English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا عمر بن الخطاب  : الدرس 4/ 7  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

الموضوع         :  سيدنا عمر بن الخطاب : مع ولاته ، وتقشفه .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

        الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

      أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الخامس والستين من سِيَر صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين ، ومع الدرس الرابع من سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

   ليس غريباً أن أقـول لكم : إننا أمام وقائع كالأساطير ، ولكنها وقعت ، الأساطير قصصٌ لا يمكن أن تقع ، إننا أمام أحداثٍ كالأساطير ، ولكنها وقعت وقوعاً ثابتاً ، وإن دلت هذه الأخبارُ على شيء فإنما تدل على أثر الإيمان الصحيح في نفس الإنسان ، فالإنسان إذا آمن أيها الإخوة ففي اللحظة التي يستقر فيها الإيمان في قلبه يعبِّر عن ذاته بذاته بحركةٍ نحو خدمة الخلق ، ونحو اتصاله بالحق ، الإيمان حركة ، الإيمان عمل ، الإيمان مثل ، الإيمان قِيَم ، فهذا سيدنا عمر عملاق الإسلام له أخبار ربما لا تصدق ، ولكنها وقعت ، إنها ثمرة مِن ثمار إيمانه .

   وهو على فراش الموت حينما طعن من قبل من طعنه أوصى أصحابه وقال :" يا علي إذا ولِّيت من أمور الناس شيئاً فأعيذك بالله أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس ، ويا عثمان إذا وليت من أمور الناس شيئاً فأعيذك بالله أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس ، ويا سعد إذا وليت من أمور الناس شيئاً فأعيذك بالله أن تحمل أقاربك على رقاب الناس ".

   وكان هذا الخليفة العظيم حينما يخاطب عماله يقول لأحدهم : " لا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم " .

             أي إذا استطاع أقلُّ إنسان أن يصل إلى مَن ولاَّه الله شأن المسلمين ، إذا استطاع أن يصل إليـه ، ولا يستطيع مَن حـول هذا الإمام أن يوقع الظلم بأحد قال له : " لا تغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم " .

           وكان من طموحات هذا الخليفة أنه قال مرةً : " لئن عشت إن شاء الله تعالى لأسيرنَّ في الرعية حَوْلاً ...( أي أن جولة تفقدية تستغرق عامًا)... فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني...(أي لا تصلني ) إما أنّ ولاتهم لا يرفعونها إلي ، وإما أنهم لا يصلون إلي ( أي أن هناك سبب إما من الوالي أو من الرعية ، على كلٍ هناك حاجاتٍ لا تصلني تقطعُ دوني ) أسير إلى الشام فأقيم فيها شهرين وبالجزيرة شهرين وبمصر شهرين وبالبحرين شهرين وبالكوفة شهرين وبالبصرة شهرين والله لنعمَ الحوْلُ هذا " .

            فقد كان يتمنى أن يقوم بجولةٍ تفقدية يطّلع فيها بنفسه على مشكلات الناس وحاجاتهم وأحوالهم.

            مرةً سأل أصحابه قال : " أرأيتم إن استعملّت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أيبرئ ذلك ذمتي أمام الله ؟ " ، إذا كان سيدنا عمر اختار أصلح إنسان لولاية ما ، وأمره بالعدل يا ترى هل انتهت مسؤوليته ؟ .

           فيقول أصحابه : نعم ( انتهى الأمر ، انتهت مهمتك ) استعملت عليهم خيرهم ، أورعهم، أعلمهم ، أفضلهم ، وأمرته بالعدل والإنصاف والإحسان ، فماذا بقي عليك ؟ " يقول : " كلا لم تنتهِ مهمتي حتى أنظر في عمله ، أَعَمِلَ بما أمرته أم لا " .

           يجـب أن يتابع ، أن يتابع مدى أو مقدار ما طبّق هذا الإنسان من توجيهات عمر ، فإنْ طبّقها كان بها ، وإلا فلمْ تبرأْ بعد ذمة سيدنا عمر .. ثم يقول : " أيما عاملٌ لي ظلم أحداً ، وبلغتني مظلمته فلم أغيِّرها فأنا ظلمت " ، عدَّ نفسه ظالماً إذا بلغته مظلمة أحد عماله ولم يغيِّر هذه المظلمة .

         ويقول لأحد ولاته : " إن نصيحتي لك وأنت عندي جالسٌ كنصيحتي لما هو بأقصى ثغرٍ من ثغور المسلمين وذلك لما طوَّقني الله من أمرهم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" مَن مات غاشاً لرعيته لم يُرح رائحة الجنة "

        فقد رأى هذا الخليفة هذه الولاية عبئاً كبيراً يثقل ظهره ، لذلك كثيراً ما كان يقول : " ليت أم عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت عقيما " .

       وكثيراً ما كان يقول : " أتمنى أن ألقى الله عزَّ وجل لا لي ولا علي" أي رأساً برأس .

       كان هذا الخليفة الراشد يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداءً دقيقاً ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال :" إنا والله لا نولي هذا الأمر أحداً يسأله أو يحرص عليه ".

        وذات يومٍ أسَرَّ هذا الخليفة في نفسه أن يختار أحد أصحابه ليجعله والياً على أحد الأقاليم ، وهذا الصحابي لو صبر بضع ساعات لاستدعاه عمر ليقلده المنصب الذي رشحه له ، ولكن هذا الصحابي بادر الأمور قبل أن تقع وذهب إلى أمير المؤمنين يسأله أن يوليه إمارةً ، وهو نفسه الذي وقع عليه اختيار عمر ، ويبتسم عمر لحكمة المقادير ويفكِّر قليلاً ثم يقول لصاحبه : " قد كنا أردناك لذلك ، ولكن من يطلب هذا الأمر لا يعان عليه ، ولا يجاب إليه ، ثم صرفه وولَّى" .

   هو اختاره بالذات فلما استبق الأمور وطلب منه ولايةً قال له : "قد كنا أردناك لذلك ، ولكن مَن يطلب هذا الأمر لا يعان عليه ولا يجاب إليه " .

   الحقيقة أنّ لدينا نقطة دقيقة ؛ وهي أن سيدنا يوسف طلب الولاية ، ألم يقل للملِك :

( سورة يوسف )

فكيف نوفِّق بين توجيه النبي عليه الصلاة والسلام :" إنا والله لا نولي هذا الأمر أحداً يسأله أو يحرص عليه " ، وبين قول الله عزَّ وجل :

( سورة يوسف )

       هناك توجيهان يمكن من خلالهما أن نوفِّق بين الآية الكريمة وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام ، فحينما طلب سيدنا يوسف من ملِكها أن يتولى أمر خزانة مصر ، وأمر تموينها ، وأمر ميرتها ، كانت في ضائقةٍ وفي مجاعةٍ كبيرة ، وكان المنصب وقتها مغرماً لا مغنماً .

      تصور في البلاد أزمة كبيرة جداً ، انهيار اقتصادي ، وإنسان يقول : أنا أصلح الاقتصاد ، هذا ليس طمعاً في مكاسب ، بل هذا المنصب تضحيةٌ ومغامرةٌ بسمعته من أجل إنقاذ البلد من ورطةٍ محققة ، هذا بعض فهْم المسألة ، يوجد توجيه آخر .

     الملك حينما أجابه إلى دعوته وأطلق يده فهذا مقبول ، إذا أطلقت يدك في حقل من الحقول ، وأنــت مؤمن واثق من استقامتك ، وعلمك ، وخبرتك ، وورعك وإخلاصك ، وولائك للمصلحة العامة ، فإذا طلبت هذا الأمر من أجل أن تحقق إنجازاً كبيراً فهذا الشيء أيضاً مقبول .

   مرةً يقول لأحد ولاته : " لم أستعملك على دماء المسلمين ، ولا على أعراضهم ، ولكني استعملتك لتقيم فيهم الصلاة ، وتقسم بينهم ، وتحكم فيهم بالعدل ، ثم يعدُّ له عداً النواهي التي عليه أن يتجنبها ، لا تركب دابةً مطهَّمةً ، ولا تلبس ثوباً رقيقاً ، ولا تأكل طعاماً رافهاً ، ولا تغلق بابك دون حوائج الناس"، هذه كانت توجيهاته للولاة .

      مرةً قال لإخوانه : " دلوني على رجلٍ أَكِلُ إليه أمراً يهمني " ، فقالوا : " فلان " فقال : " ليس لنا فيه حاجة " قالوا : " فمن تريد إذاً ؟ ( الآن استمعوا إلى سيدنا عمر وهو يحدد الصفات التي ينبغي في ضوئها أن يختار الوالي ) قال : أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميراً لهم بدا وكأنه أميرهم (من شدة حرصه ورحمته ، من شدة انتمائه لهم ، من شدة غيرته عليهم، هو ليس أميراً عليهم ولكن بدا وكأنه أميرٌ عليهم .) قال : وإذا كان فيهم وهو أميرهم بدا وكأنهم واحدٌ منهم " .

     والحقيقة هذا مقياس رائع :"  أريد رجلاً إذا كان في قومٍ وليس أميراً عليهم بدا وكأنه أميرهم " ، مِن شدة حرصه ورحمته وغيرته وبذله وتضحيته .

     ألم يفعل هذا سيدنا خالد في بعض المعارك حينما أمَّر نفسه في معركة اليرموك ، وهو ليس أميراً ، لكن وجد من المصلحة العامة أن يؤمِّر نفسه حتى ينقذ الموقف.

   قال : "وإذا كان فيهم وهو أميرهم - من شدة تواضعه ورغبته أن يكون واحداً من الناس- بدا وكأنهم واحدٌ منهم" ، هذا مقياس هذا الخليفة العظيم في اختيار الولاة .

   سيدنا النبي ، اللهم صلِّ عليه كلكم يعلم قصته الشهيرة لما كان مع أصحابه في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاةً لمأكلةٍ قال بعضهم : علي ذبحها ، وقال آخر : علي سلخها ، وقال ثالث : علي طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام : وعلي جمع الحطب ، فلما قيل له : يا نبي الله نكفيك ذلك ؟ قال : أعرف ذلك ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه .

   فَسُرَّ الصحابة لأنهم سمعوا هذه التوجيهات من نبيهم فطبّقوها ، طبقوها بحذافيرها ، وكم من إنسانٍ يروي هذه القصة ، وبينه وبين مَن معه بَونٌ شاسع ، هو في برجٍ عاجي وهم في الحضيض، فالعبرة لا بتلاوة وقائع السيرة بل العبرة بتمثُّل هذه السيرة والعمل بها .

   ومرةً قال النبي لأصحابه حينما قالوا : " أنت سيدنا وابن سيدنا " فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " لا يستغوينَّكم الشيطان " .

   وكان يقول :" لا تقوموا لي كما يقوم الأعاجم لملوكهم يعظِّم بعضهم بعضا " .

   فكان النبي أبعـد الناس عن مظاهر التعظيم ، لأنه عبدٌ لله عزَّ وجل ، والإنسان كلما تواضع ازداد في عين الناس رفعةً ، وكلما استعلى عليهم ازداد في عينهم ضعةً .

   مرة في موسم الحج قال عمر على ملأٍ من الأعداد الهائلة من حجاج المسلمين قال : " أيها الناس إني والله لا أبعث عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ، ولا ليأخذوا أموالكم ، ولكن أبعثهم إليكم ليعلِّموكم دينكم وسنة نبيكم ، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلي ، فو الذي نفسي بيده لأمكننه من القصاص " ، يخاطب جموع الناس في الحج .

   سيدنا عمرو بن العاص كان والياً على مصر ، وقد سمع هذه المقالة بأذنه ، فقال : " يا أمير المؤمنين أرأيت إن كان رجلٌ من المسلمين والياً على رعيةٍ ، فأدب بعضهم ، أتقتص منه ؟ هل هذا معقول ؟ فقال عمر : والذي نفسي بيده لأفعلن ، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتص من نفسه ، ألم يقل قبل أن يتوفاه الله :" من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتدْ منه ، من كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذْ منه ، مَن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي " .

   إذًا وافقَ النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتص منه ، فَمَن نحن إذا أبينا أن يوقع فينا القصاص؟.

   مرة سأل وفداً زاره من حمص عن واليهم عبد الله بن قرط ، فيقولون : " هو خيرٌ يا أمير المؤمنين ، والٍ ممتاز ، لولا أنه بنى لنفسه داراً فارهة ، سيدنا عمر قال : داراً فارهة يتشامخ بها على الناس ، بخٍ بخٍ لابن قرط ، ثم يوفد إليه رسولاً ويقول : ابدأ بالدار فاحرق بابها ، ثم ائتِ به إلي ، ويأتي هذا الرجل الوالي ، ولا يكاد أن يقبل على أمير المؤمنين حتى يأمره أن يخلع حُلَّته ( ثيابه ) ويلبس مكانها لباس الرعاة ويقول له : هذا خيرٌ مما كان يلبس أبوك ، ثم  يتناول عصًا ، ويقول له : هذه خيرٌ من العصا التي كان أبوك يهشُّ بها على غنمه ، ثم يشير إلى الإبل ويقول له  : اتبعها وارعها يا عبد الله ، ثم بعد حينٍ يستدعيه ، ويقول له معاتباً : هل أرسلتك لتشيد وتبني ، ارجعْ إلى عملك ، ولا تعُدْ لما فعلت أبداً" .

   فما أراد من الولاة أن يكون لهم مظهر ، مرةً قال لواحد منهم: " بلغني أنه قد فشت لك فاشية ، أصبحت لك هيئةٌ في ملبسك ومسكنك ومطعمك ومركبك ليست لعامة المسلمين ، احذر يا عبد الله أن تكون كالدابة مرت بوادٍ خصب ، فجعلت همها في السمن وفي السمن حتفها ".

   وهناك قصة أيضاً لغرابتها تكاد لا تصدق .

   محمد بن سلمة يدخل على سيدنا عمر ورفع له أمرًا أنّ ابن سيدنا عمرو بن العاص ضرب رجلاً في مصر لأنه سبقه ، رفع هذا الأمر إلى سيدنا عمر ، أول شيء فعله عمر ، قال : أرسل أمير المؤمنين يدعو عمرو بن العاص وابنه محمداً ، وَلْنَدَعْ أنس بن مالك يروي لنا النبأ كما شهده، ورآه بعينيه ، قال :" فو الله إنا لجلوسٌ عند عمر وإذا عمرو بن العاص يقبل في إزارٍ ورداء ، فجعل عمر يتلفت باحثاً عن ابنه محمد ، فإذا هو خلف أبيه ، الاثنان أتيا من مصر ، أي من مسافة شهر ، فقال سيدنا عمر : أين المصري ؟ فقال المصري : ها أنا ذا يا أمير المؤمنين ، قال عمر : خذ الدُرة واضرب بها ابن الأكرمين ، ابن سيدنا عمرو بن العاص الذي تسابق مع هذا المصري ، والمصري سبقه ، فلم يرض بهذا الهون ، أمسك درةً وضرب بها هذا المصري الذي سبقه ، وقال له : أتسبق ابن الأكرمين ؟ يجب ألاَّ تسبقني ، قال عمر : خذ الدُرة ، واضرب بها ابن الأكرمين ، فضربه حتى أثخنه قال : ونحن نشتهي أن نضربه ( الصحابة )، فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه ، وعمر يقول : اضرب اضرب ابن الأكرمين ، ثم أشار عمر إلى العصا وقال : أجلها على صلعة عمرو ، فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه ، لو لم يكن ابنه لما ضربك ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت وضربت من ضربني ، قال عمر : أما والله لو ضربته ما حُلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه ، ثم التفت إلى عمرو ، وقال : يا عمرو متى استعبَدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ".

   متى ظهرت حقوق الإنسان ؟ في أعقاب الثورة الفرنسية ، كانت أوروبا في غياهب الجهل وال  ظلم ، وقبل ألف وخمسمائة عام يقول هذا الخليفة العظيم : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ".

   والي مصر يأتي مع ابنه ، يقطع مسافاتٍ شاسعة ، ليقتص عمر من ابنه لأنه ضرب هذا المصري ولا ذنب له إلا أنه سبقه ، ثم قال :" أجلها على صلعة عمرو .. لماذا ؟ لولا أنه ابنك لما فعل هذا ، فعل هذا بسلطانك .

   وهذا فعله سيدنا عمر مع ابنِه ، حينما رأى إبلاً سمينةً ، قال : لمن هذه ؟ قالوا : هي لابنك عبد الله ، قال : ائتوني به ، فلما جيء به قال : لمن هذه الإبل ؟ قال : هي إبلي ، اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا صنعت ؟ قال : ويقول الناس : ارعوا هذه الإبل ، فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين ، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين .. لماذا سمنت ؟ لأنك ابني . هو فعل مع نفسه هذا ، قال له : بِع هذه الإبل وخذ رأس مالك ورد الباقي لبيت مال المسلمين ".

   مرةً تلقى شكوى ضد والٍ من ولاته ، اسمه سعيد بن عامر الجُمَحي ، فيها ثلاثةُ مآخذ ، أولها أنه لا يخرج إلى الناس حتى يتعالى النهار ، وثانيها أنه لا يجيب أحدًا بليل ، وثالثها أنه يغيب عن الناس كل شهرٍ يوماً فلا يرى أحداً ولا يراه أحد ، استدعاه عمر ، وواجهه بالشاكين ، وقال لهم : تكلموا ، قالوا : لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار ، فقال الوالي : والله يا أمير المؤمنين إني كنت أكره أن أذكر السبب ، ليس لأهلي خادم فأنا أعجن معهم عجيني ، ثم أجلس حتى يختمر ، ثم أخبز خبزي ، ثم أتوضأ وأخرج إليهم ، فأشرقت ملامح عمر ، قال : السؤال الثاني ، قالوا : لا يجيب أحداً بليل ، قال : والله إني كنت أكره ذكر ذلك ، إني جعلت النهار لهم ، والليل لي ، أي أن الليل يقضيه عبادةً لله عزَّ وجل ، فقال : اسألوه السؤال الثالث ، قال : إن له في الشهر يوماً لا يقابل فيه أحداً ، قال سعيد: ليس لي خادمٌ يغسل ثيابي ، ففي هذا اليوم أغسلها ، وأنتظرها حتى تجف ، ثم أخرج إليهم آخر النهار " ، سيدنا عمر ملأ قلبه السرور والغبطة ، بأن هذا الوالي على شاكلته ، وقد أعطى الأجوبة الكافية .

   ألم يقل سيدنا عمر لرسول عامله على أذربيجان حين سأله : ألا تنام الليل ؟ قال : إني لو نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، الليل لله عزَّ وجل ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي " .

مرة أرسل سيدنا عمر والياً على حمص اسمه عمير بن سعيد ، مكث هناك عاماً ، وما أرسل له خراج حمص ، ولا تصل منه أنباء ، فقال عمر لكاتبه : اكتب إلى عمير فإني أخاف أن يكون قد خاننا ، وأرسل إليه يستدعيه ، قالوا : ذات يومٍ شهدت شوارع المدينة رجلاً أشعث أغبر ، تغشاه وعثاء السفر ، يكاد يقتلع قدميه من الأرض اقتلاعاً من طول ما لاقى من عناء وبذل من جهد ، على كتفه اليمنى جرابٌ وقصعة ، وعلى كتفه اليسرى قُربةٌ صغيرةٌ فيها ماء ، وإنه ليتوكأ على عصاً ولا يؤودها حمله الضامر الوهنان ، ودلف إلى مجلس عمر في خطواتٍ وئيدة ، قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين، ويرد عمر السلام ، ثم يسأله ، وقد آلمه ما رآه عليه من جهدٍ وإعياء ، قال: ما شأنك يا عمير ؟ قال : شأني ما ترى ، ألست تراني صحيح البدن ، طاهر الدم، معي الدنيا أجرها بقرنيها ، كل الدنيا معي ، قال عمر : وما معك ؟ قال : معي جرابي ، أحمل فيه زادي ( أي خرج ) ، وقصعتي آكل فيها ، وإداوتي ( وعاء ماء ) أحمل فيه وضوئي وشرابي، وعصاي أتوكأ عليها ، وأجاهد بها عدواً إن عرض ، فوالله ما الدنيا إلا تبعٌ لمتاعي.

الآن يريدون غرفة سفرة ثمنها ثمانمئة ألف ، ألا يمكن غيرها بأقل من هذا ؟ وطقم استيل ، وغرفة نوم ، وهذا الطقم الفلاني اسمه كذا ، والحمام ، فهذه كل دنياه ، عصا ، وإداوة ، وجراب فيه قصعة ، هذه كل دنياه .

   قال عمر : أجئت ماشياً ؟ قال : نعم ، قال : أولم تجد من يتبرع لك بدابةٍ تركبها ؟ قال : لا ، إنهم لم يفعلوا ، وأنا لم أسألهم ، قال : فماذا عملت فيما عهدنا إليك به ، مضى عليك سنة ، فأين أموال الولاية ؟ قال : أتيت البلد الذي بعثتني إليه ، فجمعت صلحاء أهله ، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم ، (الصلحاء )، حتى إذا جمعوها وضعتُها في مواضعها ، ولو بقي لك منها شيءٌ لأتيتك به .

   أخذنا المال من أغنيائهم ، ورددناه على فقرائهم قال عمر : أما جئتنا بشيء ؟ قال : لا ، فقال عمر وهو منبهر : جددوا لعميرٍ عهداً ، تمديد خدمة ، قال له : " هيهات ، تلك أيامٌ خلت ، لا عملت لك ولا لأحدٍ بعدك أبداً " كفاني ذلك ، لأنه لا يوجد مكاسب ، يظهر تألم من المجيء ، رجل في أعلى درجة من النزاهة ، سيدنا عمر كان على حق ، مضت سنة ، ولم يأت منه أخبار، ما شأنه ، وماذا جرى له ؟ .. قال له : هيهات تلك أيامٌ خلت ، لا عملت لك ولا أحد بعدك أبداً" ، أي تقاعدت .

   مرة حدث أن أنزل بأحد ولاته جزاءً ، فانتهزت زوجته عاتكة ساعة من ساعات فراغِه وصفوِه، وشفعت للرجل ، ولم تزد على أن قالت : يا أمير المؤمنين فيما وجدت عليه ؟ ( أي ماذا فعل ؟ ) فانتفض سيدنا عمر وكأنما انهد من دين الله ركن ، وصاح فيها : يا عدوة الله ، وفيمَ أنتِ وهذا ؟ أي ما لكِ وهذا ؟ حسم موضوع تدخل النساء في شؤونه حسمًا كاملاً ، قال لها : يا عدوة الله وفيمَ أنتِ وهذا ؟ .

   سيدنا عمر مرةً حج ، قال عبد الله بن عامر بن ربيعة : صحبت عمر بن الخطاب من المدينة إلى مكة في الحج ، ثم رجعنا ، فما ضُرِبَ لنا فسطاط ولا خباء ولا كان له بناءٌ يستظل به إنما يلقي كساءً على شجرةٍ فيستظل تحتها ، خليفة ليس له فسطاط ، ولا  كساء ، ولا خيمة يستظل بها في أثناء السفر .

   ويقول بشار بن نمير : وسألني عمر كم أنفقنا في حجتنا هذه ؟ قلت : خمسة عشر ديناراً ، قال: لقد أسرفنا في هذا المال . حجة بكاملها ، وسيدنا عمر تحت يديه كنوز كسرى وقيصر، ومعه أموالٌ طائلة ، وقال : لقد أسرفنا ، وقد أنفق خمسة عشر ديناراً .

   يبدو من شدة تقشفه وخشونة طعامه أنّ أصحابه الخُلَّص تمنوا أن يمتع نفسه قليلاً ، فاجتمعوا ، وتدوالوا ، واتفقوا على أن يلتمسوا عنده أن يرفع راتبه قليلاً ، لأنه رفع رواتب كل من حوله إلا هو .

   سيدنا عثمان رأى أن تُدفَع ابنته حفصة إلى أن تُلقِي عليه هذا الرجاء ، واستكتموها أمرهم ، وطلبوا إليها أن تستطلع أمر أبيها ، ذهبت حفصة إلى عمر متهيبة ، وأخذت تسوق الحديث بحذر ورفق قال عمر : من بعثك إلي بهذا ؟ قالت : لا أحد ، قال : بل بعثك  بهذا قومٌ لو عرفتهم لحاسبتهم ، ثم قال لابنته : لقد كنتِ زوجةً لرسول الله ، فماذا كان يقتني في بيته من الملبس ؟ قالت: ثوبين اثنين ، قال : فما أطيب طعمةٍ رأيته يأكلها ؟ قالت : خبز شعيرٍ طريٍ مسرودٍ بالسمن، قال : فما أوطأ فِراشٍ كان له في بيتكِ ؟ قالت : كساء ثخين نبسطه في الصيف ، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه ، وتدثرنا بنصفه الثاني ، قال : يا حفصة فأبلغي الذين أرسلوكِ إلي أن مَثَلي ومثل صاحبيّ ، الرسول وأبي بكر كثلاثةٍ سلكوا طريقاً ، فمضى الأول ، وقد تزوَّد وبلغ المنزل ، ثم اتبعـه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه ، ثم الثالث ، فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما أُلْحِق بهما ، وإن سلك غير طريقهما لم يجتمع بها .

   أنت يا حفصة يا بنيتي ، كنت زوجة النبي كيف كان أثاث بيتكِ ؟ قالت : رداء نبسطه وننام عليه ، في الصيف بلا غطاء ، في الشتاء نصفه نتغطى به ، قال طعامه ؟ قالت : خبز شعير طريٍ مسرودٍ بالسمن، ولباسه ؟ قالت : ثوبين اثنين ، نحن ثلاثة ؛ سيدنا رسول الله ، سيدنا الصديق ، سيدنا عمر ، أول صاحب مضى إلى هذا المنزل وسلك طريقًا ، والثاني تبعه ، فإن سلكت الطريق نفسه التقيت بهما ، وإن حدت عن طريقهما لم ألتق بهما ، فأبلغي من أبلغك هذا الكلام .

   شيء بالفعل لا يصدق ، قلت لكم في البداية : إننا أمام أحداث ووقائع وأخبار كالأساطير ، لكنها وقعت ، وإن دلت على شيء فإنما تدل على أثر الإيمان في نفس المؤمن ، نزاهةٌ ما بعدها نزاهة ، عدلٌ ما بعده عدل ، حرصٌ على الرعية ما بعده حرص .

   كنـت قلت لكم من قبل : إن وفدًا جاء سيدنا عمر من البصرة فأول سؤال سأله : كيف الأسعار عندكم ؟ وكيف الأمطار عندكم ؟ يسأل من رحمته على رعيته .

   أحد الولاة حمـل إليه مرة مالاً وفيراً من أحد الأقاليم ، فسأل عن مصدره وعن سر وفرته وكثرته ، وإذا لم يبعث أحدُ الولاة شك بأمره ، لكن هذا بعث الكثير ، فسأل عن مصدر وفرته وكثرته ، فلما علم أنه من الزكاة التي يدفعها المسلمون ، ومن الجزية التي يدفعها أهل الكتاب ، قال وهو ينظر إليها كثيرةً عارمة : إني لأظنكم قد أهلكتم الناس ، فقالوا : لا والله ما أخذنا إلا صفواً عفواً ، بشكل طبيعي ، قال : بلا سوطٍ ؟ قالوا : نعم ، عندئذٍ سُر ،فقال : الحمد لله الذي لم يجعل ذلك عليّ ، ولا في سلطاني " ، أيضاً الوفرة والكثرة حارَ فيها .

   وأذكركم بالخطبة التي ألقاها حينما تولى الإمارة قال : " أيها الناس خمس خصالٍ خذوني بهن لكم علي ألاّ آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه ، ولكم عليَّ ألا أنفقه إلا بحقه ، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى ، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا " .

   هكذا أخذ عمر نفسه بهذه القواعد ، وأعلنها للناس صريحةً وقال: خذوني بها وحاسبوني عليها.

   هذا إنسان أيها الإخوة يخاف الله عزوجل ، طبعاً كل عصر له ظروفه ، لكن الإنسان إذا اتقى الله عزَّ وجل يرى نفسه مندفعاً بشكلٍ عجيب إلى ورعٍ ما بعده ورع ، وخوفٍ من الله ما بعده خوف ، وحرصٍ على المصلحة العامة ما بعده من حرص ، والله سبحانه وتعالى نرجوه أن يلهمنا الخير ، وفي درسٍ قادم نتابع الحديث عن هذا الصحابي الجليل ، الذي هو من الخلفاء الراشدين الهادين المهدين ، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم :" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين المهدين عضوا عليها بالنواجذ ".

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi