والإنسانُ في زمن التخلف يستمد مكانته من المظاهر الخارجية .

   وكان سيدنا علي رضي الله عنه فَطِنًا ، فمرة أثنى عليه أحدُهم ، وكان منافقًا فقال له : ((أنا دون ما تقول ، وفوق ما في نفسك)) .

   قال : ((مَن ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله)) ، اسمعوا هذا الكلام الدقيق قل: لا أدري وأنت في أعلى درجات العلم ، قل : لا أدري ولا تستحي قال : " من قال لا أدري فقد أفتى " إذا سألت واحدًا ، وقال لك : واللهِ لا أدري ، فإن هذا عالم حقيقةً ، لأنه من شدة ورعه خاف أن يتكلم بشيء من غير علم ، فقال : ((من ترك لا أدري فقد أصيبت مقاتله)) ، أي أنه انتهى ، بأنْ أَضاع علمه ومكانته ، والإمام مالك جاءه وفد من المغرب العربي ، سار إليه ثلاثة أشهر ، ومعهم ثلاثون سؤالاً ، فأجاب عن سبعة عشر ، والباقي قال فيها : لا أدري ، معقول وأنت إمام ؟!! قال لهم : ((قولوا لمن في المغرب الإمام مالك لا يدري)) بهذه البساطة ، أولاً : من الأقول الشهيرة : ((نصف العلم لا أدري)) ، و : ((من قال : لا أدري فقد أفتى)) ، وهنا : ((من ترك قول لا أدري فقد أصيبت مقاتله)) .

   وقال هذا الإمام الجليل : ((عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار)) ، لماذا القنوط قل : أستغفر الله .

   وقال : ((من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه ، ومن كان له من نفسه واعظٌ كان عليه من الله حافظ)) .        

   واللهِ هذا كلام يكتب بماء الذهب ، ((من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس)) ، فإنْ يكون قلبك عامرًا مع الله فالكل يحبونك ، ((ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه)) ، أي تأتيه الدنيا وهي راغمة ، ومن كان له من نفسه واعظٌ كان عليه من الله حافظ .

   وقال هذا الإمام الجليل : ((إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرئف الحكم )) ، أي إن للموجه الراقي الداعي أنْ يمرح ويمزح ، فالمرح أحياناً يكون مفيد جداً يلين القلوب ويجدد النشاط ، وعلى الإنسان أنْ يكون بسَّامًا ضحَّاكًا فَكِهًا ، وكان النبي يمزح مع أصحابه ، ولا يمزح إلا حقاً ، قال : ((روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت))  ، وقال الإمام عليّ: ((إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم)) .

   ففي الطعام يقولون : " اجلس إلى الطعام ، وأنت تشتهيه ، وقم عنه وأنت تشتهيه " أي إنك إذا تكلمتَ تكلمْ على شوق ، وقم والناس يشتهون أن تبقى متكلمًا .

وآخر حديث : ((اللهم إني أعوذ بك من الفتنة لأنه ليس أحدٌ إلا وهو مشتملٌ على فتنةٍ ، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن)) ، فإن الله تعالى يقول :

( سورة التغابن )

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi