English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا عمر بن الخطاب  : الدرس 6/ 7  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

الموضوع         :  سيدنا عمر بن الخطاب : تألق فهمه وحدة ذهنه وصدق فراسته .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

   أيها الإخوة الكرام ... لازلنا مع سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، ولازلنا مع سيدنا عمر بن الخطاب ومع الدرس السادس من دروس سيرته ، وحديث اليوم عن جانبٍ من جوانب شخصيته ، ألا وهو تألُّق ذهنه ، وحدّة فهمه ، وصدق فراسته .

   والمؤمن أيها الإخوة بشكلٍ أو بآخر يمثِّل هذا الدين ، ولا يستطيع المؤمن نشرَ هذا الحق إلا إذا كان على جانبٍ من الإدراك العميق ، والفهم الحاد ، لذلك : " ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ، ولو اتخذه لعلَّمه " .

( سورة الأنعام : آية " 83 " )

   ولكلِّ مؤمنٍ نصيبٌ من هذه الآية ، المؤمن لديه حجة ، عنده منطق ، معه دليل ، معه برهان ، إدراكه دقيق ، فهمه عميق ، تصوُّره صحيح ، رؤيته ثاقبة ، قراره حكيم ، هذا الجانب العقلي للمؤمن ، لأن المؤمن كما تعلمون شخصيةٌ متميِّزة ، فيه جانب نفسي أخلاقي ، وفيه جانب سلوكي بنَّاء ، وفيه جانب عقلي دقيق .

   فسيدنا عمر مثَّل شخصيَّته ، أو جانبه الإدراكي بكلمةٍ رائعة ، فقال : "لست بالخِب ، ولا الخَبُّ يخدعني " ، يعني ذكاؤه ليس شيطانياً ، ولا عدوانياً ، ولا استغلالياً ، ولا انتهازياً ، ولا وصولياً ، هناك أذكياء يستغلون ذكاءهم لمآربهم الشخصية ، ، ولمكاسبهم الدنيوية ، فذكاؤه ليس عدوانيًّا ، ولا ذكاءً شيطانيًّا ، ولا ذكاءً انتهازيًّا ، ولا ذكاءً وصوليًّا ، ولا ذكاءً مبنيًّا على المصلحة ، ولكنه ذكاءٌ رحماني ، فهو ليس من الغباء حيث يخدعه الخِب ، وليس من الخُبث حيث يخدع ، لا يَخْدَع ولا يُخْدَع ، ليس عدوانياً فلا يَخْدَع ، وليس ساذجاً فيُخْدَع ، هذا الموقف المثالي ، فما من عبارةٍ أدق وأوضح من هذه العبارة "لست بالخِب ولا الخِبُّ يخدعني " ، وينبغي على كل مؤمنْ أن يكون في هذا المستوى .

   وقد يقول قائل : أليست القدرات منتهية مبتوتًا فيها ؟ أليست قدرات الإنسان محدودة ؟ الجواب: لا هذه نظريةٌ قديمة باطلة ، فالإنسان فيه طاقات مخبوءة إذا أتيحت له الظروف الجيدة فجَّرتها ، فأنت إذا صدقت مع الله عزَّ وجل أعطاك قدراتٍ لا تحلم بها ، وهذا إيمان، فالله عزَّ وجل يعطيك من القدرات ما يعينك على تحقيق أهدافك ، فالإنسان إذا اختار أهدافًا عالية ، نبيلة ، آتاه الله من القدرات ما يعينه على تحقيق هذه الأهداف النبيلة ، إذاً هو : ليس بالخِب ولا الخِبُّ يخدعه .

   السيدة عائشـة رضي الله عنها وصفته مرةً فقالت : " كان والله أحوزياً ( أي سريع الإدراك حاد الخاطر ) نسيج وحده ، قد أعدَّ للأمور أقرانها " ، أحياناً يجد الإنسان نفسَه في ظرف ، وما هيّأ نفسه لهذا الظرف ، ما أعدَّ لهذا الظرف ما يكافئُه ، فالموفَّقون في الحياة ، المتفوقون ، العقلاء ، الأفذاذ هم الذين يعدّون للأشياء أقرانها ، للملمات ما يكافئُها ، للمستقبل ما يغطيه ، إذاً السيدة عائشة وصفته ، فقالت :  " كان والله أحوزياً ، نسيج وحده ، قد أعدَّ للأمور أقرانها "  .

   ويقول عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " كان عمر أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله"، يقول لك أحدهم : أنا ليس شغلي العلم ، فأنا تاجر ، وآخر : أنا عملي مدير ناحية ، أو محافظ لا أفهم في الدين ، لكن سيدنا عمر قمة المجتمع الإسلامي ؛ فهو حاكم ، وفي الوقت نفسه كان أعلمنا بكتاب الله ، وأفقهنا في دين الله ، فهذا شيء رائع جداً ، فهذا العلم فرض عين على كل إنسان ، هناك أشخاص يترنم بقوله : أنا صيدلي ، أنا طبيب، أنا رجل علم ولكني لست رجل دين ، تفتخر أم تلوذ هاربًا ، هذا وسام شرف أم وصمة عار ؟ والله هذه وصمة عار ، لأن طلب العلم فرض عينٍ على كل مسلم ؛ طبيب ، مهندس ، مدير ناحية ، محافظ ، تاجر ، هذا العلم فرض عين .

   فهل من الممكن لإنسان يقعد مكان قائد الطائرة ، والطائرة فيها أربعمائة راكب ، وفيها أجهزة معقدة جداً ، فهل من الممكن لإنسان جاهل أنْ يقعد مكان قائد الطائرة ، ويقلع بها ، ويهبط من دون علم ؟! مستحيل ، والله في الحياة هناك مطبَّات أصعب من قيادة الطائرة أصعب بكثير ، هل يمكن أنْ تنطلق في الحياة من دون معصية ؟ يجب أن تكون عالماً ، من دون مال حرام ؟ يجب أن تكون عالماً ، من دون عدوان على أعراض الناس ؟ يجب أن تكون عالماً ، من دون أن تقع في خطأ فاحش في التجارة ؟ يجب أن تكون عالماً ، فالعلم لكل مؤمن ، فنحن في الإسلام ليس عندنا طبقة رجال دين ، نحن عندنا مسلم ، "ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ، ولو اتخذه لعلَّمه" ، وكل واحد منكم يجب أن يكون ولياً لله .. فلان ولي .. أنت كذلك ولي ، وتعريف الولي سهل جداً :

( سورة يونس )

   واتضح الأمر جليًّا ، آمنْ ، واتق فأنت وليٌّ ، وليس فوق هذا التعريف تعريف ، فهذا تعريف قرآني ، تقول لي : أقطاب وأبدال وغوث ، كل إنسان عرف الله وطبَّق أمره فهو وليٌ له .

   النبي عليه الصلاة والسلام وهذه أكبر شهادة كما سيأتي قريبا ، وكما قالت السيدة عائشة قالت: " كان والله أحوزياً ، نسيج وحده ، قد أعدَّ للأمور أقرانها " ، سيدنا عبد الله بن مسعود قال : " كان عمرُ أعلمَنا بكتاب الله ، وأفقهَنا في دين الله " ، أما النبي عليه الصلاة والسلام قال : " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبِه " .

   هذه شهادة ، إذا شهد لك النبي فهذه أعظم شهادة ، أحياناً إنسان يفتخر بأستاذه فيقول : الدكتور الفلاني علَّمنا في الجامعة ، الطبيب الجراح الفلاني كان أستاذي في السربون ، واشتغلت معه ثماني عشرة سنة ، ويكررها مليون مرة ، عندما يكون الإنسان مؤمنًا ، ويكون تلميذًا للنبي عليه الصلاة والسلام فهذه أكبر شهادة هذه يحوزها .

   عندنا في السيرة شيء اسمه موافقات عمر ، فكان سيدنا عمر يتمنى شيئًا فينزل به قرآن ، فتمنياته أوّلاً ، واستشرافه لبعض الأشياء ، ثم يأتي الوحي ليؤكدها ، وهذه من خصائص هذا الصحابي الجليل ، لذلك قالوا : سيدنا عمر له موافقات ، فمرة قال للنبي عليه الصلاة والسلام : " يا رسول الله أليس هذا مقام إبراهيم أبينا ؟ قال : نعم ، قال : لو اتخذناه مصلىً ، فما هي إلا أيام حتى جاء الوحي بالآية الكريمة :

( سورة : البقرة  آية " 125 " )

   كذلك تمنى أن يأتي تشريع ينظم علاقة الأبناء بالآباء في الدخول على آبائهم وأمهاتهم ، فنزلت الآيات تبيِّن أدب الابن في الدخول على أبيه وأمه :

( سورة : النور : آية " 58 " )

   فكلما تمنى شيئاً يأتي الوحي مؤكداً له ، هذا من صدقه مع الله ومن شدة إخلاصه ، من أجل هذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :" إني لا أدري مقامي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكرٍ وعمر " .

   أي أصبح كلام سيدنا عمـر واجتهاده من السنة ، والحدـيث الأشهر من ذلك :" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي الهادين المهديين عضوا عليها بالنواجذ "

   إذاً إذا اجتهد سيدنا عمـر اجتهادًا ، فاجتهاده هذا يضاف إلى السنة ، وملحـق بها ، لعظم هذا الصحابي الجليل .

   كان إدراكه عميقًا جداً قال : " ما من أحدٍ عنده نعمة إلا وجدت له حاسداً ، ولو كان المرء أقوم  من القِدح لوجدت له غامزاً " ، أي من المستحيل ألاّ يكون لك خصم ، لو كان المرء أقوم  من القِدح أي السهم ، فالمستقيم استقامة تامة ، لو وضعته على عينك لا ترى اعوجاجا ، المستقيم استقامة تامة لو كان المرء أقوم من القدح لوجدت له غامزاً يطعن فيه ، ومن يَبخَس فيه ، فأنت وطِّن نفسك ، وارتحْ ، فلا بدَّ لك من خصومة ، لا بد لك من حُسَّاد ، حتى إن سيدنا موسى في المناجاة قال : يا ربي لا تبقي لي عدواً قال له : هذه ليست لي يا موسى ، أفليس أعداء ؟ فتطمع ألاّ يكون لك أي عدو ، هذا الطمع في غير محله ، لك عدو ولك خصم ولك حاسد ولك مبغض ولك من يطعن بعلمك ، ولك من يبخِّس عملك ولك من يستهزئ بكلامك هذا شيء طبيعي جداً من أجل أن يكثر أجرك، واعلمْ أن النبي له أعداء ، قال تعالى :

( سورة : الأنعام آية " 112 " )

   عدة آيات تؤكد هذا المعنى ، إذاً ما من أحدٍ عنده نعمة إلاّ وله أعداء ، إذا كان عندك مال فلك أعداء ، إذا كان عندك علم فلك أعداء ، إذا كان عندك قوة ملموسة فلك أعداء ، إن نصف الناس أعداءٌ لمن ولي الأحكام ، هذا إن عدل نصفهم أعداءه ، شيء طبيعي جداً هذه سنة الحياة ، فلما الإنسان يوطن نفسه على أن الحياةَ لا تخلو من مبغض ، ومنافق ، وحاسد ، وغيور ، وطعَّان ، ولعَّان ، فنظرته واقعية ، قال : " ما من أحدٍ عنده نعمة إلا وجدت له حاسداً ، ولو كان المرء أقوم من القِدح لوجدت له غامزاً " ، هذه كلمة سيدنا عمر .

   وله ميزان آخر قال : " أحبكم إلينا قبل أن نراكم أحسنكم سيرةً " والله فلان أدمي ، فلان صاحب دين ، فلان حقَّاني ، فلان شهم ، فلان رحيم ، فلان منصف ، هذا كلام الناس قال : فإذا تكلمتم فأبيَنُكُم منطقاً ، أي أحبكم إلينا إذا تكلمتم ، كلام واضح ، حجة قوية ، تعليل دقيق ، شاهد قوي ، قال : فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلاً" .

   مرة خطر في بالي شيء مشابه لهذا ، أن بعض الناس تجالسه فلا يتكلم بأيّة كلمة ، قد تقول : طويل ، لونه حنطي ، وتقول : أنيق ، تقول : ألوانه متناسبة ، تقول : هادئ ، وساكت ، فإذا تكلم نسيتَ شكله ، وإذا تكلم كلامًا سيئًا نسيتَ مظهرَه.

جمال الوجه مع قبح النفوس      كقنديلٍ على قبر المجوس

   تكلم أحدُهم كلامًا قبيحًا ، وهو أنيق جداً ، فقال له آخر : إمّا أن تلبس مثل كلامك ، أو إما أنْ تتكلم مثل لباسك ، الأناقة يلزمها الكلام الطيب ، إما أنْ تتكلم من مستوى لباسك ، أو تلبس مثل كلامك ، فاجأتنا ، فلا انسجام في الشخصية ، فقال :" أحبكم إلينا قبل أن نراكم أحسنكم سيرةً ، فإذا تكلمتم فأبينكم منطقاً ، فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلاً ".

   فهذا الإنسان لما رأيته ، رأيته أنيقًا ، بَهِيَّ الطلعة ، ثيابه جميلة ، هادئًا ، فهذا أول انطباع ، فلما تكلم نسيتَ شكله ، فكلامه إما أن يرفعه إلى أعلى عليين ، وإما أن يهوي به أسفل سافلين .

وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ      زيادته أو نقصه في التـــــكلُّمِ

   تكلم كلامًا طيبًا ، فما هذا العلم ؟ لديه منطق ، وحجة ، وبرهان ، وطلاقة لسان ، وطلاوة حروف ، شيء جميل ، ذهبت معه إلى نزهة ، لم يشتغل ، بل دفعك أنت ، ولم يشتغل شيئاً فتنسى كلامه ، فالكلام ينسيك الشكل ، والمعاملة تنسيك الكلام ، والعبرة أنْ يكون الإنسان في سلوكه وفق ما يريد الله عزَّ وجل .

   والقصة المشهورة جداً عن سيدنا عمر ، أنه طلب من شخص أن يأتي بمن يعرفه ، قال له : " يا هذا إني لا أعرفك ، ولكنه دقيق جداً ، قال : ولا يضرك أني لا أعرفك " ، مقامك عند الله محفوظ .

   ولما جاءه رسول من القادسية يخبره أنَّ خلقًا كثيرًا مات فيها قال له : من هم؟ قال له : إنك لا تعرفهم ، فبكى عمر ، وقال : وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم" ، فمن أنا ؟!.

   فلما قال للإنسان : " يا هذا إني لا أعرفك قال : ولا يضرك أني لا أعرفك" .

أنا عبد مثلك ، فلا أقدِّم ، ولا أؤخِّر ، قد تكون أفضل مني ، فإذا لم تعرف إنسانًا فهذا لا يقدح في مكانته ، وإذا دخلت إلى مكان ، ولم يعرفوك ، فلا تقل : لم يعرفوني ، ولم يوجهوني ، ليست هذه مشكلة ، مقامك عند الله محفوظ ، فالأتقياء الأخفياء أثنى عليهم النبي : الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا ، قال له : "يا هذا إني لا أعرفك ، ولا يضرك أني لا أعرفك" ، ائت بمن يعرفك ، فجاءه بشخص قال له : هل تعرفه ؟ قال له : نعم أعرفه ، قال له : هل سافرت معه؟ قال له : لا ، هل جاورته ؟ قال له : لا ، هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال له : لا ، قال له : أنت لا تعرفه".

   فالإنسان يُعرف بالسفر ، وسمِّي السفر سفراً لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، يُعرف بالتعامل المادي ، يُعرف بالمجاورة ، أما بالشكل ، وبالحديث ، وبالمظهر العام ، فهذا لا يكفي لمعرفة الرجل .

   مرة تحدث أصحابه أمامه عن رجل وأثنوا عليه ثناءً كبيراً ، وممّا أثنوا عليه أنه لا يعرف الشر أبداً ، فقال عمر :  ذلك أجدر أن يقع فيه .

   يقول لك : مثل المصحف المطوي ، إذا كان واحد يجهل الشر فهو أقرب الناس للوقوع فيه ، أنا أريد شخصًا يعرف الشر ، ولا يفعله ، فهو محصن ، فلما قالوا : إنه لا يعرف الشر أبداً ، قال عمر : ذلك أجدر أن يقع فيه ، أريد إنساناً يعرف الشرَّين ، ويفرق بينهما ، ويختار أهونهما ".

   ففي الحج مثلاً من أجل أن يقبِّل الحجر يرتكب عشرة آلاف معصية ، التقبيل سنة ، لكنه خالف الفرائض فوقع في إيذاء المسلمين ، وقع في الالتصاق بالنساء ، وقع في مخالفات كبيرة جداً من أجل سنة ، هذا الحاج جاهل ، فلذلك الإنسان أحياناً لكي يؤدِّي سنة يترك لأجلها فريضة ، من أجل أنْ يقوم بمستحب يترك واجبًا ، أحياناً يقول لك : أنا لا أسمح لطبيب أن يرى زوجتي ، خير إن شاء الله أتموت الزوجة ؟ هناك طبيب مختص ، فهذا جاهل ، فمسموح للطبيب أن يرى المرأة، وهذا أهون الشرَّين ، طبعاً كشف المرأة أمام الطبيب خطأ ، لكن أن تموت المرأة ، وهناك من يداويها فهذا خطأ أكبر ، فالإنسان لا بدّ أن يعرف الشرَّين ، ويختار أهونهما ، ويفرِّق بينهما ، هذا رأي سيدنا عمر ، وهو الصحيح أساساً .

   له رأي دقيق جداً ، مرة سل : أيهما أفضل ؛ رجل لا يأثم ، لأن نفسه لا تشتهي الإثم ، أم رجل تشتهي نفسه الإثم ، ولا يأثم ؟ فسيدنا عمر رأيه أنّ الذين يشتهون المعصية ، ولا يعملون بها هم الأفضل :

( سورة : الحجرات آبة " 3 " )

   معنى ذلك أن الإنسان إذا كان في ريعان الشباب ، وعملُه في الأسواق ، وغَضَّ بصره فهذا له أجر كبير ، من السهل أن تعتزل الناس ، وأن تقعد في بيت في رأس الجبل ، ليس لك أيَّة مخالفة ، لكن أن يكون لك عمل في سوق تجاري : صِدْق ، أمانة ، استقامة ، غضُّ بصر ، الصلاة في وقتها ، فهذه بطولة ، من البطولة أن تقيم أمر الله وأنت تشتهي المعصية ، هذه المجاهدة ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، جهاد النفس والهوى".

   أحياناً كان يستفَتى في قضيـة يعطي فيها رأيـه ، وحين استفتي في قضية مشابهة أعطي رأيًا آخر، فلما قيل له : إن لك في هذا اجتهادين متناقضين ، فقال سيدنا عمر : ذاك على ما قضينا ، وهذا على ما نقضي  ، أي أن المشكلة واحدة ، ولكن لها ظروف مختلفة .

   قد يقول لك قال : هل على الحلي زكاة ، تقول له : لا يوجد عليها زكاة ، فمثلاً امرأة فقيرة ، عندها سواران ، ليس عندها غيرهما ، فهل يكلِّفها الشرع أن تبيع واحدة لكي تدفع الزكاة ؟ هذه لا زكاة عليها ، لكن امرأة غنية معها مئات الألوف نقداً ، ومعها حلي فنقول لها : الأحاديث تؤكِّد أنّ على الحلي زكاةً ، يا أخي أنت حكمت حكمين متناقضين ، سئلت مرة أعلى الحلي زكاة ؟ فقلت : لا زكاة عليها ، ثم قلت : عليها زكاة ، لأنّ الطرفين مختلفان ، المرأة الفقيرة التي لا تملك إلا سوارَيْنِ ، والشرع لم يكلفها أنْ تبيع الحلي من أجل أن تدفع زكاتها ، لكن المرأة الموسرة فعليها أن تدفع زكاة حليها لصالح الفقراء .

       له اجتهاد دقيق جداً في سهم المؤلفة قلوبهم الذي يُؤدَّى من الزكاة ، فقد أبطله في حياته ، الإسلام كان ضعيفًا ، وكان بحاجة إلى تأييد الأقوياء ، فكان هؤلاء الذين سماهم القرآنُ المؤلفةَ قلوبهم نعطيهم ، والإسلام ضعيف ، أما وقد نصر الله الإسلام ، وقويتْ شكيمته ، وأصبح قوياً ، فالآن هذا السهم ليس له وجود ، هذا اجتهاد سيدنا عمر ، قال : " لقد كان رسول الله يعطيهم ، والإسلام يومئذٍ ضعيف ، أما اليوم فقد أعز الله دينه ، وأعلى كلمته ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، ولا يتسع هذا الدين إلا من يدخله راغباً مؤمناً " ، فمع ورعه الشديد ، مع تقيده الشديد بالنص كان جريئاً في اجتهاده .

   يروي البخاري ومسلم رضي الله عنها أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال :" بينما أنا نائمٌ إذ رأيت قدحاً ، أوتيت به فيه لبن ، فشربت منه حتى إني لأرى الريَّ يجري في أظفاري ( أي أن كل جسمه ارتوى بهذا اللبن ) ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب " .

   زاد من الكأس شيء فأعطاه سيدَنا عمر ، فقال أصحاب النبي عليهم رضوان الله : فماذا أَوَلْتَه يا رسول الله ؟ قال : العلم ، هذا اللبن أَوَّلَه النبي بالعلم ، لأنه غذاء الإنسان ، فضلت فضلة من القَدح فأعطاها سيدَنا عمر ، هذا تأويل النبي للرؤيا التى رآها ، أي أن عمر عالم .

   نحن نعرفه شديدًا جداً ، ولكن بقدر ما هو شديد فهو رحيم ، قال : جيء بمسلم ارتكب ما يوجب إقامة الحد عليه ، ويشهد ثلاثةٌ شهادةً تدينه ، ولم يبق إلا شهادة الرابع ، ثم يصير الحد عقاباً محتوماً ، يرسل عمر ، ويستدعي الشاهد الرابع ، ولا يكاد يراه مقبلاً حتى تأخذه رهبة ، وحينما تقترب خطاه ينظر أمير المؤمنين ويقول : أرى رجلاً أرجو ألا يفضح الله به واحداً من المسلمين ، يقدم الشاهد فيقول لعمر : لم أرَ شيئاً يوجب الحد ، يتنفس عمر الصعداء ، ويقول : الحمد لله رب العالمين .

   كان يتمنى أن هذا الشاهد الرابع لم ير شيئاً حتى لا يفضح مسلمًا ، تذكروا قول الله عزَّ وجل :

( سورة : النور آية " 19 " )

فالذي يتمنى أن تشيع الفاحشة في المؤمنين هذا وضع نفسه مع المنافقين ، هل توجد  أمٌّ على وجه الأرض تتمنى أن تفضح ابنتها ؟ مستحيل ، إلا إنْ لم تكن أمها ، أليس كذلك ؟ فإذا رأيت امرأةً تتمنى أن تفضح هذه الفتاة فتأكَّدْ أنها ليست أمها ، لو كانت أمها لَمَا تمنَّت هذه الأمنية ، هل المؤمن يتمنى أن يفضح مؤمنًا ؟ ! بالتأكيد فهو ليس مؤمناً ، بل منافق ..

   فحينما يتمنى الإنسان أن يفضح المؤمن فقد وضع نفسه مع المنافقين قطعاً ، فلما جاء هذا الشاهد، مسلم ارتكب ما يوجب الحد ، أول شاهد شهد، والثاني شهد ، ، والثالث شهد ، وبقي الرابع، لأن هذا الشيء هو هدر لكرامة الإنسان ، فلما جاء الرابع ، قال : أرى رجلاً أرجو ألا يفضح الله به واحداً من المسلمين ، تقدم الشاهد وإذْ به يقول لعمر : لم أر شيئاً يوجب الحد ، فقال عمر : الحمد لله رب العالمين  ، هدفه أن ينجو الناس بسمعتهم ، وبأجسادهم من العقاب .

   مرة جاءه رجل يحمل بشرى ، أو ظنها بشرى ، قال له : رأيت فلاناً وفلانةً يتعانقان وراء النخيل ، فيمسك عمر بتلابيبه ، ويعلوه بمخفقته ، ويقول له بعد أن وسعه ضرباً : هلا سترت عليه، ورجوت له التوبة ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ستر على أخيه ستره الله في الدنيا والآخرة .

   هو ورع جداً ، لذلك فالإنسان لو وقع في معصية لم يكن مكلفًا أن يتكلم عنها ، ويفضح نفسه ، حتى أنت كمؤمن لو رأيت أخاك يفعل معصية فلك أن تنصحه فيما بينك وبينه ، لكن لستَ مكلفًا أن تخبر عنه ، أما الإمام إذا رفعت إليه قضيةٌ توجب الحد فلا عفا اللهُ عنه إن عفا ، الإمام شيء، وأنت كمؤمن شيء ، قال له : هلا سترت عليه ..

   كان سيدنا عمر يقول : " هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زلَّ زلةً فسددوه ، كونوا عوناً له على الشيطان ، ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه "

   أنت وظيفتك أنْ تستر ، وظيفتك أن تخفف عن المؤمنين ، وظيفتك ألا تتبع عوراتهم .

   له قول شهير قال :"لأن أُعَطِّل الحدود في الشبهات خيرٌ من أن أقيمها في الشبهات ".

   هناك أشخاص أصلحهم الله يظنون خطأً أن سيدنا عمر عطّل حدَّ قطع يد السارق ، لا إنه لم يعطلها إطلاقاً ، لكن أصبحت إقامة الحد في زمن المجاعة تكتنفها شبهة ، لأنّ في الناس جوعًا ، فإذا كان حول السارق شبهة في سرقته ، كأنْ سرق من مالٍ يظن أن له فيه حقاً فلا يجوز قطع يده، أو سرق من مال فيه شبهة فلا يجوز قطع يده فيه ، سيدنا عمر لم يعطل قطع يد السارق لكن يقول : لأن أعطل الحدود في الشبهات خيرٌ من أن أقيمها في الشبهات .

   فهي مقولة في القضاء مشهورة ، الخطأ في العفو خير من الخطأ في الظلم ، حكمنا على شخص ظلماً عشر سنوات ، وهو بريء ، فلو عفونا عنه خطأً لكانَ أهونَ مِن أن نحكم عليه خطأً.

   إنّ رجلاً له ابنة أصابت حداً من حدود الله ، فحينما وقعت في هذه المعصية التي توجب الحد ، أخذت شفرةً لتذبح نفسها ، قال : فأدركناها ، وقد قطعت بعض أوداجها فداويناها حتى برئت ، ثم إنها تابـت بعدها توبةً حسنة ، وهي اليوم تخطب إلى قوم ، فسأل أخوها سيدَنا عمر : أفأخبرهم بالذي كان ؟ .

   إنها وقعت في خطأ يوجب الحد ، وحاولت الانتحار ، ونحن أسعفناها ، وتابت توبة نصوحًا ، والآن خطبـت لرجـل: أنخبرهم بالذي كان منها ؟ فيجيبه عمر : " أتعمد إلى ما ستره الله فتبديه، والله لئن أخبرت بها أحداً من الناس لأجعلنكم نكالاً لأهل الأمصار ، اذهب وزوجها زواج العفيفة المسلمة ".

   هذا درس لنا يا إخوان ، قصة تعرفها عن واحدة من عشر سنوات والآن محجبة ومستورة ، ما هذا الكلام الفارغ أن تتكلم عن الماضي ، تابت إلى الله وانتهى الأمر ، لذلك قال : قذف محصنة يهدم عمل مائة سنة .

   قال له : والله لئن أخبرت بها أحداً من الناس لأجعلنكم نكالاً لأهل الأمصار ، اذهب وزوجها زواج العفيفة المسلمة .

   مرة خرج في إحدى الليالي يتفقد أحوال أهل المدينة فسمع سيدةً تشكو بثها وحزنها ، وتقول شعراً :

تطاول هذا الليل وازور جانبه     وليس إلى جنبي حليلٌ ألاعبه

فوالله لولا الله لا ربَّ  غيـره     لزلزل من هذا السرير جوانبه

مخافة ربي والحياء يصدنـي      وأكرم بعلي ، أن تنال ركائبه

ثم قالت : أهكذا يهون على عمر وحشتنا وغيبة رجلنا عنا ؟ سيدنا عمر بحث ودقق وحقق ، فإذا هذه المرأةٌ زوجها في الجهاد ، وعند الصباح يذهب عمر إلى ابنته حفصة ويسألها : " يا بنيتي كم تصبر المرأة عن زوجها ؟ فتجيبه : تصبر شهراً وشهرين وثلاثة وينفد مع الشهر الرابع صبرها، فيسن من فوره قانوناً بأن لا يغيب في الجهاد جنديٌ متزوج أكثر من أربعة أشهر ، ويرسل إلى زوج السيدة يستدعيه من فوره .

   أنا أعجب أحياناً من بعض إخواننا أين ذاهب : والله إلى دول الخليج ،  سنتين ، وهو متزوج ، وزوجتك ؟!! يقول : أتركها في الشام ، مدة سنتين وزوجتك وحيدة ، وأنت غاب عنها ، هل هذا الكلام معقول ؟ هناك حاجة أساسية ، والإنسان يجب أن يكون دقيقًا ، هذه فطرة ، لأن يبقى مع زوجته بدخل معقول أفضل من أن يغتني ، ويكون هناك خلل في البيت ، وهو غائب ، هذه حقيقة أساسية ، فاستفيدوا منها ، أقصى سفر أربعة أشهر ، أما تركها سنتين ، هي إن شاء الله عفيفة ، لكنها احترقت حرقًا في غيابك ، وأنت احترقت في غيابها ، ما هذا العمل ؟ المفروض أن يجتمع شمل الأسر .

   إذا لم يكن دخلك في بعض دول الخليج يساوي ستة آلاف أو ستمائة دينار يُمنَع أن تجلب زوجتك ، أصبح له أول سنة والثانية والثالثة ، دخله أقل من ستمائة دينار ، هكذا النظام ، هذا النظام لا ينبـع من الإسلام ، الإسلام يجب أن تجتمع الأسر ، أن يجتمع الأزواج مع الزوجات ، فبعض الدول إذا لم يكن لك دخل معين يجب أن تعيش بلا زوجة ، أفتعيش منفرداً في هذا البلد بلا زوجة ، وزوجتك وحدها في بلدها ، فالله الغني ، والرزاق واحد ، أينما كنت فهو الرزاق ، هذا كلام دقيق ، وله علاقة بحياة الإنسان ، فإنه لم يَغِبْ أحدٌ عن زوجته سنوات إلا وسُمع أحاديث ، وبُثَّت الإشاعات ، طبعاً العفيفة الطاهرة تبقى على عفتها ، لكن هناك خطأ ارتكبه زوجها .

   مرة سمع عمرُ شيخًا كبيرًا يبكي في شعر جزل ، يبكي ولدَه الوحيد الذي طال غيابه عنه ، سأل عنه عمر ، فتبين أنه في الجهاد ، فاستدعاه على الفور ، ثم سَنَّ قانوناً : ألاّ يخرج إلى الجهاد مَن له أبوان كبيران ، إلا بعد إذنهما ، ألم يقل له النبي : ففيهما فجاهد ، فبر الوالدين مثل الجهاد تماماً.

   ومع أن الاعتراف سيد الأدلة ، لكن سيدنا عمر قال مرة : ليس الرجل بمأمونٍ على نفسه إن أجعته ، أو أخفته ، أو حبسته أن يقِر على نفسه زوراً.

   لذلك في المحاكمات الآن إذا قال الإنسان : أنا اعترفت تحت الضغط ، يعد اعترافه باطلاً ، "ليس الرجل بمأمونٍ على نفسه إن أجعته ، أو أخفته ، أو حبسته أن يقر على نفسه زوراً ".

وهذا الإقرار لا قيمة له إطلاقاً .

   له اجتهاد خطير جداً ، فسيدنا عمـر لا يرى أن يقـام حد قطع اليد في أثناء المعركة ، طبعاً اقتباساً من رسول الله ، لو أردت أن تعاقب هذا الجندي في ساحة المعركة ، فأهون له أن ينضم إلى الأعداء ويرتد ، وينقل أسرار المسلمين إلى الأعداء ، لذلك لا يجوز أن يقام الحد ، ولا سيما قطع يد السارق في أثناء الحرب ، فإذا تخطى هذه الأمتار ، وانتقل إلى صف العدو لم يعد معرّضًا لقطع يده ، لكن مقابل هذا الالتجاء يفضي بالأسرار ، فلذلك يفقد قطع اليد حكمته في الحرب ، وهذا اجتهاد سليم وصحيح .

   قد نأخذ المذنـب بذنبه ، لكن أحياناً هناك خلفيات للذنب ، ودوافع كبيرة ، مرة جيء بغلمان صغار سرقوا ناقة رجل من مزينة ، فلا يكاد يراهم صُفر الوجوه ، ضامري الأجسام حتى يسأل : من سيد هؤلاء ، فقالوا : فلان ، قال : إلي به ، فلما جاء سيدهم قال : أنت سيد هؤلاء ؟ قال : نعم ، قال : كدت أنزل بهما العقاب لولا ما أعلمه من أنكم تدئبونهم وتجيعونهم ، لقد جاعوا فسرقوا ، ولن ينزل العقاب إلا بك ، ثم سأل صاحب الناقة : يا مزني كم تساوي ناقتك ؟ قال : أربعمائة دينار ، قال عمر : اذهب فأعطه ثمانمائة .

   أحياناً قد يرتكب الإنسان خطأ ، لكن تحـت ضغط كبيـر ، فلا ينبغـي للقاضي أن يتغافل عن الضغط الشديد ، فقد يكون الأب مضطرًّا لإجراء عملية لابنه الذي على وشك الموت ، ولم يعطه أحد ، يقع في خطأ ، والخطأ خطأ ، لكن يجب أن يكون هناك أسباب مخففة ، دوافع فطرية إنسانية.

   له كلمة شهيرة قال : " لن يغير الذي وليت من خلافتي شيئاً من خلقي إنما العظمة لله وحده وليس للعباد منها شيء " ، العظمة لله وحده ، وليس للعباد منها شيء ، كلها لله ، ولو كنت خليفة عليكم ، إني عبدٌ من عبيد الله ، ولن تغيِّر الخلافة أخلاقي أبداً ، لأن العظمة لله وحده وللعباد ليس لهم منها شيء ، ما هذا الكلام ؟ كأننا أمام أساطير.

   قال مرةً: " من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ، من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، من أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل ، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني ، فإن الله جعلني له خازناً وقاسماً " ، أي تعالوا إليَّ .

مرةً قال لبعض ولاته : " بلغني أنه فشت لك فاشية في هيأتك ولباسك ومطعمك ومركبك ليست للمسلمين ، فإياك يا عبد الله أن تكون كالبهيمة مرَّت بوادٍ خصيب فجعلت همها في السمن وفي السمن حتفها " .

   الإنسان أحياناً يكون حتفه في مكاسبه ، من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ، خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً ، فالإنسان يجب أن يعتدل في مطالبه ، وإلا كان عندئذٍ ضحيةَ مطالبه .

ومرة قال : " لي عند كل خائنٍ أمينان ؛ الماء والطين " .

   إذا كان للإنسان كسب غير مشروع ، فهذا الكسب لا بدَّ أن يظهر ببناء يبنيه " لي عند كل خائنٍ أمينان ؛ الماء والطين " .

   مرة رأى امرأةً تبكي ميتاً بالأجرة يسمونها نائحة فقال : " إنها لا تبكي بشجونكم ، إنما تبكي بدراهمكم " .

   مرة سأل أحد أولاد هرم بن سنان ، وهو رجل مدحه زهير بن أبي سلمى في الجاهلية مدحًا كبيرًا ، فقال عمر : " إن كان ليحسن فيكم القول ، فقال ابن هرم : ونحن والله إن كنا لنحسن له العطاء ، فقال عمر : لقد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم " .

   الذي أخذه منكم صرفه وانتهى ، لكن بقيت لكم هذه السمعة الطيبة في شعره فأنتم أربح منه .. وفي درسٍ آخر نتابع هذا الموضوع ، والحمد لله رب العالمين . 

Copyright © 2007 Nabulsi