English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا علي بن أبي طالب  : الدرس 5/ 8  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

الموضوع         :  من أقواله وحكمه .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

           وبعد ، فمع الدرس الخامس والخمسين من دروس سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، ومع الدرس الخامس من سيرة الإمام الكبير سيدنا علي بن أبي طالب كرَّم الله تعالى وجهه ، ولقد تحدَّثنا في الدرس الماضي  عن طائفةٍ من أقوال هذا الإمام ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

((أنا مدينةُ العلم وعليٌ بابها)) .

[الحاكم في المستدرك عن ابن عباس برقم(4637)]

        وكلما قرأنا من أقوال الإمام قولاً وجدنا في هذا القول مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام فيقول هذا الإمام الجليل : ((من كرُمتْ عليه نفسُه هانت عليه شهواتُه)) .

        في الإنسان شهواتٌ ، وهي قُوى ضاغطة ، من كَرُمت عليه نفسه ، أيْ : مَن عَرَف قدرَ نفسِه ، ومن عرَف سرَّ وجوده ، ومن عرف لماذا خلقه الله عزّ وجل ، من عرف عظمة الدار الآخرة وما فيها من نعيمٍ مقيم ، من عرف أنه المخلوق الأول والمكرَّم والمكلَّف يضع شهواته تحت قدمه، وهذه هي البطولة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

 ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)) .                           

                                      [صحيح البخاري برقم (5763) ، تحقيق د : مصطفى البغا]

ليس من يقطع طُرقًا بطلاً        إنما مَن يتقي اللهَ البطلُ

بعضهم لخّص الحضارة الغربية بكلمتين فقال : " سيطرةٌ على الطبيعة " ، وبعضهم لخص الحضارة الإسلامية بكلمتين فقال : " سيطرةٌ على الذات " ، غير المؤمن كالحيوان الجموح ، يتحرَّك بلا ضوابط ، بينما المؤمن مقيدٌ بالأمر والنهي ، لذلك إذا دعته شهوته إلى معصية الله جعل شهوته تحت قدمه ،(( من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته)) .

        بالمناسبة ما كان الله ليعذب قلباً بشهوةٍ ترَكها صاحُبها في سبيل الله ، أيُّ إنسان إذا شعر بنزوعٍ نحو شهوةٍ ما ، وترك هذه الشهوةَ لله ، فما كان الله ليعذب قلبه بهذه الشهوة ، بل إنّ الله سبحانه وتعالى يرزقه حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه ، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((من غض بصره عن محارم الله رزقه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه)) .

      أيُّ منظرٍ جميلٍ تتوق له النفس ، فإذا قلت : إني أخاف الله رب العالمين ، أعطاك الله سعادةً تفوق هذه الشهوةَ التي حرمت نفسك منها بملايين المرات ، وهذا هو سر الدين ، فأنت إنسانٌ لك جسم ، ولك نفس ، جسمك له طباع ، ونفسك لها خصائص ، نفسك مفطورةٌ على معرفة الله وعلى طاعته ، وجسمك مفطورٌ على الراحة ، لذلك كل التكاليف تتناقض مع طبع الإنسان ، وكلامي دقيق ، كل التكاليف تتناقض مع طبيعة الإنسان ، وكل التكاليف تتوافق مع فطرة النفس ، فالإنسان جسمه أو طبع جسمه يميل إلى الراحة ، وهذا الطبع يتناقض مع صلاة الفجر ، جسمه وحاجات جسمه تتناقض مع الأمر بالإنفاق ، يحب قبض المال لا إنفاق المال ، ويحب الخلود إلى الراحة ، لا ترك الفراش عند صلاة الفجر، لكن إذا انتصر على جسده للحظات أمتع نفسه بفطرته، فالفطرة متوافقةٌ مع الأمر والنهي ، الإنسان لا ترتاح نفسه إلا إذا أطاع الله عزّ وجل ، لا ترتاح نفسه إلا بطاعة الله ، لكن جسمه قد تتناقض حاجاته مع الأمر والنهي ، الصيام يتناقض مع حاجات الجسد ، غض البصر يتناقض مع حاجات الجسد ، إنفاق المال يتناقض مع حاجات الجسد ، أداء الصلوات يتناقض مع حاجات الجسد ، إذًا هذا معنى قول الله عزّ وجل :

( سورة الليل )

( سورة النازعات )

" من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته " ، وهذه الشهوة كلما عظَّمتها ورأيتها شيئاً مهمًّا كلما ضعفت طاعتك لله عزّ وجل .

       ويقول هذا الإمام الكبير : " زهدك في راغبٍ فيك نقصان حظ ٍ، ورغبتك في زاهدٍ فيك ذل نفسٍ " . عوِّد نفسك أن الذي يقبل عليك أعطه روحك ، أعطه اهتمامك ، أعطه حبك ، أعطه كل ما تملك ، والذي يزْوَرُّ عنك كن أنت أشد ازورارًا عنه ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما ورد عنه يقول :" لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له ".

      فإذا صاحبت من يعرفون قدر إيمانك ، وأنت مؤمن ، ودخلُك محدود فهؤلاء أنت عندهم مكرَّم ، إن صاحبت أهل الغنى ممن هم ضعاف الإيمان لا يرون لك قيمةً عندهم ، أول سؤال يواجهونك به عن دخلك ، فإذا كان دخلك قليلاً ازْوَرُّوا عنك ، هم زاهدون فيما عندك من إيمان ومن علم ومن حكمة ، يقيمونك في ضوء مالك ، وأنت إذا دخلت على بيوتهم رأيت أن الله عزّ وجل لم يعطك شيئاً ، وقد ورد هذا :" من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط " .

       إذًا لا تصحب مَن لا يرى لك مِنَ الفضل مثلَ ما ترى له ، مِن هنا فلتُصاحِب المؤمن إذًا ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :" لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ " *                     

( سنن الترمذي )

       إن صاحبت مؤمناً فإنه يعرف فيك الشيء الكثير ، يعرف قيمة إيمانك وقيمة ورعك وقيمة علمك وقيمة حكمتك ، تشعر أنك معززٌ مكرمٌ محبوبٌ عنده ، أما إذا صاحبت أهل الدنيا ازدروك وازدروا إيمانك ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام : "من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه" .

     والحقيقة أحد أنّ أسباب التوفيق أن تعرف من تصاحب ، وقد ورد في الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري : " لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ولا يدلُّك على الله مقاله "

         أي هو متصل بالله عزّ وجل ، هذا الاتصال من علامته أنك إذا جلست إليه امتلأ قلبك سروراً ، أنست به ، والدليل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءه سيدنا الصديق مع سيدنا حنظلة ، وقد رأى الصديق حنظلة يبكي فقال له : ما لك يا حنظلة ؟ قال : نافق حنظلة، قال: ولمَ يا أخي ؟ قال : نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل ننسى ، فقال : أنا كذلك يا أخي انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انطلقا إليه قال : " أما أنتم يا أخي فساعةٌ وساعة ، أما نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم ".

 

       إذًا فإن المؤمن ثباتُه باتصاله بالله ، وإقباله على الله ، وأن قلبه مهبطٌ لتجليات الله ، ويصبح مصدرَ إسعاد للآخرين ، لذلك قيل : "أولياء أُمتي إذا رُؤوا ذكر الله بهم " .

 

       وأنا أقول لكم : واللهِ ليس في الدنيا شيءٌ أسعد مِن أنْ تجالس مؤمناً ، وإذا جلست مع غير المؤمن تحس بالقهر ؛ هو يائس ، أو بَطِر ، أو متكبِّر ، أو مستعلٍ ، أو مسحوق ، أو مقهور ، متشائم ، مشرك ؛ أما إذا جلست إلى مؤمن تصبح معه متفائلا لأن الأمر بيد الله ، هؤلاء الذين تظنونهم أقوياء في العالم كلهم بيد الله ، وكلهم في قبضة الله ، ونحن ما إن نصطلح مع الله عزّ وجل حتى ينصرنا عليهم ، إذًا " إن زهدك في راغبٍ فيك نقصان حظ "  إنسان يحبك ويقدرك ، طَلَبَ زيارتك أتقول له : ليس عندي فراغ ، هذا نقصان حظ " ورغبتك في زاهدٍ فيك ذل نفس " واللهِ هذا كلامٌ دقيق ، وهذا القول تسمعونه مني كثيراً جداً : " الغنى والفقر بعد العرض على الله " إنّ الحياة أمدُها قصير ، وشأنها حقير ، فالغني فيها غنيٌ لأمدٍ محدود ، والفقير فيها فقيرٌ لأمدٍ محدود ، لكنّ العطاءَ الحقيقيَّ هو ما كان أبدياً سرمدياً ، فمن ضعف تفكير الناس أنهم يعطون الدنيا حجماً كبيراً فيقولون لمن كان غنياً فيها : هنيئاً له ، وأنصح لكم في هذا الموضوع أنْ تقرؤوا قصة قارون :

( سورة القصص )

         وهذا الكلام لنا جميعاً ، لو كنت في الدرجة الاجتماعية الدنيا ، ولو كان دخلُك مِن أقلِّ الدخول ، ولو كنتَ من أدنى الناس : مَن إذا حضر لم يُعرَف ، ومَن إذا غاب لم يُفتَقد ، فلا تبتئس إنْ كنتَ في رحاب الإيمـان ، فأنت الأكرم ، ألم يدخل على النبي رجلٌ قال له : أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه ؟ قال : أنا ؟ قال : نعم يا أخي خاملٌ في الأرض علمٌ في السماء . فأنت لو كنت في الدرجة الدنيا في المجتمع وكنت مع الله يجب أن تشعر أنك الفائز والمتفوق والفالح والناجح وأن العاقبة لك وأنك حققت كل النجاحات .

       ويقول هذا الإمام الجليل : " الإيمان أنْ تُؤثِر الصدق حيث يضرُّك على الكذب حيث ينفعك، وألا يكون في حديثك فضلٌ على عملك ، وأن تتقي الله في حديث غيرك " . طبعاً أحياناً الإنسان تنسجم مصالحه مع الشرع ، لا ندري أهذا هو الإيمان ، أم هذه مصالحه ؟ أي عليه مبلغ من المال دَيْنًا ، ومع خصمه سندٌ ، وخصمه إنسان مُخيفٌ ، فإن لم يدفع هذا المبلغ أقام عليه دعوى ، وحَجَزَ على أملاكه ، وَشَوَّه سمعته في البلد ، فإذا بادر إلى دفع هذا المبلغ نجا وحفظ قدْرَه ، وهذا سلوك مدني ، أما الأمانة فهي غير هذا ، فهذا أمين ، لأنه يتعامل مع الله سبحانه .

      لقد ألقيتُ درساً في المسجد قبل عام أو عام ونصف عن الأمانة ، وذكرت فيه نقطة دقيقة : أن الأمانة لا تكون أمانةً كما أرادها الله عزّ وجل إلا بحالاتٍ دقيقة وخاصة ، منها ؛ أن إنسانًا أعطاك مبلغًا ضخمًا من دون أن يأخذ منك إيصالاً ، ومن دون أن يُعلِم أحداً من البشر ، حتى أهله، ثم مات فجأةً ، فذهبتَ إلى الورثة بعد موته ، وقلت لهم : إن هذا المبلغ أمانةٌ لكم عندي فخذوه ، هذه هي الأمانة ، أي أنك لست مُداناً في الأرض ، وبعد أقلَّ من عام عرَّجتُ على هذا الموضوع بسرعةٍ في جامع النابلسي ، فجاءتني ورقة مِن أحد الحضور ، وأنا واللهِ أعتز بها ، وهي عندي في البيت ، قال فيها صاحبُها : أنا بِناءً على درس الاثنين في جامع العثمان دفعتُ عشرين مليونًا لجهةٍ لا تملك وثيقةً ، ولا معرفةَ لأحدٍ بهذا المبلغ ، فكانت هناك شراكة لي مع رب هذه الأُسرة ، والشريكُ لم يُعلِم أحداً بهذا المبلغ ، وتوفي فجأةً ، فقال لي : بناءً على هذا الدرس دفعت هذا المبلغ ، إذًا هذه هي الأمانة حقًّا .

       العفو ، وهو أن يكون هناك إنسان نال منك أشدَّ النيل ، ثم أصبح في قبضتك ، وبإمكانك أنْ تسحقه ، فعفوت عنه ، هذا هو العفو ، لذلك مكارم الأخلاق شيء ثمين جداً ، فالإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك ، على الكذب حيث ينفعك " هذا هو الإيمان و " ألا يكون في حديثك فضلٌ على عملك " كلما تطابقَ الحديثُ مع العمل كنتَ أقربَ إلى الإيمان ، وكلما صارت ازدواجية ، وجرى الكلام للاستهلاك ، وكنتَ في وادٍ آخر ، فهذا بعدٌ عن الإيمان .

    وقال هذا الإمام الجليل : " الغيبة جُهد العاجز " أي أن الناجح في حياته ، الموفَّق هذا ليس عنده وقتٌ ليغتاب الناس ، لأن الوقت ثمين ، كان أحد علماء دمشق الكبار الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى ، كان إذا مرّ بمقهى يقول : يا سبحان الله ، لو أن الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم"، أي أن الوقت أثمنُ شيء في حياة المؤمن ، واللهِ لو شققتَ على صدر مؤمن لتمنى أن يكون اليومُ عنده مائة ساعة ، ولهذه الساعات المائة ما يملؤها كلها ، لأن رأس مالك هو الوقت ، فأنت بالوقت تعرف الله ، بالوقت تزداد علماً ، بالوقت تزداد قرباً ، بالوقت تزداد عملاً ، بالوقت تصطلح مع الله، بالوقت تتوب ، فأنت وقت ، أو الوقــت غلاف عملك ، ودائماً وأبداً ضع في ذهنك أن أتفه أعمارك هو العمر الزمني ، أي المسافة الزمنية بين الولادة والموت ، لكن العمر لا يقيَّم بهذه المسافة الزمنية ، أو هذه المدة الزمنية ، بل يقيم بحجم العمل الصالح ، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح والدليل :

( سورة الأحقاف ) 

وسوف أضرب الآن مثلاً ، وهو أن الإنسان إذا جلس في حمام ، أو في حوض في الحمام ، والماء فاترٌ ، يرتاح جداً ، ولكن إذا جلس فيه أيصبح طبيباً ؟ لا يصبح طبيباً فهو مستمتع ، ففي الدين أشياء ممتعة ، لكن لا ترفعك عند الله ، لكن هؤلاء الأشخاص العظام الذين تركوا بصمات واضحة في مجتمعاتهم ، هؤلاء الذين جدَّدوا الدين ، هؤلاء ما اكتفوا بأحوالِ الرخاء ، ولا اكتفوا بسلامة الصدرِ ، ولا اكتفوا بانسحابٍ من المجتمع ، ولا اكتفوا براحة نفسٍ ، هؤلاء بذلوا جهداً ، وفتحوا بلادًا ، ونشروا علمًا ، وأسسوا مدارس ، وتركوا آثارًا كبيرة جداً .

 فاحفظوا هذه الكلمة أيها الإخوة ، حجمك عند الله بحجم عملك ، وكلما ازداد مقامك عند الله قدَّر اللهُ على يديك العمل الصالح ، لذلك " اللهم ارزقنا حبك ، وحب من يحبك ، وحب عملٍ صالحٍ يقربنا إلى حبك " ، والأدلة كثيرة أيها الإخوة ، هذا الذي يأتيه مَلَكُ الموت ماذا يقول؟

( سورة المؤمنون )

الإنسان إذا جاءه ملك الموت لا يندم إلا على عملٍ صالحٍ فاته ، فلذلك : " الغيبة جهد العاجز " الإنسان التافه العاجز الذي لا ليس عنده شيء يقدمه للأُمة ، و ليس عنده شيء يقدِّمه لربنا عزّ وجل ، بل شغْلُه الشاغل هو أنْ يقيِّم الناس وينتقدَهم ، طبعاً فضلاً أنّ هناك نهياً قرآنياً واضحاً بألاَّ يغتب :

( سورة الحجرات : آية " 12 " )

أمَّا التافهون فهم الذين يمضون الوقتَ كلَّه في الحديث عن الناس ، مالكَ ولهم ؟ اجعلْ شعارَك أنَّ لك مقاماً عند الله بحسب استقامتك وإخلاصك وعملك الصالح ، هذا المقام لا يتزعزع لا بمدح المادحين ولا بذم الذامِّين ، والدليل : " ابتغوا الرفعة عند الله " ..

( سورة الإسراء )

كلامٌ دقيقٌ جداً : " الدنيا خلقت لغيرها ولم تخلق لنفسها "، ليست هي هدفاً ، ليست مقصودةً لذاتها، أيْ إذا أردت الدنيا للدنيا فهي أحقرُ مِن أن تُطلَب ، لكنك في الدنيا تعرف الله ، وفي الدنيا تعمل الصالحات ، وفي الدنيا تصطلح معه ، لذلك يوم القيامة إذا دخل المؤمنون الجنة :

( سورة الزمر )

فالجامعة هل هي مقصودة لذاتها ؟ لا ، قد يكون الجوُّ في الجامعة غيرَ مريح ، الجوُّ أميلُ للبرد ، والمقعد غير وثير ، لأنه خشب ، وليس للمسند انحناء ، بل إنه زاوية قائمة ، وجلوسٌ على هذا المقعد عشر ساعات في اليوم ، نحن كنا في دبلوم التربية عندنا اثنتي عشرة ساعة في اليوم ، على مقعد عرضه خمسة وعشرون سم ، واثنا عشر طالبًا في مقعد ، واثنا عشر ساعةَ تدريس ، أما المقعد المريح جداً فهو في البيت ، وفي القصور ، وفي الفنادق ، فالجامعة ليست مقصودة لذاتها ، يجب أنْ تتخذها مطيةً للعلم والمعرفة ، وكذلك الدنيا ، فإنّ الإنسان الذي قصدها لذاتها هو أحمق ، والحديث :" إياك عبد الله والتنعم ، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ".

      والله سمعت عن إنسان عمل مشروعًا لا يرضي الله عزَّ وجل ، بل يغضب الله عليه ، المشروع قائم على الموبقات ، ما إن افتتح هذا المشروع ومضى على افتتاحه أسبوعان حتى مات صاحبُه ، وترك ألفاً وثمانمائة مليون ، إنه أحمق ، وأخطر عمل هو الذي يتجدد إثمه بعد موت صاحبه ، لأن الإثم مستمر ، إذًا هو غبي ، وأعظم عمل هو الذي يتجدد ثوابه بعد موت صاحبه ، فالذين تركوا صدقاتٍ جارية ، تركوا علماً يُنتفع به ، تركوا أولاداً أبراراً ، تركوا مشروعاً خيرياً، فالخيرات تأتيهم بعد موتهم إلى أبد الآبدين ، فالدنيا خلقت لغيرها ، ولم تخلق لنفسها ، أي لا بد من الحياة  الدنيا ، ولا تتوهَّمْ وتركنْ لِمَن يقول : (يا ليت سيدنا آدم لم يأكل التفاحة ، لبقينا في الجنة)، لا ، أليس هناك دليل على أنه لا بدّ أنْ نكونَ على الأرض ؟ بلى ، قال تعالى :

( سورة البقرة : آية " .3 " )

      في الأرض ، حتى لو أنّ سيدنا آدم لم يأكل التفاحة فلابدَّ أنْ يهبط إلى الأرض ، لأن الأرض مزرعة الآخرة ، الدنيا مزرعة الآخرة، أي نحن مثل الجامعة تماماً كل الميزات لا تكون لأصحاب الشهادات العُليا إلا إذا مرّوا في هذا الدرب الإجباري ، والمتفوِّقون في اختصاصاتهم درسوا في الجامعة ، لابدَّ من الجامعة ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :" ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ، ولا من ترك آخرته لدنياه إلا أن يتزوَّد منهما معاً فإن الأولى مطيةٌ للثانية ".

        الدنيا عند المؤمن محبَّبة ، ولكن لا يحبها لذاتها ، بل يحبها لأنها طريقٌ إلى الجنة ، يحبُّ الزواج لأنه بالزواج يعمل الصالحات ، بالزواج ينجب أولاداً أبراراً ، يحب العمل ، لأنه بالعمل يكسب المال وبالمال يرقى إلى الله عزّ وجل ، دائماً الدنيا مطلوبةٌ لغيرها لا لذاتها ، فإذا طلبتها لذاتها فقد حبط العمل ..

       وقال : " قليلٌ مُداوَمٌ عليـه خيرٌ من كثيرٍ مملولٍ منه " هناك قاعدة لتناول الطعام وهي : "اجلس للطعام ، وأنت تشتهيه ، وقم عنه ، وأنت تشتهيه " هذه قاعدة ذهبية تقاس على كلِّ شيء ، أي اجعل أعمالك دائمةً ، ولو أنها قليلة ، فإن هذا الدوام يعطيك الثقة ، ويعطيك تراكمًا ، ويعطيك ثباتًا ، ويعطيك رقيًّا ، أما هذا الذي يفور ثم يهمد ، يُقبِل على العلم إقبالاً مذهلاً ثم يغيب شهراً ، وشخصيات كثيرة من هذا النوع ، إذا أقبل فإقباله عجيب ، وإذا أدبر فبإدبارٍ عجيبٍ ، هذا التذبذب الحاد في علاقة الإنسان مع الله هذا ليس في صالحه ، لأنه حينما يصعد صعوداً مفاجئاً قد لا يستطيع المداومة عليه فيهبط ، إذا هبط أصبح معه ردة فعل معاكسة ربما انزلقت قدمه في هذا الهبوط ، وربما انتكس ، لذلك عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

"  سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ "*                         

( صحيح البخاري )

        فإنْ درسٌ من الدروس أعجبك فالزمه ، وبعد شهر أو شهرين أو ثلاثة تشعر أنك تقدمتَ وتراكمتْ عندك قناعات ، هذه القناعات حملتك على عمل معين ، أي كما يقول العامة : الثبات نبات ، وأنت في الإيمان تحتاج إلى ثبات ، لك دفع ثابت هذا الدفع أُثبت عليه حتى ترقى عند الله ، لك صلواتٌ ثابتة لك ذكرٌ ثابت لك تلاوةٌ ثابتة لك عملٌ ثابت .

           ويقول هذا الإمام الجليل : " الناس أعداءُ ما جهلوا " الناس العوام أعداء ما جهلوا ، وهذا يسمونه مبدأَ العطالة ، فالجسم المتحرك يرفض الوقوف والسكون ، والجسم الساكن يرفض التحرك ، ففي الفضاء لا يوجد قوى احتكاك ، فإذا أعطي هذا القمر سرعةً ابتدائية حافظ عليها إلى ما شاء الله ، نظرياً طبعاً ، لكن هو له عمر ، فالجسم إذا أعطي سرعة ابتدائية يتحرك ويحافظ على حركته ، وإن سكن يحافظ على سكونه ، فالأجسام الساكنة ترفض الحركة ، والأجسام المتحركة ترفض السكون ، وأنت إذا كنت في مركبة وتوقفت فجأةً فأنت ترفض السكون ، بل تهجم إلى الأمام ، إذًا لا بد لك من حزام الأمان ، لأنك على هذا المبدأ إذا توقفتِ المركبة فجأةً لأمرٍ قاهر ، وأنت في المركبة ، وأنت لست لاصقاً بها ، يرفض جسمُك السكونَ ، فتهجم إلى الأمام ، وربما أصابك مكروه .

        هذا مبدأ فيزيائي ، يا ترى هل الإنسان العاقل مادة ؟ فكل إنسان هبط مستواه عن المستوى الإنساني إلى مستوى الجماد يرفض الجديد ، يرفض أنْ يصغيَ لدعوةٍ إلى الله عزَّ وجل، فيقول : هكذا نشأنا ، هكذا رُبِّينَا ، هكذا نحن ، هكذا عاداتنا ، هكذا ترتيبنا ، هكذا تقاليدنا ، هذا كلام الجُهَّال!! الذي يقول هذا الكلام هبط إلى مستوى الجماد ، أي هذا مبدؤه ، مبدأ العطالة ، إذا كان ساكناً يرفض الحركة ، وإنْ كان متحركًا يرفض السكون ، أما المؤمن فقد جاءته رسالة من الله عزَّ وجل ، يقرؤها ، والقرآن رسالة الله للبشر جميعهم .

       فهذا الذي يعادي ما يجهل ، أحمقُ كبير ، مغرورٌ خطير ، الناس أعداء ما جهلوا ، يا أخي أصغِ ، ولا تكنْ كالذي يحكم على الأمورِ مسبقاً ، من دون فحص، من دون درس ، من دون تأمُّل، من دون دراسة ، فلذلك .

( سورة الحجرات )

           والإنسان لا ينبغي أن يكون إمَّعة ، مَن هو الإمعة ، الذي ينحرف مع الناس ، إنْ أحسنوا أحسن ، وإن أساؤوا أساء ، وطِّن نفسك على أن تكون حراً ، على أن تكون استقلالياً في قراراتك ، على أن تكون متحركاً وفق قناعاتك ، لا وفق ما يُملى عليك .

         وأشهر قصة رواها البخاري ومسلم ، هؤلاء الذين أرسلهم النبي في مهمةٍ استطلاعية ، وأمَّر عليهم أنصارياً ، وهذا الأنصاري لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل ، غاضبهم وغاضبوه ، فأمر بإضرام نارٍ عظيمة وقال : اقتحموها ، بعض أصحاب رسول الله قال : لا نقتحمها ، لأننا آمنا بالله فراراً منها ، فكيف نقتحمها ، بعضهم قال ، طاعة الأمير طاعة رسول الله ، لما عرضوا الأمر على النبي عليه الصلاة والسلام بعد عودتهم قال :" والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة ، إنما الطاعة في معروف " .

        أين عقلك ؟ العاقل لا يخاف ، عقله لابدَّ من أن يتطابق مع الشرع ، فتطابق العقل مع الشرع هو تطابقٌ حتمي ، ليس معقولاً أن يرى عقلك شيئاً مخالفاً للشرع ، ولا أن يكون في الشرع ما يخالف العقل ، لأن الشرع أمر الله ونهيه ، والعقل مقياس الله أودعه فيك ، انتهى الأمر، فإذا فكرتَ ، وأعملتَ عقلك فلن تصل إلى نتيجة مخالفة للشرع ، لأنَّ صحيح المنقول موافق لصريح المعقول .

         لذلك قال : " الناس أعداء ما جهلوا " ، هؤلاء عامة الناس ، هؤلاء الطبقة الدنيا في المجتمع ، أعداء ما جهلوا .

ويقول هذا الإمام الجليل : " اذكروا انقطاع اللذات ، وبقاء التبعات " .

        يالله ! انقطاع اللذات ، وبقاء التبعات ، الموت يقطع اللذات ، الطعام انتهى زمنه ، هناك ولائم فخمة جداً ، شيء لذيذ جداً وطيب ، لذة الطعام تنتهي عند الموت ، لذة الزواج تنتهي عند الموت ، لذة العلو في الأرض تنتهي عند الموت ، كل هذه اللذات تنتهي عـند المـوت ، ما الذي يبـقى ؟ المسؤوليات.

        هذا المال من أين اكتسبته ؟ وفيما أنفقته ؟ لماذا فعلت ؟ لماذا تركت ؟ لماذا وصلت ؟ لماذا قطعت ؟ لماذا رضيت ؟ لماذا غضبت ؟ لماذا أعطيت ؟ لماذا منعت ؟ لماذا واددتَ ؟ لماذا جفوتَ؟.

       إني أرجو الله سبحانه وتعالى أن أوفَّق في توضيح هذه الفكرة ، الإنسان المؤمن الصادق لا يتحرك حركة ، ولا يتكلم كلمة ، ولا يتصرف ، ولا يغضب ، ولا يرضي ، ولا يعمل عملاً قبل أن يجهِّز لله جواباً يوم القيامة .

      يقول لي : سيدي أقدر أن آخذ لابنتي بيتًا ، وأنا على قيد الحياة ، أقول له : هل معك لله جواب ، يقول لي كيف ذلك ؟ فأقول له : كم بنتًا عندك ؟ يقول لي خمس بنات ، فما أوضاع الأربع؟ يقول لي : ممتاز ، كلُّ أزواجهنّ تجار ، أما هذه فزوجها موظف ، وبيتهما بالأجرة ، وعلى زوجها دعوى إخلاء ، الآن معك جواب لله ، فاشترِ لها بيتًا ، إذًا معك جواب لله مع هذا التصرف هذا ، أنْ تخصّ بنتًا في بيت وحدها إذا توفر لديك ثمنُه فلا باس عليك .

سأمَلِّك ابني دكانًا ، ما وضع ابنك ؟ يقول لي : عاجز ، معه عاهة دائمة ، فلا مانع من ذلك .

       أنت أيهـا المسلم لديك منهج ، منهج الله عزَّ وجل ، جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، فقبل أن تنفِّذ ، قبل أن تتصرف ، قبل أن تهجر ، قبل أن تقطع ، قبل أن تصل ، قبل أن تتكلم ، قبل أن تذم ، قبل أن تهاجم ، قبل أن تغتاب ، أمعك لله جواب ؟ أمتأكد أنت من هذا الكلام ؟ أسمعتَ أنت ، أمْ سمعتَ الناس يقولون شيئاً فقلته ؟.

وقال : " اذكروا انقطاع اللذات وبقاء التبعات " .

          إذا اقترض إنسانٌ مبلغًا ، مثلاً مبلغ مائة ألف ، وراتبُه الشهري خمسة آلاف أو ستة في الشهر ، ووقَّع سندات موثَّقة ، وبيته وُضِعَ في الرهن ، ثم سُرِق منه المبلغ ، فالمبلغ فوائده انتهت لأنه سرق ، فماذا بقي ؟ السندات ، وهذا مثل ضربتُه ، فالموت يُنهِي اللذات ، ويُبقِي التبعات ، الدنيا لذَّات بلا تبعات ، لو أنّ  شابًا يتحرك ، يذهب ويأتي ، فماذا يجري ؟ يقترف معصية أو اثنتين أو أربعًا ، ويقول : لم يصِبْني شيءٌ من المكروه ، فأنت في الدنيا مخيَّر ، كمَثَلِ الطالب في أثناء العام الدراسي ، خمسون طالباً في الصف ، هذا لا ينام الليل ، وهذا لا يدرس إطلاقاً ، وتقول: مثلي مثله على مقعد الدراسة ، ولكن بعد الفحص انظُرْ إلى وضعك ، أسماؤكم بالجداول ، بعد الامتحان هذا مفصول ، وذاك راسِبٌ ، أمّا هذا فمعزَّز مكرَّم ، فكل إنسان يعيش لحظته ، أو يعيش الوقت الذي هو فيه ، من دون أن ينظر إلى التبعات القادمة ، فهو إنسان أحمق .. فيقول هذا الإمام : "اذكروا انقطاع اللذات وبقاء التبعات " .

        ويقول سيدنا عليٌ كرم الله وجهه : " ما كان الله ليفتح على عبدٍ باب الشكر ويغلق عنه باب الزيادة ، وما كان ليفتح على عبدٍ باب الدعاءٍ ويغلق عنه باب الإجابة ، ولا ليفتح على عبدٍ باب التوبة ويغلق عنه باب المغفرة " .

        ما أمرك أن تدعوه إلاّ ليجيبك ، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك ، وما أمرك أن تشكره إلا ليزيدك من فضله .

         أحياناً الإنسان يقول : أمعقول أنْ أدعوَ الله عزَ وجل ، ولي عدو كبير متربص بي ، وأنا ضعيف أمامه ؟ أمعقول إذا دعوتُ الله أنْ يخلصني الله منه ؟ نم ، معقول ونصف !! لأنه ما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك ، فالإسلام مصدرُ تفاؤلٍ للإنسان .

        وإذا قال لك طفل : كم الساعة ؟ قد تكون حاملاً بيدك اليسرى حاجة ثقيلة ، والكُمُّ ثابت ، وتحته قميص ، والساعة تغطيها ملابسُك ، تجد نفسك تخجل أن تتجاهله ، أليس كذلك ؟ تضع الحاجة على الأرض ، وتغيِّر وضعَ الساعة ، وتزيح الكُمَّ ، وتقول له : الساعة السابعة وربع مثلاً، طفل سألك سؤالاً فأجبتَه ، وأنت تسأل خالقك ، وتقول : يا رب ، أنا هذا وضعي ، علمك بحالي يغني عن سؤالي ، هذا وضعي ، فستجد إجابةً من الله ، وجواب مغيثًا ، لكن واللهِ أفقرُ الناس مَن زَهد في الدعاء ، وأفقرُ الناسِ المحروم الذي زهِد في سؤال رب العالمين .

       كلما وقع أخٌ في مشكلة كبيرة ، أقول له : عليك بقيام الليل ، وعليك بالسجود ، والدعاء في صلاتك بالليل ، وقد جاء في الحديث القدسي :" إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا ، فيقول : هل من سائلٍ فأعطيه ؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له ؟ هل من طالب حاجةٍ فأقضيها له ؟ حتى ينفجر الفجر ".

         أقول لكم صراحة : إذا كان أحدكم مؤمنًا ، أمَا له اتصال مع الله ؟ أما له سؤال ؟ أما له اعتزاز لله عزَّ وجل ؟ أما له استغفار ؟ أما له طلب من الله ؟ إذًا كيف يكون مؤمنًا ؟ أقول لك : اطلبْ مِن الله ، واسأله بإلحاح و ضراعة ، " إن الله يحب الملحين في الدعاء " .

         إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع فعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ " *                                                 

( سنن الترمذي )  

" إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه ".

        صدِّقوا أيها الإخوة ،  إنّ لا يحِّقق نجاحًا كبيرًا إلا إذا سبق هذا العملَ التجاءٌ كبيرٌ ، فوطِّن نفسك قبل كل عمل قل : " يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي ، والتجأت إلى حولك وقوتك ، يا ذا القوة المتين" ، قبل أنْ تقابل إنسانًا ، قبل أنْ تجري عملية أيها الطبيب للمريض ، قبل أن تترافع أيها المحامي ، قبل إلقاء الدرس أيها المدرِّس ، قبل عقد صفقة أيها التاجر ، قبل كل أمرٍ ذي بالٍ يا : رب أنا لا أعلم ، وأنت تعلم ، أنا لا أقدر ، وأنت تقدر ، وفِّقني يا رب ، وألهمني الصواب ، أنطقني بكلامٍ يرضيك ، أعنِّي على طاعتك ، احفظني يا رب أنْ تزل قدمي .

         هذا هو حال المؤمن ، كلما تحرك لأعماله ، وقبل أنْ يخرج من بيته فلا بدَّ مِن دعاء ، دخل بيته فليأْتِ بالدعاء ، في بالبيت مشكلة فلا تقل : أنا أعالجها ، بل قل : يا رب ألهمْني الحكمة، أحياناً تطلِّق زوجتك في ساعة غضب ، ثم تطرٌ باب المشايخ ، فيقولون لك : طلَّقتَ ، وانتهى الأمر ، وإنّ الذي أعطاك فتوى فأنت لست مرتاحًا لها ، وقد يشدِّد عليك ويخوِّفك ، ويغلق دونك البابَ ، فالإنسان قبل أن يتورط لو دعا الله عزَّ وجل لَمَا وصل إلى هذا المستوى .

         وقال هذا الصحابي الجليل الإمام عليٌ كرم الله وجهه : " الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن الكريم ، قال : لكي لا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم " .

          وعندما يقول لك أحدٌ : ليتني ، فقد رسب ، لا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ، ولكن قل : قدَّر الله وما شاء فعل ، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان .

           وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ " *                     

( مسند أحمد )

" لكي لا تأسوا على ما فاتكم " .

          الأمور تجري بالمقادير ، الإيمان بالقدر نظام التوحيد ، الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ، كلُّ شيءٍ أراده الله وقع ، وكلُّ ما وقع أراده الله ، مشيئة الله عزَّ وجل متعلقةٌ بالحكمة المطلقة ، وحكمته بالخير المطلق ، هذه حقائق ثابتة ، فلذلك " لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " .

       الإنسان بين الندم الساحق وبين الخفة الرعناء التي تأتي بعد العطاء ، خفته بعد العطاء دليل جهله ، ويأسه دليل جهله ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في خطبةٍ رائعةٍ جداً ألقيتُها على مسامعكم آلاف المرات ، يقول :" إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضًا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ".

        هذا هي الحقيقة ، فمَن عرَفها لم يفرح برخاء ، لأنها مؤقتة ، ولم يحزن لشقاء ، لأنها موقتة ، لذلك يقول هذا الإمام الجليل : " الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن الكريم ، قال : لكي لا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم " .

         ويقول هذا الإمام الجليل : " الرزق رزقان طالبٌ ومطلوب ، فمن طلب الدنيا ، طلبه الموت حتى يخرجه عنها " .

        حدثني أخ يسكن بشارع برنية ، في بناية مِن اثني عشر طابقًا ، قال : جاء إنسان واشترى آخر بلاطة ، شقتين ، البيتين مكسوَيْن على التمام ، قال لي : والله كسَّر البلاط كلّه ، وكسّر السراميك ، وغيَّر كل شيء في هذين البيتين ، وأحدَثَ ترتيباتٍ أخرى ، البلاط إيطالي ، الرخام أونكس ، الألمينيـوم مِنَ البرونز ، أي أنه عمل ترتيبات جديدة في البيت ، قال لي : طيلةَ سنتين بالتمام والكمال ، وهو يكسو هذين البيتين ، رغم أنهما مكسوَّيْنِ كسوةً مَن الطراز الأول ، يقسم بالله أن هذا الإنسان بعد إن انتهى من كساءِ البيتين بأسبوعٍ انتهى أجله ، مات بعد أسبوع واحد أو أسبوعين ، لقد كان خلالَ السنتين في عملٍ دائبٍ ، ليلاً ونهاراً ، الجبصين ، الأقواس ، الشرفات ، فهذه هي الدنيا قال : " الرزق رزقان طالبٌ ومطلوب ، فمن طلب الدنيا طلبه الموت "

       أخ آخرُ يبيع مفروشات ، قال لي : جاءني شخص غريبٌ أمرُه ، يريد غرفة نوم ، بدأ مِن الخشب ، فأخذنـا له خشبَ جوز ، وتركناه ينشف سنتين ، بعد ذلك طلب الكتلوكات ، ستة أشهر حتى انتقى موديلاً ، بدأنا في الشغل ، وكل يوم يراقب العملَ ، قال لي : ذات مرة انبطح تحت التخت ، ونظـر ، وقال : هل به عقدة ؟ وكان فيه عقدة ، قال لي : القصة طويلة ، بقينا سنة ثانية نشتغل بغرفة النوم إلى أن انتهت ، وعلِقنا بالمسكات ستة أشهر ثانية ، بعد ذلك انتهت الغرفة ، ووضعناها في الصالة ، وقدِم ناسٌ كثيرون لكي يشتروها ، فنقول : هذه الغرفة مباعة ، تعبَ منها كثيرًا ، عليها طلـب ، وأخيرًا قال له : تعال وخذْها ؟ قال له : حتى أدهن الغرفة ، لكي يدهنها يحتاج شهرًا أيضاً ، أول وجه معجون ، الثاني ، الثالث ، الرابع ، الخامس ، السادس ، بعد ذلك قال له : الخميس سوف آخذها ، جرتْ مشادة ، قال له : الخميس إذا لم تأخذها سوف أبيعها ، اتّصل به يوم الخميس ، قال له : دعْها أسبوعًا آخر ، وسوف آخذها ، فوافقه على ذلك ، ثم اتّصل به في الخميس الثاني ، فسمع عند اتصالهِ ضجة في البيت ، فقال لزوجته : يا أختي غرفة النوم ، قالت له : مات صاحبها .

        والله إنه رجل أعرفه ، هذه هي الدنيا ، قال : " طالبٌ ومطلوب ، فمن طلب الدنيا طلبه الموت ".

        إنه يريد الدنيا ، لكنّ الموت يطلبُه ، حتى يخرجه منها ، ومن طَلب الآخرة ، طلبته الدنيا ، يأتيه رزقه وهو راغـم ، ومَن طلب الآخرة طلبته الدنيا ، الله ييسر له أموره حتى يستوفي رزقه منها ، كلام رائع جداً ..

         " الرزق رزقان طالبٌ ومطلوب ، فمن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه عنها ، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي رزقه منها  ".

        والكلمة الشهيرة التي أقولها لكم دائماً : " من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر أخرته على دنياه ربحهما معاً ".

       قال : " إن أعظم الحسرات يوم القيامة ، حسرة رجلٍ كسب مالاً في غير طاعة الله ، فورثه رجلٌ أنفقه في طاعة الله ، فدخل به الجنة ، ودخل الأول به النار " .

     شيء مخيف يعمل خمسًا وخمسين سنة ، ويجمع ثروة طائلة ، كلها مِن مصادر مشبوهة ، بالحرام ، والكذب ، والغش ، والخداع ، ويموت ويذهب إلى جهنم ، ثم يأتي الوريثُ فيأخذ هذا المال جاهزًا ، ينفقه في طاعة الله فيدخل به الجنة ، هذا أندم إنسان ، أندمُ الناسِ رجلٌ دخَل بمالِه النارَ ودخل وارثه بماله الجنةَ ، وأندمُ الناسِ رجلاً دخل بعلمه الناس الجنة ودخل هو بعلمه النار .

     وذات مرة قرأت ثلاثة أدعية أعجبتني في كتابٍ في التصوف ، الدعاء الأول يقول : " اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني"

يا ربي أنا أعوذ بك أن أعلم الناس آية قرآنية ، أو حديثًا شريفًا ، ثم يكون المتعلِّم أسعدَ مني ، يتعلمها إنسان ، ويطبِّقها ، ويستفيد منها ، ويتألَّق ، وأنا لم أطبِّقها فأخسر ..

والدعاء الثاني : " اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك  ألتمس به أحدٌ سواك " . كلمة حق لكن يلتمس بها رضى الناس .

والدعاء الثالث : " اللهم إني أعوذ بك أن أتزيَّن للناس بشيءٍ يشينني عندك " .

وآخر دعاء : " اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرةً لأحدٍ مِن خلقِك " .

        لا أرغب أنْ أكون قصةً ، انظروا فلانً فعل كذا وكذا ، فانتهى حاله إلى كذا وكذا ، أعوذ بالله أنْ أكونَ قصة ، وقالةَ سوءٍ ، فالله سبحانه يقول :

( سورة سبأ )

      وهذه كلمة موجزة ، أذكرها لكم : هناك كراسٍ ، وخشبة مسرح ، إذا كنتَ مستقيمًا فلك محل مع المشاهدين ، وإذا لم تكن مستقيماً تنشَدُّ إلى الخشبة ، فتأخذ عدّةَ لكماتٍ فوق المسرح ، وتصبح قصة ، وتصبح مُشَاهَــد، هناك من يُشَاهِدك وأنت المُشَاهَد ، فإذا أردت أن تبقى مع المشاهدين فاستقم كما أمر الله ، وإذا أردت أن تكون قصةً وأردت أن تكون حدثاً مثيراً يتحدث الناس به ، فلك ألا تستقيم عندئذٍ ، الآن انظروا إلى الحوادثِ في البلد ، جريمة وقعت ، تكون بسبب معصية كبيرة، هذه الجريمة يتناقلها الناس ، وتكتبها الصحف ، تصبح حديث المجالس إلى سنة ، فأبطال الجريمة ومن حولهم أصبحوا خبراً ، فأنت إذا كنت مستقيماً فلك مكانٌ مع المشاهِدين ، فإن لم تكن كذلك فالأمر خطير .

       ويقول هذا الإمام الجليل : " من شكا حاجةً إلى مؤمنٍ فكأنما شكاها إلى الله ، ومن شكاها إلى كافر فكأنما اشتكى على الله " .

        هذه نصيحة لإخواننا الكرام ، لك قريب دينُه رقيق ، اتجاهه غير إسلامي بل هو علماني، تفكيره غير سليم ، وقعت في مشكلة ، لا تحدِّثه بها إطلاقاً ، لأنه سيقول لك : ألم أقل لك ؟ قلت لك: إن هذا الطريق لا تمش فيه ، ويشمت بك ، تكون حينئذٍ قد سلَّمته قيادك ، سلَّمته معلومات ينفث بها سمومه ، فإياك أن تشتكي إلى كافر ، إذا كنت متضايقًا جداً فاشتكِ إلى مؤمنٍ ولا حرج ، شكواك للمؤمن كأنك تشكو إلى الله عزَّ وجل ، فيمكن للإنسان أنْ يبوح فيرتاح ، لكن اجعل هذا البوح إلى مؤمن ، أما أن تبوح بمشكلتك إلى الله فهو الأكمل ، قال تعالى :

( سورة يوسف )

        واللهِ هناك أخ أرجو له المغفرة والجنة ، أصيب بمرض خبيث ، وأَعْلَمُهُ مستقيماً ، وأَعْلَمُهُ مؤمناً ، تقول زوجته : ثلاث سنوات ما قال كلمة تغضب الله ، وهو يتحمّل أشدّ الآلام ، هذا هو المؤمن :

( سورة يوسف )

قال له جبريل : ألك حاجة يا إبراهيم ؟ قال له : منك ؟ قال له : لا من الله ، قال : علمه بحالي يغني عن سؤالي .

هذه أكمل ، لكن لو كان الحدثُ رافقه ضغطٌ نفسيٌّ عليك ، فاشتكِ إلى مؤمن لا إلى كافر .

           قال : " إن لله تعالى عباداً يختصهم الله بالنِعَم لمنافع العباد فيقرها بأيديهم ما بذلوها  ، فإذا منعوها نزعها منهم ثم حولها إلى غيرهم " .

          أحيانا تجد شخصًا مُنْعَمًا عليه ، لكنه مِعطاء ، إذا غيَّر سياسته ، فَمَالَ لقبضِ يده ، تذهب هذه النعم من بين يديه ، قصة أقولها لكم كثيراً ، بيت من بيوتات دمشق الكبير فيه شجرة ليمون ، تحمل أربعمائة أو خمسمائة ليمونة سنويًّا ، شيء عجيب ، ما مِن إنسان يطرق هذا الباب، ويقول: عندكم ليمونة ؟ فتعطيه ربةُ البيت ، ثم توفيت ، وهي كبيرة في السن ، وبقيتْ زوجةُ ابنها الشابة في الدار ، فمَن طرق الباب يطلب ليمونةً تصدُّه خائبًا ، وفي السنة الثانية يبست الليمونة .

           هذا مثل مادي بسيط ، عندك نعمة أَقَرَّها الله عزَّ وجل في يديك فابذلْها ، فإذا منعتَهَا حوَّلَها إلى غيرك ، أحياناً يكون أخ رزقته مبحبحة لكنه يرعى إخوته كلهم ، سر الغنى أنه يعطي أخواته وإخوته جميعاً ، حينما تقول له زوجته : الله ما كلَّفك بهم ، فاتركْهم ، فإذا استجاب إلى توجيهات زوجته العزيزة ، خفَّ الرزقُ شيئًا فشيئًا حتى لم يكفِه دخلُه ، يقول : أين ؟ والله كنت في بحبوحةٍ كبيرة ، لقد كنتَ تعطي ، واللهُ جعل رزقك ورزق من تعطيهم عن طريقك ، القاعدة : اللهُ يبحبحها عليك ، لأنك تعطي ، توقف العطاءُ يقول لك : ليس لك عندي عطاء ، لذلك :" أنفق بلالاً، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً "

" عبدي أَنفق أُنفق عليك " .

        يقول هذا الإمام الجليل رضي الله عنه : " افعلوا الخير ولا تحقروا منه شيئاً فإن صغيره كبير وقليله كثير ، ولا يقولن أحدكم : إن أحداً أولى بفعل الخير مني ، فيكون والله كذلك ".

قال تعالى :

( سورة المطففين )

         وفي الإسلام قاعدة أساسية : لا مؤاثرة في الخير ، أمٌّ لها عدّةُ أولاد ، لو قال أحدهم : أنا سأفسح المجال لأخي لكي يخدمها ، هذا كلام خلاف الشرع ، أنت آثرتَه في مرضاة الله ، هذا لا يجوز إطلاقاً ، لا مؤاثرة في الخير ، والخير كله في المؤاثرة ، فأن تؤثر أخاك على نصيبك مِن الله فهذا شيء غير مقبول إطلاقاً .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi