English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا عمر بن الخطاب  : الدرس 5/ 7  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

الموضوع         :  سيدنا عمر بن الخطاب : تواضعه وإصغائه للحق .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

   أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الخامس من دروس سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الفصل اليوم حول نمطٍ من سلوك هذا الخليفة العظيم ، هذا النمط يتوضَّح بأنه كان رضي الله عنه يقبل كلمة الحق ولو كانت من أقل الناس عنده ، فله مقالٌ مشهور : " كلمة الحق ، لا خير فيكم إن لم تقولوها ، ولا خير فينا إن لم نسمعها " .  

   وهذا الخليفة الراشد يرى أن الحق فوق الجميع ، فلا خير في الناس إن لم يقولوا كلمة الحق، ولا خير فيه .. يقول عن نفسه .. إن لم يسمع كلمة الحق .

   ولو أن كل إنسانٍ ؛ الأب في بيته ، والمعلّم في صفِّه ، والطبيب في مشفاه ، أيُّ إنسانٍ يشرف على مجموعةٍ من الناس إذا انطلق من هذا المبدأ مبدأ سماع الحق ولو كان ممن هو دونه ، والانصياع له ولو كان في هذا مرارة ، إذا فعل كلٌ منا هذا والتزم به كنا بحالٍ غير هذه الحال .

فسيدنا عمر رضي الله عنه يقول : " لا تقولوا الرأي الذي تظنونه يوافق هواي ، قولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق الحق "، لأنّ الإنسان أحياناً يستشف ، ويستقصي ما الذي يرضي فلانًا ؟ وما الذي يريحه ؟ وما الذي يعجبه ؟ وما الذي يوافق عليه ؟ فإذا كلّ الذين حول إنسانٍ لا يتكلَّمون بما يرضيه ، ويعجبه ، ويرتاح له ، فالخليفة العظيم سيدنا عمر يقول : " لا تقولوا الرأي الذي تظنونه يوافق هواي ، قولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق الحق " .

   مرةً كان مع أصحابه فأراد أحدهم أن يقول قولاً يوافق هوى سيدنا عمر ، قال له : " والله يا أمير المؤمنين ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله " ، فانتفض هذا الصحابي الجليل ، سيدنا عمر ، وكأنَّه وجِّهت إليه تهمة ، ونظر في أصحابه واحداً واحداً ، وأحدَّ فيهم النظر ، إلى أن قال أحدهم مستدركاً : " لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك " قال : " ومن هو ؟ " فقال : "أبو بكر الصديق رضي الله عنه " فقال هذا الصحابي الجليل ، سيدنا عمر : "كذبتم جميعاً حينما سكتُّم ، وصدق هذا " .

   فاليوم درسنا يتناول جانبًا من جوانب شخصيّته ، حيث يتضح فيه تواضعه الشديد ، وإمكانية إصغائه للحق ، ولو كان من أحد الأشخاص الذين لا يُؤبه لهم ، هذا المنطلق لو انطلق منه كلٌ منا؛ الأب في أسرته ، والمعلِّم في صفِّه ، والقاضي في محكمته ، لو انطلق كلٌ منا من هذا المنطلق لأدرك أنه تحت الحق ، وليس فوق الحق ، وأنه مستعدٌ أن يستمع إلى النصيحة ولو بدت من صغير ، وإلى الحكمة ولو بدت ممن هو دونه ، لو انطلق الإنسان هذا المنطلق ، أقول لكم مرةً ثانية لكنا في حالٍ غير هذه الحال .

   ليس مِن إنسانٍ فيما أعلم أشدُّ ورعاً وطاعةً وانصياعاً لأمر لله عزَّ وجل من سيدنا عمر ، ومع ذلك ما عطَّل عقله ولا مرة ، فالمعروف أن الجيش إذا فتح بلدةً فهذه البلدة تُعدُّ من الغنائم ، فلو أن أفراد الجيش توزعوا هذه الأرض ، وهم مشغولون بالفتوح عن زراعتها ، وإذا أرادوا أن يزرعوها ليسوا خبراء فيها ، فسيدنا عمر كان يرى أن الجيش الإسلامي إذا فتح بلدةً ينبغي أن يُبقِي الأرض بأيدي أصحابها ، وأن يأخذ منهم خراجاً ، وقد عارض الصحابة الكرام هذا الرأي ، لكنه أصرَّ على رأيه ، منطلقاً مِن أن المصلحة والعقل يقتضيان أن تبقى هذه الأرض بأيدي أصحابها ، وأن نأخذ منهم خراجاً ، لأنهم أقدر على زراعتها ، وأقدر على استغلالها ، ونحن لسنا متفرغين لهذا العمل ، فكان اجتهاده في هذا الموضوع سنةً سرت من بعده إلى يومنا هذا .

   وكان أصحاب النبي عليهم رضوان الله حينما يعترضون عليه في هذا الاجتهاد الذي لم يسبق إليه ، كان يقول : " إنما أقول رأيي الذي رأيته" ، أي أن الطاعة التامة تعبِّر عن إيمان المرء ، لكن النصيحة الخالصة تعبِّر عن أمانته وغيرته .

   مرةً خشي هذا الخليفة العظيم أن يجامله الناس على حساب دينهم؛ أن يهابوه ، وأن يخافوا منه، وأن يجاملوه في أمورٍ خطيرةٍ على حساب دينهم ، وهو يخاف على نفسه أن يصدِّقهم ، لذلك جمع علية القوم ونخبة أصحابه وقال لهم : " إني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حُمِّلت من أموركم ، فإني واحدٌ كأحدكم ، وأنتم اليوم تقرُّون بالحق ، خالفني من خالفني ، ووافقني من وافقني ، ولست أريد أن تتبعوا هواي ، فمعكم من الله كتابٌ ينطق بالحق ، فوالله لئن كنت نطقت بأمرٍ أريده فما أريد به إلا الحق" ، أي أنكم معكم مقياس ، وهو كتاب الله ، وسنة نبيّكم ، " وإياكم أن تنطقوا بكلامٍ وفق هواي ، تحرّوا الحق ولا تأخذكم في الله لومة لائم " ، هذا موقف آخر .

   طبعاً محور هذا الفصل هذا الموقف المتشدد من أصحابه ، حيث إنهم لو تكلَّموا كلاماً لإرضائه بعيداً عن الحق لكان هذا سبباً لغضبه أشدَّ الغضب .

   ولا تنسوا أيها الإخوة أن الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيّدُ الخلق وحبيب الحق ، أمره أن يستشير أصحابه قال :

( سورة آل عمران : آية " 159" )

   كما أن الله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين فقال :

( سورة الشورى : آية " 38 " )

   ونحن كمسلمين يجب علينا أن نستشير في كل أمر ، لأنه من استشار الرجال استعار عقولهم ، والمؤمن ما دام على حق ، وليس له مصلحةٌ خاصةٌ تتناقض مع الحق ، كما قال عليه الصلاة السلام : " تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا ضال " .

   ما دام هو على الحق ، وليس له مطالب ولا مكتسبات ولا مطامح ولا مصالح تتناقض مع الحق لذلك فلا بأس عليه أن يسأل ، ولا حرج عليه أن يستشير ، وما المانع أن يأخذ برأي زيدٍ وعُبيد لئلا يقع في انحرافٍ أو في خطورة ؟ .

   وقد مرَّ بكم أن سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه اختار من بين أرقى العلماء وأشدِّهم ورعاً رجلاً عالماً جليلاً فاضلاً ، قال : "اجلس إلى جانبي ، فإن رأيتني ضللت فخذني من تلابيبي ، وهُزَّني هزاً شديداً ، وقل لي : اتق الله يا عمر ، فإنَّك ستموت " .

   فسيدنا عمر حينما تسلَّم الأمر خاف الناس شدَّته وبأسه ، وكان كما يقول الناس اليوم : كان من الصقور لا من الحمائم ، سيدنا عمر كان شديداً ، شديداً في أمر الله عزَّ وجل ، فحينما تهامس الناس خائفين وجلين من تولّي هذا الخليفة الشديد الأمر دخل عليه حُذيْفة فوجده مهموم النفس ، باكي العين ، فقال له : " ما الذي يبكيك يا أمير المؤمنين " ، قال عمر رضي الله عنه .. والله هذه الكلمة أيها الإخوة تكتب بماء الذهب.. قال : " إني أخاف أن أُخطئ فلا يردني أحدٌ منكم تعظيماً لي " ، فقال حذيفة : "والله لو رأيناك خرجت عن الحق لرددناك إليه " ، عندئذٍ فرح عمر وتألَّق وجهه وقال : " الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يقوّمونني إذا اعوججت " .

   فأنـت أيها الأخ الكريم أليس لك فيـه أسوةٌ حسنة ؟ لو عندك تجارة صغيرة ولك شريك أصغر منك سناً ، أو أضعف منك ، أو عندك موظَّف قال لك : الموضوع الفلاني خطأ وصوابه كذا ، فمعظم الناس تأبى عليهم مكانتهم ، ويرون هذا طعناً بخبراتهم وتجاوزاً لمقامهم فيرفضون هذا الرأي أشد الرفض ، خليفةٌ عظيم يبكي لماذا ؟ لأنه يخشى أن يرتكب خطأً فلا ينصحه الناس مخافةً منه ، فطمأنه حذيفة ، فقال له : "والله لو رأيناك خرجت عن الحق لرددناك إليه " ، عندئذٍ فرح عمر وقال : " الحمد لله الذي جعل لي أصحاباً يقوّمونني إذا اعوججت " .

   مرةً صعد المنبر رضي الله عنه وقال للناس جميعاً : " يا معشر المسلمين ماذا تقولون لو مِلت برأسي إلى الدنيا هكذا ؟ " فيشق الصفوف رجل ويقول وهو يلوِّح بذراعه وكأنَّه حُسام ممشوق : " إذاً نقول بالسيف هكذا " فيسأله عمر: " إياي تعني بقولك ؟! " قال : " نعم إيّاك أعني بقولي " فما الذي حدث ؟ يتألَّق وجهه ويضئ ويبتسم ويقول : " رحمك الله ، الحمد لله الذي جعل فيكم من يقوِّم اعوجاجي "، ألم أقل لكم في درسٍ سابق : نحن أمام أخبارٍ واقعيةٍ كأنها أساطير .

   يا إخواننا الكرام ... إذا كنتَ معلِّم صف ، أو مديرَ مستشفى ، أو صاحب شركة ، أو مهما كان عملك متواضعًا ، حينما تلغي الاعتراض على تصرُّفاتك ، حينما تُلغي النقد البنَّاء ، حينما تستبدُّ برأيك ينتهي سلطانك ، وتسير نحو الهاوية ، أما إذا استشرت وسألت وأصغيت واستنصحت ، وجعلت حولك أناساً صادقين مخلصين لا يجاملون ولا ينافقون ولا يكذبون فأنت بهذا تتألَّق وترقى ويزداد عملك رسوخاً .

   طبعاً مؤلِّف الكتاب الذي نقلت منه هذا الخبر علَّق تعليقاً رائعاً قال : " لا يمكن أن يكون موقف هذا الخليفة العظيم موقفاً استعراضياً ، هدفه الكسب الرخيص ، ولكنه كان موقفاً صادقاً حقيقياً ، أملاه عليه إيمانه وإخلاصه " .

   مرةً صعد المنبر ليحدِّث المسلمين في أمرٍ جليل ، فقد حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، وقال: " أيها المسلمون اسمعوا يرحمكم الله " ، ولكن أحد المسلمين نهض وقال : " واللهِ لا نسمع ، واللهِ لا نسمع " ، فسأله عمر في لهفة : " ولمَ يا سلمان ؟ " فيجيب سلمان : " ميَّزت نفسك علينا في الدنيا ، أعطيت كلاً منا بردةً واحدة ، وأخذت أنت بردتين ، والله لا نسمع والله لا نسمع والله لا نسمع " سيدنا عمر ينظر في المصلِّين ، ويجيل الطرف فيهم إلى أن يرى ابنه عبد الله ، ويقول : " أين عبد الله بن عمر ؟ " فنهض عبد الله ، وقال له : " ها أنا ذا يا أمير المؤمنين " ، فسأله عمر على الملأ : " من صاحب البردة الثانية ؟ " ، فيجيب عبد الله : " أنا يا أمير المؤمنين " ، ويخاطب عمر سلمان ، والناس معه : " إنني كما تعلمون رجلٌ طويل ( فقد كان فارع الطول ) ، ولقد جاءت بردتي قصيرة ، فأعطاني عبد الله بردته ، فأطلت بها بردتي" ، فيقول سلمان الذي اعترض وفي عينيه دموع الغبطة والثقة : "الحمد لله، والآن نسمع ، ونطيع يا أمير المؤمنين " ، هل من نزاهةٍ بعد هذه النزاهة ؟.

   وفي يوم آخر ، بينما هو جالسٌ مع إخوانه ، إذ برجلٍ يشقُّ الصفوف ، ثائر ، ملء قبضته شعرٌ محلوق ، ولا يكاد يبلغ عمر حتى يقذف بالشعر أمامه في مرارةٍ واحتجاج ، ويموج الناس بالغضب ويهمُّ به بعضهم ، فيومئ عمر إلى أصحابه أن يسكنوا ، ويجمع الشعر بيده ، ويشير للرجل أن اجلس ، وينتظر عليه عمر حتى يهدأ روعه ، ثم يقول له : " ما أمرك يا رجل ؟ " ، فيجيب الرجل : "أما والله لولا النار يا عمر " فيقول عمر : "صدقت ، والله لولا النار ، ما أمرك يا أخا العرب " ، يقصُّ هذا الرجل على عمر شكواه ، وفحواها أن أبا موسى الأشعري أنزل به عقوبةً لا يستحقُّها ، فجلده، وحلق شعر رأسه بالموسى ، فجمع الرجل شعر رأسه ، وجاء به إلى عمر ، فينظر عمر إلى وجوه أصحابه ، ويقول : " لأن يكون الناس كلُّهم في قوة هذا أحبَّ إليَّ من جميع ما أفاء الله علينا " ، فالله عزَّ وجل أجرى على يديه فتوحًا عظيمةً جداً ، لأن يكون جميع الناس في قوة هذا الإنسان وإبائه للضيم ، ورغبته في أن يكون عزيز النفس ، ورغبته في الإنصاف ، لأن يكون كل الناس في قوة هذا الرجل أحبَّ إلي من كل الفتوحات التي فُتحت على المسلمين ، فما قولكم بهذا الجواب؟

   ثم يكتب لأبي موسى الأشعري يأمره أن يُمَكِّن الرجل من القِصاص منه جلداً بجلدٍ ، وحلقاً بحلقٍ.

   مرةً كان على المنبر ، واجتهد اجتهاداً ، ولم ينتبه رضي الله عنه إلى آيةٍ في كتاب الله ، قال : "أيها الناس ، لا تزيدوا مهورَ النساء على أربعين أوقية ، فمن زاد ألْقَيت الزيادة في بيت المال " ، فنهضت من بين أواخر الصفوف امرأةٌ وقالت : " ليس هذا لك يا عمر " ، لا تستطيع أن تفعل هذا ، فيسألها : " ولمَ ؟ فتجيبه بأن الله تعالى يقول :

( سورة النساء )

   أيضاً يتألَّق وجه هذا الخليفة العظيم ويبتسم ويقول عبارته الشهيرة: " أصابت امرأةٌ وأخطأ عمر".

   هذه الروح الرياضية ، هذه الروح السمحة ، هذه الروح التي تجعل من نفسها في سوية كل الناس ، إنسان اعترض .. قل : يا أخي ، معك الحق ، امرأةٍ اعترضت .. أصابت امرأة ، وأخطأ عمر ، شخص لوَّح له بيده كالسيف سُرَّ منه ، فهذه من ثمار الإيمان أيها الإخوة ، فكل إنسان إيمانه قوي ليس عند عنصرية ، ولا تشبُّث برأيه ، ولا شعور بالعلو فوق الناس ، يستمع إليهم ويناقشهم ، ويعطيهم ما عنده ويأخذ ما عندهم ، يدلي بحجته ويستمع إلى حجَّتهم ، ينصفهم ، يتواضع لهم ، هذه ثمرةٌ من ثمار الإيمان التي كانت باديةً في سيدنا عمر رضي الله عنه .

   وحينمـا عزل سيدنا خالدًا ، وقصة عزله تعرفونها ، وما عزله إلا مخافة أن يفتتن الناس به ، لكثرة ما أبلى في سبيل الله ، حينما أجرى على يديه نصراً مؤزراً ، نصراً تلو نصرٍ تلو نصرٍ ، توهَّم الناس أنه ما من معركةٍ فيها خالد إلا والنصر حليف المسلمين ، فخشي هذا الخليفة أن يتوهَّم الناس أن النصر من عند خالد ، فعزله إنقاذاً لعقيدة التوحيد ، وتثبيتًا لهم ، وربطاً لهم بالله عزَّ وجل ، لكن هناك أقاويل كثيرة فشت بين الناس ، فقال لهم مرةً : " إني أعتذر إليكم من عزل خالد ، فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطى ذوي البأس ، وذوي الشرف ، وذوي اللسان " فنهض أبو عمرو بن حفص بن المغيرة وقال : "واللهِ ما أعذرت يا عمر ، لقد نزعت فتًى ولاَّه رسول الله ، وأغمدت سيفاً سلَّه رسول الله ، ووضعت امرأً رفعه رسول الله ، وقطعت رحماً ، وحسدت بني العم" ، لكن سيدنا عمر ما بالى بهذا الكلام ، يعرف لماذا عزل هذا القائد الشجاع ، عزله لحكمةٍ راجحةٍ عنده ، عزله إنقاذاً لعقيدة الناس ولم يعبأ بهذه التأويلات التي جرت على لسانه ، فقال له مخاطباً : " إنك قريبٌ قرابةً حديث السن ، تغضب في ابن عمِّك " ، يعني عَذَرَهُ ، وما رأى في ذلك إلا تعاطفاً مع ابن عمه ، دون أن يحاسبه على هذا الكلام الذي قاله .

   طبعاً هذا الكلام فيه تهجُّم على سيدنا عمر ، وفيه تطاول عليه ، لكن سيدنا عمر مِن أين اقتبس هذه الأخلاق ؟ من أين جاءه هذا الهدوء ، وهذه الأعصاب الباردة،  وذاك الحلم ؟ لقد تعلَّمه من رسول الله ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام مرةً جاءه أعرابي فأعطاه مالاً ، فقال هذا الأعرابي : " أعطني المال ، فالمال ليس مالك ، وليس مال أبيك " ، هذا الأعرابي يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ، فالنبي عليه الصلاة والسلام تبسَّم وقال : " صدقت إنه مال الله " . فأعرابي يقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام يقول له : "  أعطني المال ، فالمال ليس مالك وليس مال أبيك " ، والنبي صاحب المقام المحمود ، والحوض المورود ، الذي أكرمه الله بالرسالة ، وعصمه من الزلل ، وأوحى إليه ، كل هذا المقام الرفيع ما جعل النبي عليه الصلاة والسلام يحقد على هذا الأعرابي الفظ ، الذي كان جافياً في عبارته ، قال :  " صدقت يا أخا العرب ، إنه مال الله " .

   فيبـدو أن سيدنا عمـر حينما وقف هذا الموقف الحليم الهادئ المطمئن ولم يأخذ هذا المعترض الذي قال : " والله ما أعذرت يا عمر ، لقد نزعت فتًى ولاَّه رسول الله ، وأغمدت سيفاً سلَّه رسول الله، ووضعت امرأً رفعه رسول الله ، وقطعت رحماً ، وحسدت بني العم" ، قال : " أجل إنك قريبٌ قرابةً حديث السن ، تغضب في ابن عمِّك ، لكن والله يا أبا سليمان ( خاطب سيدنا خالد ) ما عزلتك إلا مخافة أن يفتتن الناس بك ، لكثرة ما أبليت في سبيل الله " ، هذا هو الموقف الصحيح ، وهذا التفسير الذي تطمئن له نفوس  المؤمنين .

   فيا أيها الإخوة الكرام ... بالمناسبة الحدث يُرى بالعين لكن البطولة في تفسيره .

   النبي عليه الصلاة والسلام ذات مرَّةٍ ، وهذه القصة تُعَدّ شاهدًا واضحًا جداً ، فقبيل معركة بدر أصدر النبي عليـه الصلاة والسلام توجيهاً لأصحابه : " ألاّ تقتلوا عمي العباس " ، هكذا كان التوجيه ، كلامٌ مختصر من دون تعليل لحكمةٍ رآها النبي عليه الصلاة والسلام ، فَمَنْ عمُّه العبّاس؟ عمه العباس مقيم في مكة مع المشركين ، لكنه كان مسلماً سراً ، وإسلامه في تكتُّمٍ شديد، لأن عمه العباس كان عيـن النبـي في قريش ، فما من اجتماعٍ يجتمعونه ، وما من أمرٍ خطير يتداولونه ، وما من قرارٍ يتخذونه إلا وكان العباس رضي الله عنه يبلّغه ابن أخيه محمداً صلّى الله عليه وسلَّم ، لذلك فالنبي لم يفاجأ أبداً في علاقته مع قريش بمفاجأة ، ما من شيءٍ فعلته قريش إلا كان عند النبـي عليه الصلاة والسلام خَبَرُهُ ؛ الغزو ، المؤامرات ، كل شيء فعلته قريش كان معلوماً عند النبي في وقتٍ مبكرٍ جداً ، فعمه العباس مسلم ، لكنه كتم إسلامه كتماناً شديداً ، وفي حيطةٍ بالغة ، حفاظاً على أن يكون هذا الصحابي الجليل عم النبي عيناً لرسول الله في قريش ، وكما يقولون : " كل سرٍ جاوز الاثنين شاع " .

   هذا الخبر لابدَّ أن يصل إلى قريش ، إذاً لا يستطيع أن يقول : "لا تقتلوا عمي العباس فقط " ، فالنبي إذا لم يقل هذا الكلام لقتل أصحابُه عمَّه العباس ظلماً ، وهو مسلم ، ولو أن عمه العباس أبى الخروج مع المشركين في بدر ماذا يحصل ؟ لانكشف أمره ، لو أن النبي ذكر إسلامه لكشف أمره، لو أنه سكت لقُتِل ، فالموقف عصيب ودقيق ، فلذلك النبي قال : " لا تقتلوا عمي العباس "، صحابي ضعيف أخذ هذا النص ، وقال : " نحن نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا ، وينهانا عن قتل عمه" ، رآها عصبية ، ولكن هذا الصحابي بعد أن كشفت الحقيقة ، وعرف نزاهة النبي ومراده النبيل ، وعرف إسلام عمه العباس ، وكيف كان عيناً للنبي على قريش ، وكيف أنه كان في أعلى درجات الذكاء والحكمة والحيطة والحذر ، يقول هذا الصحابي : " إنه بقي عشر سنواتٍ يتصدَّق ، ويجاهد نفسه وهواه ، ويعتق العبيد ، لعلَّ الله يغفر له سوء ظنِّه بالنبي عليه الصلاة والسلام " ، مقام النبـوة مقامٌ رفيعٌ جداً ، فمستحيل أن ينحاز النبي إلى أهله ، وإلى بني جلدته ، فالنبي رسول الله، وهو معصوم .

   فسيدنا عمر عزل سيدنا خالد لحكمةٍ رائعةٍ رآها إنقاذاً للتوحيد ، ومع ذلك لما اعترض هذا الرجل ، ولم يبالي باعتراضه ، وقال : أنت غضبت من أجل ابن عمك ، ولا ضير عليك .

التاريخ يروي أن هذا البدوي الذي قال لسيدنا رسول الله : "أعطني فليس المال مالك ولا مال أبيك"، النبي عليه الصلاة والسلام قال : "صدقت يا أخا العرب إنه مال الله .. وزاده عطاءً " ، سيدنا عمر كان واقفاً ، فقال : " يا رسول الله ، دعني أضرب عنق هذا الأعرابي " ، فهذا الإنسان تجاوز حده ، فقال : " يا عمر ، دعه فإن لصاحب الحق مقالاً " .

   تعلَّموا أيها الإخوة إذا كنتَ رئيس دائرة مثلاً ، وجاء مواطن ، وهو ثائر ، وتكلَّم بكلمات قاسية، فلا تحاسبه على كلماته ، وقل : " إن لصاحب الحق مقالاً " ، وهناك مثل عربي قديم : " صاحب الحاجة أعمى ، وصاحب الحاجة أرعن " ، والإنسان كلما كان أكثر رحمةً يمتصّ هذه الكلمات القاسية ، وهذه التعليقات اللاذعة ، وهذا التطاول ، وهذه الجفوة ، فقال له : " يا عمر دعه فإن لصاحب الحق مقالاً " .

   لكن سيدنا عمر كما قلت لكم من قبل : ليس بالخب ، أي ليس من الخبث حيث يكون خِباً ، أي ماكراً خدَّاعاً ، لكن ليس من السذاجة والبساطة أيضاً حيث يسمح لأحدٍ أن يحتال عليه ، قال : " لست بالخِب ، ولا الخِبُّ يخدعني " ، فكل إنسان كان يمدحه مديحاً كاذباً يبتغي أن يصل إلى قلبه كان هذا الصحابي الجليل يرفض هذا المديح .

   ذات يومٍ أثنـى إنسان على سيدنا عمر ثناء المنافقين ، فقال له : " يا عدوَّ الله ، ما أردت بهذا الكلام ؟ " ، كانت له فِراسة ، المديح الصادق مقبول ، والإعجاب الصادق مقبول ، لكن إنسانًا غير ملتزم يثني على عمر ثناءً يتضح من ثنيّات كلامه ، ومن فلتات لسانه ، ومن نبرة صوته أنه ينافق فقال: " يا عدوَّ الله ، ما أردت بهذا الكلام ؟ " .

   ومرةً رأى سيدنا عمر إنسانًا يصيح بأعلى صوته ، ويقول : " من صاحب هذه الّلوزة " ، وذلك أثناء الطواف حول الكعبة ، رأى في الأرض لوزةً ، فرفع عقيرته وقال : " من صاحب هذه الّلوزة"، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن قال له : " كُلها يا صاحب الورع الكاذب " ، أي كلها واكْفِنا شرَّك ، فقد كان مع تقديره الشديد للمؤمنين سيفاً مُسلَّطاً على المنافقين .

   وذات يومٍ كان يمشي في الطريق فسمع صوتاً نسائياً يقول : " رويدك يا عمر ، حتى أكلِّمك كلماتٍ قليلة " ، فالتفت عمر ، فإذا سيدةٌ جليلة تقول له ، وهو مصغٍ مبتسم : " يا عمر ، عهدي بك أنك تسمّى عُميْراً ، تصارع الفتيان في سوق عكاظ ، فلم تذهب الأيام حتى سُمِّيت عمر ، ثم لم تذهب الأيام حتى سُمِّيت أمير المؤمنين ، فاتق الله يا عمر في رعيِّتك ، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت " ، فقال له من معه : " من هذه المرأة التي اجترأت عليك يا أمير المؤمنين ؟! " ، فما كان من سيدنا عمر إلاّ أنْ جذبه ، وقال له : " دعها فإنك لا تعرفها " ، فقال له : " من هذه ؟ " قال :" هي خولة بنت حكيم ، التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات ، وهي تجادل النبي في زوجها ، وتشتكي إلى الله " ، هذه التي وقفت أمام النبي ، وبكت ، وقالت : " يا رسول الله ، إن زوجي تزوَّجني ، وأنا شابّة ذات أهلٍ ومال ، فلما كبرت سني ، ونثرت بطني ، وذهب مالي ، وتفرَّق أهلي قال : أنتِ عليَّ كظهر أمي ، ولي منه أولاد ، إن تركتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلي جاعوا " ، فالنبي قال : " ما أظنك إلا قد حرُمْتِ عليه " ، فقال الله عزَّ وجل:

( سورة المجادلة : آية " 1 " )

فقال له : " صه ، ألا أسمع شكواها إذا كان الله قد سمع شكواها "، أي اسكت فمن أنا ؟! وقف متأدباً يستمع إلى حديثها .

   وقولته الشهيرة التي ذهبت مضرب المثل ، والتي أعلنت حقوق الإنسان قبل أن تُعْلَنَ في فرنسا بألف عام ، قال : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتم أمهاتهم أحراراً " .

   أقول لكم هذه الكلمة أيها الإخوة ، ووالله أبتغي بها وجه الله : إذا أنت لم تشعر أنك واحدٌ من الناس ولا حقَّ لك أن تستعلي عليهم ولا أن تستذلهم ، ولا أن تأخذ منهم ما ليس لك ، ولا أن تستخدمهم ، ولا أن تأخذ منهم ما يقلل من قيمتهم ، إن لم تنطلق هذا المنطلق ففي الإيمان والله ضعف ، لا أقول : ليس فيك إيمان ، ولكن في إيمانكَ ضعف ، لا تنطلق من أنك فوق الناس ، لا تنطلق من أنّ الناس عليهم أن يؤدُّوا إليك واجباً .

   سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام خدمه إنسان فقير جداً ، اسمه ربيعة ، بعد سبعة أيام قال له النبي عليه الصلاة والسلام : " يا ربيعة سلني حاجتك " ، لأنه رأى خدمته للنبي ديناً عليه ، صلى الله عليه وسلم ، لا يوجد إنسان على وجه الأرض يحقُّ له أن يرى نفسه متميّزاً على أقرانه ، والنبي كان قدوةً لنا في هذا ، فعندما كان مع أصحابه في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاةً لمأكلةٍ ، قال أحدهم : " عليَّ ذبحها " ،  وقال الثاني : " عليَّ سلخها " ، وقال الثالث : " عليَّ طبخها " ، فقال النبي عليـه الصلاة والسلام : "وعليَّ جمع الحطب " ، واختار أصعب عملٍ وأشقَّه ، فلما قال له أصحابه: " نكفيك ذلك يا رسول الله " قال : " أعرف أنك تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه " .

   في بيتك أنت واحدٌ من هؤلاء فكن مثلهم ، أطعمهم مما تأكل ، ألبسهم مما تلبس ، لا تميِّز نفسك عليهم ، في عملك ، في نزهتك ، في سفرك ، ما في إنسان يعطي أوامر ويتلقى خدمات ، فمثلاً عندك أناس يخدمونك ، ويتلقون أوامر ، فهذه عنصرية غير واردة ، فالإنسان ما لم ينطلق من هذا المنطلق ففي إيمانه ضعفٌ ، " متى استعبدتم الناس ، وقد ولدتم أمهاتهم أحراراً " .

   مرةً دار حوارٌ بينه وبين أحد الناس ، تمسَّك الإنسان برأيه ويقول لسيدنا عمر : " اتق الله يا عمر " وكررها ثانيةً وثالثةً ، فزوره أحد أصحاب عمر،  وقال له : " لقد أكثرت على أمير المؤمنين"، ولكن الخليفة العظيم يقول له : " دعه ، فلا خير فيكم إن لم تقولوها ، ولا خير فينا إن لم نسمعها".

   آخر قصة من قصص هذا الخليفـة الراشد أنه اختصم مـع بعض أصحابـه حول موضوعٍ ، خلاصة هذا الموضوع أن سيدنا عمر أراد أن يوسِّع المسجد النبوي الشريف ، فاحتاج إلى أن يضمّ أرضاً للمسجد ، وعارضه صاحب الأرض ، ويقول للإمام العادل ، والخليفة الأمين : " ليحكم بيني وبينك آخرون " ، سيدنا عمـر يريد أن يوسِّع هذا المسجد ، لأنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام في حياته أنه كان يرغب في توسعته ، فلما أراد أن ينفِّذ رغبة النبي عليه الصلاة والسلام كان لا بدَّ أنْ يضمَّ هذه الأرض للمسجد ، وصاحب الأرض اعترض ، فسيدنا عمر تشبَّث برأيه ، فقال له صاحب الأرض : " ليحكم بيني وبينك آخرون " ، سيدنا عمر ما تألَّم ، ولا تأبّى ، بل رحَّب في غبطةٍ ، لأنه سيجد عوناً على الحق ، إن كان محقاً ، وهدىً إلى الصواب إن كان مخطئاً .

   لقي العباس يوماً فقال له : " يا عباس لقد سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل موته يريد أن يزيد في المسجد ، وإن دارك قريبةٌ من المسجد ، فاعطنا إيّاها نزدها فيه ، وأقطع لك أوسع منها " ، مع التعويض ، التعويض الحقيقي المجزي الكافي الزائد ، قال له: إنه سمع النبي الكريم أنه يريد أن يزيد في مساحة هذا المسجد ، وهذه الأرض لك ، أقطعنا إيّاها ، وأنا أقطع لك أرضًا أوسع منها ، فقال له العباس : " لا أفعل " ، عجيب !! قال عمر : " إذاً أغلبك عليها " ، أنا صاحب سلطة ، فنصدر لها أمرَ استملاكٍ ، فأجابه العباس : " ليس ذلك لك ، فاجعل بيني وبينك من يقضي بالحق " ، فقال عمر: " من تختار ؟ " قال العباس : " حذيفة بن اليمان " ، وبدلاً أن يستدعي سيدنا عمر  حذيفة إلى مجلسه ، انتقل عمر والعباس إليه ، لماذا ؟ لأن القاضي يؤتى ، ولا يأتي ، والعلم يؤتى ، ولا يأتي ، هكذا الأدب ، فانتقل سيدنا عمر مع العباس إلى حذيفة بن اليمان ، حذيفة الآن يمثل القضاء ، وأحد الخصوم سيدنا عمر ، خليفة المسلمين ، وأمام حذيفة جلس عمر والعباس ، وقصّا عليه الخلاف الذي بينهما ، فقال حذيفة : " سمعت أن نبي الله داود عليه السلام أراد أن يزيد في بيت المقدس ، فوجد بيتاً قريبـاً من المسجد ، وكان هذا البيت ليتيم، فطلبه منه فأبى ، فأراد داود أن يأخذه قهراً ، فأوحى الله إليه أنّ أَنْزَهَ البيوت عن الظلم هو بيتي ، فعدل داود ، وتركه لصاحبه " ، فالعباس نظر إلى عمر ، وقال: " ألا تزال تريد أن تغلبني على ذلك ؟ " ، فقال له عمر: "لا ، والله " فقال العباس: " ومع هذا فقد أعطيتك الدار تزيدها في مسجد رسول الله " ، أنا سوف أعطيها لك من عندي تبرُّعاً ، أما أن تغلبني عليها فلا تستطيع ، وحذيفة هو القاضي بيننا .

   هذا هو سيدنا عمر يا إخوان ، فلاَ أَقَلَّ من أن نتأسّى به في بيوتنا ، فلا يتشبث الإنسان برأيه ، وهناك آية قرآنية تقول :

( سورة  الطلاق : آية " 6 " )

   ائتمروا ، وهو فعل أمر ، ماضيه فيه معنى المشاركة ، فممكن أن تنصح زوجتك ، ويمكن هي التي تنصحك ، ويمكن أنْ تأمرها بأمر ، يمكن أن تطلب هي شيئًا منك ، فلست إنساناً فوق الناس جميعاً ، فنحن نطبّق هذه المشاورة وهذا التواضع وهذا الشعور ، واعلمْ أنك مع الناس واحدٌ منهم، هذا يطبَّق في بيتك ، في عملك ، في دائرتك ، في محلّك التجاري ، في معملك ، في مستشفاك ، في صفَّك ، فانطلق من أنك واحدٌ من الناس ، كما فعل النبي ، والنبي هو أسوتنا ، قال : " إن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه" ، فإذا انطلقت في علاقاتك مع الآخرين من هذا المنطلق فأنت تؤكِّد الإيمان الصحيح ، أما إذا انطلقت من منطلقٍ عنصري ، من منطلقٍ فوقي ، من منطلقٍ تشعر أنك فوق الناس ، وأنّ عليهم أن يقدِّموا لك كل شيء ، وأنت عليك أن تأمرهم ، فهذا منطلق ما أنزل الله به من سلطان ، وعندئذٍ نكون قد انطبقت علينا المقولة الشهيرة: " لقد استعبدنا الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " ، وعمر يقول : " متى استعبدتم الناس ، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " .

   عندما يكون الإنسان حرًّا فإنه ينطلق في تعامله مع الناس من منطلق واقعي ، منطلق إنساني ، منطلق فيه عدل وفيه إنصاف ، وفيه حقوق ، وفيه واجبات ، والحياة كما قلت أخذٌ وعطاءٌ ، والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi