English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا علي بن أبي طالب  : الدرس 8/ 8  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

الموضوع         :  موعظة من حكمه .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

       الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثامن والخمسين من دروس صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، ومع الدرس الثامن من سيرة سيدنا علي بن أبي طالب ، وقد وعدناكم أن نقرأ عليكم مع بعض الشرح موعظةً لهذا الإمام الجليل ، وكأنه يضع يده فيها رضي الله عنه على جراح المسلمين في عصور تأخُّرهم .

      فقبل أن نقرأ هذه الموعظة لا بد من مقدمةٍ قصيرة ، وهي أن الإسلام في أول نشأته ما عرف النفاق ، لكن بعد ان جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا واستتب الأمر للمسلمين ، وانطلقت الجيوش تفتح مشارق الأرض ومغاربها ، وتمكن الإيمان ، عندئذٍ ظهر ما يسمى بالنفاق ، طبعاً ظهر لأن القوة الكبيرة بيد المسلمين.

     والنفاق حالة ليست إيماناً وليست كفـراً ، ظاهره شيء ، وباطنه شيء ، أفكاره في وادٍ ، وسلوكه في واد ، حاجاته يلبِّيها ، وآخرته يرجئها ، فهذا الإنسان البذيء نشأ في مجتمعٍ إسلامي ، وسلك سلوكاً غير إسلامي ، هو الذي يصفه هذا الإمام الجليل :" لا تكن مِمَّن يرجو الآخرة بغير عمل ".

    

       ذات مرةٍ أقول لكم : قد تجد إنسانًا إذا خطط لمستقبله ، أو اختار عمله ، أو تحرك حركةً في الدنيا يدخل في حساباته الأشياء الأساسية ، مثلاً لو أنه أراد يؤسِّس مشروعًا ، يفكر أوّلاً فيما لو أن ثمَّة مشروعًا آخر منافسًا ، ثم يفكر لو أن هذه المادة الأولية مُنِع استرادها ، ويفكر لو أن القوة الشرائية انخفضتْ ، فلم يعُد المواطنُ يتمكن من شراء هذه السلعة ...إلخ ، فالإنسان إذا أسس مشروعًا يُدخِل الحساباتِ المتوقعةَ بأكملها .

            الشيء العجيـب أن الناسَ حينما يتحرَّكون ، فالغافل منهم لا يدخل حساب الآخرة في تخطيطه إطلاقاً ، لا الموت ، ولا الوقفةٌ بين يدي الله عزَّ وجل ، ولا أيّ سؤالٍ حولَ هذا المال ، كيف أخذته ؟ ولمَ أنفقته بهذه الطريقة ؟ هذه المرأة لمَ طلقتها ؟ هذه السلعة لمَ بعتها ، ولم تذكر عيبها ؟ سبحان الله أمور الآخرة لا يدخلها في حسابه إطلاقاً ، فهذا النموذج الذي يدخل في حساباته كل شيء إلا الآخرة .. قال فيه الإمام على كرم الله وجهه : " لا تكن مِمَّن يرجو الآخرة بغير عمل " .

         لكن هذا الإنسان بالذات الذي لم يدخل في حساباته موضوع الآخرة  إطلاقًا ، لو كان في عقد قران مثلاً ، لو كان في مجلس علم ، لو كان في مناسبة دينية ، والخطيب أو الداعي دعا اللهم ارزقنا الجنة ، يقول آمين ، آمين على ماذا ؟ هذا الذي يقول آمين بصوتٍ مرتفع وليس في سلوكه ما ينبئُ أنَّه يسعى للآخرة ، هذا الإنسان ، وهذا النموذج ، وهذا المسلم هو الذي سبَّب ضياع المسلمين .

        فبين أنْ يكون الإسلام منهجًا كاملاً ، ينتظم كل حياتنا ، ينتظم بيوتنا ، أعمالنا ، علاقاتنا ، أفراحنا ، قبض أموالنا وإنفاقها ، وكل نشاطاتنا ، وبين أن يكون الإسلام قد تقلص ، وتقلص ، وتقلص ، وانكمش ، فصار صوماً وصلاةً وحجاً وزكاةً ، هو في واد والحياة في وادٍ آخر ، هذا الذي يعنيه الإمام علىٌ كرم الله وجهه : " لا تكن ممَّن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويرجِّي التوبة بطول الأمل " .

فكل إنسان يقول لك : أنت الآن شاب ، الله كريم عندما تكبر وتتزوج وتمل من حياتك تتوب .

         هذا الذي يرجّي التوبة بطول الأمل ، أليس هناك مغادرة للدنيا سريعة ، أليس هناك آلاف الحوادث ؛ فيها شابٌ يموت ، إنسان في مقتبل حياته يصاب بمرض عضال ، أليس هناك من يغادر الدنيا من دون سابق إنذار ، فاليوم كنا في تشييع جنازة ، والله شيء لا يصدق ، إنسان يسكن في بيت ؛ يضمُّ السرير ، ، والفراش ، والملاءة البيضاء المرتبة ، والغرفُ الدافئة ، وغرف الطعام ، كل هذا تركه ، وحفرتْ له حفرةٌ ، ووضع فيها ، وأهيلَ الترابُ عليه ، هذه حقائق ، ليس مِن كلام أشدّ واقعية من هذا الكلام ، كلنا مصيرنا إلى هذه الحفرة ، ماذا في هذه الحفرة ؟ هذا الكلام : "ويرجِّي التوبة بطول الأمل " .

         لذلك مَن عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ، إذا قلت : غداً سأفعل كذا وكذا .. إذا توهمت أن غداً تملكه ، هذا التوهم هو عين الجهل .

" لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل ، ويرجّي التوبة بطول الأمل ، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ، ويعمل فيها بعمل الراغبين " .

         أخطر شيء هذا الانفصام ، وهذا الانفصال ، هذه المسافة ، هذه الاثنينية ، هذه الازدواجية ، واللهِ وكأن هذا الإنسان معه انفصام شخصي ة، له شخصيتان إذا تكلم تكلم بقول الزاهدين ، وإذا عمل عمل بعمل الراغبين ، فهذه الشخصية المنفصمة والازدواجية ، هذه الاثنينية في شخصية الإنسان ، هذه المسافة الكبيرة بين الفكر وبين السلوك ، هذه سمة عصور تخلُّف المسلمين .

      ..." يقول في الدنيا بقول الزاهدين ، ويعمل فيها بعمل الراغبين ، إنْ أعطي منها لم يشبع ، وإن مُنِع منها لم يقنع  " .

        مهما أعطي لا يشبع ، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذه الحقيقة ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :" مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا *              

( سنن الدارمي )

       فإذا كان هناك نهم فاجعله في طلب العلم ، اجعله في طلب الآخرة، إذا كان هناك نهم تسابق مع أهل الإيمان ، التنافس مطلوب ، الله عزَّ وجل يقول :

( سورة المطففين )

         الإنسان من طبيعته الغيرة ، والحقيقة هذه الطبيعة لمصلحته ، هذه الطبيعة تدعوه إلى أن يسابق إخوانَه ، لكنّ المشكلة ما موضوع السباق ؟ الله عزَّ وجل ينتظر منا أنْ نتسابق في أمر الآخرة ، في معرفته ، في طلب العلم ، في خدمة الخلق ، في العمل الصالح ، الآن الناس يتنافسون في الدنيا ، في جمع الدرهم والدينار ، والله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الزخرف )

         لو أنّ الإنسان ترك ملايين مملينة ، على وزن ألوف مؤلَّفة ، والآن لم يعُد الإنسانُ يكتفي بألوف مؤلفة ، بل يريد ملايين مملينة ، لو ترك ملايين مملينة ، وقدِم على الله عزَّ وجل صفر اليدين من العمل الصالح ، إنه مِن أخسر الناس ، قال: " إن أعطي منها لم يشبع ، وإن منع منها لم يقنع ، يعجز عن شكر ما أوتي ، ويبتغي الزيادة فيما بقي  " .

       الحقيقة أنّ نعمة الشكر مِن أعظم النعم التي يتمتع بها المؤمن ، نعمة الشكر أساسها اليقظة، الغفلة تسبب الكفر ، فالإنسان أحياناً لو وضع قائمة للنعم التي عنده فماذا عنده ؟ عنده صحة ، هذه أثمن شيء ، عنده بيتٌ نظيف ، وليس عنده أيّة مشكلة في البيت ، زوجة مستقيمة مؤمنة ، أولاد أبرار ، هذه أكبر ثروة ، له سمعةٌ طيبة ، ثروة جديدة ، عنده قوت يومه ، كنت أذكر دائماً عن ملِك سأل وزيره : مَن الملك ؟ فهذا الوزير أُحرِج ، السائل هو الملِك نفسه ، ويقول هذا الملِك: مَن الملِك ؟ فسكت ، فقال له : أجب ، فقال له : أنت الملك ، فقال هذا الملك : لا ، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا ، له بيتٌ يؤويه  وزوجةٌ ترضيه ورزقٌ يكفيه ، إن عرفناه جهدنا في إحراجه ، وإن عرفنا جهد في استرضائنا .

      فحينما يتمتع الإنسان بعقيدة سليمة ، وبالإيمان ، وبفكرة صحيحة عن الكون ، فقد جمع لنفسه الخير و الفلاح ، ماذا قال طرفة بن العبد :

فإن كنتَ لا تستطيع دفع منيتي       فدعني أبادرها بما ملكت يدي

     ينطلق هذا الشاعر الجاهلي من فلسفة أساسها أن الدنيا من أجل المتعة ، وأقوال الناس الآن ، يقولون بهذا القول : أنت الآن في عز شبابك فتمتع بحياتك وخذ منها على قدر استطاعتك ، ما هذه الفلسفة ؟ هذه فلسفة الشيطان ، هذه فلسفة الجهلاء ، فإذا كان للإنسان فلسفة صحيحة ، عنده رؤية صحيحة لحقيقة الكون والحياة والإنسان ، وعنده منظومة قيم تنتظم سلوكه ، ومجموعة أوامر ونواهٍ يأتمر بها وينتهي بها ، فهو إذًا له هدف واضح ، وله طريق سالك لهذا الهدف ، واللهِ هذا إنسان عظيم ، وعنده قوت يومه ، فقد ارتقى سلّم السعادة والتألُّق .

النقطة الدقيقة أيها الإخوة ... أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل ؟

     أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ، قال :" بل نبياً عبداً ؛أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره ".

     يبدو أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما اختار أن يكون نبياً عبداً من أجل أن يعلمنا أن نقص المواد لا قيمة له ، لا قيمة له إطلاقاً ، لا يسبب عقبةً تحول بينك وبين هدفك الكبير .

إذًا : " يعجز عن شكر ما أوتي ، ويبتغي الزيادة فيما بقي  " .

        النبي عليه الصلاة والسلام عندما يستيقظ من الليل كان أول دعائه : " الحمد لله الذي ردَّ إلي روحي " .

بعض الناس لا يستيقظون من نومهم ، لقد عاجلهم الموت وهم نائمون .

النعمة الثانية "  وعافاني في بدني " ، ثم قام يمشي ، ولا مكروه به ، ولا  آلام ، الحواس الخمسة صحيحة ، مع سلامة القلب والرئتين ، والكليتين ، والأمعاء والعضلات ، والأعصاب ، النخامية ، الدرقية ، .... إلخ ، البنكرياس .

" وعافاني في بدني وأذن لي بذكره  " . كان إذا دخل ، بيت الخلاء يقول :

" الحمد لله الذي أذاقني لذَّته وأبقى فيَّ قوته ، وأذهب عني أذاه " .

وأقول هذا الكلام كثيراً : المهم أنّ معه مفتاحًا ، سواء كان البيت صغيرًا  أو كبيرًا ، عاليًا أو منخفضًا ، مستأجرًا أو ملكًا ، كله سيّان ، له مأوى .

" الحمد لله الذي آواني فكم ممّن لا مأوى له " .

دخل إلى البيت فوجد زوجة قد طبخت ، وله أولاد ، يملؤون هذا البيت أنساً ومرحاً ، هذه هي الحياة .

        وحينما يتجاهل الإنسان هذه النعم الأساسية ، ويبحث عن نعم مترفة ، لينافس غيره ، وليظهر أمام الناس بمظهر فخم ، فهذا الإنسان شقي ، وهو بالأساس شقي ، شَقِيَ ويشقي قال :

" يعجز عن شكر ما أوتي ، ويبتغي الزيادة فيما بقي  " .

يَنهى ولا ينتهي .

" أندم الناس رجل دخل الناس بعلمه الجنة ، ودخل هو بعلمه النار".

       ينهى ولا ينتهي ، والنبي عليه الصلاة والسلام له حديث يقصم الظهر ، مخيف : أهل النار وهم في النار يرون رجلاً كان له تألُّقٌ شديد في الدنيا في مجال الدعوة ، تألق شديد ، رأوه في النار ، وقد اندلقت أمعاؤه ، يقال له : أأنت فلان ؟! يقول : نعم ، يقال له : ما الذي جاء بك إلى هنا: يقول : " كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " .

         وكنت أقول لكم دائماً : ما من عملٍ يتذبذب بين التفاهة وبين الخطورة كالدعوة إلى الله ، فبينمــا يكون هذا الداعية الذي أخلص لله عزَّ وجل ، وطبق أمر الله عزَّ وجل ،  في أعلى أنواع التألق ، فلو أنه كان يقول كلاماً لا يطبقه ، لهبط في عين الله عزَّ وجل إلى حضيض الأوحال .

      " ينهى ولا ينتهي ، ويأمر بما لا يأتي ، يحب الصالحين ، ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم " .

          أمّا المنافق فليس كافراً وليس مؤمناً ، يحب الصالحين ، وليس منهم ، يكره المذنبين وهو أحدهم ، عنده طموحات إيمانية لكن هو مقصر.

         فنحن الذي يعنينا من هذا الدرس أنَّ الإسلام ليس فيه حل وسط ، والحقيقة عندما الإنسان يقصر يصبح وضعه صعب جداً ، لا هو مؤمن يقطف ثمار إيمانه ، ولا هو كافر ، فالله عزَّ وجل يضعه خارج العناية الإلهية ، فيعطيه الدنيا كما يشاء ، ثم يقصمه مرة واحدة ، لا هو من هؤلاء فيقطف ثمار الإيمان ، ولا هو من هؤلاء فيعطى الدنيا كما يريد .

        والحقيقة هناك أقوال كثيرة مشابهة لحال المنافق ، منها أن أخطر شيءٍ في مضمارِ العلم نصف العالم ، لا هو عالم فيفيد من علمه ، ولا هو جاهل فيقبل أن يتعلم .

       في بعض المجالات المنطقة الوسطى خطيرة جداً ، وفي مجالات أخرى الكمال في الوسط، أما بالإيمان فليس هناك وسط ، لأنّه إذا وُجد تقصير أدّى ذلك إلى حجاب ، فمثلاً عقيدة جيدة ، وطموحات إيمانية ، وخوف من النار ، ومع كل ذلك لديه تقصير ، فهذا التقصير َسَّبَب الحجاب ، وهذا الحجاب سبَّبَ مللاً ، فليس مِن إنسان يمل مِن طلب العلم إلا بسبب عدم الرغبة في التطبيق.

      الآن إذا دعاك شخص إلى طعام ، فوضع صحونًا وملاعق وحاجات أخرى ، ولكن لم يضع طعامًا ، ويقول لك : تفضل ، وأنت استحيَيْت أنْ تتكلم معه ، دعاك مرة أخرى فلم يضع شيئًا من الطعام ، فإنْ دعاك مرة ثالثة لن تحضر .

       فعندما الإنسان يقوم بعبادة ، يصلي ويصوم ويقرأ القرآن ، ولا يكون له اتصال بالله بسبب ذنب من الذنوب فهو في حجاب ، هذا الحجاب يفرِّغ هذه العبادة من مضمونها ، فعنده الصلاة صارت جوفاء ، والصيام أجوف ، والحج أجوف ، كل هذه العبادات التي كان من الممكن أن تنهض بك إلى الله ، وأن ترقى بك إلى الله ، فبتقصيرك فرَّغتها من مضمونها .

        فهناك نقطة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني كي تكون واضحةً بين أيديكم ، فكل واحد مسلم يمكنه أنْ يجرب الصلحَ مع الله مئة في المئة ، ويستقيم مئة في المئة ، ويضبط لسانه مئة في المئة ، ويضبط عينه مئة في المئة ، ويضبط أذنه مئة في المئة ، ويضبط دخله مئة في المئة، ويضبـط إنفاقه مئـة في المئـة ، ويصلي ، يشعر أن قريب من الله ، وفي أي فرضٍ مِن الصلاة بإمكانه أن يتوجه إلى الله بقلبه ونفسه ، ليس شرطًا أن يبكي ، لكنْ حقيقةً له توجُّهٌ إلى الله عزَّ وجل ، لأن الطريق سالك بلا عقبات ، وجهه أبيض ، له دالةٌ على الله .

         وقد كنت أضرب مثلاً ، إذا لم يعمل أعمالاً صالحة ، لكنه إذا استقام فقط ،  ففي الجيش هناك رتـب ، يوجد لواء ، قائد فرقة ، وعميد ، وعقيد ، ومقدم ، ورائد ونقيب ، وملازم أول ، وملازم ثانٍ ، ومساعد ، ورقيب ، وعريف ، وجندي محترف ، وجندي مجند ، وجندي غُر ، أليس كذلك ، أيقدر مجند غر أنْ يدخل على اللواء من دون استئذان ؟ مستحيل ، يحتاج إلى طلب، بل إلى طلبات عن طريق التسلسل ، وأعتقد أغلب الظن أنه لا يستطيع ، لكن هذا اللواء لو كان له ابن ، وكان يسبح في مكان عميق ، وأشرف على الغرق ، فهذا المجند الغر يتقن السباحة تماماً ، فألقى بنفسه ، وأنقذ هذا الغلام من موتٍ محقَّق ، وجاء في اليوم التالي إلى غرفة هذا اللواء ، وقال للحاجب : قل له : فلان ، ماذا يقول له هذا اللواء ؟ يقول له : تفضل ، أين أصبحت الرتب؟ أين العقبات ؟ أين التسلسل ؟ التغت كلها ، لأن له عملاً صالحًا ، هذا العمل بيَّض وجهه ، هذا العمل أعطاه قوة اقتحام ، أعطاه قوة اندفاع ، هذا مثل بسيط .

       فمرة كنت في سهرة ، قال لي أخ : دلَّنا على طريق الاتصال بالله ، قلت له كلمتين : استقم على أمره ، واخدم عباده ، وقِفْ وصلِّ وانظر .

      مرة صليت بالحرم النبوي في أول عمرة أكرمني الله بها وراء إمام ، أنا أظن به ظناً حسناً، صوته حسن،  ويبدو أن له قلباً موصولاً بالله عزَّ وجل ، والله أيها الإخوة ، قرأ في الركعة الأولى سورة الجن ، وفي الركعة الثانية سورة المزمل ، والله الذي لا إله إلا هو لو أنه بقي يصلي حتى الظهر لكنـت ممتناً له ، قلت هذه الكلمة : حقًّا هذه الصلاة التي أمرنا الله بها ، أنت الآن تتصل بخالق الكون ، فالله عنده تجلٍّ ؟ عنده سكينة يلقيها على قلبك ، فتشعر بالطمأنينة ، تشعر بالسكينة ، تشعر بقيمتك كإنسان ، تشعر أن علاقتك مع الله فقط ، تشعر أنّ الدنيا تافهة ، صارت لك صلة حميمة بالله ، والله هذه الآيات الذي قرأها إمامنا وكأنني أسمعها أول مرة ، وكأنها أنزلت الآن ، قلت هذه الكلمة : هذه هي الصلاة التي أمرنا الله بها ، فنحن نصلي وأحدنا محسوب عند الناس أنك تصلي ، ومحسوب على الله أنه يصلي ، محسوب على أهلك أنك تصلي ، هناك رجل عالم جليل من كبار الدعاة سافر إلى بلد ليجري عملية جراحية كبيرة ، فقابله صحفيٌّ وسأله : ما هذه المكانة الكبيرة التي أكرمك الله بها ؟ قال له : واللهِ هذه مِن الله ، فلما ألح عليه ، قال له : لأنني محسوبٌ على الله ، أنا لستُ محسوبًا على جهة أرضية ، أنا محسوب على الله ، كلمة فيها أدب ، أنا لستُ أهلاً ، لكن هكذا حُسِبْتُ على الله ، فأنت محسوب على الله ، أنت محسوب مع المصلين ، محسوب مع روَّاد المساجد ، محسوب مع المؤمنين ، محسوب مع الذين يبتغون وجه الله ، فإذا كانت لك أخطاء طفيفة ، مخالفات طفيفة ؛ بالجوارح الخمس ، بالسمع بالبصر ، باللسان ، باليد ، بالرجل ، بكسب المال ، بإنفاق المال ، بالبيت ، بالعمل ، هناك تقصيرات ، هناك مخالفات ، اضبطها واتصل بالله ، وهذا واللهِ الذي لا إله إلا هو لسرُّ الإسلام ، فالإسلام عظمته بهذا القلب الممتلئِ بالتجلي الإلهي ، بهذا القلب الممتلئِ بنور الله ، بسكينة الله ، بهذا القلب الذي لا يخاف ، ولا يذل ، ولا يشعر بالقهر ، ولا يشعر بالندم .

            الإنسان أحياناً يكون ( والله أراه أحياناً مثل قطعة القماش البالية) متهالكًا ، ضعيفَ المعنويات ، يائس ، مقهور ، خائف ، قد ينافق ، أيام يتذلل ، وقد يبذل ماء وجهه ، أحيانا من أجل عرَضٍ طفيف جداً تجده بذل ماء وجهه ، حتى هان ، وسقط من عين الله .

           سيدنا عمر جاءه رجل يبدو أنه طلب طلبًا بإلحاح ، فما رضي له بهذا الموقف الذليل ، قال له : "يا هذا لقد أضعت من نفسك أكثر مما ضاع منك " .

           أضعت من مكانتك ، أضعت من كرامتك ، أضعت من إنسانيتك أكثر مما ضاع منك ، النبي علمنا قال :

" ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس ، فإن الأمور تجري بالمقادير " .

النبي الكريم علمنا ، فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ . قَالُوا : وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاءِ لِمَا لا يُطِيقُ " *                                                  

( سنن الترمذي )

        أنت تمثل هذا الذين ، لماذا للسفير سيارة فخمة ، ويرتدي أجمل الثياب ؟ يمثل أمة ، هندامه ليس ملكه ، هندامه ملك أمته ، مكانته طلاقة لسانه ، يختارونه مثقفًا ثقافة عالية ، يتقن لغتين أو ثلاثًا ، يتقن عدة اختصاصات .

      سمعت أن في إحدى البلاد الأجنبية مدرسةً خاصة للسفراء ، يعلمونه آدابًا وعلومًا وحقوقًا ، وثلاث لغات ، ينتقوه من المستويات الرفيعة ، شخص يمثل أمة ، وأنت تمثل الدين ، هندامك ملك الدين، وليس ملكاً لك ، بيتك ، عملك ، نظامك ، مواعيدك ، هذا كله تحت المراقبة الشديدة .

     المؤمن لا يتألق إلا بالطاعة التامة لله عزَّ وجل ، اضبط لسانك نهائيا ، وابتعد عن الغيبة مهما كلَّف الأمر .

    أحد العلماء الأجلاء ، وهو الشيخ بدر الدين الحسني ، إذا حضر أحدٌ لا يتكلم أمامه كلمة ، فإنْ تكلم أحدٌ قال فوراً : اسكت يا با ، أظلم قلبنا ، عوِّد نفسك ألاّ تغتاب ، قال له : " إني أشفق عليك مما يقوله عنك الناس " .

      رجل مستقيم مقبل على الله عزَّ وجل ، موفق في عمله ، له حسَّاد كثيرون ، هؤلاء الحساد نهشوا من لحمه ، واغتابوه بحق وبغير حق ، فلما قال له أحدهم : إني أشفق عليك مما يقوله عنك الناس ، فقال : " هل سمعت مني عنهم شيئاً ، قال لا ، قال : إذًا عليهم فأشقق " .

      فأنا الذي أرجوه من الله عزَّ وجل ، والقضية سهلة ، وبمتناول يدك أيها الأخ ؛ غضُّ البصر بحزم ، مع الامتناع عن سماع الغناء ، والامتناعُ عن الكذب والغيبة والنميمة والسباب والفحش والاستهزاء ، ... إلخ ، وأنت تعرف ذلك بالفطرة ، وبعدها تصل .

        كسب المال الحلال مئة في المئة ، لا تكذب مهما كلفك الأمر ، قل ، وصِف البضاعة كما هي ، ما مِن إنسان مستقيم مات من جوع ، بالعكس يغتني .

      إذًا إخواننا الكرام ، ثمرات الدين يمكنك أنْ تسمِّيَها معنويات عالية ،  تسميها سكينة ، وأنْ تصف المؤمن أنه شخص متألِّق ، شخصية فذة ، يمكنك أن تسمي المؤمن شخصًا متوازنًا ، فالله عزَّ وجل يتجلى عليك بطريقةٍ تشعر معها أنك إنسان متميز ، هذا ثمن الاستقامة ، أما أعراض الإعراض فكثيرة جداً .

" يكره الموت لكثرة ذنوبه " ، اسمعوا هذا المقياس الإلهي :

( سورة الجمعة )

        يعني : تمنِّي الموت ، أو عدم الخوف من الموت محكٌّ أساسي ، يكشف لك حقيقة إيمانك .

" يكره الموت لكثرة ذنوبه ، ويقيم  على ما يكره الموت من أجله إنْ سَقِمَ ظلَّ نادماً ، وإن صحَّ أَمِن لاهياً "

       أعرف رجلاً أصيب بأزمة ، بمرض خطير ، أُدخِل العناية المشددة بالمستشفى ، بعد أسابيع، فرِّج عنه ، يعني هذه الجلطة مُيِّعت ، وعاد إلى نشاطه عاد إلى لهوه وإلى انحرافه ، وإلى نواديه الليلية ، ثم بعد حين توفاه الله عزَّ وجل.

      أيْ أنّ ربنا عزَّ وجل وجَّه له إنذارًا مبَكِّرًا ، في بعض القرى فيها مولدات كهربائية محدودة، تستمر حتى الثانية عشرة ليلاً ، فقبل عشر دقائق يُطفَأ التيار على الناس لدقيقة واحدة ، أو لثانيتين فقط ، هذه إشارة أنه اقترب انقطاع التيار النهائي .

     فالله عزَّ وجل جعل لنا كلنا إنذارات عديدة ؛ مرة الشيب ، مرة ضعف البصر ، فالله عزَّ وجل قادر على أن يبقيَ الإنسانَ في أعلى درجات نشاطه حتى الموت ، فقبل عشر سنوات من أَجَلِه يحتاج إلى وضع نظارات ، وأن يصبغ شعره ، ويضع بدلة لأسنانه ، يصبح عنده اكسسوار كثير ، فيصبح شعره مستعارًا ، وأسنانه كذلك ، ونظَّارته تقوم مقام عينيه ، طبعاً هذا الضعف لأعضائه أو لحواسه  لَفْتُ نظرٍ لطيف لطيف لطيف مِنَ الله سبحانه ، أنْ يا عبدي قد اقترب اللقاء، فهل أنت مستعد ، هيئْ نفسك ، قال:

" يعجب بنفسه إذا عُوفي ، ويقنط إذا ابتلي ، إن أصابه بلاءٌ دعا مضطراً ، وإنْ ناله رخاءٌ أعرض مضطراً " .

       طبعاً كل إنسان على الضغط يتوب ، لكن يا ترى أنت ألاَ تحب أنْ يكون لك مع الله موقف مشرِّف ، ودون مرض تدعو : يا رب ، وتصلي بخشوع وإقبال ، تدعو الله ، وأنت لست مضطراً، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:" أمرني الله بتسع ؛ خشية الله في السر والعلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضا ، القصد في الفقر والغنى " .

       أن تقصد الله عزَّ وجل ، وأنت فقير ، وأنت غني ، وأنت مريض ، وأنت صحيح ، وأنت قوي ، وأنت ضعيف ، ويستوي لديك المرض مع الصحة ، والغنى مع الفقر والقوة مع الضعف في دعائك واتصالك ، وأورادك وتلاوتك ، وحضور مجالس العلم .

         بعض الناس يشعـر بفضل الله إذا تألق عمله وتجارته ، ثمّ لم نعد نراه ، ويتعلّل بقوله : مشغول يا أستاذ ، أعذرني ، وعندما تنشأ معه مشكلة كبيرة في عمله يحضر إلى الدروس ، كلما شدّد الله عليه يحضر ، كلما أرخى الحبل يترك ،  الإنسان بطولته وهو في الرخاء لذلك .

" ابن آدم اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدة " .

         " تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن " ، فالموت يقيني ، والأمل الطويل ظني ، " تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن " سيدنا أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى له كلمة ما رأيت كلمة أكثر منطقية منها ، يخاطب نفسه يقول لها وهذا كلام لنا جميعاً :

 " يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلةٍ تحبينها ، لا شك أنك تمتنعين عنها (يقول لنفسه ) يا نفس أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟! " .

        الطبيب بَشَرٌ ضعيف من جنسك ، قال لك : هذه الأكلة لا تناسبك ، وهذه الأكلة تسبب لك متاعب كثيرة ، فأنت من خوفك على صحتك امتنعت عنها بشكلٍ حازم .

أيكون الطبيب مصدّقا ، وإلهُ الكون يقول لك :

( سورة الحجرات )

وتفعله ، ولا تأخذ بنهيه وتحذيره .

أيكون الطبيب عندكٍ أصدق من الله إذًا ما أكفركِ  " .

ثم يقول لنفسه :" أيكون وعيد الطبيب ( بالمرض ) أشد عندكِ من وعيد الله ، إذًا ما أجهلكِ " .

إنّ الله صادق ، لكن المرض عنده أشدُّ إخافةً من جهنم ، إذًا ما أجهلك .

          كل إنسان يعصي الله عزَّ وجل مدموغ إما بالكفر ، وإمّا بالجهل ، فهذا معنى : " تغلبه الناس على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن ".

" يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ويرجو لنفسه بأكثر من عمله " .

         تجده إذا لمح إنسانًا غلط غلطة ، يقول له : الله يعينك على آخرتك ، وأنت ؟ يعني يرى قشةً في عين أخيه ، ولا يرى جذعاً في عينه ، فالقياس بالمقياسين شيء لا يليق بالإنسان قال :

" إن استغنى بطر وفتر ، وإن افتقر قنط ووهن ، يقصر إذا عمل ويبالغ إذا سأل ، سؤاله سؤال المضطرين ، أما عمله عمل المغتصبين ".

       الحقيقة أنّ عندك قولًا وعملاً دائماً ، هناك شخص قوله على قدرِ عمله ، هناك شخص قوله أكثرُ مِن عمله ، هذا ثرثار، وهناك شخص عمله أبلغ من قوله ، وهذا إنسان عظيم يعمل بصمت ، وهناك شخص يتكلم بقدر ما يعمل ، هذه بتلك ، لكن هناك شخص يتكلم كثيراً ، ويعمل قليلاً ، في مصر يتداولون كلمة هي : (كلمنجي) يتكلم كثيرًا ، يعني ( حكَّى ) يتكلم ، ولا يعمل ، هناك شخص يعمل ، ولا يتكلم ، هذا إنسان عظيم ، هناك شخص عمله على قدر كلامه ، هذا بين بين.

" إذا عرضت له شهوةٌ أسلف المعصية ، وسوَّف التوبة ، وإن عرته محنةٌ إنفرج عن شرائط الملة، يصف العبرة ولا يعتبر ، ويبالغ في الموعظةِ ولا يتعظ ، فهو بالقول مدل ومن العمل مقل ، ينافس فيما يفنى ويسامح فيما يبقى ، يرى الغنم مغرماً والغرم مغنماً ، يخشى الموت ، ولا يبادر الفوت ، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه ، ويسكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره ، فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن ، اللهو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء ".

         فهذا هو الإنسان المنافق الذي خط لنفسه طريقاً لا يرضي الله ، واعتقد اعتقاداتٍ مشابهةً للمؤمنين ، فهذا النموذج الذي وصفه هذا الإمام الجليل نرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون في حرزٍ حريز من هذه الأوصاف التي لا ترقى بالإنسان .

       له حكمةٌ أخرى ، هي : " إن هذه القلوب أوعية ، فخيرهاً أوعاها ، فيا كميل احفظ عني ما أقول لك : الناس ثلاثة ؛ عالمٌ رباني ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة ، وهمجٌ رعاع " .

        يعني هناك أناس مع الغوغاء ، هؤلاء يسمونهم الشريط العريض في المجتمع ، هؤلاء يتبعون شهواتهم ، ويتبعون صرعات الأزياء ، يتحدثون فيما لا يعنيهم ، هم مع الناس ؛ إنْ أحسن الناس أحسنوا ، إنْ أساؤوا أساؤوا مثلهم ، هؤلاء يتموجون ، هؤلاء هو الهمج الرعاع ، وهناك عالمٌ رباني  أي متصلٌ بالله عزَّ وجل ، ومتعلمٌ على سبيل نجاة ، اللهم اجعلنا من المتعلمين ، على سبيل النجاة  .

         قال : " هؤلاء الهمج الرعاع ، أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق ، فاحذر يا كميل أن تكون منهم ، يا كميل ، العلم خيرٌ من المال، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله " .

الحقيقة العلم حارس ، والمال يحتاج إلى حراس ،العلم نفسه يحرسك .

         ذات مرة سائق تكسي في دمشق ، استوقفته امرأة ترتدي عباءة ، فلما ركبت ، قال : إلى أين يا أختي ؟ قالت له : خذني إلى حيث تشاء ، وناولته ظرفاً فيه مبلغ كبير من العملات الصعبة، فهذا السائق ، بحسب جهله الكبير ، قال في نفسه : رأينا ليلة القدر ، قضى حاجته ، وأخذ هذا المبلغ ، وأرجعها إلى المكانِ الذي أخذها منه ، ومع هذا المبلغ رسالة ، فضَّ الرسالة ، فإذا فيها كلمة ، تقول له : لقد أصبحت عضواً في نادي الإيدز .

          وأنا بلغني أنّ النساء اللواتي يصبن بهذا المرض عندهن رغبةٌ جامحةٌ جداً أن يوسِّعن دائرة هذا المرض بشكلٍ مخيف ، هذا أسقط في يده ، لكن قال هذا المبلغ كبير ينفعنا ، فلما ذهب ليصرف المبلغ فإذا هو مزور ، وأخذ إلى السجن .

           هذه الحادثة وقعت في دمشق قبل سنة تقريباً ، وتعليقي على هذه القصة ، لو أن هذا السائق كان مؤمنًا لوضع رجله في ظهرها ، وركلها خارج السيارة ، أليس كذلك ؟ ونجا من المرض ، ومن السجن ، لأن العلم حرسه .

            مرة أحد الأشخاص ، سألني وهو يبكي ، قال لي : زوجتي تخونني منذ ثلاث سنين ، وقال : البارحـــة اكتشفت ذلك ، هو في عمله طيلة النهار يأتي مساءً ، يتناول طعام العشاء ، ويحتسي كأساً من الشاي ، وينام نوماً عميقاً ، بعد ثلاث سنوات ، خطر في باله أن هذا الكأس ينبغي ألاّ يشربه ، وبقي صاحيًا ، إذًا هناك رجل يأتي إلى البيت بعد أن ينام الزوجُ نوماً عميقاً ، فسألتُه : مَن هذا الرجل ؟ قال :  جارنا في البناية ، كيف تعرفتَ عليك ؟ قال لي : ذات ليلة كنت سهران ، وطرق بابَنا ليزورنا ، وقلت لزوجتي : تعاليْ أمَّ فلان ، اجلسي معنا ، "هذا مثل أخوكِ"، وكانت هذه بداية الخيانة ، قلت له : لو أنك حضرت مجلس علمٍ ، وعرفت أنّ هذا الاختلاط لا يجوز ، وأنك كنت السبب لَما فعلت هذا ، قال لي : كلامك حقٌّ وصواب .

         دققوا أيها الإخوة ، العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، أنا أقول ، وأعلمُ ما أقول ، ما مِن مشكلةٍ والله الذي لا إله إلا هو ، ما مِن مشكلةٍ على وجه الأرض ، إلا ووراءها معصية لله ، وما من معصيةٍ إلا وراءها جهلٌ بشرع الله .

        فالذي يحضر دروس العلم فما حصيلة ذلك ؟ هذا يحصِّن نفسه ، لأن هناك قوانين دقيقة جداً ، فعندما يسمح رجلٌ لزوجته أنْ تختلط مع جاره فلا بد أنْ يدفع الثمن غاليًا .

ببساطة أعرابي وهو سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلا لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ . قَالَ :" قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ "*

                                                                 ( مسند أحمد )

فقال هذا الأعرابي : أريد أخف من ذلك .

          يقول لك : أخي لا تتزمت كثيرًا ، حلها برمة ، فيمكن أنْ يقول والواحد لمهندس العمار: أخي لا  تشدد علي كثيرًا ، بدلَ قياس ثمانية مليمتر اجعل ستة مليمتر ، ويكفي كيسان فقط ، هذا كلام غير مسموع ، هنا علم ، هذه بناء مِن ثلاثة طوابق ، لو وضعنا كيسين إسمنت تقع البناية ، لو كان الحديد أقل ممَّا ينبغي ينهار البناء ، ففي الهندسة ليس ثمة مجاملة ، فكل إنسان يقول لك : حلها برمة ، لا تشدد لا تتزمت .

         أحد الطلاب أخبرني مرة ، فقال : لي أخ في دمشق ، وكلُّنا من ريف دمشق ، قال لي ، وقدِمنا ندرس في دمشق ، وسكنا أنا وأخي الثالث في بيت أخينا الأول ، وهو يعمل في معمل ثماني ساعات ، بثلاث ورديات ، متغيرة ، قال لي : أخي العامل الآن عنده ثلاثة أولاد ؛ ولدٌ منه، وولدٌ مني ، وولدٌ من أخي الآخر .

       طبعاً : الحمو الموت ، هكذا النبي أخبر ، فلو أخذت ملفات القضاة، لو أخذت ملفات مخافر الشرطة ، ودرست كل قضية ، فببساطة وسهولة أنْ تجد كل مشكلة وراءها معصية .

       فلما يحضر الإنسان مجلس علم ، ويعرف الحرام والحلال ، وما ينبغي ، وما لا ينبغي ، ما يجوز ، وما لا يجوز ، ماذا عليه أنْ يفعل ؟ يحصِّن نفسه ، حتى لو تعاملتَ مع الناس تعاملاً ماديًّا من دون فقه ، يذهب مالك ، أخي والله استحيت أن آخذ وصلاً ، الوصل شرعي ، يكتب وصل ، ويوَقَّع ، ويُؤتَى بالشهود ويوَثَّق العقد ، فبشكل دقيق جداً ، مشكلاتنا ، الأسرية والاجتماعية ، والتجارية والمالية أساسها المعاصي ، والمعاصي أساسها الجهل دائمًا .

       فالذي يريد الحياةَ هادئة ليس فيها مطبّات ، وليس فيها انحرافات ، ليس فيها انفجار داخلي، ولا أزمات ساحقة ، فعليه أنْ يستقيم على أمر الله عزَّ وجل ، يعني بشكل أو آخر الذي يعقل ويفهم يستقيم ، والذي ينطلق من حبٍّ شديد لذاته لا يستقيم على أمر الله ، قال له:

" يا كميل ، العلم خيرٌ من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال" .

         المشكلة أن الإنسان يتحرك من دون علم ، إذا تحرك من دون علم قطعاً سوف يأخذ ما ليس له ، وهذا سيقع في الكذب والغش ، والربا ، والغبن ، حينما يقع في هذه المعاصي  يؤدِّبه الله تعالى ، أما لو تعلَّم ، وطبّق المنهج يكرمه الله ، والمال ينمو بالصدقات ، ويتلف بالربا .

" ما تلف مالٍ في بَرٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة "

          في أحداث لبنان ، حدثني أخ ، في محل بالبرج ، أضخم محل أجبان ، فيه بضائع بمبالغ خيالية ، فأول جولة حرب انتهت ، المحل الذي على يمينه محروق ومنهوب ، والذي على يساره محروق ومنهوب ، والذي فوقه محروق ومنهوب ، والغلق محروق ، فلما انفرج الأمر ، هذا أسرع إلى دكانه وفتح المحل ، هذا رجل مسلم ، ويدفع زكاة ماله ، أقسم بالله وجده كما أغلقه قبل أشهر هو هو ، فتح الصندوق ، هناك مبلغ من المال وجده هو هو ، فحينما دفع زكاة ماله ما بقي أحدٌ من جيرانه إلا اتهمه بالغباء ، قال له : ادفع هذا المبلغ لمصرف وخذ فائدته ، لكنه دفعه زكاة ماله ، إذًا تأكَّدْ يا أخي أنه ما تلف مالٌ في برٍ أو بحر إلا بحبس الزكاة .

          فأنا أرى أن الإنسان يتميز عن سائر المخلوقات بالقوة الإدراكية ، بالعقل ، هذه القوة الإدراكية تحتاج إلى أن تلبي هذه الحاجة ، فكل إنسان يطلب العلم ، معناها أكَّد إنسانيته ، أكد في كيانه إنسانيته ، وكل إنسان أهمل العلم هبط إلى مستوى آخر دون المستوى الحقيقي .

" فيا كميل ، العلم خيرٌ من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق " .

       إذا سمع أحدُكم تفسيرَ آية ، أو تفسيرَ حديث ، أو نقطة شرعية دقيقة ، وحفظها ، فليحاولْ في أول مناسبة أنْ تنقلها لإخوانك ، إن تكلمت بها مرةً واحدة ثبتت ، أو مرتين ، أو ثلاثًا ، بإمكانك أن تنفقها آلاف المرات ، وكلما أنفقتها ازداد امتلاكك إياها ، وربما تعمَّقت في فهمها ، فالعلم يزكو على الإنفاق .

" يا كميل هلك خزَّان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، العلماء باقون أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة " .

         الإنسان يموت ، لكن واللهِ أيها الإخوة مَن يطلب العلم ، ويعلِّم بإخلاص لا يموت ، يموت جسمه ، لكنّ ذِكْرَه على كل لسان ، واسمه في كل بيت ، وهذا بين أيديكم .

         العالم الإسلامي من شرقه إلى مغربه ، يسمع في اليوم الواحد كم مرة يُذكَر الإمام الشافعي ، وأبو حنيفة  ،ومالك ، وسيدنا الصديق ، وسيدنا عمر ، سيدنا صلاح الدين ، سيدنا عمر بن عبد العزيز ، فهؤلاء الذين أَعطَوا ، ولم يأخذوا ، هؤلاء لم يموتوا .

" يا كميل هلك خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة " .

سيدنا علي الآن يصف قال :" لو أصبتُ لهذا العلم لا أصيب إلا حملةً ، أصبت لقناً غير مأمونٍ عليه ، مستعملاً آلةَ الدين للدنيا " .

فأصعب شيء في الحياة أن الإنسان يستخدم الدين للارتزاق .

       " أو قائدًا لحملة الحق ، ولا بصيرة له ، ينقدح الشك في قلبه ، لأول عارضٍ من شبهةٍ لا إلى ذاك ولا إلى ذاك ، أو منهوماً باللذة سلس القياد للشهوة ، أو مغرماً بالجمع والادخار ، ليسا من رعاة الدين في شيء ، أقرب شيءٍ شبهاً بهما الأنعام السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه ، اللهم بلى ، لا تَخْلُوا الأرض من قائمٍ بحجة الله ، إما ظاهراً مشهوراً ، وإما خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته ، وكم ذا وأين أولئك ، أولئك والله الأقلون عدداً والأعظمون عند الله قدراً ، يحفظ الله بهم حججه وبيناته ، حتى يودعوها نظراءهم ويزرعونها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استخشنه المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها معلقةٌ بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه ، آه شوقاً إلى رؤيتهم " .

        وهذه الكلمة لهذا الإمام الجليل ، تبين المزالق التي يمكن أن ينزلق بها مَن ينتمون إلى هذا العلم ، وتبين حقائق الدعاة إلى الله الصادقين .

أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعا بما علمنا وأن يلهمنا تعليم الناس الخير .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi