English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

الدرس 11/ 50 : سيرة الصحابي : سالم مولى أبي حذيفة ، لفضيلة الأستاذ الدكتور  محمد راتب النابلسي  

تاريخ               :  28 / 07 / 1985 .

تفريغ               :   م . م . حسان العودة

التدقيق اللغوي      : الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي      :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً  وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة الأكارم :

مع الدرس الحادي عشر من دروس سيرة أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عنهم ، صحابي اليوم : سيدنا سالم مولى أبي حذيفة ...

ولهذا الاسم قصة تسمعونها بعد قليل ، ولكن قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الصحابي الجليل ، يجب أن تعلموا أن أصحاب رسول الله ما استطاعوا أن ينشروا الإسلام في الخافقين، إلا لأنهم عاشوا القيم الإسلامية ، الإسلام له قيم ، عاشوها ، وحينمــا ترون المسلمين الآن يزيدون على ألف ومائتي مليون ، وليست كلمتهم هي العليا ، وليست إرادتهم هي النافذة ، فيجب أن نستنبط ، أو يجب ألا نتهم الله في وعده بل نستنبط أن ديننا كأن القيم فرغت منه وبقي شكلاً ، بلا محتوى ،  بقي مظاهر بلا مضمون ، بقي طقوساً بلا مشاعر .

على كلٍ قصة اليوم لا تقل شأناً عن قصة الأسبوع الماضي ، النبي عليه الصلاة والسلام ، أوصى أصحابه يوماً فقال :

خذوا القرآن عن أربعة ، تلاوةً ، وفهماً ، وأحكاماً ، ودراسةً  ومعرفةً ، ودرايةً ، خذوا القرآن عن أربعة :

عن : عبد الله بــن مسعود ...

وعن : سالم مولى أبي حذيفة ...

وعن : أبــــي بن كعب ...

وعن : مــــعاذ بن جبل ...

صحابي اليوم : سيدنا سالم مولى أبي حذيفة .

سـالم ممن شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ماهر في القرآن ، إلى درجة أن النبي أمر أصحابه أن يـأخذوا عنه ، أن يتعلموا منه ، إذاً بـلغ مرتبة علية ومرتبة تفوّق في التلاوة والفهم ..... .

من هو هذا الصحابي ؟ الذي يأمر النبي أصحابه الأجلاء أن يجلسوا أمامه وأن يأخذوا عنه القرآن ، أن يتتلمذوا على يديه ، أن يقتبسوا من علمه ، أن يستنيروا بنوره ، قالوا : إنه عبد رقيق .

أرأيتم أيها الأخوة إلى مجتمع الطبقة الواحدة ، أرأيتم أيها الأخوة كيف أن قيم الإسلام عاشها أصحاب النبي ، أرأيتم أيها الأخوة كيف أن في الإسلام قيمتين فقط ، قيمة العلم والعمل ، وما سوى هاتين القيمتين تحت الأقدام ، إنه عبد رقيق ، عبد رقيق يأمر رسول الله أصحابه وهم من علية قريش أن يجلسوا أمامه متأدبين ليتعلموا منه القرآن .

من الذي رفع شأن هذا العبد الرقيق ؟ وجعله كما نقول اليوم سيدنا ، أجل سيدنا ، أنا لا أعتقد أن مسلماً في العالمين يجرؤ على أن يسمي الصحابي باسمه فقط ، إلا أن يقول سيدنا ، تعظيماً لشأنه ، وتوقيراً له من هذا العبد الرقيــق الذي رفعه الإسلام ؟ لننتقل نحن الآن إلى حياتنا المعاصرة .

أيها الأخ الكريم :

العلم يرفعك ، والقرآن يرفعك ، وطهارتك ترفعك ، وعفتك ترفعك ، وورعك يرفعك ، واستقامتك ترفعك ، وخدمتك للخلق ترفعك  وتمثلك بالقيم الإسلامية ترفعك ، كل إنسان يحب أن يكون ذا شأن ، هذه فطرة ، هذا شيء جبلنا عليه ، تحب أن تأكل لتبقى حياً ، تحب أن تتزوج ليبقى نوع البشرية ، تحب أن تكون ذا شأنٍ ، ليخلد ذكرك ، هذا ميل فطري .

من هذا العبد الرقيق الذي رفعه الإسلام ؟ .

الإسلام ، والقرآن ، واتّباع النبي عليه الصلاة والسلام ، هو الذي جعل هذا العبد الرقيق نقف أمام قصته متأدبين ونتحدث عنه مجلين مكبرين إنه سيدنا سالم مولى سيدنا حذيفة .

كان رقيقاً وأعتق ، وآمن بالله وبرسوله أيماناً مبكراً .

وتعقيباً على كلمة مبكراً ، فأنا والله أُكبر الأخ الكريم الذي قَدِمَ إليّ صغيراً ، وترعرع في بيت من بيوت الله ، شيء رائع جداً أن تتعرف إلى الله وأنت غض العود ، وأنت في مقتبل العمر، تشكل حياتك ، تشكل علاقاتك ، تختار أصدقاءك ، يبني زواجك ، تنتقي حرفتك ، وتفهم مهنتك ، وفق الشرع  وفق قواعد الدين ، وفق منهج رب العالمين .

لذلك ريح الجنة في الشباب ، والنبي شجع الشباب ورفع من شأنهم حينما عين شاباً في سنهم قائداً لجيش فيه أبو بكر ، وعمر  وعثمان ، وعلي ، شاب آمن في وقت مبكر .

لذلك قالوا : من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة .

يعني أنه جميل بالإنسان أن يتوب إلى الله مبكراً ، لكن بالسبعين فقدت التوبة جمالها فقد أكل حتى مل الطعام ، وما خلا منه محل ، حتى مل النزهات ، سهران مائة ألف سهرة ، حتى مل السهرات ، نفسه عزفت عن الدنيا ، ليس غير الآخرة أمامه ، لكنّ الأجمل من هذا ، أن ترى شاباً يتقد حيويةً  يغلي نشاطاً  مقبلاً على الدنيا ، كل شيء عنده جديد ، ومع ذلك يلتفت إلى الله عز وجل .

لذلك فالله جل جلاله يباهي الملائكة بالشاب التائب يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، يعني استقامة الشاب على أمر الله تعدل عند الله استقامة ألف إنسان تجاوز الخمسين ثم استقام على أمر الله  لأن كل سن لها ترتيب ، كل سن لها اهتمامات ، لعلك تلاحظ أكثر الناس الذين أسرفوا في المعاصي في حياتهم بالخمسينات بدأ يصلي ، واتجه إلى المساجد ، طبعاً لأنه أزف وقت الرحيل ، شيء طبيعي جداً ، حينما أزفت الآزفة ، حينما اقترب أجله ، ومعترك المنايا بين الستين والسبعين  وهذا صار بالستين ، تجده صار أميل للدين ، أميل للمساجد أميل للدروس   شيء جميل ، لكن الأجمل وأنت في السابعة عشرة ، في الثامنة عشرة  بالعشرين  بالخامسة والعشرين تريد الله ورسوله ، تريد معرفة الله  تريد إتقان القرآن، تريد أن يكون الله راضياً عنك ، هذا شيء جميل جداً .

هو : سالم مولى أبي حذيفة .

أبو حذيفة تبناه ، فلما نزل القرآن الكريم بتحريم التبني صار أسمه سالم مولى أبي حذيفة ، كان أسمه سالم بن أبي حذيفة ، فقد حّر م الله التبني ، هذا وبالمناسبة العبد الرقيق ـ لا يعرف من أبوه ، وليس هذا يقدح في نسبه ، لأنه أشتري من سوق العبيد ، واشتراه رجل ، فلا هو يعرف من أبوه ، ولا أحد ممن حوله يعرف من أبوه ـ فلما نزل قوله تعالى في تحريم التبني، فإلى من ينسب إذاً ؟ سيدنا أبو حذيفة قال هو مولاي ، فصار أسمه سالم مولى أبي حذيفة .

كلكم يعلم أن هذا الصحابي الجليل آخى سيدنا أبي حذيفة وصارا أخوين في الله ، وهذا ينقلني إلى ما كنت صبوت إليه من قبل أن كل أخ منكم لا بد له من أخ يكون وليه ، يكون أخاه في الإسلام ، وهو أخوه في الله ، هذه الأخوة في الله لها معانٍ كثيرة ، ففيها تعاون ، و تفقد ، ومواساة ، و بث هموم ، يعني معاونة على أمر الدين والدنيا أي أن أقل مرتبة أنه إذا غاب الشخص فهناك من يسأل عنه ، هناك من يبلغ أن فلاناً اليوم ما جاء ، فإذا تفقدناه يشعر بمكانته ، يعني أنا مصرٌّ على هذا الطلب ، وأن كل أخ ليكن له أخ ، يتعاونان وهذا ورد في القرآن الكريم قوله تعالى :

( سورة سبأ : 46 ) .

اثنان ، اثنان .

( سورة الحجرات : 13 ) .

طبعاً سيدنا سالم مولى أبي حذيفة ، وسيدنا أبو حذيفة ، عاشا الإسلام ومن أولى مبادئ الإسلام .

 

ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى . ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى .

مما يلفت النظر في سيرة هذا الصحابي أنه كان حجة في كتاب الله ، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه أن يتعلموا منه وكان إماماً للمهاجرين من مكة إلى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء .

مسجد قباء هو المسجد الذي في ظاهر المدينة ، وهو الموقع الذي استقبل عنده أصحاب رسول الله من الأنصار المؤمنين قبل أن يروا رسول الله وقالوا طلع البدر علينا .

بلغ من التفوق في القرآن ، ومن الورع والإخلاص ، ومن حب النبي عليه الصلاة والسلام درجة قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام : الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك .

والله شيء جميل ، يعني الإنسان يقاس بمن معه ، هناك أتباع بلغوا درجة عالية جداً من الرقي، و مستوى عالياً من الفهم ، والإيمان ، والتواضع  والمعاونة ، والوقوف في الملمات ، والإيثار ، والتضحية .

الإنسان لا يقاس أتباعه بعددهم ، بل بنوعيتهم ، أحياناً تجد في ملعب كرة خمسة وثلاثين ألفاً ، كلهم يهيج ويموج ، لدخول كرة بالمرمى ، فكان القيامة قامت ، تعجب ما الذي حصل ، ما هذا الذي جعل الناس يهيجون ، وقع أربعون قتيلاً مرة في بعض المباريات   وينقلب الأمر إلى توحش أحياناً .

 

( سورة الكهف : 105 ) .

لا يقاس الأتباع بعددهم ، بل يقاسون بنوعيتهم ، وهذا الذي أقوله لكم دائماً : واحد كألف وألف كأف ، ربنا عز وجل وصف أهل الدنيا فقال :

 

( سورة الأنعام : 124 ) .

 ماله قيمة ، وبآية أخرى :

 

مجرمٌ صغير الشأن ، لا شأن له ، لكن المؤمن عظيم في عيون الناس صغير في نفسه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول : الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك .

شيء آخر سيدنا سالم رضي الله عنه ، كان إخوانه المؤمنون يقولون عنه : سالم من الصالحين .

وقد أعجبني في القضاء البريطاني أنه عندما تكون قضية معقدة جداً يطلب القاضي عشرين شخصاً من عامة الناس ، من الطريق   ويسمعهم معطيات هذه القضية ، ويأنس القاضي بآرائهم ، والإنسان بصورة عامة عنده فطرة ، يعني كما يقول العامة : ألسنة الخلق أقلام الحق ، تقول لي أنا مليح  لكن لا أحد يحبني ، لا أصدقك ، معناها ما لك مليح ، أنا مستقيم كن الناس يحسدونني غلط هذا الكلام ، يعني علامة المؤمن أنه محبوب ، و الناس يحبون المتواضع ، يحبون المنصف ، يحبون المستقيم ، يحبون الحقاني باللغة الدارجة، يحبون الذي يخدمهم ، يحبون المعطاء ، الكريم ، الشجاع ، المضحي  هذا محبوب ، أنت تقول أنا مليح لكن لا أحد يحبني ، العكس ، الناس لا يحبون واحداً وقد أجمعوا على بغضه ، وهذه والله علامة سيئة جداً ، هذه علامة أن هذا الإنسان ليس على ما يرام .

فالصحابة كانوا جميعاً يحبونه ، حتى إنهم وضعوه سالم من الصالحين  وبعد فلا شيء يخفى ، الجيد جيد ، والسيئ سيئ  والمنافق منافق ، والمخلص مخلص ، والورع ورع ، وغير الورع غير ورع .

وهذا الصحابي  له مزايا ، وبالمناسبة فأصحاب النبي عليهم رضوان الله ، كل واحد منهم تفوَّق في ناحية ، هذا في شجاعته هذا في حلمه ، هذا في حيائه ، هذا في كرمه ، هذا في إنصافه ، هذا في شدته في الحق ، هذا في عفوه ، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع كل الفضائل ، لذلك خضعوا له أنت ممكن أن تجعل في مشفى ثلاثمائة طبيب ، وتختار واحداً منهم يكون مدير المستشفى ، لكن إن لم يكن هذا المدير أعلى مستوى في العلم من كل الأطباء لا ينصاعون له ، بل يتمردون عليه ، الإنسان العالي يأبى أن يخضع للأدنى ، فهل يمكن لإنسان يكون يحمل شهادة عليا وتضعه تحت إمرة إنسان يحمل ابتدائية ، طبعاً سيكشف حاله وقصوره وأن الفرق كبير جداً .

النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن كاملاً في كل النواحي لما أستحوذ على قلوب أصحابه ، لذلك رحم الشاعر إذ يقول :

         وأجمل منك لم تر قط عيني            وأكمل منك لم تلد النساء

         خلقت مُبرّأً من كل عيـبٍ             كأنك قد خلقت كما تشاء

فسيدنا سالم كان جريئاً بالحق ، وأحياناً الجرأة مهمة جداً ، يعني الجرأة أحياناً ينتج منها خيرٌ كثير ، هذه الجرأة بدت في قصة ، و هي محور الدرس وهذه القصة نموذجية ، وتبين عظمة الإسلام ، وتبين عظمة الدين ، وتبين عظمة هذا النبي العظيم .

فبعد أن فتحت مكة للمسلمين بعث النبي عليه الصلاة والسلام ببعض السرايا إلى ما حول مكة من قرى وقبائل ، وأخبرهم أنه عليه الصلاة والسلام إنما يبعث بهم دعاة ، لا مقاتلين .

يعني أرسل بعض أصحابه إلى ما حول مكة من قرى يدعوهم إلى الإسلام وقال لهم أنتم دعاة لا مقاتلون ، وكان على رأس إحدى السرايا سيدنا خالد بن الوليد ، وحينما بلغ خالد وجهته حدث ما جعله يستعمل السيف ويريق الدم ، وقع أمر اقتضى أن يحارب سيدنا خالد مع أن التوجيه الذي معه ألا يحارب ، والتوجيه خلاصته دعوة لا قتال .

يروي كتاب السيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما سمع بهذه الواقعة اعتذر إلى الله عز وجل ، اعتذر إلى ربه وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، أنا والله ما أمرته بهذا يا رب ، كم في النبي من رغبة في حقن الدماء ؟ كم عند النبي من رغبة في نشر السلام ؟ كم كان حريصاً على حياة الناس ؟ كم كان حريصاً على أن يحيا الناس بسلام ؟ كم كان حريصاً على أن ينشر هذا الإسلام بالدعوة السلمية ؟ لا بالسيف ، فقال عليه الصلاة والسلام متوجهاً إلى الله جل جلاله : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد .

وسيدنا عمر بن الخطاب فيما يروي التاريخ كان متألماً جداً من هذا الموقف ، وبالمناسبة الصحابة مع عُلوّ شأنهم ، ومع سبقهم ، وتفوقهم هل هم معصومون ؟ لا ليسوا معصومين ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم ، والقاعدة الشهيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده ، لكن أمته معصومة بمجموعها .

كان سيدنا سالم مولى أبي حذيفة مع سيدنا خالد في هذه الواقعة  ولم يكد سالم يرى صنيع خالد حتى واجهه بمناقشة حامية ، سيدنا خالد القائد ، القرشي ، البطل ، العظيم في الجاهلية ، وفي الإسلام ، ينصت مرةً إلى سيدنا سالم ، ما هذا المجتمع أرجل عبد رقيق ، يناقش قائد جيش ؟ وهذا القائد يصغي إليه ، ويعتذر له ويبين وجهة نظره تارةً  ويسكت تارةً ، ويشتد في القول سالم ، وسالم مستمسك برأيه يعلنه في غير تهيب أو مداراة ، الإسلام سوّى بينهما ، سوّى بين خالد وبين سالم ، سالم عبد رقيق ، وخالد من وجهاء قريش ، لكن لا شك أن سيدنا سالم ما عارضه حباً في المعارضة .

وفي زماننا هذا مرض النفوس مُتفَشٍّ ، المعارضة هي الهدف ، إثبات وجود عملية إزعاج ، عملية تحجيم ، وعنعنات بين الناس قائمة و أكثر مناقشاتهم عمليـة عرض عضلات ، عملية تجريح ، عملية تحجيم ، عملية كيد  عمليــة تفوق ، يعني أهداف خسيسة ، جداً ، الأهداف خسيسة لخساسة النفوس .

واحد قال للثاني : والله أنا أود أن أحضر المولد في هذا الجامع  قال له صاحبه : لِمَ ؟ فقال له: والله القائم على المولد له خصومة مع فلان  فأنا كيداً لفلان سألبي دعوتــه ، الله يعطيه العافية على هذه التلبية ، تلبية هذه الدعوة فقط ليكيد فلاناً ، دعوة عيد مولد ، من أجل المكايدة إنها مستويات متدنية جداً بالمجتمع .

إنسان ينتقد ، يجرح ، يحجم ، يحط عثرات ، يُحرج ، يحمّر الوجوه من أجل أن يظهر ، أو من أجل أن ينكمش خصمه ، أو ليحرج ، أو ليكسب مكاسب معينة دنيئة ، وهذا ليس من شأن الصحابة .

أما القاعدة الأساسية إذا عز أخوك فهن أنت ، وما المانع ؟ أنت في مجلس و أخوك أنطلق بالحديث ، والله أيده ، كلام منطقي ، ومتماسك مع دليـل  وأصغواله وأنا ما حكيــت شيئاً، أ معقول ألا أحكي أنا ، انتصر لحالــه ، يعترض قائلاً هذا لا يصح ، هذا غلط سيدي ، هذه قصة ما صارت  وهي عملية شيطانية تم يسكت ، فما أجمل هذه القاعدة ، إذا عز أخوك أجل فهن أنت ، فهن أنت ، فما المانع .

أسمعوا هذه القاعدة مني : من علامات الإخلاص القاطعة أن المخلص لله دائماً يغلّب مصلحة المسلمين على مصلحته الشخصية ، ففي اللحظة التي تغلّب فيها مصلحتك الشخصية على مصلحة المسلمين العامة فهذا دليل عدم إخلاصك ، وهو دليل قطعي .

المناقشة بين سيدنا سالم ، وسيدنا خالد ، مناقشة راقية جداً وهادفة ، لا سيدنا سالم راغب في تجريح سيدنا خالد ، ولا سيدنا خالد يرى أن سالماً يشاغب عليه فليس المنتقد مشاغباً ، ولا المنتقد متسلطاً ، وليكن تواضعٌ في المناقشة . يروي التاريخ أن رجلاً جاء لسيدنا الصديق ، إذ عرضت له قضية فأراد سيدنا الصديق  أن يأخذ رأي سيدنا عمر ، ألم يقل الله عز وجل :

( سورة آل عمران : 159 ) .

فقال سيدنا الصديق للرجل : أعرضها على عمرو يبدو أن عمر رفض الأمر من عنده وحسمه، فهذا الشخص صاحب الحاجة وقع في حرج شديد ، وقع في غيظ شديد ، فتوجه إلى سيدنا الصديق ، وأراد أن يوقع بينهما فقال له : الخليفة أنت أم   هو ؟ فأجابه إجابة رائعة قال له : هو إذا شاء ولا فرق بيننا ، هو إذا شاء .

الآن إذا قلت لواحد قاعد وراء طاولة إن فلاناً أقوى منك بالدائرة ، والمدير فلان لا أنت ،  فيقول : والله لأفرمنّه فرماً .

قال له : الخليفة هو إذا شاء ، مثل بعضها ، لا فرق بيني وبينه واحد نحنا ، نحن نريد هذا المجتمع ، لا يتمكن إنسان مغرض أن يدخل بين مؤمنين  أبداً .

 مرّةً  وفي غزوة تفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة فقال : واحد يبدو أن إيمانه ضعيف جداً : يا رسول الله شغلته البساتين  والظلال ، والفواكه ، موسم فواكه ، والزمن قائظ والحر شديد ، وهي غزوة تبوك بالصيف ، وبالحر ، شغله المدينة وبساتينها ، والظلال   والجداول ، فتصدى له صحابي آخر و قال له : لا والله ، ثم قال : والله يا رسول الله لقد تخلف عنك أناسٌ ما نحن بأشد حباً لك منهم ، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، تبسم النبي عليه الصلاة والسلام ، وفرح بهذا الدفاع .

يجب أن تدافع عن أخيك ، ببساطة أيغتاب أخ لك وتظل ساكتاً ؟ أمعقول أن يأكل المؤمن مالاً ليس له ، فالمواقف الانهزامية عديدة و أنت تعلم علم اليقين أنه مستقيم ، ونظيف ، و بريء ، وطاهر ، وورع ، وعفيف ، فادفع عن أخيك المؤمن ، من دون أن يخش بالله لومة لائم .

الحقيقة أن هذه القصة مهمة جداً ، فمركز القصة ، أو محورها ، أو  بيت القصيد فيها ، أو مركز الثقل فيها ، أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما بلغه صنيع خالد بن الوليد ، سأل وقال: هل أنكر عليه أحد ؟ فقالوا له نعم راجعه سالم وعارضه ، فارتاح النبي عليه الصلاة والسلام  فلماذا أرتاح النبي  هنا السؤال ، السؤال سأله هل عارضه أحد ؟ هل راجعه أحد ؟ فلما قالوا نعم  عارضه ، وراجعه سالم مولى أبي حذيفة ارتاح النبي وبدت على وجهه المشاعر المرضية ، فلماذا فرح النبي ؟ هل عندكم أجابه ؟ نعم لا تجتمع أمتي على ضلالة ، فلو سكت سالم لاجتمع القوم على ضلالة ، وهذا يتنافى مع مجتمع المسلمين لكن اليهود وصفهم الله عز وجل بأنهم :

 

( سورة المائدة : 79 ) .

جيد ، طبعاً الإجابة بالعكس ، إذ كان أصحاب النبي يتناهون عن أي منكر فعلوه .

 لأنه وجد من بين أصحابه من لا يخافه ، يعني النبي الكريم ربىّ أصحابه تربية المراجعة ، تربية الجرأة وتربية النقد البناء ، وتربية عدم قبول الخطأ ، وتربية إنكار المنكر  فلما رأى النبي أن أحد أصحابه راجع سيدنا خالداً ارتاح عليه الصلاة والسلام ، يعني التربية صحيحة ، أما لو ورباهم على الخضوع ، رباهم على النفاق ، لِما وجد من يناقش القائد .

أما سيدنا عمر ، والقصة معروفة عندكم ، فقد كان بين أصحابه واحد حب يتقرب منه بمدحه.

قال له : والله يا أمير المؤمنين ، ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله  ما شاء الله ما هذا العلم وهذه الحكمة !! .

فسيدنا عمر نظر إليهم مغتاظاً ، وتفرس في وجوههم واحداً واحداً إلى أن قال أحدهم لا والله ، لقد رأينا من هو خير منك   قال له من هو ؟ قال له أبو بكر ، فقال سيدنا عمر كذبتم جميعاً   وصدق .

سيدنا عمر عد سكوتهم كذباً ، فقط مجرد سكوتهم كذباً ، قال والله كنت أضل من بعيري وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك .

فأنت ممكن أن تربي إخوانك على الخنوع ، والسكوت ، وعدم الاعتراض ، والنفاق ، والمديح الكاذب ، وممكن أن تربّي إخوانك على الجرأة  والنقد البناء ، والمعارضة ، بل يجب ألا تقبلوا شيئاً ليس مؤيداً بالدليل . قال له : والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا قال : الحمد لله يا رب الذي جعل في أصحاب رسول الله من يقول هذا القول لسيدنا عمر ، يعني شيء رائع جداً أن سيدنا رسول الله يرتاح لأنه قال : هل راجعه أحد ؟ هل عارضه أحد ؟ قال

نعم سالم مولى أبي حذيفة راجعه وعارضه ، والله هذا شي جميل ، وبهذا فالإسلام يعطي للناس مقياساً دقيقاً ، يقيسون فيه الأمور ويقيسونك معه ، وفق الكتاب والسنة .

 

( سورة الكهف : 77 ) .

وعندنا دليل في كتاب الله تعالى : واقعية سيدنا الخضر مع سيدنا لما قال له سيدنا موسى :

 

فقد قبل الخضر منه واستمهله ، والله عز وجل في هذه القصة يمدح سيدنا موسى ، فلما عرف أنه ما فعله إلا عن أمر الله وبين الحكمة ، سكت .

معناها أنت يجب أن تبنى بناء صحيحاً ، بناء على أسس سليمة بناء على موازين ، على مناهج ، على مقاييس ، وليس السماع وتصديق كل شيء  لا ، وهذا يؤكده قول النبي عليه الصلاة والسلام . إنما الطاعة في معروف .

منذ زمان وهذه القصة في ذهني ، قال له هل راجعه أحد ؟ هل عارضه أحد قالوا أجل راجعه سالم وعارضه ، فارتاح النبي عليه الصلاة والسلام . هكذا كان أصحاب رسول الله ، يتناصحون   والقاعدة أن الذي يمدحك لا يرقى بك ، لكن الذي ينتقدك ويعارضك يرقى بك ، ولا شيء يجعل المنحرف يزداد انحرافاً كسكوت من حوله  ونحن المسلمين  ما عندنا اتباع أعمى . قال تعالى :

( سورة يوسف : 108 ) .

اتباع أعمى ليس عندنا ، بل الحق حق ، والباطل باطل  والموازين واضحة ، والموازين ، في الكتاب والسنة .

( سورة النساء : 59 ) .

أي إلى الكتاب والسنة  . وهناك نقطة أخرى عند هذا الصحابي الجليل .

انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى .. وواجهت خلافة الصديق مؤامرات المرتدين .. وجاء يوم اليمامة ، وكانت حرباً رهيبةً لم يُبتلَ الإسلام    بمثلها .. وخرج المسلمون للقتال ، وخرج سالم وأخوه في الله أبو  حذيفة .. وفي بدء المعركة لم يصمد المسلمون للهجوم ، وأحس كل مؤمن أن المعركة معركته ، وأن المسؤولية مسؤوليته .

وجمعهم خالد من جديد ، وأعاد تنسيق الجيش بعبقرية مذهلة .. وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم وتعاهدا على الشهادة في سبيل الدين الحق الذي وهبهما سعادة الدنيا والآخرة ، وقذفا نفسيهما في الخضم الرهيب ... ‍‍‍  كان أبو حذيفة يقول وينادي :

يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم . هذه النقطة تحتاج غلى إيضاح ، والقرآن كلام الله عز وجل ، إن وجدته في مجتمع يتلى ولا يطبق هل زيناه بأعمالنا ؟ لا والله ، لكن إذا رأيت في السوق ، في البيت ، في المتجر ، في العيادة ، في مكتب المحامي   في النزهات ، أن القرآن مطبق معناها فهو مزين .

مثلاً إذا رأيت في المحافظة مخططات للحدائق رائعة جداً  مساحات خضراء ، أشجار الصنوبر ، هنا ممرات ، هنا بحيرات ، هناك نوافير ، و شلالات و ساحة عامة ، هنا مدرج للمحاضرات ، وهناك مجمع استهلاكي ، إذا أنت وقفت في بناء المحافظة ورأيت أشياء جميلة وذهبت إلى المدينة ، ولم تجد من ذلك شيئاً ، بل رأيت مجمع قمامة ، وأمكنة خربة ، فالفرق كبير جداً  لكن لو أن كل هذه المخططات التي رأيتها في المحافظة وجدتها في الواقع فعلاً مساحات خضراء ، وحدائق جميلة  وشلالات ، ونوافير ، طرق نظيفة ، وأرصفة ، إضاءة جيدة في الشوارع ، كل شيء رأيته على المخطط رأيته في الواقع ، فهذا يعني أن هذه الخارطة وهذا التصميم مزين بالواقع الجيد .

نحن إما أن نزين القرآن بأفعالنا ، وإما أن نجعله باهتاً بمخالفاتنا .

فهذا الصحابي الجليل قال : يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم .

وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب ، وكان سالم يصيح هذا أبو حذيفة .

أما سيدنا سالم فقد قال : بئس حامل القرآن أنا ، لو هوجم المسلمون من قبلي .

انظر الجمع بين تلاوة القرآن ، وبين شجاعة الجنان .

بئس حامل القرآن أنا ، لو هوجم المسلمون من قبلي .

فقيل له : حاشاك يا سالم بل نعم حامل القرآن أنت .

( سورة آل عمران : 146 ) .

وكان سيف هذا الصحابي الجليل جوالاً ، صوالاً ، في أعناق المرتدين ، وهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها ، وكان يحمل بها راية المهاجرين ، بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب ، ولما رأى يمناه تبتر التقط الراية بيسراه ، وظل يلوح بها إلى أعلى وهو يصيح تالياً الآية الكريمة :

 

 

آية مدلولاتها جميلة جداً .

أحياناً ترى أخاً على الرخاء ماشي حاله في شغله ، وأعماله ،و صحته  وبيته ، وفجأة فقد وظيفته ، وتغير وضعه ، "ليش هيك صار معي" ؟ معناها أنت مالك عبد الفتاح بل أنت عبد الفتح ، الأمور مادامت ميسرة فأنت راضٍ ، لكن  الله عز وجل امتحنك ، البطولة أن تكون مقبلاً في الشدة ، لا في الرخاء .

سيدنا سالم تلا هذه الآية :


 

 

 

 

 

 

 

 

ثم أحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل ، ولكن روحه ظلت تتردد في جسده الطاهر ، حتى انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب ، واندحار جيشه ، وانتصار جيش المسلمين .

 

وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالماً في النزع الأخير يلفظ أنفاسه الأخيرة .

وفي التاريخ الإسلامي مشاهد يكاد العقل لا يصدقها ، ثلاثة جرحى اسألوا طبيباً جراحاً إذا أجرى عملية لإنسان وفقد جزءاً من دمه يعني يصبح الماء أغلى عليه من روحه ، يطلب ماء كثيراً ، كل إنسان أصابه نزف تنشأ عنده حالة عطش غير معقولة .

فهؤلاء الصحابة الثلاثة ، جاءهم شخص ليسقي الماء فسأل أول شخص هل لك بالماء حاجة ، قال له اسقِ أخي لعله أحوج مني ، ذهب إلى الثاني فقال له اسقِ أخي لعله أحوج مني ، فذهب إلى الثالث فرآه قد مات ، رجع إلى الثاني فرآه قد مات ، ثم رجع إلى الأول فرآه قد فارق الحياة ، وهذا غاية الإيثار .

فهل هناك إنسان يؤثر غيره على نفسه وهو في النزع الأخير ؟! هكذا ربى النبي أصحابه على المؤاثرة والتضحية .

 بالمطار مثلاً تجد المائة والثمانين راكباً لطائرة معينة  والطائرة لن تقلع إلا بهم جميعاً ، فترى الازدحام على مدخل الطائرة  وكل راكب له محل محجوز سلفاً وعلى البطاقة رقم محله، والمائة والثمانون لهذه الطائرة ، ولن تقلع إلا بهم جميعاً ، ومع ذلك فالتدافع  والسباب، أعوذ بالله عنوانهم .

أما الصحابة فعند الوفاة ، وأثناء النزع الأخير ، قال له اسقِ أخي مؤثراً إياه على نفسه ، فالتخلف في مجتمعنا حالياً كثير .

 لولا الصحابة الكرام لما انتشر الإسلام إلى الأفاق لكن بأخلاقهم النادرة وبالقيم العالية لديهم رفرفت رايات الإسلام بعيداً في الآفاق .

والله يا أخوان سأقول لكم كلمة :

 

( سورة الحشر : 9 ) .

الناس لا يرغبون بجامعكم ، ولا فيكم ، إذا  كان أحدكم أنيقاً أو إذا كان بيته فخماً ، لا ،بل يرغبون بأخلاقكم ، أخلاقكم وحدها هي التي تؤكد حقيقة هذا الدين العظيم ، لأن الدين ربّى أناساً أبطالاً ، ربى أناساً أعفــه ربى أناساً منصفين ، ربى أناساً موحديـن ، ربى أناساً متماسكين، ربى أناساً متبادلين ، ربى أناساً يؤثرون على أنفسهم .

 

سيدنا سالم وهو في النزع الأخير ماذا سألهم ؟ وقبل أن أجيب نعرج على حادثة طعن سيدنا عمر لما طعن قبل صلاة الفجر ، طبعاً أغمي عليه إذ فقد جزءاً كثيراً من دمه ، ثم إنه صحا من غيبوبته .

وفي أيامنا إذا واحد صارت له مشكلة ثم أفاق يقول : أين سيارتي ؟ يقال له تحت لا تخف موجودة ، ويقول : كان معي فلوس ، لا تخف فالمبلغ موجود . لكن الصحابة لما صحا سيدنا عمر هل تعلمون ماذا قال ؟ قال هل صلى المسلمون الفجر ؟ يا الله ‍‍! على هذا أنت قلق يا أمير المؤمنين ؟! طعنت وأنت في النزع الأخير ، فما أهمه إلا شيء واحد  هل صلى المسلمون الفجر ؟ سيدنا سالم وهو في النزع الأخير قال : ماذا فعل أبو حذيفة طمئنوني عنه .

وهناك صحابي جليل سعد بن الربيع تفقده النبي فما وجده ، فسأل أناس يتفقدونه في ساحة المعركة ، الذي كلفه النبي أن يتفقده رآه بين الموت والحياة قال له يا سعد هل أنت بين الأموات أمْ بين الأحياء ؟ قال له والله أنا مع الأموات يعني منتهٍ أمره ولكن أبلغ رسول الله وأقرئه السلام ، وقل له جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته ، وقل لأصحابه لا عذر لكم إذا خلص أحد إلى نبيكم وفيكم عين تطرف ، إنسان على فراش الموت ، أو في النزع الأخير ، على وشك مغادرة الدنيا ، لا ينسى فضل النبي عليه ، أبلغوا رسول الله أي جزاه الله عنا خيراً ـ الذي عرفنا بربنا ، والذي عرفنا بآخرتنا ، الذي ارتقى بنا ، وأبلغوا أصحابه ألا عذر لكم إذا خُلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف .

فسيدنا سالم قال : ما فعل أبو حذيفة .

قالوا : استشهد .

قال : أضجعوني إلى جواره ـانظروا إلى صدق المؤاخاة ـ قالوا إنه إلى جوارك ، وبشكل طبيعي مضطجع إلى جوارك .

قال : ما فعل أبو حذيفة .

قالوا : أستشهد .

قال : فأضجعوني إلى جواره .

قالوا : أنه إلى جوارك يا سالم ، لقد أستشهد في المكان نفسه  وابتسم ابتسامته

الأخيرة ، ولم يتكلم .

لقد عاش سالم وأبو حذيفة ، عاشا معاً ، وأسلما معاً ، واستشهدا معاً .

أما الشيء الغريب أن سيدنا عمر بن الخطاب ، عملاق الإسلام الخليفة الراشد ، ثاني الخلفاء الراشدين ، يقول وهو على فراش   الموت : لو كان سالم حياً لوليته الأمر من بعدي ، العبد الرقيق ، لو كان سالم حياً لوليته الأمر من بعدي .

أنا كل ما أرجوه منكم لكي نجعل  هذا الدرس ذا فائدة ، أن نحاول أن نطبق هذا الذي نسمعه، فيما بيننا ، نريد أن نعيش مجتمع الصحابة ، بقدر إمكانكم أقيموا المحبة بينكم ، والمؤاخاة ، والتضحية   والإيثار ، والجرأة ، بقول الحق لا تجاملوا بعضكم أبداً ، لكن بأدب  تناصحوا من دون فضيحة ، بينك وبينه ، قل له عملك غلط ، عملك مخالف للسنة ، لا تجامل ، لا تترك أحداً الإنسان غلطان وأنت فرحان  بغلطه .

سيدنا سالم مع سيدنا أبي حذيفة ، كانا أخوين ، متآخيين  متعاونين ، متناصحين ، عاشا معاً ، وأسلما معاً ، واستشهدا معاً .

فكل أخ ليكن له أخ ، أخ حميم ، عاونه في دنياه ، في أخراه  إذا أحتاج  إلى مال أقرضه ، أزوج ، إن تزوج فاخدمه ، إلى أقصى درجة ، حتى نستدرّ عطف الله عز وجل علينا جميعاً ، لأن يد الله مع الجماعة ، ويد الله على الجماعة ، فالتناصح التناصح .

 الصبر ، صبر ، ونصح ، وكان جريئاً وكان مخلصاً  وهو عبد رقيق ، يعني أجمل شيء قول سيدنا عمر  وهو على فراش الموت : لو كان سالم حياً ، لوليته الأمر من بعدي ، لجعلته خليفة المسلمين ، وهو عبد رقيق رفعه الإسلام إلى أعلى الدرجات .

طبعاً كما يقول سيدنا علي : لا تستحيِ من إعطاء القليل ، فإن الحرمان أقل منه .

أحد إخواننا قال لي إنه يعمل بتوزيع بعض المواد التجارية وبالشهر يتقاضى ثلاثة آلاف ليرة، وهذا المبلغ غير كاف ، لكن ماشي الحال ، ساكن عند أهله إنه يستحق العون ، لكنه أردف يقول :  أحد إخواني جاءني مرة وقال لي : فقدت عملي ، هذا الأخ متزوج حديثاً ، وبعد ما مضى على عمله في الشركة فترة  فليسبب أو لآخر انهوا له عمله وسرحوه ، فجاء هذا الأخ الشاب يشكو أخاه الأقدم منه ، قال له : فقدت عملي ، فقال له تعال اقعد جنبي بالسيارة ، تعاوني أثناء التوزيع ، وخذ نصف الدخل ، يعني لك واحد منهما ألف وخمسمائة ، إنه الإيمان يؤاخي ويواسي . ثم أقسم بالله العظيم ،  أن أول شهر كان دخلهما ثلاثين ألفاً  فبالتعاون ، الصادق أكرمهم الله  بثلاثين ألفاً ، فلا تستحيِ من إعطاء القليل ، فإن الحرمان أقل منه .

فهذه الدروس اجعلوها واقعاً ترقوا بها ، وإذا جعلتموها معلومات سمعتموها ، وقلتم الدرس حلو والله  وكان ممتعاً الحمد لله ، والله الدرس حلو يا إخوان ، فهذا كلام فارغ و صار الدرس عندئذٍ تسلية ، أما إذا عشنا هذه المعاني فلك صديق أو أخ فعاونه والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .

إننا نريد مجتمع المسلمين ، نريد أن نعيش مجتمع الصحابة ، نحس أننا في مجتمع له قيم خاصة ، قيم الدين وطبقة واحدة فلا أحد أحسن من أحد  كلكم لآدم وآدم من تراب ، لا المال له قيمة عندنا ، ولا الصحة ، ولا الجمال ولا الوسامة ، ولا النسب ، ولا الحسب ، أبداً والإنسان قيمته باستقامته وعمله .

سيدنا سالم في الطبقة الدنيا من المجتمع ، يعني أقل طبقة  هي طبقة العبيد ، لو كان سالم حياً لوليته الأمر من بعدي ، هذا هو الإسلام .

فنحن نتعاون يا إخوان ، لما أنت تطبق السنة ، تطبق ما فعله الصحابة  وتشعر بسعادة لا توصف ، وأكبر دعوة إلى الله ليست تلك التي تتفوه بها ، لكن أكبر دعوة إلى الله  تلك التي يراها الناس منك بأعينهم فالناس يتعلمون بأعينهم لا بآذانهم .

يعني ممكن الآن وبهذا الزمان فإنه إذا وجد أحدٌ بيت أجرة معتدلة جداً ألف ليرة بالشهر ، ومعاشه خمسة آلاف ، وهو لا زال أعزب و له أخ في الله خاطب لكنه لم يجد بيتاً فأسعفه بهذا البيت فقد عمل خيراً  هكذا ينصرف المؤمن الحق ولقد وقعت قصة مشابهة منذ فترة قصيرة  .

 نحن نريد  مؤاثرة ، تضحية ، معاونة ، ببيت أفضل وأحسن وأكرم الله الذي تخلى عن بيته لصديقه ، وأن  يحس الإنسان الذي يقبل على الجامع أن هذا الجامع بيت الله ، وكل من فيه أحباب الله ، ما لا حسد لا ضغينة ، ولا نقد ، ولا استعلاء  ولا كبر ، لكن هناك أشخاص قناصون ينتظر منك خطيئة ، ومتى ما علقت فضحك  وهذا مجتمع الذئاب ، مجتمع المنافقين، مجتمع المنحرفين ، إننا نريد مجتمع المسلمين ونريد الإسلام واضحاً فيما بيننا.

فنحن ما أردنا من هذه القصص التسلية ، هي والله قصص ممتعة ، لكن والله ما أردت منها إلا أن نجعلها نبراساً لنا ، مفاهيم نطبقها في حياتنا  فهذان الصحابيان ، لبعد ألف وخمسمائة سنة ، نقرأ سيرتهما فيتعطر بهما المجلس أولاً مجتمع القيمة الواحدة لا القيم العديدة ، وليست  قيماً مادية بل كلها قيم روحية ، قيم أخلاقية والنبي الكريم يقول : الحمد لله الذي جعل في أصحابي مثلك ، هذا كلام سيدنا رسول الله ، وسيدنا عمر يقول : والله لو كان سالم حي لوليته الأمر من بعدي .

وسيدنا أبو حذيفة يقول : زينوا القرآن بأفعالكم .

لنجعل القرآن يتزين بأعمالنا ، هذا الذي والله أتمناه ، وكلما حرصنا على تطبيق هذه المواقف، وهذه السنن كلما ارتقينا عند الله .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi