English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا علي بن أبي طالب  : الدرس 6/ 8  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

الموضوع         :  حكمه ، ومعنى الحكمة  .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السادس والخمسين من دروس صحابة رسول الله رضون الله تعالى عليهم أجمعين ، ومع الدرس السادس من دروس سيدنا علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه ، ولازلنا نقـف عند حِكَمه ، وقد يسأل سائل ما معنى الحكمة ؟ الحكمة أيها الإخوة تجارب إنسانية طويلة ، كُثِّفت في كلمات ، في مجال العلوم شيءٌ اسمه البحث العلمي ، البحث العلمي قد يكون في صفحتين أو في صفحةٍ واحدة ، وقد يكون في معادلةٍ واحدة ، وقد يستغرق من الجهد البشري ما يزيد عن خمسين عاماً ، أو أربعين عاماً ، ملخَّص هذه الدراسات وتلك التجارب وهذه الملاحظات وتلك الإحصاءات خلال خمسين عاماً تكتب في صفحةٍ واحدة ، أيعقل أن صفحةً واحدة استغرقت كل هذه الجهود ؟ الحقيقة أن هذه الصفحة مكثفةٌ جداً ، وكذلك الحكمة، الحكمة كلامٌ موجز وبليغ ، لكن الإنسان خلال حياته كلها يخطئ ويصيب ، وفي نهاية المطاف يستنتج حقائق يصبّها في حكمٍ بليغة وموجزة ، فإياكم أن تستهينوا بهذه الحِكم ، إنها خلاصة معرفةٍ بالله ، وخلاصة تطبيقٍ لمنهجه ، وخلاصة تفاعلٍ من معطيات البيئة من أشخاصٍ ومن ظروفٍ ومن أشياء كثيرة .

        فهذا الصحابي الجليل كان حكيماً ، وقد وصفه النبي عليه الصلاة والسلام فقال : " أنا مدينة العلم وعليٌ بابها " .

       لكن اسمعوا مني هذه الحقيقة ، كلما ارتقى الإنسان يستفيد من تجارب الآخرين ، وكلما هبط مستواه لا يستفيد من هذه التجارب ، هناك مبدأ يقول : " الإنسان لا يتعلم إلا من تجربته الشخصية " فمهما استمع إلى حقائق أو إلى حِكم أو إلى ملاحظات أو إلى توجيهات فإنه لا يتعلّم تعلماً حقيقياً إلا إذا عانى معاناةً مؤلمةً ، هذا قول ، ربما استُنِبط من واقع معظمِ الناس ، لكن نخبةَ الناس ، لكن الصفوة من الناس تستطيع أن تستفيد من تجارب الآخرين ، أي أن الإنسان أحياناً لا يتعلم إلاّ بعينه، لكن إذا ارتقيت تتعلم بعقلك ، فقد تدرك الخطر قبل أنْ يقع ، وتأخذ حذرك منه ، أما الذي لا يتعلم إلا إذا واجه الخطر فهذا إنسان ضعيف العقل .

         والقصة التي أرويها على مسامعكم كثيراً وهي قصة السمكات الثلاث ، الكيسة والأكيس منها والعاجزة ، الكيسة هي العاقلة ، والأكيس الأعقل ، والعاجزة الغبية ، فحينما مرّ بهذا الغدير صيادان تواعدا أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك ، سمعت السمكات قولهما ، أما أكيسهن فإنها ارتابت وتخوَّفت وقالت : العاقل يحتاط للأُمور قبل وقوعها ، ولم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت .

        فمَن هو العاقل ؟ هو الذي يتخيل الخطر قبل أن يواجه الخطر فإنه يتخيله تخيلاً ، ومَن هو الطالب الذي ينال الدرجة الأُولى على القطر في الشهادة الثانوية ؟ هو الذي يتخيل الامتحان قبل سنواتٍ ثلاث ، أي من الصف العاشر ، وبالمناسبة إن التخيل من خصائص الإنسان ، وهي نعمةٌ كبيرةٌ أنعم الله بها علينا ، وبإمكان خيالك أن يصل إلى الخطر قبل أن تصل إليه أنت ، فالعاقل هو الذي يتخيل المستقبل فيتكيف معه منذ الوقت الحاضر، هذا هو العاقل ، فهذه الكيسة قد تصورت أن الصيادين قد عادا ومعهما شباكهما فقبل أن تقع في أزمةٍ وقبل أن تقع في حيرةٍ خرجت من هذا المكان ، وأما الكيِّسة فمكثت في مكانها ، دائماً الأقل عقلاً يرجئُ ويسوِّف ، غداً أتوب ، غداً أُهيئُ البيت لفصل الشتاء ، يقول لك : الدنيا صيف فيأتي البرد فجأةً ، وكل شيء في البيت لا يصلح لفصل الشتاء ، الأقل عقلاً يرجئ ويرجئ ويسوّف ، فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان ، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها ، فإذا بالمكان قد سُد فقالت : فرَّطت ، وهذه عاقبة التفريط ، غير أن العاقلَ لا يقنط من منافع الرأي ، وتعلمون النتيجة ، ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الماء ، وأخذها الصياد وأمسكها بيده ، فوضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت ، وأما العاجزة فلم تزل في وإقبالٍ وإدبارٍ حتى صيدت .

          يمكن أن أقول لكم : العاقل يعيش مستقبله ، والأقل عقلاً يعيش واقعه ، والغبي يعيش ماضيه ، فإذا كنت عاقلاً يجب أن تعيش في مستقبلك ، وأخطر حدثٍ في مستقبلنا هو حدث الموت، مغادرة الدنيا إلى أين ؟ ماذا في القبر ؟ ماذا بعد الموت ؟.

        فيا أيها  الإخوة الكرام ... هذه المقدمة تتلخص بأربع كلمات ، الكلمة الأولى ، الحكمة هي تجارب إنسانية طويلة ومديدة وعميقة ، ملخصها صُبَّ في كلماتٍ بليغة ، أما إذا ظهرت هذه الحكمة من صحابيٍ جليل ، فأَنعِمْ بهذه الحكمة ، خرجت من رجلٍ عرف الله عزَّ وجل وعرف رسوله ، وطبق منهج الله عزَّ وجل ثم استفاد من تفاعله مع البيئة ، ومع معطيات البيئة ، لكن قد تستمعون إلى حكمةٍ من إنسانٍ جاهل هذه تسمى حكمةً تجوُّزاً يقول طرفة بن العبد :

    فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي        فدعني أبادرها بما ملكت يدي

أي دعني أنكبّ على الدنيا لأنغمس في كل ملذاتها ، وهذه ليست حكمةً .

    ومن لم يذُد عن حوضه بسلاحه      يهدم ومن لا يَظْلِم الناس يُظْلَمِ

         هذه ليست حكمة قالها ابن أبي سُلمى ، نحن عندنا قواعد ، أما إذا سمعت حكمةً من صحابيٍ جليل فأنعِمْ بها من حكمة .

      الفكرة الثالثة ؛ الإنسان كلما ارتقى في سلم العقل يستفيد من تجارب الآخرين ، ويتعلم بعقله، وتخيله ، وتصوره ، وكلما هبط في سلم العقل يتعلم بحواسه ، فإلى أن يواجه المشكلة يفكِّر في حلها ، ثم يدفع الثمنَ باهظاً ، وبالمناسبة هناك حالات ربما لا تجد لديك وقتًا لتستفيد من خبرتك ، أوضِّح هذا بمَثلٍ ، لو أن إنسانًا قال : يا تُرى أهذه قنبلة أم ليست قنبلة ؟ فاقترب منها ، وجسّها ، فانفجرت ، وأطاحت به أشلاء كثيرة ، أعتقد أنه في أقل من ثانية واحدة عرف أنها قنبلة، لكن هل بقي من حياته دقيقة واحدة ليستفيد من هذه التجربة ؟

      ويا أيها الإخوة الكرام ... هناك معاصٍ مَن يقترفها لا تسمح له أن ينجو منها ، ولا أن يستفيد من هذه الخبرة ، هناك معاصٍ مدمرة لأصحابها ، لذلك أسعدُ الناس مَن استفاد مِن تجارب الآخرين ، ولا سيما إذا كانوا من أصحاب رسول الله ، وكانوا قمماً في العلم والفهم والإخلاص والرشاد .

      يقول هذا الصحابي الجليل سيدنا على بن أبي طالب كرم الله وجهه : " كم من مستدرجٍ بالإحسان إليه ، ومغرورٌ بالستر عليه ، ومفتونٌ بحسن القول فيه ، وما ابتلى الله سبحانه وتعالى أحداً بمثل الإبلاء له " .

     أول إنسان أحسن الله إليه الذي أتم عليه الصحة ، رزقه رزقاً وفيراً ، أعطاه قوةً كبيرةً ، رزقه زوجةً وأولاداً ، هل يستطيع هذا الإنسان أن يقول : إن الله يحبني ، فهذا قال : لولا أنّ الله يحبني لما أكرمني ؟ هذه مقولةٌ خاطئة ، لا تستطيع أن تقول هذا الكلام إلا إذا نظرت إلى عملك ، فإن كان على منهج الله عزَّ وجل فأنِعْم وأكرِمْ بهذا الكلام ، بإمكانك أن تعدّ النعمَ التي تكرّم الله بها عليك نعماً حقيقيةً ، لو كنتَ مطبِّقاً لمنهج الله ، أما مع الصحة أن تكون هناك معاصٍ ، مع الصحة تجاوزات ، مع الصحة الدخل المشبوه ، وتقول : الصحة مِن نِعَمِ الله علي ، لا ، فأنت مستدرَج ، ليست هذه نعمة ، إنما هي استدراج ، " كم من مستدرجٍ بالإحسان إليه " .

        بالمناسبة أيها الإخوة ... ما من إنسانٍ إلا وهو ممتحنٌ في الحياة الدنيا مرتين ، مرةً بما أعطاه الله ، ومرةً بما حرمه الله ، فالذي أعطيت إياه أنت ممتحنٌ به ، والذي سُلب منك فأنت ممتحنٌ به ، أعطاك صحةً ، أحد مواد امتحانك الصحة ، أعطاك مالاً ، أحد مواد امتحانك المال ، حرمك المال ، حرمانك من المال امتحان ، ماذا تفعل ؟ أتأكل مالاً حراماً ؟ أتسخط على قضاء الله وقدره ؟.

       إذًا وطِّنوا أنفسكم ، على أنكم ، وأنا معكم ممتحَنون مرتين ؛ مرةً بما أعطانا الله عزَّ وجل، ومرةً بما حرَمَنا منه ، لهذا قالوا : " الحظوظ توزع في الدنيا توزيع ابتلاء لتوزَّع في الآخرة توزيع جزاء " .

      إن كنتَ ثريًّا فلستَ على الله كريماً ، ولست وضيعاً ، هذا أمرٌ حيادي ، لا تعرف ما إذا كان هذا إكراماً أم نقمةً إلا بإنفاقك للمال ، فالحظوظ كلها حيادية ، وهي في الوقت نفسه درجاتٌ ترقى بها ، أو دركاتٌ تهوي بها إذن : " كم من مستدرجٍ بالإحسان إليه " .

      والشيء الذيُ يضِحك أنّ أهل الغنى ، وأهل القوة ، وأهل الوسامة، هؤلاء يتوهمون أن الله يحبهم كثيراً ، ولولا أنه يحبهم لما جعلهم بهذا الوضع ، وكلمة العوام  الشائعة أي ( أن الله عزَّ وجل إذا أحب عبده أرجاه ملكه ) يذهب يسافر إلى بلاد أجنبية ، يرتكب كل المحرمات ، ينسى ربه هناك ، ينغمس في الشهوات المنحطة ، وفوق هذا يقول : ( إذا الله أحب عبده أرجاه ملكه ) هذا كلامٌ مضحك .

    " كم من مستدرجٍ بالإحسان إليه ومغرورٌ بالستر عليه " ، الله ستِّير ، وهو من أسمائه الحسنى، لكن هذا السِّتر ليس إلى مالا نهاية ، فإذا استخف الإنسانُ بستر الله عزَّ وجل يفضحه في عقر داره، وبالمناسبة : " ما أسرَّ عبدٌ سريرةً إلا ألبسه الله ثوبها " .

     إذا استخف بستر الله عزَّ وجل يفضحه بطريقة غريبة ، هذا الذي يُكِنُّه يظهر للملأ ، هذا الذي يخفيه يشيع عنه ، إذًا : " ما أسر عبدٌ سريرةً إلا ألبسه الله ثوبها " .

      " ومفتونٍ بحسن القول فيه " ، الناس لهم الظاهر ، وأنت ذكي وحكيم وطليق اللسان وعندك ذكاء اجتماعي ، وتتودد إلى الناس ، وتغطي كل الثغرات ، فإذا بك تتمتع بسمعةٍ راقيةٍ جداً ، يا ترى هذه السمعة التي تتمتع بها هل هي دليل محبة الله لك ؟ لا ، إذا كنت على منهج الله عزَّ وجل، فهي دليل ، وإن لـم تكن كذلك ليست دليلاً .

      " فكم من مستدرجٍ بالإحسان إليه ومغرورٌ بالستر عليه ، مفتونٍ بحسن القول فيه ، وما ابتلى الله سبحانه وتعالى أحداً بمثل الإبلاء له " .

         لما ربنا عزَّ وجل يعاقب الإنسان ، قد يسأل لماذا عاقبني ربي ؟ أما إذا أكرمه وليس بالمستوى المطلوب ، فهذا استدراج ، وربنا عزَّ وجـل  قال :

( سورة القلم )

       لماذا قال متين ؟ متين كلمة يعرفها إخوتنا الفزيائيون ، المتانة صفة في الجسم تقاوم قوى الشد ، أما القساوة صفة في الجسم تقاوم قوى الضغط ، الإسمنت يتحمل السانتيمتر مكعب فوقه مائتي كيلو ، وإذا كان صب بطريقةٍ صحيحةٍ أصولية يتحمل خمسمائة كيلو ، السانتيمتر مكعب من الإسمنت ، لكن هذا السنتيمتر مكعب للإسمنت لا يتحمل خمسة كيلو على الشد ، خمسة كيلو ينقطع، من خمسمائة كيلو إلى خمسة ، لذلك الإسمنت لا بد له من تسليح بالحديد ، كي يقاوم قوى الشدِّ لا قوى الضغط ، أحيانًا تجد دعامة حاملة بناء ثلاثة عشر طابقًا ، فأستغرب ، حجم الدعامات قليل ، وتحمل بناءً ضخمًا ، الإسمنت يتحمل قوى الضغط ، ولا يتحمل قوة الشد ، وربنا قال :

( سورة القلم )

            كأن كيد الله عزَّ وجل حبلٌ مرخى ، فهذا الحبل المُرخى يظنه الإنسان أنه ليس حبلاً، هو طليق يقول لك أين الله ؟ يأكل المال الحرام ، ينهش أعراض الناس ، يظلم ، يتكبر ، ينتقل من غانية ، إلى غانية ، ومن مائدة حمراء إلى مائدة حمراء ، من ليلة حمراء ، إلى ليلة حمراء أخرى، ومن مائدة خضراء إلى مائدة خضراء غيرها ، ومن مقصف إلى ملهى إلى نادٍ ليليٍّ ، ويقول لـك: أين  الله ؟ إنّ كيدي متين ، حينما يأتي أمر الله عزَّ وجل إذا هو في قبضة الله لا يلوي على شيء .

       أيها الإخوة .. كلامٌ دقيقٌ جداً : " كم من مستدرجٍ بالإحسان إليه مغرورٌ بالستر عليه ، ومفتونٍ بحسن القول فيه ، وما ابتلى الله سبحانه وتعالى أحداً بمثل الإبلاء له " .

      فأنا لا أكتمكم أن المصيبة الآن بعد هذا الشرح أقل خطرًا مِن العطاء ، لأن الإنسان بالمصيبة يتنبه ، ماذا فعلت حتى ساق الله لي هذه المصيبة ؟ أما لأنه استمرأ خطيئته ، وأملى الله له ، فلعل هذا فتنةٌ عظيمةٌ له .

      لهذا حينما جاء جبريل عليه السلام النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم قال :" يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال : بل نبياً عبداً ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره ".

      فإذا كان وضعُ الإنسان وسطًا ، وعنده مجموعة متاعب ، واللهُ يحاسبه حسابًا عسيرًا ، ويتتبعه على أدقّ الخطرات ، فهذا من كرامته على الله .

قال : " إذا أملقتم فتاجروا بالصدقة " .

     اسمعوا هذا الكلام الدقيق ، إذا كان الإنسان يشكو من قلةٍ في دخله ، هناك مجموعة وصفات، مجموعة وسائل تنمي هذا الدخل ، أول  وسيلة استقم على أمر الله ، لقول الله عزَّ وجل:

( سورة الجن )

            هذه واحدة ، أدلة من القرآن ، العنصر الثاني كن أميناً أمانةً مطلقة ، فالأمانة لا تتجزَّأ، سكرةٌ صغيرةٌ ، وأنت في محل سكاكر ، وهناك عشرات ، بل مئات ، بل ألوف الأوزان والأنواع، هذه السكرة لا تأكلها بغير حق ، لأن الأمانة لا تتجزأ ، قال عليه الصلاة والسلام :" الأمانة غنىً".

            إذا كنت أميناً ، ووَثِق الناس بك ، وأعطوك كل ما تريد ، فإذا شعروا أن فيك خيانةً ، أثمن وأعظم رأس مال تملكه ، ما هو ؟ ألف مليون ؟ لكن ثقة الناس بك أغلى .

            التجار يقولون : إن ثقة الناس بالإنسان رأس مالٍ ثانٍ ، كثيـر مـن إخواننا التجـار يتمكن أن يحضر بضاعة بمليوني ليرة ، لأن اسمه طيب بيْن التجّار ، يبيعها ، ويدفع ثمنها ، هذا رأس مال ثانٍ ، وإذا كان التاجرُ غيرَ موثوقٍ لا يعطى إلا نقداً ، أمَّا إذا كان موثوقًا يعطى ديناً ، أخسر خسارةٍ أن تفقد ثقة الناس فيك .

           ويا أيها الإخوة الأكارم ... ثقة الناس لا تأتي باليسير ، الإنسان يمر بتجارب كبيرة جداً، ويمتحن امتحانات كبيرة جداً ، إلى أن يستقر في أذهان الناس أنه أمين ، وأنه كفءٌ موثوق، لذلك إذا أملقتم ، يعني إذا افتقر الإنسان ، فأول شيء عليه أنْ يستقيم ، لقول الله عزَّ وجل :

( سورة الجن )

الشيء الثاني يكون أمينًا إلى درجة لا تصدَّق ، يحاسب نفسه على الدرهم .

الأمر الثالث أن يصل الرحم ، لأن صلة الرحم تزيد في الرزق .

الأمر الرابع أنْ يتقن عمله ، لأن إتقان العمل جزءٌ من الدين ، وهو سببٌ في ترويج حرفتك وصناعتك ودخلك ، فماذا بقي ؟ الصدقة ، استمطر الرزق بالصدقة ، كلما ضاقت بك الأمور تصدق على نية أن ترزق بهذه الصدقة ، وهذا ما قاله الإمام عليٌ كرم الله وجهه :  " إذا أملقتم،أي إذا افتقرتم  فتاجروا بالصدقة " .

       والقول التالي للإمام عليٍّ كرم الله وجهه يدل على معرفة عميقةٍ بشؤون الجسد ، يقول هذا الإمام الجليل : " صحة الجسد من قلة الحسد " .

       الحسود عليه ضغوط نفسية ، يسميها العلماء الآن الشدة النفسية ، stretch   أول سؤال لمريض القلب : هل تعاني مشكلة ؟ لأن هذه المشكلة تسبب جلطة ، هذه المشكلة تسبب ارتفاعًا في ضغط الدم ، هذه المشكلة تسبب ارتفاعًا في السكر ، هذه المشكلة تسبب ارتفاعَ آلامٍ في العضلات، الآن الطبُّ الحديث يبحث عن الأسباب النفسية للأمراض العضوية ، فهذا الصحابي الجليل يقول : " صحة الجسد من قلة الحسد " .. " وما ضغط الدم إلا ضغط الهم " .

لكن صحة النفس ، الصحة النفسية ، ما أساسها ؟ التوحيد ، فالتوحيد مريح ، الدليل القرآني :

( سورة الشعراء )

      إذا أيقنت أن لهذا الكون إلهاً واحداً ، وهو سميعٌ ، بصيرٌ ، عليمٌ ، حكيمٌ ، غنيٌ ، قويٌ ، عادلٌ ، رحيمٌ ، وأن أمْرَك كلَّه عائدٌ إليه :

( سورة هود )

( سورة الزخرف )

( سورة الأعراف )

( سورة الزمر )

( سورة هود )

( سورة الكهف )

      إذا أيقنت هذا اليقين فعلاقتك مع الواحد الأحد فقط ، كل هؤلاء صور ، وكل هؤلاء الأشرار المخيفون عِصِيٌ بيد الله .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا        فإنا منحنا بالرضى مَن أحبنا

ولذ بحمانا واحتمِ بجنابنا ..          لنحميك مما فيه أشرار خلقنا

     واللهِ أيها الإخوة ... إنّ المؤمن الصادق المستقيم يتمتّع بنعمةٍ ، واللهِ لا تعدلها نعمة ، إنها نعمة الأمن ، قال تعالى :

( سورة الأنعام )

إذًا : " صحة الجسد ، من قلة الحسد " .

          أربع كلمات أقولها لكم : الطب النفسي أساسه التوحيد ، والطب الطبيعي أساسه بذل الجهد ، والطب الوقائي أساسه الاعتدال في كل شيء، والطب العلاجي أساسه استعمال الدواء .

" وصحة الجسد ، من قلة الحسد " .

       ويقول هذا الإمام الجليل : " مرارة الدنيا حلاوة الآخرة ، وحلاوة الدنيا مرارة الآخرة " .

       الإنسان في الدنيا إذا كان غارقاً في شهواته ، هذه حلاوةٌ ولا شك، و لكن تعقبها مرارةٌ إلى يوم القيامـة وإلى أبد الآبدين ، بينما لو أنك تحمَّلت بعض متاعب الإيمان تمتعت وسعدت بجنةٍ عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين ، الدنيا أقرب من ذلك .

       هناك أمثلة في الدنيا ، لو أنّ إنسانًا درس دراسة عالية جداً ، واختص اختصاصًا نادرًا ، ودرس ثلاثة وثلاثين سنة ، ولا ينام الليل ، ودخل امتحانات ، وقدَّم فحوصًا ، وخضع لتجارب ، وخضع لأمزجة مدرسين متنوعة ، وكان همُّه الأولُ أن ينجحَ في الامتحان ، ليحتل منصبًا رفيعًا، أو مهنة راقية ، ليأتيه دخلٌ وفير بجهدٍ قليل ، هذا الدخل الوفير مع الجهد القليل ثمنُه الليل الطويل، وإذا التفــت  الإنسان أيام دراسته - عندما كانت الدراسة لها قيمة ولها دخل كبير فهذا كلام قديم وليس الآن - التفت إلى اللعب واللهو ، يأتي عليه وقتٌ يرى أن كل الناس أفضل منه ، فلذلك عَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى " *                                     

( مسند الإمام أحمد )

وهذا الإمام العظيم يقول قولاً رائعاً يقول : " عرفت الله سبحانه وتعالى بنقض العزائم " .

          الإنسان قد يخطط ، ويدرس الأمر دراسة جيدة ، ويغطي كل الاحتمالات ، يأخذ بكل الأسباب ، يعتمد على قوته وعلى ذكائه وعلى أعوانه وعلى ماله وعلى رأي من حوله ، وينسى الله عزّ وجل ، أي أنه يعتمد على هذه الأسباب كلها ، فلو أن الله عزّ وجل حقق له مراده لقال لك: أين الله ؟ أنا أَمَّنتُ كلَّ شيء ، مثل هذا الإنسان الذي يأخذ بالأسباب ويعتمد عليها ، مثل هذا الإنسان يعالج بنقض هذه العزائم كلها ، فتجده على الرغم من كل الاحتياطات التي أخذها ، ومن كل الأسباب التي فعلها ، ومن كل التدابير التي دبَّرها يصابُ بفشلٍ وإخفاقٍ من جهةٍ لم تخطر له على بال .

        أنا أعرف رجلاً لا داعي إلى وصف مزاياه الدنيوية ، بلغ إنْ صحّ التعبير إلى قمة النجاح في الدنيا ، مِن عشرين إلى ثلاثين مؤسسة تجارية وصناعية مِلْكُه الشخصي ، موظفون يتحركون بإشارةٍ منه ، المركبات ، الصحة الطيبة ، فتشعر أنّ الدم يكاد أن يخرج من جلده من شدة تورده، والطعام الذي يأكله ، والقوة التي يتمتع بها ، والأنصار مِن حوله ، أعرفه جيداً ، اعتمد على ذكائه، وعلى أعوانه ، وعلى اتصالاته ، وعلى أمواله المنقولة وغير المنقولة ، دخل الحمامَ فرأى القاطع الكهربائي غير صالح ، فجاء بإنسان يصلحه له ، فقال له : سيدي إنه منخفضٌ ، هل أرفعه لك ؟ فقال له : ارفعه ، في اليوم التالي تعطلت الكهرباء في بيته فجاء ليحرك القاطع الواصل ، ولكن القاطع صار أعلى من طوله فطلب كرسيًا من ابنته في البيت ، فلما صعد على الكرسي اختل توازنه ، ودخلت إحدى أرجل هذا الكرسي في مقعدته ، أُخذ إلى المستشفى ، وبقي فيها عشرين يوماً ، زاره أكثر من عشرين طبيباً ، وقد انتهى أجلُه بهذه الحادثة ، وأصيب بتسمم في الدم لأتفه سبب ، قال سيدنا عليٌّ : " عرفت الله سبحانه وتعالى بنقض العزائم " .

     أحياناً مركبة فضائية تُجري المراجعةَ التامةَ بالعدِّ التنازلي ، وسمَّوْها المتحدي إشلينجر  ، فإذا هي بعد سبعين ثانيةً من إطلاقها تصبح كتلةً من اللهب ، أين الله ؟ .. " عرفت الله سبحانه وتعالى بنقض العزائم " .

    وهذا الكلام خطير جداً ، فحينما تأخذ بالأسباب وتعتمد عليها فلابدّ أن يكشف اللهُ لك الحقيقة ، أن هذه الأسباب التي اعتمدت عليها والتي عبدتها من دوني لن تنفعك أبداً وسوف تفاجأ بأن نقضها على الله يسير : " عرفت الله سبحانه وتعالى بنقض العزائم " .

قال : " أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه " .

    علمونا في الجامعة أن الطرق التربوية الصحيحة تقاومها النفس ، الآن في الدراسة أهون شيء هو أن تفتح الكتاب ، وتضجع في السرير،  وتقرأ ، يقول لك : أنهيت سبعين صفحة ، وهذا شيء جميل ، أعد لنا صفحة ، لا تتذكر شيئًا ، لأنه يقرأ ، ويقلب الصفحات ، هذه الطريقة سهلة جداً ، وتحبها النفس ، لكن الطريق الصعبة هي أن تفتح الكتاب ، وأن تمسك بالقلم والمسطرة ، والدفترُ أمامك ، والفكرة الدقيقة تضع تحتها خطًّا ، ولها رقم ، وهذه الفقرة تلخَّص في الهامش ، وهنا أُسلوب رائع أن تشير بالقلم الأحمر إلى هذه الجملة الهامة ، الدراسة بهذه الطريقة تقاومها النفس ، تحتاج إلى جهد كبيرٍ ، لكن هذه هي الدراسة المجدية فقط ، أما تلك القراءة السريعة فلا غناء فيها، العلماءُ أجروا بعض التجارب ، فوجدوا أنَّ ثلاثة وتسعين في المائة مما قرأته قراءةً سريعة تنساه بعد أُسبوعٍ واحد .

       إخواننا الطلاب ... هذه القراءةُ مضيعةٌ للوقت ، فالطرق التربوية الصحيحة تقاومها النفس، اجلسْ مثلاً أمام آلة كاتبة بأصبع واحد ، لو تضرب  ثلاثين سنة فإنك تحتاج لإنجاز الصفحة الواحدة ساعة ، أو ساعة ونصف ، بينما إذا دخلت مكتب تعليم الضرب على الآلة الكاتبة فممنوع أنْ تكتب بإصبع واحد ، بل عليك أنْ تكتبَ بالعشرة ، يا أخي ضعت ، بل إنَّ الطريقة الصحيحة أنْ تكتب بالعشرة ، اذهب إلى ضاربي الآلة الكاتبة المحترفين ، ترى شيئًا عجيبًا ، ترى أنَّ عينه على الورقة فقط ، والصفحة الكبيرة تأخذ من وقته ثماني دقائق فقط ، فالطرق التربوية الصحيحة دائماً تقاومها النفس ، والنفس تشبه عملَ إنسانٍ وضع الأُنبوبَ بالصنبور ، وفتح ليسيل الماءُ ، لكن في الأنبوب ثقب ، فإنَّ الماء يخرج من الثقب ، ولا يكمل بل يستقرب ، عندما يصير مع الإنسان ثقب بوتال مفتوح هذا الثقب بين الأُذينين إذا كان مفتوحًا يصير معه مرض يسمى الزرق ، لأن القلب عندما يضغط ليضخ الدم إلى الرئتين ما دام يوجد فتحة بين الأُذينين فينتقل الدم للأُذين الآخر دون الذهاب إلى الرئتين ، السوائل دائماً تختار الطريق الأقصر، إذا كان عندك حاقنة ونربيش أملأها ماءً ، واثقب هذا النربيش في مكان قريب من الحاقنة واضغط ، الماء يخرج من الثقب الأقرب لا من الأبعد ، والنفس هكذا تميل إلى الطرق السهلة في الدراسة وفي التعامل ، وحتى في الدين ، يقول لك : يا أخي أنا قمت بثلاث وثلاثين عمرة ، واللهِ العمرة جميلة ، تركب في الطائرة وتنزل إلى الفندق وإذا كان لك ابن في جدة ، تأكل وتشرب فهي نزهة ، وطوفة حول الكعبة ، هذه هي العمرة ، ولكن تأتي وتغض بصرك عن النساء هذه هي البطولة ، فالمسلمون الآن يبحثون عن الأشياء السهلة ، فالصلاة لا تكلف شيئًا ، والعمرة لا تكلف شيئًا كذلك ، يقولون : الزواج سنة ، خير إن شاء الله ، والزواج متعة ، يقول لك : الزواج سنة ، والعمرة الحمد لله أكرمنا بها كل سنة أو الحج ، نريد أن ننظر إليه في الدرهم والدينار أوقَّافٌ هو عند حدود الله ، وفي البيع والشراء وغضِّ البصر ، والعلاقات الاجتماعية ألديه التزام في كل هذا ؟ هذا هو الدين .

        ذات مرةٍ قلت لكم : كل إنسانٍ بإمكانه أن يفعل صالحاً ، لكن ليس بإمكان كل إنسان أنْ يستقيم ، قد تكون له أعمال كثيرة جداً وطيِّبة ، ولها عند الله أجر كبير ، لكن ليس منضبطاً بأوامر الشرع ، إذًا : " أفضل الأعمال ما أكرهــت نفسك عليه " ، هناك أعمال طابعها مادي ، وهناك أعمال طابعها نفسي ، الأعمال النفسية تحتاج إلى مجاهدة ، أما المادية فلا تحتاج إلى شيء من هذا.

ويقول هذا الإمام الجليل : " من ظن بك خيراً فصدِِّق ظنه " .

        قالوا : إن أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه كان يمشي في الطريق ، فقال أحدهم للآخر : هذا الرجل الذي لا ينام الليل ، لكنه في الحقيقة ينام الليل ، فاستحيا من الله عزّ وجل أنْ يظنه الناس بورعٍ أعلى من ورعه الحقيقي ، ويروي التاريخ أنه منذ تلك الليلة صار يحيي الليل ، وينام في بعض وقت النهار ، يحيي الليل بالعلم وبالصلاة وبالذكر ، شيء صعب جداً أنْ يظنك الناسُ في مكان وأنت دون هذا المكان ، أن يظنك الناس بهذا الحجم وأنت لستَ بهذا الحجم .

        كنت أقرأ كتاباً فلفت نظري فيه أربعة أدعية ؛ وردتْ في مقدمته ، أعجبتني أيَّما إعجاب: "اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحداً أسعد بما علمتني مني ، وأعوذ بك أن أكون عبرةً لأحدٍ من خلقك ، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشيءٍ يشينني عندك، وأعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك " .

        قال : " مَن ظنَّ بك خيراً فصدِّقْ ظنه " ، أحياناً الإنسان يظن فيك ظنًّا طيِّبًا ، فأنت لا تخيِّب ظنه ، سألتْه محتاجةٌ فأعطاها ، قال : " أيها الأمير كان يرضيها القليل ، وقد أعطيتها الكثير، وهي لا تعرفك ، فقال : إن كان يرضيها القليلُ فأنا لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي "

 " من ظن بك خيراً فصدق ظنه " .

ويقول هذا الإمام الجليل : " يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم " .

     عندما يحين الوقت لينتقم اللهُ من الظالم لصالح المظلوم هذا اليوم أشد على الظالم من يومه على المظلوم ، عندما كان يتعالى أو يتجبَّر أو يتشفى منه .

      ويقول هذا الإمام الجليل : " الحجر المغصوب في الدار رهنٌ بخرابها" أي أنّ حجرًا واحدًا مغصوبًا في دار طويلة عريضة ذات طوابق كثيرة ، هذا الحجر وحده ربما كان سبب خراب هذه الدار ، رأس مال طويل عريض فيه مبلغ قليل من المال الحرام يكون سببًا لِمحق المال كلِّه .

    مرة قال لي شخص : احترق سوق بأكمله ، وآخر دكان احترقت دكانُه ، أي أنّ الحريق بدأ في الساعة الثالثة ليلاً ، ومحلّه احترق في الساعة الثامنة صباحاً ، سوق بأكمله احترق ، فقال : والله لو أن أحداً اتصل بي هاتفياً لأعطيته على هذه المخابرة مائة ألف ليرة ، وكان هذا سنة السبعين ، لأن مجموع البضاعة التي احترقت ثلاثة ملايين ، وكان في الصندوق ثمانمائة ألف ، واحترق الصندوق بما فيه ، فالخسارة أربعة ملايين ، ثم قال لي وهو رجل يغلب عليه الصلاح : أنا لي في التجارة ثلاثون عام، اً لعلي في هذه الأعوام حلفت يميناً كاذبةً ، أو أكلت مالاً لا يُرضي الله عزّ وجل ، فتجمَّع هذا المالُ ، وكانت هذه نتيجته .

            فإذا كان لدى الشخص أموالٌ ، وجزء منها حرام ربما هذا الجزء الصغير أتلف الكمية الكبيرة ، هذا كلام دقيق : " الحجر المغصوب في الدار رهنٌ بخرابها " ، المبلغ الصغير في المبلغ الكبير رهنٌ بتلفه .

          قيل لهذا الإمام العظيم : " صف لنا العاقل ؟ فقال : هو الذي يضع الشيء مواضعه ، فقيل له : صف لنا الجاهل ؟ قال : قد فعلت ".

           البلاغة بالإيجاز ، لأنه ما دام العاقل يضع الشيء في مواضعه ، فالجاهل يضع الشيء في غير مواضعه ، فمَن هو الحكيم ؟ هو الذي يضع الشيء في المكان الصحيح ، أن تضع الشيء المناسب في المكان المناسب ، وبالقدر المناسب ، وفي الوقت المناسب ، هذه هي الحكمة :

( سورة البقرة )

      انظُرْ أيها الأخ ، فأنت بالحكمة تجلب المال ، وبعدم الحكمة تتلف المال ، بالحكمة تتعايش مع الجسم العليل ، شخصٌ مصاب بمرضٍ في قلبه ، أنا أعرف شخصًا من خمسة وثلاثين عامًا ، معه آفة بقلبه ، يقول لك : دارِهِ تَعِشْ به ، دقيق ، وحكيم جداً ، لا يتعب نفسه ، كل شيء بالتُّؤَدة، بعيد عن الهزات النفسية ، أكلُه معتدل ، يعاني مِن آفة قلبية منذ خمسة وثلاثين عامًا ، يعيش مع قلبه بالحكمة ، وإنسان آخر أحياناً يتلف نفسه بثلاثة وثلاثين عامًا ، فأنت بالحكمة تتعايش مع مرضك ، وبالحمق تتلف صحتك ، بالحكمة تجلب المال ، بالحمق تبدده ، بالحكمة تجعل المرأة السيئة صالحة، وبالحمق تجعل الصالحة سيئة ، لذلك :" صف لنا العاقل ؟ قال : هو الذي يضع الشيء مواضعه ، فقيل له : صف لنا الجاهل ؟ قال : قد فعلت ".

        هذا كلامٌ لطيفٌ وغريب قال : " خيار خصال النساء شرار خصال الرجال ، الزهو والجبن والبخل ، فإذا كانـت المرأة مزهوةً لم تمكِّن من نفسها ، أي عزيزة ، وإن كانت بخيلةً حفظت مال زوجها ، أين الليمـونات ؟ والله وزعتهنّ ، اشترى كيلو ليمون ليظل عنده أسبوعًا ، تقول له : وزعت الليمونَ كلَّه ، وإن كانت جبانةً فرقت من كل شيءٍ يعرض لها " .

             فالجبن بالرجل رذيلة ، والبخل رذيلة ، والزهو رذيلة ، أما المرأة إذا كانت مزهوةً لم تمكن من نفسها ، وإن كانت بخيلةً حفظت مال زوجها، وإن كانت جبانةً فرقت من كل شيءٍ يعرض لها ".

أما هذه المسترجلة وهي أيضاً تدخن فالعياذ بالله .

هذا القول جميل جداً ، سئل كرَّم الله وجهه كما ورد في نهج البلاغة عن قوله تعالى :

( سورة النحل ) 

ما معنى الحياة الطيبة ؟ قال : " هي القناعة ".

          لأن الإنسان إذا قنع بما آتاه الله سعد به ، لأنه معظم الناس أدركوا الحدَّ الأدنى من الحياة .. " إذا أصبحت آمناً في سربك ، معافىً في جسمك عندك قوت يومك ، فكأنما ملكت الدنيا بحذافيرها " .

          لك غرفة صغيرة ، فيها فراش وثير نظيف ، مدفأة دافئة ، تأكل الطعام الطيِّب ، وتلبس ثيابًا نظيفةً ، وعندك أولادك وزوجتك ، ألم يقل الملك لوزيره : من الملك ؟ فاستغرب الوزير وقال له : أنت الملك ، فقال له : لا ، الملك رجلٌ له بيتٌ يؤويه ، وزوجةٌ ترضيه ، ودخلٌ يكفيه، وهو لا يعرفنا ولا نعرفه ". هذا هو الملك .

ويقول هذا الصحابي الجليل : " من أصبح على الدنيا حزيناً فقد أصبح لقضاء الله ساخطاً " .

       حزين على الدنيا ، وقيل عن سيدنا الصديق : إنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط ، وربنا قال :

( سورة يونس : آية " 58 " )

      افرح بالعطاء الإلهي ، افرح بالعلم ، افرح بالحكمة ، افرح بمعرفة الله ، افرح بفهم القرآن، افرح بالعمل الصالح ، افرح بطلاقة لسانك في ذكر الله عزّ وجل .

       "من أصبح على الدنيا حزيناً فقد أصبح لقضاء الله ساخطاً ، ومن أصبح يشكوا مصيبةً نزلت به فقد أصبح يشكوا ربه ، ومن أتى غنياً فتضعضع لغناه ذهب ثلثا دينه ، ومن لهج قلبه بحب الدنيا التاط منها بثلاث ، همٍ لا يفارقه وحرصٍ لا يدركه وأملٍ لا يبلغه  " .

ومعنى التاط منها بثلاث : أي أصابته الدنيا بثلاث فواقر .

      ويقول هذا الإمام الجليل : " إن لم تكن حليماً فتحلَّم فإن من تشبه بقومٍ أوشك أن يكون منهم".

وهذا الموضوع ذكرته مِن قبْل بالتفصيل : " الحلم سيد الأخلاق ، وكاد الحليم أن يكون نبياً " .

      فإذا لم يكن الإنسانُ حليمًا فلْيتحلَّم ، يغلي مثل المرجل مِن الداخل ، لكنه ضابط لأعصابه ، وهذه نعمة ، وهذا إنسان عظيم ، لأنه يعاكس نفسه ، يغلي كالمرجل ، لكنه ساكت لا يتكلم ، هذا هو التحلُّم ، التحلُّم ثمن الحلم ، إذا أردت أن تكون حليماً أصالةً فعليك بالتحلم وكالةً ، تتحلم وكالةً تصبــح حليمًا أصالةً ، لأن الحلم خلقٌ يتفضَّل الله به عليك ، وكما يقولون : " إن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً منحه خُلُقاً حسناً " .

     فالحلم الحقيقي من الله ، لكن ثمن هذا الحلم الحقيقي أن تتحلى ، أن تتصنع الحلم : " إنما الحلم بالتحلم وإنما الكرم بالتكرم وإنما العلم بالتعلم ".

" إن لم تكن حليماً فتحلم فإن من تشبه بالقوم أوشك أن يكون منهم " .

قال : " كل وعاءٍ يضيق بما جُعِل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع به " .

      الذي عنده مستودع للوقود السائل يسع ألف لتر ، أخي بحبح المقدارَ ، لا يتسع ولا للتر زائد، فقد امتلأ عن آخره ، فهذا الوعاء المادي محدود السعة ، لكن الإنسان لو يقرأ ألف كتاب لو يقرأ مئة ألف كتاب ، فعنده سَعة ، الحاسوب له سعة يقول لك : هذا مئتا ميجا ، هذا ثلاثمئة ميجا، هذا ثمانمئة ، يوجد له سعة ينتهي عندها ، سبحان الله إلا الإنسان مهما طلب العلم فإن هذا الدماغ يتسع من دون حدود ، وميزة العلم أنك إذا أنفقته يزداد ، فمِنَ الممكن أنْ يكون عندك وعاء فيه شراب لذيذ ، تملأ منه كأسًا ، وتعطيها للضيف ، فهل يزيد الوعاء ؟ لا ، بل ينقص ، قال : " يا بني المال تنقصه النفقـة ، والعلم يزكوا على الإنفاق " ، " مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة " .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *  

Copyright © 2007 Nabulsi