English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا عمر بن الخطاب  : الدرس 2/ 7  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

الموضوع         :  سيدنا عمر بن الخطاب : عملاق الإسلام : صفاته وورعه .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

   الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

   أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الثالث والستين من درس سِيَر صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، ومع الدرس الثاني من سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

   أيها الناس ... لما خطب هذا الخليفة العظيم على المنبر ، ألقى خطبته المشهورة ، فإذا به يقول: " أيها الناس ، لقد رأيتُني وأنا أرعى غنمَ خالاتٍ لي من بني مخزوم ، نظير قبضةٍ من تمرٍ أو من زبيب " .

   ثم ينزل هذا الخليفة ، من على المنبر بين دهشة الناس ، واستغرابهم فما علاقة هذا الكلام بخطبته ؟ .

   يتقدم أحد الصحابة ، وهو سيدنا عبد الرحمن بن عوف ، ويقول له : " يا أمير المؤمنين ما أردتَ بهذا الكلام ؟ وما علاقته بالخطبة ؟ وما مناسبته ، وما سببه ؟ .

فيقول عمر : " ويحك يا ابن عوف ، خلوت بنفسي فقالت لي : أنت أمير المؤمنين ، وليس بينك وبين الله أحد فمن ذا أفضل منك ؟ فأردت أن أعرِّفها قدرها " .

   فأحدكم يكون في أول حياته شابًا مغمورًا لا أحد يعرفه ، طالب مدرسة أملُه أنْ يأخذ شهادة عالية ، فيصبح طبيبًا مثلاً ، دخله كبير ، ويشعر بقيمته الاجتماعية ، لعله بهذا يتيه على الناس ، لعله بهذا ينسى أنه كان شاباً فقيراً وقد فضَّل الله عليه فجعله بهذا المنصب ، بهذه الشهادة ، بهذا الدخل ، وهناك تجار كانوا فقراء فصاروا أغنياء .

   فالإنسان إذا نسي ماضيه فهذا مِن كفرِ الجميل ، فإذا كان الإنسان فيما مضى فقيرًا ، لا أحد يعرفه ، وليس له زوجة ، وليس له ولد ، وليس له مأوى ، ثم تفضل الله عليه ، وأخذ شهادة ، وتعين في وظيفة ، أو صار طبيبًا ، أو مهندسًا ، ثم اشترى بيتًا ، تزوج ، أخذ الناس يقولون له : الدكتور فلان ، المهندس فلان ، ثم صارت له مكانة اجتماعية ، ويدخل إلى بيته فيجد زوجة وأولادًا ، فلا ينظر إلى نفسه أنه كسب ذلك بذكائه ، ولا ينسَ فضل الله عليه ، الإنسان كلما تذكر ماضيه ، كان هذا التذكُّر معواناً له على شكر نعم الله عزَّ وجل ، كلما تذكر ماضيه فهذا التذكُّر يعينه على شكر نعم الله عليه ، والإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل ، فكل أمرِه وسلامته بيد الله.

   يملك خبرة في موضوع يعيش منها كريمًا ، فلو أن نقطة دم تخثَّرت في أحد شرايين المخ ، لنسيَ عندها كل معلوماته ، ولَفَقَد ذاكرته ، فهناك فقدُ ذاكرةٍ كلِّيٍّ ، وفقدُ ذاكرة جزئيٍّ ، لو أن الإنسان اختل عقله لما عاد له محل في بيته مع أولاده ، أصبح محله في مستشفى الأمراض العقلية ، ولو أنّ إنسانًا وقع له حادث سير ، وأصيبَ بشللٍ في نصفه الأسفل ، أو في العمود الفقري لخسر كل شيء ، فالإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل .

   فالذي عنده بيت ، فهذا عنده مأوى ، وعنده زوجة ، وعنده أولاد ، ويتمتع بقواه العقلية والجسمية ، فهو محترم بين الناس ، ومحمود السيرة ، محبوب بينهم ، فهذه نعمة من الله عزَّ وجل .

   فالإنسان لا ينظر إلى آخر أوضاعه ، دائماً يرجع إلى أقل أوضاعه ، أقلها ، إلى بداياته ، فإذا أقام موازنة بين البدايات وبين النهايات يرى فضل الله العظيم عليه .

   هذه نصيحة أيها الإخوة ... دوماً انظُرْ إلى البدايات ، فإذا وازنت بين البدايات والنهايات رأيت فضل الله عليك عظيمًا ، كنتَ طالبًا في الجامعة ، وتخاف من الامتحانات ، وتكاد نيلك قلبك أنْ تنقطع ، والأستاذ الفلاني لا ينجِّح أحدًا ، والأسئلة صعبة ، لكن السنوات الأربع مضتْ ، وصرت مهندسًا ، أو مدرسًا ، أو طبيبًا ، أو محاميًّا ، كنتَ صانعًا ، أو كنتَ أجيرًا ، فصرت صاحب محل تجاري ، كان عندك ماكينة نول واحدة ( تريكو ) ، فصرتَ تملك معملاً كبيرًا ، يعمل فيه ثلاثون عاملاً ، وغدوتَ كبير القوم ، محترمًا مبجَّلاً .

   هذه نصيحة أيها الإخوة ، فالإنسان إذا ارتقى فعليه ألاّ ينسى البدايات ، فإذا وازن بين البدايات والنهايات يرى بوناً شاسعاً ، هذا البون الشاسع هو فضل الله عليك ، لذلك دائماً تذكَّرْ قوله تعالى:

 

( سورة النساء )

   إذا دخل الإنسان إلى بيته ، أو خرج منه ، رأى نفسه طليقًا ، محبوبًا ، معزَّزًا ، مكرَّمًا ، مبجَّلاً ، هذه كلها نِعَمٌ أنعم الله بها عليه ، رأى صحته تامة ، أولاده لهم سمعة طيبة ، سيرتهم محمودة ، زوجته ترضيه ، فكل أمرِه خيرٌ ، سأل الملِكُ وزيرَه : مَن الملِك ؟ فقال الوزير : أنت ، فقال الملِك : " لا ، بل الملك من كان له بيتٌ يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورزقٌ يكفيه " .

   هكذا علمنا سيدنا عمر ، وهو على المنبر ، من سيدنا عمر ؟ أمير المؤمنين ، أعلى شخص بالمجتمع الإسلامي ، ليس بينه وبين الله أحد ، سيد هذه الأمة ، أعلى شخص ورعاً وتقىً وديناً وقوةً ، أمره مطاع ، وبينما هو يخطب الناس ، فجأةً قطع الخطاب ، وقال : " أيها الناس لقد رأيتني وأنا أرعى غنم خالاتٍ لي من بني مخزوم ، نظير قبضةٍ من تمرٍ أو من زبيب " ، ثم ينزل من على المنبر بين دهشة المستمعين وتساؤلهم .

   فلذلك .. قال لي مرة أخ صار من كبار تجار الخضار ، قال لي: أنا كنت عتَّال بسوق الهال ، يعني شعرت بواقعية وأدب من الإنسان ، والآن هو تاجر خضار كبير ، هذه الموازنة أجروها دائماً ، دائماً أجر هذه الموازنة بين البدايات والنهايات ، من أجل أن تحب الله عزَّ وجل ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :" أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي "*                                            

( سنن الترمذي عن ابن عباس )

   الحقيقة : تتحلَّى الشخصية الفذة بصفةٍ نادرة ، الإنسان دائماً في الأعم الأغلب ، إذا تفوق يصيبه الغرور ، الغرور من لوازم المتفوقين .

   فإنسان لا يستطيع الغرور أن يتسلل إليه وهو في قمة المجتمع فهذه شخصيةٌ فذة ، فقد دخل  الإسلام بحفاوة النبي البالغة ، وصحبه الكرام ، كان دخوله حدثًا كبيرًا ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول :" اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ " *              

( سنن الترمذي عن ابن عمر)

   فدخل سيدنا عمر الإسلام بحفاوة بالغة ، من النبي عليه الصلاة والسلام ومن صحبه الكرام ، فكان دخوله حدثًا كبيرًا .

   ولما دخل في الإسلام صار المسلمون يعبدون الله جهراً بعد أن كانوا يعبدونه سراً ، إذًا ترك أثرًا واضحًا في إسلامه .

   هناك شيء آخر ؛ النبي عليه الصلاة والسلام نعته بالفاروق ، والنبي عليه الصلاة والسلام إذا نعت إنسانًا بصفة عالية فهي حق ، قال له : أنت الفاروق ، لأنه فرق بإسلامه بين الحق والباطل، وبين الملاينة والمواجهة ، وكان هذا الصحابي الجليل عملاق الإسلام يقترح على النبي بعض الاقتراحات فينزل بها الوحي ، تصبح قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة ، ويسمونها علماء السيرة موافقات عُمر ، الذي كان يقوله للنبي يأتي به قرآنٌ كريم ، يُتلى إلى يوم القيامة ، إذاً هذه ميِّزة أيضاً ، ثم يصبح هذا الصحابي الجليل خليفة المسلمين ، كل هذه الميّزات ما استطاعت أن تسمح للغرور أن يطوف حول نفسه .

   وفي أيامنا إذا حقَّق شخصٌ أقلِّ تفوُّق فلا أحد يستطيع أن يكلّمه ، وإنْ جمع شيئًا من المال ، وصار غنيًّا تعالى على الناس ، أو حقّق لنفسه شيئًا من القوة صار يتيه بها على الناس ،أو تميَّز بشيء من الوسامة صار يزدري الآخرين ، فالتفوُّق من أخطارِه الغرور ، والغرور مدمِّر .

   سيدنا عمر كان يقول : " لقد كنا ولسنا شيئاً مذكوراً حتى أعزَّنا الله بالإسلام ، فإذا ذهبنا نلتمس العزَّة في غيره أذلنا الله " ، لقد كنا ، ولسنا شيئاً مذكوراً ، والحقيقة أنّ العرب في الجاهلية ما كانوا شيئًا مذكورًا ، قبائل متفرِّقة ، تعيش فوضى في حياتها ، فوضى في علاقاتها ، فوضى في كسب المال ، يعيشون في تخلُّف شديد ، وفي خشونة بالغة ، وفي عِداء مستمر ؛ حروب طاحنة جرت بينهم في الجاهلية لأسبابٍ تافهة ، قال : " لقد كنا ، ولسنا شيئاً مذكوراً ، حتى أعزَّنا الله بالإسلام ، فإذا ذهبنا نلتمس العزَّة في غيره أذلنا الله " .

   لكن أدق شيء في حياة هذا الصحابي الجليل أن كلمةً كانت تتردد على لسانه كل أوقاته : " ما تقول يا عُمر لربِّك غداً " ، كيف أن الطالب الذي يحصل على المرتبة الأولى على مستوى القطر لا تغيب عنه ساعة الامتحان أبدًا ، كذلك المؤمن إذا أراد التفوُّق لا يغيب عنه هذا السؤال طوال حياته : ماذا سوف تقول لربِّك غداً ؟؟ لماذا أعطيت ؟ لماذا منعت ؟ لماذا حابيت ؟ لماذا تجهَّمت؟ لماذا ابتسمت ؟ لماذا رضيت ؟ لماذا غضبت ؟ لماذا طلَّقت ؟ لماذا خاصمت ؟ لماذا فصمت هذه الشركة ؟ كل موقف له سؤال، فسيدنا عمر دائماً وأبداً يقول : " ما تقول يا عُمر لربِّك غداً ".

   وأنا أتمنى على نفسي وعليكم كلما تحركنا حركة أن نهيِّئَ لله جواباً يوم القيامة ، لمَ أعطيت ولدك بيتاً ، ولم تعطِ أخاه ؟ لمَ زوَّجت هذه الفتاة بأعلى درجة ، والثانية لم تفعل معها ذلك ؟ فإذا واحد منا في حركته اليومية ؛ في شرائه ، وبيعه ، بنشاطاته ، ببيته ، بنزهته ، بجلوته ، وبخلوته، في كل موقف يفعله يهيِّئ لله عزَّ وجل جوابًا ، فهذا يكون إنسانًا نرجو الله أن ينجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .

   الأحنف بن قيس قال : " كنت مع عمر بن الخطاب فلقيه رجل ، قال : يا أمير المؤمنين انطلق معي فأعنِّي على فلان فقد ظلمني " ، سيدنا عمر رفع دُرَّته ، وخفق بها رأس هذا الرجل ، وقال له : " تدعون أمير المؤمنين ، وهو معرَّضٌ لكم ، مقبلٌ عليكم ، حتى إذا شُغِل بأمرٍ من أمور المسلمين أتيتموه أعنِّي أعنِّي " ، فانصرف الرجل غضبان أسفاً ، فقال عمر : " عليَّ بالرجل " ، فلما عاد ناوله مخفقته ، وقال له : " خذ واقتص لنفسك مني "،  قال الرجل : " لا والله ، ولكني أدعها لله " ، وانصرف ، قال الأحنف : وعُدتُ مع عمر إلى بيته ، فصلى ركعتين ، ثم جلس يحاسب نفسه ، ويقول : " ابنَ الخطاب كنت ؛ وضيعاً فرفعك الله ، كنت ضالاً فهداك الله ، كنت ذليلاً فأعزَّك الله ، ثم حملك على رقاب الناس، فجاءك رجل يستعديك فضربته ، فماذا تقول لربك غداً ؟ " .

   فأجمل ما في هذا الفصل : ماذا تقول لربك غداً ، هيئ جوابًا لله عن كل تصرُّف ، عن كل موقف ، عن كل حركة ، عن كل سكنة ، هذا ملخَّص الفصل ماذا تقول لربك غداً .

   سمّاه علماء السيرة : جبَّار الجاهلية ، عملاق الإسلام ، كان يؤمّ الناس في الصلاة فَيَسمع بكاءَه ونشيجَه أصحابُ الصف الأخير .. إذا كانت عدد الصفوف في المسجد ثمانية فيسمع بكاءه ونشيجه أصحابُ الصف الأخير .. مرة هرول وراء بعير أُفلت من حظيرته ، ويلقاه عليُّ بن أبي طالب فيسأله : " إلى أين يا أمير المؤمنين ؟ " فيجيبه : " بعيرٌ ندَّ من إبل الصدقة أطلبه " فيقول له عليٌ كرَّم الله وجهه : " لقد أتعبت الذين سيجيئون من بعدك " ، فيجيبه عمر بكلمات : " والذي بعث محمداً بالحق لو أن عنزةً ذهبت بشاطئ الفرات لأُخذ بها عمر يوم القيامة " ، أي أن إدراكه للمسؤولية كان بدرجة تفوق حد الخيال .

   ودائماً نشيده : " كنت وضيعاً فرفعك الله ، كنت ضالاً فهداك الله ، كنت ذليلاً فأعزَّك الله ، فماذا تقول لربك غداً ؟ " ، أليس بينكم رجلٌ كان جاهلاً ، فنوَّر اللُه قلبَه ؟ كان فقيرًا فأغناه الله ، كان تائهًا شارد في الشهوات والموبقات فهداه الله للحق ، فصار نظيفًا ، وصار أخلاقيًّا متَّزنًا ، هذه نعمة الهدى التي لا تُقدَّر بثمن أيها الإخوة ، لو سجدتم لله كلَّ يوم على نعمة الهدى المرة تلو المرة لما وفّيتم حقّ هذه النعمة ، والعلماء قالوا : " تمام النعمة الهُدى " ، فالنعم المادية لا تتمُّ على صاحبها إلا بالهدى ، لأن النعم بلا هدى تنقطع بالموت ، لكن بالهدى تستمر إلى ما بعد الموت .

   هناك نقطة ثانية ، سيدنا عمر كان موحِّدًا ، ومن أعلى درجات التوحيد ألاّ ينظر المرءُ إلى عمله ، مرةً كان مع أبي موسى الأشعري قال : " يا أبا موسى هل يسرُّك أننا أسلمنا مع رسول الله ، وهاجرنا معه ، وخضنا معه كلَّ المعارك ؟ هل يسرُّك أن عملنا هذا كلَّه يُردُّ علينا لقاء أن ننجوَ كَفافاً ، لا لنا ولا علينا ؟ " أي أن إسلام سيدنا عمر وجهاده وأعماله البطولية ، ومعاونته للنبي عليه الصلاة والسلام يراها حدًّا أدنى ، قال له : هل يسرُّك أن كل هذا العمل ردَّ علينا ، ونرضى من الله الكفاف ، أن ننجو كفافاً ، لا لنا ولا علينا ، يعني أن أعمالنا فيها قصور ، فيجيبه أبو موسى : " لا ، والله يا عُمر ، فلقد جاهدنا،  وصلَّينا ، وصمنا ، وعمِلنا خيراً كثيراً ، وأسلم على أيدينا خلقٌ كثير ، وإنا لنرجو ثواب ذلك " ، أيهما أكثر عملاً صالحاً سيدنا عمر أم أبو موسى الأشعري ؟ سيدنا عمر ، صاحب العمل العظيم ، يتمنّى أن ينجو كفافاً ، لا له ولا عليه ، سيدنا أبو موسى الأشعري قال : لا نحن آمنا وأسلمنا وجاهدنا وصلينا وصمنا وعملنا خيراً كثيراً وأسلم على أيدينا خلقٌ كثير ، فيجيبه عمر قائلاً : " أما أنا فو الذي نفس عمر بيده لوددتُّ أن ذلك يردُّ عليّ ، ثم أنجو كفافاً ، رأساً برأس ، لا لي ولا علي " .

   ماذا نفهم من هذا الموقف الذي وقفه سيدنا عمر ؟ نفهم من هذا الموقف أنه يخشى الله خشيةً لا حدود لها ، وأنه يعرف عظمة الله عزَّ وجل ويستقلُّ عمله أمام هذه العظمة .

   قد ذكرت لكم ذات مرة أن أحد الصحابة عيَّنه النبي قائداً للجيش للجولة الثالثة ، فأول قائد كان سيدنا زيد بن حارثة ، والقائد الثاني سيدنا جعفر ، والقائد الثالث سيدنا عبد الله بن رواحة ، أول قائد أخذ الراية فقاتل بها حتى قُتل ، والثاني أخذ الراية فقاتل بها حتى قُتل ، والقائد الثالث قالوا تردد حوالي ثلاثين ثانية وقال :

يا نفس إلا تُقتلي تموتي      هذا حمام الموت قد صليت

إن تفعلي فعلهما رضيت      .... وإن تولَّيت فقد شقيت

   فلما ذكر النبي خبر أصحابه القادة قال : " ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله ، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه " .

   لأنه تردد ، معناها أن الإنسان كلما عرف مقام ربه أكثر استقلَّ عمله أمام هذه المعرفة ، العمل لا تراه عظيماً إلا إذا كانت خشيتك قليلة، أما إذا كانت الخشية كثيرة تستقلُّ عملك ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوته ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : " أوذيت وما أوذي أحدٌ مثلي ، وخفت وما خاف أحدٌ مثلي ، ومضى عليَّ ثلاثون يوماً ولم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال " .

   ومع ذلك كان يمضي الليل كله يصلّي ويتهجَّد ، فلما قيل له : يا رسول الله لقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر ، فماذا أجاب ؟ قال :" أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا "*                        

( صحيح البخاري عن المغيرة )

   الإنسان أحيانا يعمل عملاً صالحاً بسيطًا يتيه به أسبوعاً ، ويقصِّر في صلواته ويقول : عملنا كذا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كلُّ هذه الأعمال البطولية وكل هذا التهجُّد وكل هذه التضحية والإيثار استقلَّه في جنب عظمة الله عزَّ وجل .

   الحقيقة أنّ الإنسان قد ينطلق في الدين ببواعث منوَّعة ، فهناك بواعث الفزع ، وبواعث الحب، والحب أرقى ، وتجد إنسانًا يخاف من النار ، ويخاف من المصيبة ، ويخاف من مرض خبيث ، ويخاف من مرض في القلب ، يخاف من حادث ، يخاف من الفقر المدقِع ، يخاف من الإهانة ، فتراه ينطلق مستقيماً على منهج الله بدافع الخوف ، لكن بعض الصحابة كان الذي يدفعهم إلى الله عزَّ وجل الحب ، حبّ الله وتوقيره والحياء منه ، لذلك لو لم يخف عُمر ما عصى الله ، لو لم يكن للإثم عقوبةٌ ما أثم ، لو قال الله له : اعمل ما شئت فقد غفرت لك . ما خطر في باله أن يعمل إلا ما يرضي الله .

   فإذا الواحد من المؤمنين تجاوز مرحلة الخوف إلى مرحلة الحُب، إلى مرحلة طلبِ ما عند الله عزَّ وجل ، إلى مرحلة الشوقِ إلى الله عزَّ وجل ، فهذه مرتبة جيدة جداً .

   مرة حدثني أخ ، وهو رجل قام بإنشاء مشروع خيري ، معهد تدريب مهني للفتيات الفقيرات ، وكان البيت في منطقة راقية ، فكان ثمنه كبيرًا ، والأدوات والأجهزة والآلات ، وكل فتاة فيه تتعلَّم الخياطة ، فقد تكون متسوِّلة فتصير منتجة ، وهذا عمل طيِّب ، وهذا الشخص المحسن الذي قدَّم البيت بمبلغ ضخم وجهَّزه ، أقاموا له حفل تكريم على هذا العمل ، فقال لي شخص : لقد ألقيت كلمة انفردت بها من بين كل المتكلمين ، قلت له لهذا المحسن : أنا لا أثني على إحسانك ، ولكن أدعوك إلى أن تشكر الله عزَّ وجل ، أنْ جعلك تعطي ، ولم يجعلك تأخذ من جمعيتنا مساعدة شهرية .

   كلام طيب ، كان من الممكن أن يكون واقفًا على الباب ، وينتظر مساعدة شهرية ، فعندما يكرم الله عزَّ وجل إنسانًا ، ويجعله يعطي بدلاً من أن يأخذ ، يجعله يتكلم بدلاً من أن يسمع ، يجعله قدوة ، فهذا فضل من الله عزَّ وجل ، لا تقل : أنا متفوق ، بل قل : إنّ الله سمح لي أنْ أذكره ، فأطلق لساني في ذكره ، وسمح لي الله أن جعل الهدى على يدي ، وهذا من فضل الله على الإنسان ، فالإنسان كلما تحققت له من نعم لِيذُبْ شكراً لله عزَّ وجل .

   فكان سيدنا عمر ، يعلم أن نعمة الإيمان والهدى والإمارة إنما هي محض فضلٍ من الله عزَّ وجل ، وأن الله كان قادراً على أن يختصَّ بهذه النعمة غيره ، وأن يخص بها سواه ، أما وقد آثره بها ، إذاً فهذه فضلٌ مِنَ الله عزَّ وجل ، هذا الذي أتمناه عليكم ، إذا خصّك الله بشيء ، فجعلك مثلاً في بحبوحة ، فجُدْ وأعطِ ، جعلك عالمًا ، جعلك طليق اللسان ، وتنطق بالحق ، جعلك في مركز اجتماعي مرموق ، جعل لك في الأسرة مكانةً ، أي أنك صرت كبير الأسرة ، فهذا فضل من الله عزَّ وجل ، لا تعتقد أن هذا الشيء الذي حصلته بخبرتك وذكائك ، بل هو فضلٌ من الله ونعمة .

   فكان سيدنا عمر يقول : " ليت أم عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت عقيما " من شدة خوفه من الله عزَّ وجل ومن شدة توقيره له يقول : " ليت أم عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت عقيما ".

   أما نحن فنقول : الحمد لله الذي ولدت أمُّ عمرَ عمرَ ، أليس كذلك ؟ لأننا استفدنا منه الكثير ، وأعطانا مثلاً أعلى ، وكان في حياته هاجس يومي ، كان يقول دائماً : " لماذا فعلت هذه يا عمر؟، يخشى أن يقوم يعمل عملاً يحاسبه الله عليه ، فهو ممتلئٌ قلبه خوفًا ولو لم يفعل شيئًا ؟ لئلا يقع في خطأ فيحاسب عليه ، فأبعدَ نفسَه عن كل المباحات التي يمكن أن تجرّه إلى خطأ .

   كتب مرة لعامله على البصرة عتبة بن غزوان ، وهذا الكتاب مهم جداً ويتضح منه بعض الحقائق ، قال له : " لقد صحبت رسول الله فعززت به بعد الذِلَّة ، وقويت به بعد الضعف ، وقد صرت أميراً مسلَّطاً ، وملكاً مطاعاً ، تقول فيُسمع منك ، وتأمر فيطاع أمرك ، فيالها من نعمة إن لم ترفعك فوق قدرك ، وتبطرك على من دونك ، تحوَّط من النعمة تحوُّطك من المعصية ، فهي أخوفها عندي عليك أن تستدرجك ، وأن تخدعك فتسقط سقطةً تصير بها إلى جهنَّم ، أعيذك بالله ، وأعيذ نفسي من ذلك  " إذا رفعتك فوق قدرك أو جعلتك تتكبر على من هم دونك فهذه ليست نعمة، أصبحت نقمة .

   وهذه الفكرة مهمة جداً فمن الممكن أن تكون النعمة نفسها مزلقًا إلى الهلاك ، فالنعمة هذه إذا رفعتك فوق ما أنت له أهل ، أو جعلتك تتكبَّر على خلق الله ، فلو كان الأمر كذلك فالمشكلة كبيرة جداً .

   مرة سيدنا عمر رأى لحمًا معلَّقًا بيدي جابر بن عبد الله ، قال له : " ما هذا يا جابر ؟ " قال : " هو لحمٌ اشتهيته فاشتريته " ، ماذا فعلت ، فهو لحمٌ اشتهيته فاشتريته ، فقال : " أو كلما اشتهيت اشتريت ؟ أما تخاف أن يقال لك يوم القيامة :

( سورة الأحقاف : آية 20)

فهو يخاف من كلمة يُسأل يوم القيامة عنها .

   مرة زاره حفص بن أبي العاص وكان سيدنا عمر جالسًا إلى طعامه ، فقال له : " تفضَّل " ، دعاه إلى طعامه ، ولكن حفصًا نظر فرأى قديداً يابساً يأكل منه عمر ، فلم يشأ أن يكبِّد نفسه عناء ازدراده ، ولا أن يجشِّم معدته مشقَّة هضمه ، فاعتذر شاكراً ، قديد أي خبز يابس ، طعام خشن جداً ، فأدرك سيدنا عمر سر عزوفه عن الطعام ، فقال له : " ما يمنعك من طعامنا ؟ " ، ألا تأكل.. وكان حفص يتصف بالصراحة .. فقال له : " والله إنه طعامٌ خشن ، وإني راجعٌ إلى بيتي فأصيب طعاماً ليناً قد صُنع لي " ، خشن أي غليظ ، أي أنا لي أكلي الخاص في البيت ، وطعام سيدنا عمر خشن جداً، والشخص لا يريد أن يأكل ، فاسمعوا ماذا قال عمر ، قال ردًّا عليه : "أتُراني عاجزاً أن آمر بصغار الماعز فيلقى عنها شعرها ، وآمر برقاق البُرِّ فيخبز خبزاً رقاقاً ، وآمر بصاعٍ من زبيبٍ فيلقى في سَمنٍ ، حتى إذا صار مثل عين الحجل صُبَّ عليه الماء فيصبح كأنَّه دم غزالٍ فآكل هذا وأشرب هذا "، نحن لا نعرف هذه الأكلة ، ولكنها تبدو أنفس أكلة في عهد سيدنا عمر ، الآن يقولون جدي بزيت مثلاً ، ومعه لوازمه ، فهناك أكلات نفيسة جداً ويبدو أن هذا الطعام كان أنفس طعام في زمانه .

   فقال له حفص وهو يضحك : " إنَّك بطيِّب الطعام لخبير " لوصفه الدقيق جداً لبصير ، فقال عمر : " والذي نفسي بيده لولا أن تنقص حسناتي لشاركتكم في لين عيشكم ، ولو شئت لكنت أطيبكم طعاماً ، وأرفهكم عيشاً ، نحن أعلم بطيب الطعام من كثيرٍ من آكليه ، ولكننا ندعه ليومٍ تذهل فيه كل مرضعةٍ عما أرضعت ، وتضع كل ذات حملٍ حملها ، وإني لأستبقي طيباتي ، لأني سمعت الله تعالى يقول عن أقوامٍ :

( سورة الأحقاف : آية 20)

   إنه لجواب بليغ ، قال له : أمَا أعجبك الطعام ؟ أنا قادر أنْ آكل أكلاً شهيًّا ، ووصفه له ، ولكن أخشى أن أكون ممن أذهب الله طيباتي في الحياة الدنيا .

   وعندما توفى النبي عليه الصلاة والسلام ، قال له سيدنا الصديق : " يا عمر هاتِ يدك نبايع لك " لكن عمر تخلّص منها ناجياً إذْ قال: " بل إيَّاك نُبايع فأنت أفضل مني " قال أبو بكر : " وأنت أقوى مني يا عمر " ، قال عمر : " إن قوتي لك مع فضلك " ، أرأيتم كيف يعرفون أقدار بعضهم البعض ، فليست بينهم عداوة ثأر .

   عندما بويع سيدنا عمر بالخلافة ، وقف مكان سيدنا الصديق على المنبر ، وقف دقائق ، فتذكر أنّ الصديق وقف هنا ، فنزل درجة ، فلما نزل درجة أثار انتباه الحاضرين ، فقال سيدنا عمر : " ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر " فليس معقولاً أن أقف على درجته ، يقولون : لكنّ سيدنا عثمان لم ينزل درجة ، ووقف محل سيدنا عمر ، دون أن ينزل ، فأَحَد خلفاء بني أمية سأل نديمًا له ، فقال له : " لماذا لم ينزل عثمان درجة ؟ " ، ما السبب ؟ فقال له : " لو فعلها لكنت في قعر بئر " ، لأنه لو نزل كلُّ خليفة درجة فسنضّطر إلى أن نحفر الأرض ليقف الخلفاء.

   ولمّا صارت الخلافة إليه ألقى خطبة سريعة قال : " أيها الناس إني قد ولّيتُ عليكم ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم وأقواكم عليكم وأشدّكم اطلاعاً بأموركم ما توليت ذلك منكم ، ولكفى عمر انتظار الحساب " .

   ذات مرةٍ سأل عمرُ عمَّاله في الأقاليم ، فقال بعضهم : " أمّا بلدُ كذا فإنهم يرهبون أمير المؤمنين ، ويخافون بأسه ، وأما بلد كذا ، فإنَّهم جمعوا أموالاً كثيرةً ، تنوء بها السفن ، وهم في الطريق إليك ، وأمّا بلد كذا فإن بها قوماً صالحين ، يدعون الله لك ، ويقولون : اللهم اغفر لعمر، وارفع درجته " ، أي أنه قد جاءته معلومات من الأقاليم ، فبلد يرهبونه ، وبلد يدعون له ، وبلد جمعوا أموالاً طائلة ساقوها إليه ، فقال سيدنا عمر معقِّباً : " أما من خافني فلو أريد بعمر الخير ما خِيف منه ( هذه صفة ذم ) ، وأما الأموال التي تنوء بها السفن فلبيت مال المسلمين ليس لعمر ولا لآل عمر شيء ، وأما الدعاء الذي سمعتم بظهر الغيب فذلك ما أرجوه " ، ارتاحت نفسه لا لمن خاف منه ولا لمن ساق له الأموال الطائلة ، ارتاحت نفسه لمن دعا له بظهر الغيب فهذه الدعوة مباركة ومستجابة .

   عندما كان سيدنا عمر على فِراش الموت قال له المغيرة بن شُعبة ، وكان في حيرةٍ شديدةٍ لمن يسلِّم له هذه الأمانة ، أي الخلافة ، فقال له المغيرة بن شُعبة : " أنا أدلُّك عليه يا أمير المؤمنين "، أي على شخص مناسبٍ يخلفك ، قال : " من هو ؟ " ، قال : " عبد الله بن عُمر " ، ابنك ، فقال عمر : " لا أرَبَ لنا في أموركم ، إني ما حملتها ( أي الخلافة ) فأرغب فيها لأحدٍ من أهل بيتي، إن كانت خيراً فقد أصبنا منها ، وإن كانت شراً فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ، ويسأل عن أمر أمة محمد ، ألا إني قد جَهِدت نفسي ، وحرمت أهلي ، وإن نجوت كفافاً ، لا وزر ولا أجر ، فإني لسعيد " ، فسيدنا عمر رفض أن تكون الولاية من بعده لعبد الله بن عُمر ، وهو ابنه .

   مرة قال لعبد الرحمن بن عوف : " يا عبد الرحمن لقد لِنتُ للناس ، حتى خشيت الله في اللين ، ثم اشتددتُ ، حتى خشيت الله في الشدة ، وايمُ الله لأنا أشد منهم فرقاً وخوفاً ، فأين المخرج ؟ " ، أي أنا خائف أكثر منهم ، خائف أنْ أحاسَب على الشدة ، وخائف أنْ أحاسَب على اللين ، ثم يبكي، فيقول عبد الرحمن بن عوف وهو يتملَّى هذا المشهد ملياً : " أُفٍ لهم من بعدك " ، أي أعان اللهُ مَن بعدك ، لقد أتعبَ مَن سيجيء من بعدِه .

   وذات مرة كان جالسًا مع أصحابه ، فاقتحم المجلسَ رجلٌ مكروب ، تغشاه وعثاءُ السفر ، وحين اقترب من الناس ، رآهم وسمعهم يقولون لأحدهم : " يا أمير المؤمنين " فيتّجه صوبَ هذا الأمير ، ويقول له في مرارة : " أَأنت عمر ؟ ويلٌ لك مِن الله يا عمر " ، ثم يمضي لسبيله ، غير وانٍ ، ولا مكترثٍ ، لحق به الحاضرون في غيظٍ وحنق ، ولكن عمر يناديهم ويأمرهم أن يعودوا لمجلسهم ، ويهرول هو وراءه وقلبه يرتجف .

   لحقه حتى أدركه ، لأنه قال له : ويلٌ لك من الله يا عمر ، وهذه طامة كبرى  ، فقال له : " ويلي من الله ، لماذا يا أخا العرب ؟! " ، فيجيبه الرجل : " لأن عمَّالك وولاتك لا يعدلون بل يظلمون " ، ويسأل عمر : " أي عمّالي تعني؟ " ، فقال : " عاملك على مصر ، اسمه عياض بن غَنم " ، ولا يكاد عمر يسمع تفاصيل الشكوى ، حتى يختار من أصحابه رجلين يقول لهما : "اركبا إلى مصر ، وأتياني بعياض بن غَنم " ، كان شديدًا على ولاته ، ويحاسبهم دون هوادة .

   كان سيدنا عمر إذا سمع القرآن يبكي بكاء غير معقول ، فكلما التقى بأبي موسى الأشعري يقول له : " يا أبا موسى اتلُ علينا آياتٍ من كتاب الله " ، ويقول : " ذكِّرنا ربنا با أبا موسى " ، فيقرأ أبو موسى ، ويبكي عمر.

   فيا إخواننا الكرام إذا قرأ أحدُكم القرآن ، ولم يرتعش ، أو يقشعر جلده ، ولم تدمع عينه إطلاقاً، فوالله هناك مشكلة في حياته ، هذا الكتاب فيه روحانية .

وإذا لقي صبياً في الطريق يأخذه بيده ، ويقول له ، وعيناه تبكيان :"ادعُ لي يا بني فإنك لم تذنب بعد "،فالعظماء مع شدة عظمتهم تجدهم متواضعين حتى مع الصبيان .

   وحينما كان يستقبل الموت قال لابنه عبد الله : " يا عبد الله خذ رأسي عن الوسادة وضعه فوق التراب لعلَّ الله ينظر إليَّ فيرحمني " أي أنه طلب من ابنه أن يضع رأسه على التراب من دون وسادة لعلَّ الله يرحمه .

   أكثر آية كان يتأثر منها :

( سورة المؤمنون)

   هذا الكلام موجَّه لنا جميعًا ، حياتنا ليست عبثاً ، الحياة لها رسالة كبيرة ، يجب أن نطلب العلم، وأن نتعرَّف إلى الله ، وأن نعرف منهج الله ، وأن نطبِّق هذا المنهج ، يجب أن نأمر بالمعروف ، وأن ننهى عن المنكر ، وأن نعمل صالحاً .

   كان نومه قليلاً ، وكان أكله تقوّتًا ، أي قوتًا ، وكان لبسه خشنًا ، وكان يقظان دائماً ، وكان يقول : " إذا نمتُ الليل أضعتُ نفسي ، وإن نمتُ النهار ضيَّعتُ رعيَّتي " .

وكلما التقى برجل يقول له : " قل لي بربك ولا تكذبني كيف تجد عمر ؟ أتحسب أن الله راضٍ عنه ؟ أتُراني لم أخن الله ورسوله فيكم " ، فهو يرجو من الله السلامة ، ليس إلاّ .

   وكلما شعر في نفسه بتقصير كان يقول : " يا ليت أم عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت عقيما " .

   ملخّص هذا الفصل " ماذا سأقول لربي غداً " ، أنت تأكل أكلاً نفيساً ، ولك جار جائع ستحاسب ، والله ما آمن ، والله ما آمن من بات شبعان وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم ، وعلى الإنسان أنْ يحاسب نفسه ، واسمعوا أيها الإخوة ؛ كلما كان حسابك لنفسك شديداً كان حسابك يوم القيامة يسيراً ، فإذا حاسبتها حساباً يسيراً كان حسابك يوم القيامة عسيراً ، وأنا أنصح لكم أن تحاسبوها حساباً شديداً ، ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلِّط .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi