English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا عمر بن الخطاب  : الدرس 3/ 7  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

الموضوع         :  سيدنا عمر بن الخطاب : عملاق الإسلام : عدله .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع والستين من سِيَر صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، ومع الدرس الثالث من سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

الفصل اليوم حول عدله الذي ليس له مثيل في التاريخ الإسلامي ، فكان هذا الصحابي الجليل ورِعاً وَرَعاً لا حدود له ، يحاسب نفسه حساباً عسيراً ، ويشعر أنه كلما كان منزّهاً عن أي شبهةٍ كلما كان أقرب إلى الله سبحانه وتعالى .

     لهذا الصحابي مواقف كثيرة وجليلة ، مرةً في عام المجاعة شعر أن أمعاءه تضطرب فخاطب بطنه ، وقال : ((قرقر أيها البطن ، أو لا تقرقر ، فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين)) .

     قبل كل شيء القصص التي سوف أتلوها على مسامعكم ربما سمعتموها مني كثيراً ، لكن محور هذا الدرس ليس ذكر هذه القصص فحسب ولكنَّ التحليل هو الذي يعنينا من هذه الأحداث.

     وفي روايةٍ أخرى ، كان يأكل الزيت ، ويبتعد عن السمن ، لأن سعره مرتفعٌ جداً ، ويحبُّ أن يسوي نفسه بعامة المسلمين ، فقال لبطنه : ((لتُمَرَنَنَّ أيها البطن على الزيت ما دام السمن يباع بالأواقي)) ، أي لندرتِه صار يباع بالأواقي ، فقد صار سعره مرتفعاً ، إذاً حسبُك أن تأكل الزيت ، ودعك من السمن .

الرواية الأخرى :  ((قرقر أيها البطن ، أو لا تقرقر ، فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين)) .

     إذا طبَّق الإنسان هذه القاعدة في بيته ، فما أكل طعاماً أكثر مما يأكل أولاده وزوجته وأهله ، إذا سوّى نفسه مع مَن حوله ، فهذا الذي يجعل المسلم يتألَّق ، وهذا الذي يجعل المسلم تهفو القلوب إليه ، لقد وطَّن نفسَه على ألاّ يكل إلا مما يأكل منه عامة المسلمين ، فإذا كان السمن غالياً وطَّنَ نفسَه على أن يأكل الزيت ، وإذا كان اللحم نادراً خاطب بطنه ، وقال : ((... فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين))  .

     بعض الأسر تعيش بأسلوب المؤاثرة ، أي أن هذا غائب لا نأكل قبل أن يأتي ، هذه الأكلة لا بدّ أن يأكلَ منها كل أفراد الأسرة ، لو طبَّق المسلمون في بيوتهم هذه القاعدة ، فلو سوّى الأب نفسه مع أولاده ، والأم مع بناتها ، والأخ الأكبر مع إخوته الصغار ، فإذا وسَّع هذه القاعدة تنشأ المودَّة الخالصة بين الأولاد وأبيهم ، وبين الإخوة وأخواتهم ، وعلى هذا يكون المؤمن قد بنى حياته على الإيثار .

نحن عندنا قاعدتان ؛ إما أن تؤثر نفسك على أخيك ، وإما أن تؤثر أخاك على نفسك ، فإن آثرت نفسك على أخيك فهذه اسمها الأثرة ، وإن آثرت أخاك على نفسك هذه اسمها المؤاثرة ، والمؤمن يبني حياته على المؤاثرة ، قال تعالى :

( سورة الحشر : آية " 9 " )

فأساس حياة المؤمن المؤاثرة .

مرةً أمسك النبي عليه الصلاة والسلام بسواكَيْن ؛ الأول مستقيم ، والثاني معْوَج ، فأعطى السواك المستقيم لأحد أصحابه ، وترك لنفسه المِعْوَج ، هذه إشارة دقيقة ، فأخلاق المؤمن مبنيةٌ على المؤاثرة لا على الأثرة ، أخلاق أهل الدنيا ، وأخلاق المقطوع عن الله عزَّ وجل ، وأخلاق المقصِّرين أساسها الأثرة ، فأنت إن كنت مؤمناً بنيتَ حياتك على المؤاثرة ، وإن كنت منقطعاً أو بعيداً أو مقصِّراً أو ضعيف الإيمان بنيتَ حياتك على الأثرة ، فالمؤمن يسعده أن يعطي ، وغير المؤمن يسعده أن يأخذ ، إن أردت أن تعرف نفسك أَمِن أهل الدنيا أنت أم من أهل الآخرة فاسألْ نفسك هذا السؤال : ما الذي يسعدك ؛ أن تعطي أم أن تأخذ ؟

    سيدنا عمر كان بإمكانه أن يأكل أفخر طعام ، وألينه ، ولكن حينما عمَّت المجاعة في بعض السنوات قال لبطنه : ((قرقر أيها البطن ، أو لا تقرقر ، فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين)) " .

     بالمناسبة أحيانًا الرجل الراشد يصبر ، لكن الصغير لا يصبر ، فالصغير يشتهي كل شيء ، ويطلب من والده كل شيء ، ويلِحُّ على والده أن يأكل بعض الأكلات ، وأن يشتري بعض الحاجات ، مِن هنا علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام ، فكان إذا قُدِّم للنبي فاكهةٌ في بواكيرها يأخذ الفاكهة ، ويقبِّلها شكراً لله عزَّ وجل ، وهذا التقبيل له معنيان ؛ المعنى الأول الحمد لله الذي أحيانا إلى أن أدركنا هذه الفاكهة ، الآن باعتبار وجود زراعة محمية فالأمور تداخلت ، فدائما تجد خضارًا في غير وقتها ، وبوجود كذلك البرادات فالأمور متداخلة ، أما الأصل فكل فاكهة لها موسم ، حينما تأكل أول قطعة من الفاكهة الفُلانية ، أو أول حبة من هذه الفاكهة كان عليه الصلاة والسلام يقبِّلها ، المعنى الأول شكراً لله عزَّ وجل على أن هيَّأ هذه الفاكهة للإنسان ، وهذه من نعم الله عزَّ وجل ، والمعنى الثاني على أن أحيانا حتى أدركنا مجيء هذه الفاكهة ، كان يقبِّلها ، ويعطيها لأصغر طفلٍ في المجلس .

     يُستنبط من هذا أيضاً أنه إذا كان لك ابن في مدرسة ، أو الروضة ، أو في الحضانة ، وأنت ميسور الحال ، فتعطي ابنك فاكهة غالية جداً ، ثمن الكيلو منها مائة وخمسون ليرة ، وتقول : أتْرُكُه يأكل ، ويشبع في حياتي ، هذه معصية كبيرة ، الطفل يشتهي ، فإن أعطيته هذه الفاكهةَ ، والذين حوله محرومون منها يشتهونها ، فلا تعط ابنك حين ذهابه إلى المدرسة إلا الفاكهة التي يستطيع كل الناس شراءَها  .

     والنبي عليه الصلاة والسلام في بعض ما ورد عنه : ((وإذا اشتريت فاكهةً فاهدِ له منها أي لجارك ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً " ، كان السلف الصالح يضع الفاكهة في سلّة ، وعليها منديل ، الآن توضع في كيس من النايلون الأبيض الشفاف ، والله مشكلة ، " وإذا اشتريت فاكهةً فاهد له منها ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها)) .

[البيهقي في شعب الإيمان (9560)]

هذا الحديث كله قواعد أخلاقية.

     إنّ حياة المؤمن مبنيةٌ على المؤاثرة لا على الأثرة ، حياة المؤمن مبنيةٌ على العطاء لا على الأخذ ، المؤمن الصادق الذي يريد تأليف القلوب يسوّي نفسه مع الضعفاء ، ومع عامة الناس .

سمعت عن رجل - وهذه قصة قديمة من أكثر من ست أو سبع سنوات - يومَ كانت هناك أزمة في بعض الفواكه ، فكان البرتقال في الشتاء نادراً وغاليًا جداً ، أقسم لي هذا الرجل ، كان وبإمكانه أن يشتري من هذه الفاكهة ما شاء له أن يشتري ، قال لي : واللهِ أردتُ أن أشارك عامة الناس في سلوكهم بتقنين هذه الفاكهة ، فلم أشتر منها مدة طويلة ، وأقنعت أولادي أننا نحن مع الناس ، إن أكل الناس نأكل ، وإن لم يأكلوا لم نأكل .

     عندما يشارك الإنسانُ إخوانَه المؤمنين بمشاعرهم فهذا شيء نادر ، وقد سمعت عن شخص في أحد أسواق الخضار ، وكان سعر كيلو الكمأة ستمائة ليرة ، فطلب شراء عشرة كيلو منها ، ودفع ستة آلاف ليرة ، وكان ثمة شخص آخر ينظر إليه ، وهو يشتهي خمس ليرات .. لذلك إذا لم يظهر الإنسان ما عنده من خيرات ربما أصيب بالحسد .. والعين تضع الجَمل في القِدر ، وربنا عزَّ وجل قال :

( سورة الفلق )

وربنا عزَّ وجل قال :

( سورة الناس )

     فإذا أظهر الإنسان ما عنده ، خرج على قومه بزينته ، فعرض النعم التي حباه الله بها أمام الناس ، وافتخر بها ، وتاه على خلق الله بها ، ربما عاقبه الله عزَّ وجل كما عاقب قارون :

( سورة القصص : آية " 79 " )

وقال الله عزوجل :

( سورة القصص : آية " 81 " )

     فالإنسان لا يحبب الدنيا للناس ، لا يزرع فيهم حبها ، ولا يستعلِ عليهم بدنياه ، ولا يعرض أمامهم ما عنده من أشياء ثمينة ، ومن دخل كبير ، ولا يحدِّثهم عن رحلاته ، وعن مصروفه الكبير في رحلاته ، أنا حينما أرى إنسانًا يحدِّث الناس عن مصروفه الكبير ، وعن رحلاته الشيِّقة، وعن انغماسه في الملذاَّت ، وفي المجلس مَن هو أضعف منه ، أو من هم أفقر منه أشُكُّ في عقله ، فهذا الكلام ماذا ينفعهم ، وماذا يجديهم ، من أجل أن تستعليَ عليهم ، أو أن تلقي الحسرة في قلوبهم ؟ ليس هذا من شأن المؤمن ، كن مع الناس .

     كان يقول هذا الخليفة العظيم : ((كيف يعنيني شأن الناس إذا لم يصبني ما يصيبهم)) ، إذا أكل مما يأكلون ، وشرب مما يشربون ، وتحمَّل ما يتحمَّلون ، وعانى ما يعانون ، عندئذٍ يعنيه شأن الناس .

     في عام الرَمادة ، وكان عام مجاعةٍ قاتلة ، أمَر يوماً بنحر جزور ، وتوزيع لحمه على أهل المدينة ، وقام مَن حوله بانجاز هذه المهمة ، بيد أنهم استبقوا لأمير المؤمنين أطيب أجزاءٍ في الذبيحة ، وعند الغداء وجد عمر أمامه على المائدة سنام الجذور وكَبَده ، وهما أطيب ما فيه ، فقال : " من أين هذا ؟ " قيل : (( مِن الجزور الذي ذُبح اليوم " فقال رضي الله عنه وهو يزيحه عن المائدة بيده الأمينة ، قال : " بخٍ بخٍ بئس الوالي أنا إن طَعِمت طيِّبها وتركت للناس كراديسها ( يعني عظامها ) يا أسلم ( خادمه ) ارفع هذه الجَفنة وأتني بخبزٍ وزيت)) .

     أكثر هذه القصص تتمحور حول أن هذا الخليفة العظيم سوّى نفسه مع أضعف الناس ومع أفقر الناس .

     ذات مرةٍ جاءته هديةٌ من أذربيجان ، واليه على أذربيجان أرسل له هدية وهي طعامٌ نفيس ، والقصة معروفة ومطروقة ، دخل هذا الرسول المدينة في منتصف الليل فكره أن يوقظ أمير المؤمنين ، فتوجَّه إلى المسجد النبوي الشريف ، في المسجد سمع صوت رجلٍ يصلي ويبكي ويناجي ربَّه ، ومما سمع من كلام هذا الرجل : ((ربي هل قبلت توبتي فأهنّئ نفسي أم ردتها فأعزيَها ؟ " فقال هذا الرسول : " من أنت يرحمك الله ؟ " قال : " أنا عمر " قال : " يا سبحان الله ألا تنام الليل ؟! " هو كره أن يترك بابه ليلاً لئلا يوقظه فإذا هو يصلي في المسجد ، فيجيبه هذا الخليفة العظيم : (( أنا إن نمت ليلي كلَّه أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيَّتي)) ، وهذا معنى قول النبي  عليه الصلاة والسلام :" إن لله أعمالاً لا يقبلها بالليل "

     أي في النهار لا تقبل أعمال الليل ، وفي الليل لا تقبل أعمال النهار ، فلذلك قال (( أنا إن نمت ليلي كلَّه أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيَّتي)) ، أرأيتم إلى هذا التوازن ؛ التوازن بين عملين ، بين الإحسان للخلق ، والاتصال بالحق ، وأكثر الناس يختل عندهم هذا الميزان ، فإما أن ينكبّوا على الأعمال الصالحة وينسون عباداتهم وأذكارهم واتصالهم بربهم ، وإما أن يُعنَوا بعباداتهم ولا يفعلون شيئاً من الأعمال الصالحة ، لذلك هذا التوازن ؛ رهبانٌ في الليل فرسانٌ في النهار .

     فلما أذَّن الفجر صلّى أمير المؤمنين بالناس ودعا ضيفه إلى البيت وقال لامرأته حفصة : " ماذا عندك من طعام ؟ " قالت : " ملحٌ وخبز " ، وكان قد عرض عليه أن يأكل مع فقراء المسلمين فأبى وظنَّ أن طعام الأمير نفيسٌ جداً فماله وطعام الفقراء ، وكان فقراء المسلمين يأكلون اللحم ، أما سيدنا عمر فكان غداؤه الخبز والمِلح ، بعد أن أطعم ضيفه وقد ندم الضيف أشدّ الندم على أنه اختار طعام الأمير ، قال له : " ما الذي جاء بك إلينا ؟ " قال : " هديةٌ بعث بها إليك عاملك على أذربيجان " فتح الهدية ، فإذا هي طعامٌ نفيس ، أي حلوى نفيسة جداً غالية الثمن، ما إن وضع قطعةً في فمه حتى سأل هذا الرسول ، قال : " يا هذا أيأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام ؟ " قال : " لا ، هذا طعام الخاصَّة " . يروى أن هذا الخليفة العظيم لفظها من فمه ووبَّخ الوالي أشدَّ التوبيخ وقال : " كل مما يأكل منه عامة المسلمين " وأمر بالهدية أن توزَّع بين فقراء المسلمين، والنص الدقيق قال : " ما هذا ؟ " قال : " حلوى يصنعها أهل آذربيجان وقد أرسلني بها إليك عُتبة بن فرقد " وكان والياً على أذربيجان ، فذاقها عمر فوجد لها مذاقاً شهياً ، فسأل الرسول : " أوكل المسلمين هناك يطعمون هذا ؟ " قال الرجل : لا وإنما هو طعام الخاصة " . فأعاد عمر إغلاق الوعاء جيداً وقال للرجل : " أين بعيرك ؟ خذ حملك هذا وارجع به لعتبة ، وقل له : عمر يقول لك : اتق الله واشبع مما يشبع منه المسلمون " .

     هذه قصةً أخرى ، طبعاً سيدنا عمر لا يسمح لأهله أن يتجاوزوا الحدود ، بل إن أهله كان عليهم تبعةٌ مضاعفةٌ فيما لو وقعوا فيما نهى عمر عنه ، فكان إذا سنَّ قانوناً أو أمر أمراً ، أو حظر أمراً ، جمع أهله أولاً وقال : " إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا ، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم ، فإن وقعتم وقعوا ، وإن هِبتم هابوا ، وإني والله لا أوتى برجلٍ منكم وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني ، فمن شاء منكم فليتقدَّم ، ومن شاء فليتأخَّر " .

     بربكم أيها الإخوة لو أن إنسان ضبط أولاده ، فأيام يكون عند إنسان محل تجاري وعنده موظَّف وابنه في المحل ، ابنه له معاملة لو أساء أشد الإساءة يتساهل معه ، أما هذا الموظَّف لو قصَّر أدنى تقصير يقيم عليه النكير ، هذا الموظَّف يرى بعينه ، يرى هذه التفرقة الواضحة بين ما يعامل به ابنه وبين ما يعامله به ، فلذلك نحن لا نكون مؤمنين صادقين إلا إذا عاملنا أقرب الناس إلينا كما نعامل أبعد الناس عنا هكذا .

     أحيانا الإنسان ابنه لا يحمِّله فوق ما يطيق ، يخاف على ظهره ، يخاف أن تنزلق إحدى فقراته ، يخاف عليه المرض ، أو يرحمه ، أو يشفق عليه فلماذا إذا كان عند هذا الرجل من يعمل عنده في محلّه التجاري أو في معمله يحمِّله فوق ما يطيق ، ما من صفةٍ أيها الإخوة أبشع في الإنسان من التناقض ، أو من أن يقيس شيئين بمقياسين مختلفين ، من أن يقيس شيئاً متكرراً بمقياسين مختلفين ، هذا الذي يكيل بمكيالين إنسان متناقض ، والمتناقض يسقط اعتباره بين المؤمنين ، فانتبه قبل أن تَسُنَّ ، قبل أن تعطي قاعدة ، قبل أن تقيس بمقياس ، قبل أن تستخدم طريقاً من الطرق ، هل هذه مطبَّقةٌ على نفسك وعلى بقية الناس ، أم أن هناك مقياسًا لنفسك ومقياسًا للناس ؟ وهذا التناقضُ يقع فيه الناس أشدَّ ما يقعون ، الكيل بمكيالين ، القياس بمقياسين.

     فابْنَتُه في البيت لها معاملة ، أما زوجة ابنه فلها معاملة أخرى ، الأُولى في منتهى الرحمة والتسامح ، والثانية في منتهى القسوة والشدَّة ، أو الأم تعامل ابنتها في منتهى التساهل ، وتعامل زوجة ابنها بمنتهى الشدة ، هذا تناقض .

     فسيدنا عمر انطلق من هذا وقال : ((إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا ، وإن الناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا ، وإن هِبتم هابوا ، وإني والله لا أوتى برجلٍ منكم وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني، فمن شاء فليتقدَّم ، ومن شاء فليتأخَّر)) ، إذاً أصبحتِ القرابة من عمر مصيبة ، وأية مصيبة ، لأنها تحمِّل صاحبها عقاباً مضاعفاً .

     معنى ذلك أيها الأخ الكريم انتبه الوقوعِ في التناقض ، انتبه فإنّ الناس لهم أعين ، الناس يفهمون ، الناس أذكياء ، الناس يكشفون الحقائق ، فإذا قِست شيئاً بمقياسين مختلفين وقعت في التناقض ، وسقط اعتبارك بين الناس ، ولا ترقى في عين الناس ، ولا ترقى إلى مستوى حيث تكون فيه كاملاً أو مثلاً أعلى أو قدوةً إلا إذا ابتعدتَ عن التناقض ، فأهله لو وقعوا فيما نهى عنه ضاعف لهم العقوبة ، هذا ينقلنا إلى آية كريمة تقول :

( سورة الأحزاب )

( سورة الأحزاب )

     أما إذا أطاعت ربها ، وقنتت لله ورسوله يؤتِها أجرها مرتين ، فالقدوة دائماً له حساب مضاعف ، إن أحسن فله أجرٌ مضاعف ، وإن أساء فله وزرٌ مضاعف .

    كل إنسان ينظر إليه على أنه أب ، أو معلِّم ، أو معلِّم في مهنة ، أو تولّى على أُناس أقل منه، فأيُّ منصب قيادي مهما بدا متواضعاً ، كمعلم بصف ، أو عرّيف على خمسة جنود فهذا منصب قيادي ، فالذي يتولى عملاً قيادياً إساءته عقابها مضاعف ، وإحسانه جزاؤه مضاعف .

     مرة خرج إلى السوق في جولةٍ تفتيشية فيرى إبلاً سمينةً تمتاز عن بقية الإبل بنموِّها وامتلائها ، يسأل عمر بن الخطاب : (( إبل مَن هذه ؟ فقالوا : هي أبل عبد الله بن عمر ابنك ، وانتفض أمير المؤمنين ، وكأن القيامة قد قامت ، وقال : عبد الله بن عمر !! بخٍ بخٍ يا ابن أمير المؤمنين " (أي الله يعينك ) ، وأرسل في طلبه فوراً ، وأقبل عبد الله يسعى ، وحين وقف بين يدي والده أخذ عمر يفتل سبلة شاربه ، وتلك عادته إذا أهمَّه أمرٌ خطير ، فأحياناً الإنسان يحكُّ رأسه ، أو يحرِّك ثيابه ، كل إنسان له طريقة إذا أمر خطير وهو يفكِّر ، فقال : "  بخٍ بخٍ يا ابن أمير المؤمنين ، ما هذه الإبل يا عبد الله ؟ " فأجاب : " إنها إبلٌ أمضاء ( يعني هزيلة ) اشتريتها بمالي ، وبعثت بها إلى الحِمى ( أي إلى المرعى ) أُتاجر فيها ، وأبتغي ما يبتغي المسلمون ، فماذا صنعت ؟ وأيّ ذنبٍ ارتكبته ، وأية خطيئةٌ وقعت فيها ؟ اشتريت إبلاً أمضاء يعني هزيلة ، اشتريتها بمالي ، وماله حلال ، وبعث بها إلى الحمى ، أي إلى المرعى لتسمن حتى يبيعها فيبتغي ما يبتغي المسلمون ، فقال عمر متهكماً تهكُماً لاذعاً : " ويقول الناس حين يرونها : ارعَوْا إبل ابن أمير المؤمنين ، اسقُوا إبل ابن أمير المؤمنين ، وتسمن إبل ابن أمير المؤمنين ، فبع هذه الإبل ، وخذ رأس مالك منها ، واجعل الربح في بيت مال المسلمين)) .

     هذا إدراك نادر أن هذا ابن أمير المؤمنين ، فلعلَّ الناس أعطوه فوق ما يستحق ، ولعلهم أكرموه ، فقال :  بع هذه الإبل ، وخذ رأس مالك ، وردَّ الباقي لبيت مال المسلمين ، أرأيتم هذه النزاهة .

     مرةً وصل إلى المدينة مالٌ كثير من أموال الأقاليم ، فتذهب إليه ابنته حفصة رضي الله عنها لتأخذ نصيبها ، وتقول له مداعبةً : " يا أمير المؤمنين حقٌّ أقاربك في هذا المال ، فقد أوصى الله بالأقربين " فيجيبها جاداً : " يا بُنيَّتي حقُّ أقربائي في مالي ، أما هذا فمال المسلمين ، قومي إلى بيتك ، أي اذهبي ، حق أقربائي في مالي ، أما هذا فمال المسلمين ، قومي إلى بيتك ،  طبعاً مَن علَّمه ذلك ؟ إنّه النبي عليه الصلاة والسلام ، حينما قال لأحبِّ الناس إليه فاطمة البتول:

" لا يا فاطمة إن في المسلمين من هم أحوج منك لهذا المال ، والله لا أؤثرك على فقراء المسلمين " .

     مرةً أراد هذا الخليفة العظيم أن يسجِّل في ديوانٍ أسماءَ أصحابه حتى يعطيهم من فيء المسلمين بحسب أقدارهم ، وسبقهم في الإسلام ، والأسماء سُجِّلت ، بدأ عمر بن الخطاب ببني هاشم ، ثم بآل أبي بكر ، ثم بني عَدي آل عُمر ، فلما طالع أمير المؤمنين الكتاب ردَّه إليه وأمرهم أن يقدِّموا على آل عُمر كثيرين غيرهم اقترح أسماءهم ، وذكر أُسرهم وقال : " ضعوا عمر وقومه في هذا الموضع " ، فقد رُتِّبت الأسماء ترتيباً بحسب السبق في الإسلام ، وبحسب قُرب الصحابي من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، هكذا أمر ، فجاءت القائمة كالآتي : بنو هاشم أهل بيت النبي ، آل أبي بكر ، آل عمر ، فنقل اسمه ، واسم أهله إلى مكانٍ بعيدٍ جداً ، فلما ذهبوا إليه أهله بني عدي راجين أن تظلَّ أسماؤهم في مقدمة الديوان كي ينالوا أنصباءَهم والمال الأوفر قالوا له : " ألسنا أهل أمير المؤمنين ؟"، نحن أهلك ، وأنت أمير المؤمنين ، فأجابهم عمر: " بخٍ بخٍ ، أردتم الأكل على ظهري ، وأن أهب حسناتي لكم ، لا والله لتأخُذُنَّ مكانكم ، ولو جئتم آخر الناس" ، لكم مكان لا يتقدَّم ، ولا يتأخَّر ، ولو كنتم أهلي وأقربائي .

     وقال هذا الخليفة حينما اقترح عليه أحدهم أن يجعل ابنه في عمل، قال : " من استعمل رجلاً لمودّةٍ أو قرابةٍ لا يحمله على استعماله إلا ذلك فقد خان الله ورسوله والمؤمنين "، يعني على مستوى صف ، لو عيَّنت عرّيفًا على هؤلاء الطلاَّب يلوذ بك ، وفي الصف من هو أكفأ منه فقد خُنت  الأمانة .

     ألم يقل مرةً لأحد الولاة : " ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب ؟ " قال : " أقطع يده" قال : " إذاً فإن جاءني من رعيَّتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك ، فإن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسُدَّ جوْعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفِّر لهم حرفتهم ، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلِقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فأشْغِلْها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية " .

     مرةً قال له بعض أصحابه : " إن الناس هابوا شدتك " ، أي أنهم خائفون منك ، فقال هذا الخليفة : " بلغني أن الناس هابوا شدَّتي ، وخافوا غِلظتي ، وقالوا : قد كان عمر يشتدُّ ورسول الله بين أظهرنا ( أي كان يخفف من شدته ) ، ثم اشتدَّ علينا وأبو بكرٍ والينا دونه ، فكيف وقد صارت الأمور إليه ؟ " والله الآن أصبحت مشكلة .. كان يشتد والنبي الكريم يخفف ، وكان يشتد وسيدنا الصديق يخفف .. فقال : " ألا من قال هذا فقد صدق ، فإني كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عونه وخادمه ، وكان عليه السلام من لا يبلغ أحدٌ صفته من اللين والرحمة ، وكان كما قال الله تعالى :

( سورة التوبة )

فكنت بين يديه سيفاً مسلولاً حتى يُغمدني .. ألم يقل لسيدنا الصديق : " أنت أفضل مني " فقال سيدنا الصديق لعمر : " أنت أقوى مني " فقال : " قوتي لك مع فضلك " ، فكان سيفاً مسلولاً بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فإما أن يدعه يمضي ، وإما أن يغمده والأمر راجعٌ للنبي اللهم صلي عليه .. فلم أزل مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك حتى توفَّاه الله وهو عني راضي ، والحمد لله على ذلك كثيراً وأنا به أسعد " . كنت بيد رسول الله قوة إما أن يستخدمني وإما ألا يستخدمني ، كنت سيفاً إما أن يدعني أمضي ، وإما أن يغمدني ، هو كان رحيم ، وأنا شديد.

    قال : " ثم ولي أمر المسلمين أبو بكر ، فكان من لا تنكِرون دعته وكرمه ولينه ، فكنت خادمه وعونه ، أخْلِطُ شدتي بلينه فأكون سيفاً مسلولاً حتى يُغمدني ، أو يدعني فأمضي ، فلم أزل معه كذلك حتى قبضه الله عزَّ وجل ، وهو عني راضٍ ، والحمد لله على ذلك كثيراً ، وأنا به أسعد " ، كلام واضح جداً .

     قال : " ثم إني ولّيت أموركم أيها الناس " الآن الأمر كله لي ، فقد كنت شديد وكان من يخفف من شدتي " فاعلموا أن تلك الشدَّة قد أُضعِفَت " كالأب تماماً إذا ماتت الأم يأخذ دور الأب والأم ، الشدة تضعُف ، فعند وجود الأم إذا اشتدَّ الأب فالأم تخفف من شدته ، أما إذا ماتت الأم إن هذه الشدة قد أُضعِفت .

     فقال : " ثم إني قد ولّيت أموركم أيها الناس فاعلموا إن تلك الشدة قد أضعفت ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي ، فأما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدعُ أحداً يظلم أحداً أو يعتدي عليه حتى أضع خدَّه على الأرض ، حتى يُذعن للحق ، وإني بعد شدتي تلك أضع خدي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف " .

     أرأيتم أيها الإخوة ، هو للمؤمنين رؤوفٌ رحيم ، لينٌ مطواع ، يضع خده على الأرض ، أما أهل الظلم والتعدي فهو شديدٌ عليهم وهذه الشدة أشار القرآن إليها قال :

( سورة النور : آية " 2 " )

الرأفة في غير موضعها مؤذية جداً ، إنسان قتل يجب أن يُقتل ، لقوله تعالى :

( سورة البقرة )

إنسان زنا يجب أن يُرجم إن كان محصناً ، أو أن يُجلد إن كان غير محصن :

     أما ولي الأمور إذا بلغه انتهاكٌ لحرمةٍ قال عليه الصلاة والسلام :" لا عفا الله عنه إن عفا ".

     العفو عن إنسان مجرم معتدٍ مفسد في الأرض ، هذا العفو ليس خُلُقاً نبيلاً إنما هو ضعفٌ ، وإنما هو توسيعٌ للفساد بين الناس .

     قال : " أيها الناس .. لكم عليَّ خصالٌ أذكرها لكم خُذوني بها ؛ لكم عليَّ أن لا أجتبي شيئاً من خراجكم ، وما أفاء الله عليكم إلا من وجهه ( يعني لكم عليَّ أن لا آخذ من أموالكم شيئاً إلا ضمن الحق ) ولكم عليَّ إذا وقع في يدي أن لا يخرج مني إلا بحقه ( لا آخذ إلا حقّي ، وإذا أخذت حقي منكم لا أنفقه إلا في الحق ) ، ولكم عليّ أن أزيد عطاياكم ، وأرزاقكم إن شاء الله تعالى ( أي يتناسب الدخل مع المعيشة ) ، ولكم عليَّ أن أَسُدَّ ثغوركم (أي أحصِّن الحدود ، وأحمي البلاد من عدوان الأعداء ) ، ولكم عليَّ أن لا أُلقيكم في المهالك ( فالإنسان غالي ، والإنسان هو الأصل فإذا أُلقي في المهالك فقد خان الله ورسوله ) وإذا غِبتم في البعوث ( في الجهاد ) فأنا أبو العيال حتى ترجعوا ( أي أنا متكفِّلٌ بأهلكم وأولادكم ) فاتقوا الله وأعينوني على أنفسكم بكفِّها عني ، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإحبار النصيحة فيما ولاّني الله من أمركم ( النصيحة مطلوبة ) " .

     لذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز اختار رجل من كِبار العلماء ، واعتقد اسمه عمر بن مُزاحم، قال : " يا عمر كن معي دائماً وانظر فيما أحكم ، فإن رأيتني ظلمت ( أي غلطت ) فأمسكني من تلابيبي وهُزَّني هزاً شديداً وقل لي : اتق الله يا عمر فإنَّك ستموت " هذه وظيفتك .

     حينما زار هذا الخليفة الشام جئ له بطعامٍ طيِّب .. معنى ذلك إن أهل الشام من قديم الزمان أكلهم طيِّب .. جئ له بطعامٍ طيِّب مختلفٍ ألوانه ، وبدلاً من أن يُقبل عليه ، وأن ينعُم بمذاقه رمقه بعينين باكيتين ، وقال : " كلُّ هذا لنا ، وقد مات إخواننا فقراء لم يشبعوا من خبز الشعير ؟! ( تذكَّر أصحابه الذي ماتوا في الغزوات ) أي أنه ما أراد أن يأكل طعاماً طيباً وإخوانه الذي سبقوه إلى الموت ما أكلوا هذا الطعام ، تألَّم .

     مرةً قدم بعض تجَّار المدينة وخيَّموا عند مشارفها ، وقد أراد هذا الخليفة العظيم أن يقوم بجولةٍ تفتيشيةٍ في أطراف المدينة ، فاصطحب معه عبد الرحمن بن عوف ليتفقد أمر القافلة ، وكان الليل قد تصرّم ( أي مضى جزءٌ كبير منه ) ، واقترب الهزيع الأخير منه ، وعند القافلة النائمة اتخذ عمر وصاحبه مجلساً على مقرُبةٍ منها ، وقال عمر لعبد الرحمن : "فلنمض بقية الليل هنا نحرس ضيوفنا " ، سيدنا عمر الخليفة العظيم جلس ليحرس هذه القافلة ، ويحرس أموالها ، وإذ هما جالسان سمع صوت بكاء صبي ، فانتبه عمر ، وصمت ، وانتظر أن يكُفَّ الصبي عن بكائه ، ولكنه تمادى فيه ، فمضى يسرع صوبه ، وحينما اقترب منه سمع أمَّه تنهنهه ، قال لها : " اتق الله وأحسني إلى صبيِّك " أي أرضعيه ، ثم عاد إلى مكانه وبعد حينٍ عاود الصبيُّ البكاء ، فهرول نحوه عمر ، ونادى أمَّه : " قُلت لك اتق الله وأحسني إلى صبيِّك " وعاد إلى مجلسه ، بيد أنه لم يكد يستقرّ حتى زلزله مرةً أُخرى بكاء الصبي ، فذهب إلى أمه وقال لها : " ويحك إني لأراكِ أمَّ سوء ، ما لصبيِّك لا يقرُّ له قرار ؟!! " أي لما لا ترضعيه ؟ قالت وهي لا تعرفه : " يا عبد الله قد أضجرتني ، إني أحمله على الفِطام فيأبى " سألها عُمر : " ولما تحملينه على الفِطام ؟ " قالت : " لأن عمر لا يفرض العطاء إلا للفطيم " أي أن التعويض لا يعطيه إلا للفطيم . قال وأنفاسه تتواثب : " وكم له من العمر " قالت : " بضعة أشهر " قال : " ويحك لا تعجليه " يقول صاحبه عبد الرحمن بن عوف ، كأن سيدنا عمر صُعق، وأمسك رأسه بيديه وأغمض عينيه وقال: " ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين " عدَّ نفسه قاتلاً لأنه أمر أن يُنفق التعويض على هذا الغُلام بعد الفطام ، إذاً أكثر الأمهات يحملن أطفالهن على الفِطام قبل الأوان من أجل أن تأخذ الأم تعويض غلامها .

ثم أمر منادياً نادى في المدينة : " لا تعجلوا على صبيانكم بالفطام ، فإنا نفرض من بيت المال لكلِّ مولودٍ يولد في الإسلام " من دون فطام ، وذهب ليصلي الفجر مع أصحابه ، فالناس ما استبانوا قراءته من شدته بكائه ، وكان يقول : " يا بؤساً لعمر كم قتل من أولاد المسلمين " وبعضهم يذكر أنه كان يقول : " ربي هل قبلت توبتي فأهنِّئ نفسي أم ردتها فأعزيها " .

     على كلٍ لهذا الخليفة العظيم مواقفُ كثيرةٌ جداً ورائعةٌ جداً ، ويمكن أن نهتدي بها ، فالإنسان في بيته كما ذكرت البارحة راعٍ ، كلكم راعٍ وكلكم راعٍ مسؤولٌ عن رعيَّته ، فإذا طبَّق كل إنسان هذه السيرة في بيته ، في عمله إذا كان رئيساً لدائرة ، وعنده عدد من الموظفين فتواضع لهم ، وعدل بينهم ، وسوَّى نفسه معهم حتى أحبّوه ، فلما أحبوه أحبّوا دينه ، وأحبّوا إسلامه ، وأحبوا منهجه في الحياة ، فلن تستطيع أن تكسب قلوب الناس إلا بالإحسان إليهم ، والتواضع لهم ، وأن تسوي نفسك معهم ، عندئذٍ الإسلام ينمو ، الإسلام لا ينمو بالكلام ينمو بالمثل العُليا ، وينمو بالتطبيق .

     يا أيها الإخوة ... ملاحظة قصيرة .. هذه القصص ممتعة ، لكن إذا قرأناها ، واستمتعنا بها وكان بيننا وبينها مراحل فسيحة ، أنا ما أردت أن أمْتعكم بهذه القصص ، أردت أن تكون هذه القصص منهجاً لكم في حياتكم ، أردت أن تترجم هذه القصص في حياتكم اليومية ، فكل إنسان الله عزَّ وجل ولاه على اثنين بإمكانه أن يكون كسيدنا عمر ، أي إنسان بأسرته ولاّه الله على أفراد أسرته ، فإذا تواضع وعدل وسوّى نفسه معهم وآثرهم على نفسه ملَك قلوبهم ، وإذا ملك قلوبهم أمكنه أن يهديهم .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi