English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

سيرة الصحابة: الخلفاء الراشدين : سيدنا عثمان بن عفان: الدرس 2/ 3  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

الموضوع         :  سيدنا عثمان بن عفان : أوبته إلى الله ورحمته .

تفريغ             : المهندس عبد العزيز كنج عثمان       

التدقيق اللغوي    :  الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

   أيها الإخوة الكرام ... مع الدرس الستين من دروس صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عنهم أجمعين ، ومع الدرس الثاني من سيرة سيدنا عثمان بن عفَّان رضي الله عنه .

   في الدرس الماضي بيَّنتُ لكم جانباً من فضائل هذا الصحابي الجليل ، وهي فضائل سخائه وإنفاقه ، وذكَّرتكم كيف أن السخاء حسن ، لكن في الأغنياء أحسن ، وأن الصبر حسن ، لكن في الفقراء أحسن ، وأن التوبة حسنة ، لكن في الشباب أحسن ، وأن الورع حسن ، لكن في العلماء أحسن ، وأن العدل حسن ، لكن في الأمراء أحسن ، وأن الحياء حسن ، لكن في النساء أحسن .

فالمرأة ألزم ما يلزمها الحياء ، والأمير ألزم ما يلزمه العدل ، والعالم ألزم ما يلزمه الورع ، والشاب ألزم ما يلزمه التوبة ، والفقير ألزم ما يلزمه الصبر ، والغني ألزم ما يلزمه السخاء .

   فهذا الصحابي الجليل كان من أغنياء الصحابة .. ولا تنسوا أيها الإخوة أن الإنسان كما يمتحن بالفقر ، يمتحن بالغنى ؛ قد ينجح الغني في غناه ، وقد يرسب الفقير في فقره ، والله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الملك )

   لكن في هذا الدرس ننتقل إلى جانبٍ آخر من جوانب هذا الصحابي الجليل ، وهو جانب أوبته إلى الله ، ورحمته بالخلق .

   وكما تعلمون فالنبي صلى الله عليه وسلَّم زوَّجه ابنته رُقية ، ولما توفاها الله إليه زوجه ابنته الثانية أم كلثوم ، هذه كوكب الإسلام كما يقولون ، ولما انتقلت هذه الزوجة الثانية ، إلى الرفيق الأعلى أسف النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن له كريمةٌ أخرى يزوِّجها لهذا الصحابي الجليل، فقال عليه الصلاة والسلام قولته المأثورة :" لو أن لنا ثالثةً لزوَّجناك إيَّاها يا عثمان " .

   أقف هنا قليلاً ، الزوج المثالي إنسان عظيم ، وإنسان يستحق من الله الإكرام ، هذه المرأة الضعيفة التي جعلها الله تحت يدي الرجل ، بإمكانه أن يقسو عليها ، وبإمكانه أن يظلمها ، وبإمكانه أن يستعلي عليها ، وبإمكانه أن يفعل كل شيء ، لكن الله سبحانه وتعالى له بالمرصاد ، فلولا أن هذا الصحابي الجليل كان زوجاً من أكمل الأزواج ، ومن أرحم الأزواج ، ومن أفضل الأزواج ، لما سارع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تزويجه بالبنت الثانية ، ولما توفَّى الله البنت الثانية ، قال عليه الصلاة والسلام قولته الشهيرة :" لو أن لنا ثالثةً لزوجناك إيَّاها يا عثمان " .

   وقد روي هذا الحديث بصيغةٍ أخرى : " لو أن لي أربعين بنتاً لزوجتهن عثمان واحدةً بعد واحدة " .

   ما ذا يفهـم من هذا النص أو من هذا القول الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلَّم ، يفهم أنه زوجٌ مثالي .

   وكنت أقول لكم دائماً أيها الإخوة : إن الأبوة المثالية ، أعتقد أنها كافيه لإدخال صاحبها الجنة، وأن البنوَّة المثالية كما قال عليه الصلاة والسلام :" القَ الله في برِّهما " كافيةٌ لدخول الابن الجنة.

   وهنا يضاف أن الزوج المثالي برحمته ، وإكرامه ، وحلمه ، وسعة أفقه ، وحكمته ، وحرصه على زوجته ، وحرصه على دينها ، وعلى استقامتها ، وعلى إقبالها ، وحرصه على راحتها ، فالزوج المثالي ربما كان هذا العمل كافياً له لدخول الجنة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أشاد بهذا الصحابي الجليل .

   أيها الإخوة ، الرجل ليست بطولته أن يكون في البيت جباراً ، ولا بطَّاشاً ، ولا شرساً ، ولا صيَّاحاً ، ولا صخَّاباً ، ولا مزمجراً ، ولا مرعداً ، ليست هذه هي البطولة ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :" خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي " *       

( سنن ابن ماجة ، عن ابن عباس )

   كان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً ، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه لئلا يوقظ أهله .

   هل تصدقون أن حفيف الثوب يوقظ امرأةً نائمة ، إنما كان يلفُّ ثوبه لشدة لطفه ، لشدة إحساسه ، لشدة رحمته ، لشدة رغبته أن يستميل قلب زوجته ،  لشدة حرصه على أن تُصْغي إلى كلامه فيتراحمان .

   أيها الإخوة ... لا يقدر الأب ولا الزوج أن يقول لأولاده أو لأهله كلاماً ويُسْمَع إلا إذا كان محسناً ، لا يستطيع الأب أن يقول كلمةً لأهله ولا لأولاده ، وتلقى هذه الكلمة أذناً صاغيةً واستجابةً طيبةً ، إلا إذا كان محسناً ، إلا إذا كان رحيماً ، إلا إذا كان سخياً ، إلا إذا كان إنساناً  كاملاً.

  أريد .. وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لتوضيح هذه الفكرة ، أمهِّد لها بمثل ، في فحص قيادة السيارات ، يفحص الإنسان في حالةٍ غريبةٍ ، يفحص وهو يتراجع القهقرى ، ويفحص في طريقٍ ملتوٍ ، وعلى جوانب الطريق قطعٌ لو أنه انحرف قليلاً لرماها أرضاً ، والمعروف أنّ السائقَ يسير تسعة أعشار سيره نحو الأمام في القيادة ، لا يفحص السائق في القيادة إلا إلى الوراء ، وإلا في طريقٍ ملتوٍ ، وإلا وحول الطريق قطعٌ لو أنه انحرف قليلاً لرماها جانباً ، لماذا؟ يفحص السائق في أصعب الحالات في القيادة ، فإذا نجح بها فهو بالتأكيد يتقن الحالات السهلة .

   الآن اسمعوا مني هذا الكلام والكلام دقيق جداً ، أكثر الناس بل معظم الناس يستطيعون أن يتصرفوا في علاقاتهم الخارجية تصرفاً مقبولاً سليماً ذكياً ، لماذا ؟ لأنهم حريصون على سمعتهم، وعلى مكانتهم وعلى صلاحهم في المجتمع .

   لكن الإنسان عادةً إذا دخل بيته ليس هناك رقابة ، ربما يصيح ، ربما يزمجر ، ربما يكسِّر ، ربما يضرب ، ربما يرتدي ثياباً مبتذلةً مثلاً ، يقول لك : أنا قاعد في بيتي ، وأنا غير مقيَّد ، نعم في بيتك ليس عليك رقابة ، ولا مَن يحاسبك ، ولا مَن ينتقدك ، ولا مَن يسألك ، تتبذل في ثيابك ، تجلس جلسة غير أديبة ، تتكلم كلامًا قاسيًا ، تضرب ابنك إذا أغاظك ، تكسر الشيء إذا اضطربتَ نفسياً ، لكن لو دخل عليك ضيف بادرتَه : أهلاً ، وسهلاً ، ومرحباً ، تفضل ، كيف الصحة إن شاء الله بخير ، اختلف الوضع ، النغمة تحسَّنتْ ، والكلام هادئٌ رتيبٌ ، وارتديتَ ملابسَ لائقة من فورك ، فالإنسان في بيته لا رقابة عليه ، فإذا كان في بيته كاملاً ، منضبطاً ، أديباً ، مستحياً من الله عزَّ وجل ، إذا كان مع زوجته الضعيفة رحيماً ، إذا كان معها منصفاً ، فأنا ما قرأت في حياتي أجمل من تفسير قوله تعالى :

( سورة النساء )

   ما المعاشرة بالمعروف ؟ هل تظن أنك أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها ؟ لا والله ، بل المعنى أن تحتمل الأذى منها ، فهي شريكة الحياة ، وعليك أن تحتمل الأذى منها ، وقد يقع .

وهنا التعليق ، يقول عليه الصلاة والسلام :خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي "*

   يعني خيرية الإنسان لا تبدو إلا في بيته ، أما خيريته خارج بيته فلعلها حِرصٌ على سمعته ، ولعلها حرصٌ على مكانته ، ولعلها سلوكٌ مدنيٌ ذكي ، لكن الإنسان حينما يتحرر من القيود والمراقبة والنقد والمسؤولية ، فهنا تظهر حقيقته .

  مثلاً عندما تجد مدينة أوروبية منضبطة وفق القوانين ، هل هذا مقياس ؟ أقول لك : هذا ليس مقياساً ، لذلك انقطعت الكهرباء في إحدى مدن أمريكا ، ارتُكِبَتْ مائتا ألف سرقة في ليلةٍ واحدة ، معنى ذلك أنّ الرقابة صارمةٌ ، وكلُّ الصالات مراقَبَة بكاميرات ، فالسلعة التي تشتريها إنْ لم تدفع ثمنها تُصدِرُ صوتاً عندما تخرج ، لها صوت مزعج ، لصاقة السعر فيها مادة تشعر في أثناء الخروج أن هذه السلعة لم يدفع ثمنها ، فإذا صوت صفيرٍ عالٍ يصدر من القوس وأنت خارج ، أما إذا دفعت ثمنها ، هناك جهازٌ يمحو أثر هذه المادة ، فإذا دخل شخصٌ مركز بيع ، وهناك نظام دفعِ الثمن عند الصندوق ، فإنْ دَفَعَ الثمن هل نقول عنه : أنتَ طيب الأخلاق ؟ لا ، لا تفسر هذه أبداً بطيب الأخلاق ، تفسَّر بالخوف من الفضيحة .

   وكذلك الإنسان ، حينما يكون تحت المراقبة ، أو يحرص على مكانته أو سمعته ، فهو يسلك السلوك الصحيح ، لكن متى يعدُّ السلوكُ في الإنسان كمالاً ؟ حينما يكون كاملاً من دون رقابة .

   ولقد ذكرت لكم في هذا المسجد بالذات حديثاً مطولاً عن الأمانة بتعريفها الدقيق ، وأشرت إلى هذا الموضوع في جامع النابلسي بعد سنة تقريباً ، وقبل يومين أو ثلاثة وأنا أستعرض الأوراق التي في حوزتي فإذا بورقة كتب عليها صاحبها جزاك الله عنا خيراً ، لقد استمعت إلى درس الأمانة في جامع العثمان ، ورددت مبلغ عشرين مليون ليرة لورثةٍ لا يعرفون أين هذا المبلغ ، وليس في حوزتهم أية وثيقةٍ ضدي ، ولا يعلمون أين هو مستثمر ، رددته خوفاً من الله عزَّ وجل.

   فالإنسان إذا استجاب إلى الرقابة فهذا سلوك مدني ، أي هو اختار لنفسه  الأحسن ، أما حينما لا يكون مداناً ، عندئذٍ يكون أميناً ، وعندئذٍ يكون أخلاقياً .

   الذي أريد أن أقرره لكم هو أن الإنسان لا يعدُّ خَيِّراً إلا إذا كان في بيته محسناً .

   الزوج أحياناً يكون في قلبه رحمة فيرى أن زوجتَه شريكة حياته ، وأن هذه المرأة عاشت معه على السرَّاء والضراء ، وأن هذه المرأة ضعيفة ، وأن هذه المرأة بإمكانه أن يصل بها إلى الله عزَّ وجل ، وبإمكانه أن يدلّها على الله بإحسانه ، بأخلاقه ، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل بيته لفَّ ثوبه ، وهل يعقل أن يوقظ حفيفُ الثوب امرأةً نائمةً ؟ ومع ذلك حرصه على راحتها ، وحرصه على مودتها ، وحرصه على أن يأخذ بيدها إلى الله ، وحرصه على أن تكون شريكته في الجنة ، يعمل هذا العمل ، أنا أتعجب ! وأمام كل واحد منا آلاف مؤلَّفة من الأعمال الصالحة ، آلاف مؤلفة ، مع زوجته هناك أعمال صالحة لا تنتهي ، مع أولاده ، مع والدته ، مع والده ، مع جيرانه ، مع أقربائه ، مع أخواته البنات ، مع بنات أخواته البنات ، مع إخوته الذكور، مع أولاد إخوته ، مع من يتعامل معهم ، مع مَن هم فوقه ، مع من هم دونه ، أنت متاح لك آلاف الأعمال الصالحة ، وما عليك إلا أن تتحرك ، ولن تتألق إلا بالعمل الصالح .

   فالذي يلفت النظر ، أن هذا الصحابي الجليل الذي تزوج بنت النبي عليه الصلاة والسلام رُقية، ولما توفَّاها الله تزوج ابنته الثانية أم كلثوم ، ولما انتقلت الثانية إلى الرفيق الأعلى ، أسف النبي أشد الأسف وقال : " يا عثمان لو أن لنا ثالثةً لزوجناك إيَّاها " .

   وقد روي الحديث هذا بروايةٍ أخرى : " لو أن لي أربعين بنتاً لزوجتهن عثمان واحدةً بعد واحدة " .

   يعني زوج كامل ، فأنا أرجو الله سبحانه وتعالى تطبيقاً لهذا النص ، تطبيقاً لهذه السيرة العطرة لهذا الصحابي الجليل ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تحرصوا على زوجاتكم ؛ على المودة ، على المحبة ، على الصبر ، على الحلم ، على الإنصاف ، أحياناً النبي عليه الصلاة والسلام يكون في مهنة أهله ، والمهنة كما تعلمون ليست الحرفة ، ولكنها خدمة الزوجة ، فلما يساهم الزوج بشكل، أو بآخر مع زوجته في بعض أعمال المنزل تطييباً لخاطرها ، فليس الموضوع أن تقوم بإنجاز العمل ، بل الموضوع أن تطيِّب خاطرها .

   فأحياناً وهذا شيء لا يخفى عليكم ، قد يكون الإنسان رب عمل ، تاجرًا كبيرًا ، عنده محل ، وعنده صانع صغير ، المحل يحتاج إلى تنظيف ، فإذا أمسك صاحب المحل أداةً لينظِّف ، فهذا الصانع الصغير يخرج من جلده ، رغبةً في أن يأخذ عن سيده العمل ، لكن هذا عمل ولو كان دقيقة واحدة ، فيه تطييب قلب ، وكأنّ لسان حاله يقول : نحن أسرة .

   فإذا أعان الزوجُ من حين للآخر زوجتَه فهذا من السُّنة ، فلا تلتفت إلى قول الجهلة ( ركبت ، وطوطحت ) هكذا يقولون .

   فهناك أشخاص يفرِّغون العمل الصالح ، يفرغونه من مضمونه ، ويجعلونه خنوعًا ، يجعلونه ضعفًا في الزوج ، لا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام مأثورٌ عنه أنه كان في مهنة أهله ، كان يكنس داره ، ويحلب شاته ، ويخصف نعله ، وكان في مهنة أهله ، ويعجن عجينه ، قضية مشاركة ، قضية تودد ، قضية أن تكون زوجاً مثالياً .

   والله ، يا إخوان ، أقول لكم كلاماً أشعر معه أن الإنسان أمام آلاف الأعمال الصالحة ، وكل هذه الأعمال الصالحة تجعله يتألق أشد التألق ، تجعله يتَّصل بالله أشد الاتصال ، تجعله يقبل عليك، فالزوجةُ امرأةٌ جعلها الله في بيتك هدية .

" مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا *                     

( صحيح مسلم : عن أبي هريرة )

" استوصوا بالضعيفين ؛ المرأة واليتيم " .

   فالزوج الكامل إنسان عظيم ، هناك أزواج يضربون ، هناك أزوج ينهرون ، هناك أزواج فيهم قسوة ، هناك أزواج يسيطرون على الزوجة ، ولقد سمعت عن زوج ما زال بزوجته حتى كتبت له حصتها من بيت ورثتْه من أبيها ، فلما كتبت له هذه الحصة طلقها ، فهذا وحش ، لا رحمة في قلبه .

   وربنا عزَّ وجل كبير ، بالمرصاد ، فأخطر شيء أن تظن أن الله لن يحاسبك على أن ظلمت زوجتك التي هي في بيتك ، ولا سبيل لها إلا أن تشكوك إلى الله .

   وقفت عند هذه النقطة ، لأني أشعر أن كل مؤمن بإمكانه أن يكون زوجاً مثالياً ، وأن يكون هذا العمل خالصاً لله عزَّ وجل ، وأن يرقى به عند الله .

   فالنبي صلى اللهُ عليه وسلم عين الأمة والرحمة ، وقد وصفه الله عزَّ وجل فقال :

( سورة التوبة )

   أتسمح لي أن أقول لك كلمة أيها الأخ : إذا كان للإيمان مؤشر ، عقرب ، وللرحمة مؤشر ؛ فمؤشرا الرحمة والإيمان يتحركان معاً ، مؤشرا الرحمة والإيمان متلازمان تلازمًا إيجابيًا ، فكلما ازددت إيماناً ازددت رحمةً بزوجتك وأولادك .

   أنا أعرف أزواجًا تمرض زوجته ، ويقول لها : ليس بكِ شيءٌ ، لعلها أوهام ، لكنها تعاني من مرضٍ ، وتحتاج إلى طبيب ، فيهملها أشد الإهمال إلى أن يتفاقم المرض ، لا نقول عنه : لعله فقير ، فهذا موضوع آخر ، يصفها بأنها مثل القردة ، ليس فيكِ شيء ، لكنها تعاني من بوادر مرض .

   فهذا الذي أتمناه عليكم ، وعلى كل متزوج يقدر أن يتقرب إلى الله بالإحسان إلى زوجته وبكونه زوجاً مثالياً ، وأطيبُ خصلةٍ في الزواج الحلم والكرم ، حليم وكريم ورحيم ، فالحلم سيد الأخلاق ، والرحمة علامة الإيمان ، والكرم علامة الإيمان أيضاً .

   هل تصدقون ماذا قال النبي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ وَرَفِيقِي - يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ - عُثْمَانُ *

( سنن الترمذي : عن طلحة بن عبيد الله )

   وكان عثمان يصوم أكثر أيامه ويقوم الليل إلا هجعةً من أوَّله .

   الآن دققوا في أن هذا الصحابي الجليل من الصحابة الأغنياء جداً ، الغني جداً كل ربع ساعة يُؤتى بكأس من العصير ، وفنجان قهوة ، وحليب مع نسكافيه ، وشاي من الدرجة الأولى ، وفواكه ، موفور له كل شيء ، فهذا الصحابي الجليل على علو قدره ، وعلى كثرة ماله ، كان في أكثر أيامه صائمًا ، والغني إذا أراد أن ينام فله فراشٌ وثير ، ففي بعض الفنادق سرير يجري للنائم عليه آلياً تدليك ، أجهزة معقدة جداً ، وأزرار وشاشات ، تدليك وأنت نائم عليه ، طبعاً إذا كانت حالته ميسورة يمكن أنْ ينام على أفخم فراش ، وعلى أوثر فراش ، بأجمل غرفة نوم ، ومع ذلك أكثر ليله قائم ، وأكثر أيامه صائم ، هذا مما يضاعف له الأجر .

   وأنا أعرف رجلاً آتاه الله عزَّ وجل من المال ما لا يُعدُّ ولا يحصى ، إذا سافر إلى بلد بحكم عمله ، يتنقل من الفندق إلى المكتب إلى بلده ، بإمكانه أنْ يسهر في أفخر مطعم ، ويرتاد أعظم نادٍ ، ويذهب إلى أجمل مكان ، لكن كلها أماكن  مزدحمةٌ بالمعاصي ، لذلك رغم غناه الكثير فهو منضبط ، والقوي الغني يحتاج إلى الصبر أكثر من الفقير الضعيف ، كلام دقيق ، لأنّ هذا الغني أمامه خيارات كثيرة بسبب وفرةِ المال ، والقوي متاح له تصرفات كثيرة في القوة ، ومع ذلك القوي منضبط والغني منضبط بالإسلام ، هذا الصحابي الجليل على علوِّ قدره وعلى وفرة ماله كان أكثر أيامه صائماً وكان أكثر ليله قائماً .

   هذا الصحابي قال مرةً عن نفسه : " والله ما زنيت ، ولا سرقت في جاهلية ولا في الإسلام " ، أي ما كانت له جاهلية .

   أنا والله أيها الإخوة ... لي صديق من عادتي أن أزوره في أيام العيد ، ولهذا الصديق والد متقدِّم في السن ، وأذكر آخر زيارة زرته ، وقد توفيَ رحمه الله ، آخر زيارة زرته فيها كانت سِنُّه ستاً وتسعين عاماً ، والله بأذني هذه سمعتُه يقول لي : أجريتُ تحليلاتٍ كاملةً في الدم والبول، فكانت كل النسب طبيعية ، ثم عقَّب فقال : واللهِ لم أعرف الحرام كل حياتي ، لا أعرف العلاقة المحرمة ولا المال المحرَّم أبداً في كل حياته ، " من عاش تقياً عاش قوياً " .

  فهذا الصحابي يقول : " والله ما زنيت ولا سرقت في جاهلية ، طبعاً في زمن الإسلام من باب أولى ، صحابي جليل ألاَ تكون له جاهلية ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :" فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا " *

( صحيح البخاري عن أبي هريرة  )

كان إذا قام الليل وقرأ هذه الآية تهُزُّه إلى أعماقه ، هذه الآية :

( سورة الكهف )

   ومنذ عدة أيام حضرت تعزية ، البيت الذي عزَّيت فيه لا يوصف بأناقته ، وتزيناته ، واتساع أبهائه ، وعلو فرُشه ، وزينته قدرت بخمسين مليونًا ، أين صاحبه ؟ تحت أطباق الثرى ، فهذه الدنيا عطاءٌ ثم سلْبٌ .

   هذا الصحابي الجليل نراه يُمضي مع نفسه ميثاقاً لا يخلفه طوال حياته ، هو أنه يُعتق كل جمعة عبداً ويحرر رقبةً ، يشتري العبد من سيده بأي ثمن ، ثم يهبه حريَّته مبتغياً وجه ربه الأعلى .. لنا أخ من إخواننا الطيبين ماذا يعمل ؟ يذهب إلى سوق العصافير يشتري عددًا كبيرًا من الطيور، ويطلقها في سبيل الله ، العصفور الذي ألف حريته ، ثم وضع في قفص ، هذا العصفور يتألَّم ، فكان يشتري بعضها ، ويعتقه لوجه الله ، فهذا العمل بشكل مصغَّر .. لكن هذا الصحابي الجليل كان كل أسبوع يشتري عبداً ، ويعتقه في سبيل الله ، وإني أتمنى أن يكون للإنسان عمل يومي ، وإذا لم يكن يوميًا فليكنْ أسبوعيًا ، الآن هناك حيوانات ليس لها من يطعمها، فبعض الأشخاص يشترون حبوباً ، ويضعونها على أسطح منازلهم من أجل الطيور ، فهناك أعمال صالحة تصل إلى الحيوان ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام حينما وصف رجلاً كان قد أصابه عطشُ شديد ، فنزل بئراً ، وشرب ماءً ، ثم خرج فرأى كلباً كاد يأكل الثرى من العطش ، فقال في نفسه : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثـل الذي بلغ بي ، ثم نزل البئر ، وملأ خفَّه ماءً ، وأمسكه بفيه ، ونزل البئر فسقي الكلب ، فشكر الله له ، فغُفر له ، قالوا : يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجراً؟ قال :" فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ " *                            

( صحيح البخاري )

   إطعام هرَّة ، إطعام كلب جائع ، إسعاف حيوان مريض ، هذا عمل طيِّب ، هذا مَن الذي يشكرك عليه ؟ خالقه ، فلا تستغربوا ، فقد ينجِّيك الله مِن حادث أليم نظير أنَّك نجَّيت حيواناً ضعيفاً من حادث أليم ، لا تستغربوا ، وقد يدفع الإنسان ثمناً باهظاً لو أنه أساء لحيوان ، فالمؤمن معطاء ؛ لا يؤذي نباتاً ولا حيواناً ولا مخلوقاً ، ألم تسمعوا قول النبي عليه الصلاة والسلام : "عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِهَا وَلا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ " *                     

( صحيح البخاري )

   أنت لو سقيت النبات فهذا عمل صالح ، لو أطعمتَ الطير فهذا عمل صالح ، وكذلك إذا اعتنيتَ بالنبات فهو مخلوق يسبِّح الله عزَّ وجل ، هذا الحيوان ، أكثر شيء يؤلمني في أثناء السفر ، أحياناً يتحاشى السائقُ الغنمة أن يدهسها ، وكذلك الدجاجة ، لأن لها أصحابًا ، أما بعض الكلاب فبلا مبالاة قد يدوسها السائقُ ، وقد سمعت قصةً ، وذكرتها لكم من قبل ، وهي مؤثرةً جداً ، سمعتُها من رجل شاهد عيان ، قال لي : واللهِ كنت أركب سيارةً مع إنسانٍ غير ملتزم دينًا ، وفي طريقه إلى المطار ، وفي أيام الشتاء ، وعلى طرف الطريق كان جروٌ صغير قابعاً على جانب الطريق الأيمن ، فالزفت حرارته أدفأ من التراب ، ولأن لونه الأسود يمتص الحرارة ، فهذا الكلب أصابه برد ، فجلس على طرف الطريق يتدفَّأ بما اختزنه الزفت من حرارة ، فقال لي : لم أكن منتبها ، فوجدته قد انحرف فجأةً بالسيارة انحرافاً شديداً ، ومرَّ فوق يدي هذا الجرو الصغير فقطعهما ، وهذه تحتاج لمهارة ، فلو دهسه كله لكان أهون عليه ، لكنه قطع يديه ، أي انحرافه كان بالسنتيمترات ، وأطلق ضحكةً هستيرية ، وأنا اضطربت اضطراباً شديداً ، والسائقُ أقوى منه ، ولا يستطيع محاسبته ، ثم قال لي : وفي الأسبوع الثاني أقسم لي أن الحادث كان يوم السبت ظهراً ، ففي الأسبوع الثاني ، وفي يوم السبت ظهراً ، هذا الإنسان نفسه وفي المكان نفسه تعطَّلت عجلة من عجلات سيارته ، فرغ هواؤها ، فنزل من سيارته ورفع السيارة بهذا الجهاز (الكريكو)، وفك هذه العجلة ، وهو يفكها تعطل جهاز رفع السيارة ، فوقعت العجلة على يديه والسيارة فوق العجلة على رسغيه ، وأخذ بحالة إسعاف إلى المشفى ، فإلى أن وصل إلى المشفى اسودت يداه ، فكان لا بدَّ من قطعهما ، أقسم لي وهو حيٌ يرزق ، وهو أخو زوجة أحد إخواننا ، وهو شاهد عيان ، وأنه ما مضى على هذا الحادث أسبوع حتى فقد يديه كلتيهما  .

   وذكرت البارحة في الدرس أن صاحب أكبر معمل للحلويات بلبنان أيضاً دخل على معمله ولم يعجبه عمل بعض عمَّاله ، فداس عريكة العجين بقدميه وهو يعلِّم صانعه ، فقال صانعه : يا سيدي هكذا بحذائك ؟!! فقال له : الناس يأكلون من تحت قدمي ، ما مضى شهرٌ إلا وقد فَقَدَ رجليه، وهو الآن في مدينة لندن يعيش بلا رجلين .

   فالظلمُ والطغيان عاقبتهما مخيفة ، إله يحاسب على عصفور ، وهرَّة ، وكلب ،  فهذه قتلتها ، وهذا ألقيت به من الطابق السابع ، أحد الأشخاص غضب من هرَّة فألقاها من الطابق السابع ، وأغلب الظن أنها نزلت ميّتة ، بعد أيام فقد بصره .

   وبعد ، فلقد كان سيدنا عثمان إذا رأى بعض التجَّار يحتكرون الأرزاق ، فماذا يفعل ؟ يرسل قوافله لتعود محمَّلةً بما يفسد عليهم احتكارهم ، جاءت مرةً رواحله من اليمن أو من الشام محمّلةً بالخيرات ، وتَواكَبَ حوله تجَّارُ المدينة ، ودخل معهم في مساوماتٍ شيِّقة ، وما أجمل أن نطالع الآن إحداها ، يرويها لنا ويحدِّثنا بها ابن عباس رضي الله عنه ، قال : " قَحِط الناس في زمن أبي بكر ، فقال الخليفة لهم : إن شاء الله لا تمسون غداً حتى يأتيكم فرج الله ، فلما كان صباح الغد قدمت قافلة عثمان ، فغدا عليه التجَّار ، فخرج إليهم وعليه مُلاءةٌ قد خالف بين طرفيها على عاتقه ، وسألوه أن يبيعهم قافلته ، فسألهم : كم تُرْبحونني ؟ قالوا : العشرة اثني عشر ، قال : قد زادني ، قالوا : العشرة خمسة عشر ، قال : قد زادني ، قالوا : من الذي زادك ونحن تجَّار المدينة ؟!! قال : إنه الله ، زادني بكل درهمٍ عشراً ، فهل لديكم أنتم مزيد؟ فانصرف التجَّار عنه وهو ينادي : اللهم إني وهبتها فقراء المدينة بلا ثمن وبلا حِساب " ، في زمن المجاعة وهَبَ هذه القافلة الضخمة لفقراء المدينة .

   أريد أن أقول لكم أيها الإخوة : لا تظنوا أنّ أحدًا يكون قريبًا من الله إلا وله عمل طيب ، أو عمل مُرْضٍ ، أو عمل صالح ، فالله لا يقرِّب عبدًا إلا بعمل كبير ، ومع العمل إخلاص ، ومع الإخلاص استقامة ، فلا أحدَ يصل إلى أشياء عظيمة عند الله بالكلام ، وبلا دفع ، بلا انضباط ، بلا مؤاثرة ، بلا تضحية ، هذا شيء مستحيل .

   يقول شرحبيل بن مسلم : " كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة ، ويأكل هو الخل والزيت " ، وقال عبد الله بن شدَّاد : " رأيت عثمان يخطب يوم الجمعة ، وعليه ثوبٌ قيمته أربعة دراهم أو خمسة دراهم، وإنه يومئذٍ لأمير المؤمنين " .

   أحد إخواننا الدعاة إلى الله سافر إلى بلد إسلامي ، إلى جوارنا في الشمال ، قال : دعاهم رجلٌ على طعامٍ متواضعٍ جداً وعلى الأرض ، ومظهره متواضع ، بعد أن تناول الطعام ذكروا له أن هذا الرجل أنشأ مجمّعاً إسلامياً بما يزيد عن أربعين مليون ليرة ، مجمع إسلامي ما بين مسجد ومعهد تحفيظ قرآن ومكتبة ومشغل لطلاَّب العلم ومستوصف ومدرسة ، والله هذا شيء جميل ، فليس يوجد عنده بذخ ، أطعمهم وأكرمهم ، لكن كل شيء باعتدال ، إلا أن إنفاقه في سبيل الله من دون اعتدال ، لا إسراف في الخير ، بالعمل الصالح لا يوجد تقنين ولا اعتدال وليس هناك موقف وسط ،  " رأيت عثمان يخطب يوم الجمعة وعليه ثوبٌ قيمته أربعة دراهم أو خمسة دراهم ، وإنه يومئذٍ لأمير المؤمنين " .

   مرة هذا الصحابي الجليل غضب على خادمٍ له ، فعرك أذنه حتى أوجعه ، نتيجة غضب ، ثم سرعان ما يقُضُّ ضمير العابد مضجعه فيدعو خادمه ويأمره أن يقتصَّ منه ، فيعرك أذنه ، فيأبى الخادم ويولّي مدبراً ، لكنّ عثمان يأمره في حزمٍ فيطيع ، وقال : " اشْدُدْ يا غلام ، فإن قصاص الدنيا أرحم من قصاص الآخرة " .

   فهل تجد أحدًا في منصب رفيع ، ويخطئ مع خادم أو حاجب ، أو مع إنسان بسيط جداً ، ويخاف الله عزَّ وجل ، ويقول له : اقتصَّ مني في الدنيا ، فإن قصاص الدنيا أرحمُ من قصاص الآخرة" ، إلا أنْ يكون ممّن يخاف الله خوفاً شديداً ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام حينما غضب من غلامٍ له :" يا غلام لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك " . سواك !!.

سيدنا عبد الله بن عمر كان إذا قرأ الآية الكريمة :

( سورة الزمر : آية " 9 " )

يقول : هو عثمان بن عفان " .

   يقول بعض أصحابه عنه وهو الإمام عليٌ كرَّم الله وجهه : "أوصلُنَا للرحم عثمان " .

   والله ، أنا من أعماقي ممتنٌّ لإخواننا الكِرام ، من أسبوعين ألقيت درسًا متعلِّقًا بصلة الرحم ، وسمعت واللهِ أكثر مِن أخٍ في الليلة نفسها بدأ يزور أقاربه ، في الليلة نفسها ، أنا واللهِ طبَّقت هذا الكلام ، وزرت كلّ أقربائي في هذا الأسبوع ، زيارة زيارة ، زيارة ، وصِلة ، ومساعدة ، ودعوة إلى الله ، هذه الدروس واللهِ لا قيمة لها إنْ لم يكن بعدها تطبيق عملي ، فأنا سمعت ذات مرة كلمة من أحد العلماء تأثَّرت لها ، ألقى كلمة وقال : والله أيها الإخوة سماعكم لا قيمة له ما لم تطبِّقوا ، وكلامي أيها الإخوة لا قيمة له إطلاقاً ما لم أطبِّقه ، فلا كلامي له عند الله وزن ، ولا سماعكم له عند الله وزن .

   فلا كلامي ولا سماعكم لهما وزن دون تطبيق ، أما إذا قلت شيئاً وطبَّقته نرقى عند الله، وإذا استمعتم إلى شيءٍ وطبقتموه ترقون عند الله ، فمقياس الرقي والنجاح والفلاح هو الاستجابة لأمرِ الله عزَّ وجل .

   ويقول هذا الصحابي الجليل : " أيها الناس اتقوا الله فإن تقوى الله غنمٌ ، وإن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت واكتسب من نور الله نوراً لقبره ، وليخشَ عبدٌ أن يحشره الله أعمى وقد كان بصيرا " .

   وفي خطبة أخرى يقول هذا الصحابي الجليل : " إن الله أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ، ولم يعطكم الدنيا لتركنوا إليها ، إن الدنيا تفنى وإن الآخرة تبقى ، فآثروا ما يبقى على ما يفنَى " .

   ويقول هذا الصحابي الجليل : " إن الدنيا منقطعة ، والمصير إلى الله وحده " .

   وهذا الصحابي الجليل حينما أعاده النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيته بدلَ أنْ يغزو في معركة بدرٍ ، فأمره النبيُّ أولاً النبي أن يبقى إلى جانب زوجته ، وكانت في مرضٍ شديد ، وهي ابنة النبي ، ماذا يستنبط من هذا الكلام ؟ هل هي قضية شخصية أم قضية حكم شرعي ؟ هي حكم شرعي ، أي كأن الذي يرعى زوجته المريضة في مرتبة المجاهد في سبيل الله ، فلما انقضت موقعة بدر ووزَّع النبي الغنائم ، عدَّ عثمان كأنه مع المقاتلين وأعطاه نصيبه من الغنائم .

هذا لتعلموا مدى ثواب رعاية الزوجة عند الله ، رعاية الزوجة تترجم قول الله عزوجل : وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً .

   وحينما أوفد النبي عثمان إلى قريش في صلح الحديبية ، وشاع الخبر أنهم قد قتلوه ، وهبَّ الصحابة الكرام ليعاهدوا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على أن يقاتلوا قريشاً ، وأخذوا العهد واحداً واحداً ، فالنبي أمسك بيده اليسرى ثم جاء باليمنى ، وقال : " وهذه عن عثمان ، وهذه بيعة عثمان " ، لأنه كان غائباً ، فلما عاد عثمان سليماً معافًى ، أرسلت قريش سفيراً جديداً ، هو سهيل بن عمرو الذي أبرم مع النبي صلى الله عليه وسلَّم معاهدةً عُرفت بصلح الحديبية .

   وهنا سؤال غريب : لماذا أبى سيدنا عثمان حينما انقض عليه هؤلاء المجرمون أنْ يدافع عنه أصحابُ النبي ؟ قال : لأنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلَّم مرّةً ، وقد كان النبي واقفاً على جبل أُحد ، فقال : " أثبت أُحد فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ وشهيدان " .

   نبيٌ هو رسول الله ، وصديقٌ هو أبو بكر ، وشهيدان هما سيدنا عمر وسيدنا عثمان ، وقد تروي بعض الأخبار أنه قد رأى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قُبيل مقتله ، قال : " يا عثمان أما آن أن تأتي إلينا " .

   فقد كان من شدة الوجد والحب والشوق إلى الله ورسوله حيث تخلَّى عن حقه في نصرة أَحَدٍ له، وهذا موضوع قد نعالجه في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi