English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
 

الدرس  7/ 50 : سيرة الصحابي : أبو عبيدة بن الجراح ، لفضيلة الأستاذ الدكتور  محمد راتب النابلسي  

تاريخ               :  23 / 11 / 1992 .

تفريغ               :   عماد علان

التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا ، وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الأكارم ؛ مع الدرس السابع من دروس السيرة ؛ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وسيرة أصْحابه الكِرام رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وصحابيُّ اليوم أبو عُبَيْدة عامر بن الجراح ، هذا الصحابي الجليل قال في حقِّه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ *

[رواه البخاري عَنْ أَنَسٍ ]

       أيها الإخوة ؛ قبل أن أنطلق في الحديث عن حياته ومواقفه وعن بطولاته ومكانته الرفيعة التي أكرمه الله بها ، أريد أنْ أنقل إليكم شُعوراً انْتابني وأنا أُطالعُ سيرة هذا الصحابيِّ الجليل قبل قُدومي إليكم ؛ لَفَتَ نظري أنَّ هؤلاء الصحابة قاسَوا شدائد الحياة ؛ فطعامُهُم ولِباسُهم خَشِنٌ ، حياتهم كلُّها متاعب وغزوات وقِتال ودِفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وفي تَصَوُّري وأنا موقِنٌ بِهذا التصَوُّر أنهم كانوا أسعد الناس ، تشعر أنّ أحدهم يكادُ يمْتلئُ سعادةً وشُعوراً بأنه إنْسانٌ كريمٌ على الله ، وفجأةً قفَزَتْ إلى نفْسي صُورة إنسانٍ مُعاصِر عاش حياة الدَّعة والرخاء ، ويأكل أفضل الطعام ، ويسكُنُ في أفْخَرِ منزل ؛ تَكْييف وتدفئة مركزيَّة ، الغُرَفُ الواسِعة والتزْيينات ، كُلُّ شيءٍ جميل حوله ، وشَعَرت أنَّ مثل حياة الإنسان المُعاصِر الذي خلَتْ حياتُه من البُطولة ، ومن أيِّ تضْحِيَة ، ومن أيِّ إيثارٍ ، ومن حُبٍّ لله ورسوله ، ومن رِسالةٍ يحْمِلُها ، ودَعْوةٍ يدْعو إليها ، ومن عملٍ صالحٍ يُقَدِّمُه ، ومن قلْبٍ ينْبِضُ بِالرحمة ، إنْسانٌ خَلَتْ حياته من هذه المشاعر ، وتِلك المُهِمات المُقدَّسة ، وهذه الأهداف السامِيَّة ، مثل هذا الإنسان يشْعر بِتَفاهَتِهِ وهوانِهِ على الناس ، ولو عاش في أعلى درجات النعيم ، صحابِيٌّ جليل حياته كلُّها متاعب يقود جُيوشاً قِيادةً لا أرْوَع ولا أعظم منها ، يدْخُلُ عليه الخليفة عمر بن الخطاب فإذا غُرْفَتُه فيها قِدْر ماء ، وجِلْدٌ قد ذهب ريشُهُ ، ورَغيفُ خُبْزٍ قد غطى به قِدْر الماء ، وسَيْفٌ مُعَلَّقٌ على الحائِط ، سيِّدُنا عمر الزاهد المُتَقَشِّف فوجئ ؛ أهذه غُرْفَة أمين الأُمّة وقائد الجيش ؟! قال له : ما هذا يا أبا عُبيدة ؟! قال : هو للدنيا ، وهو على الدنيا كثير ، ألا يُبَلِّغُنا المقيل ، شَعَرْتُ بِأحاسيس أردْتُ أنْ أُعَبِّرَها لكم ، كلُّ الدنيا لو كانت بِيَد الإنسان وتعْلمون ما معنى هذه الكلمة الدنيا بِأموالها وبُيوتِها ومُتَنَزَّهاتِها وقُصورِها ومرْكَباتِها وطائِراتها ويُخوتِها ونِسائِها ؛ كُلُّ ما لذَّ وطاب ، لا تسْتطيعُ الدنيا بِأكْمَلِها أنْ تمْنح الإنسان سعادةً ، وهؤلاء الصحابة الذين عاشوا حياةً مملوءةً بالشَّقاء فيما يبْدو ؛ هِجْرةٌ اقتلعت الإنسانَ من جذوره ، لقد هاجَرَ أبو عبيدة إلى الحَبَشَة وإلى المدينة ، وشَهِد كلّ المشاهد ، وكان أكبر مُدافِعٍ عن رسول الله حتى إنه نزع حلَقَةً غُرِسَتْ في وَجْنة النبي عليه الصلاة والسلام بِأسْنانه ، فنزع الحلقة الأولى بِفَمِه فانْكسرت سِنُّهُ الأمامية ، ونزع الحلقة الثانِيَة بِفَمِه فانكسرت سِنُّهُ الأخرى فصار أهتمَ ، ومات بالطاعون ، وهو أمين هذه الأمة ، شَعَرْتُ أنَّ الله عز وجل إذا تجلى على قلب المؤمن بالرحمة أسْعَدَهُ سعادَةً لا توصَفُ ، لا تستطيعُ الدنيا بِأَكْملها إذا كانت بِيَد إنْسان أنْ تمْنحه هذه السعادة ، أقول هذا الكلام أيها الإخوة لكم ولِنَفْسي ، أبواب الجنَّة والبُطولة مُفَتَّحَةٌ وهم لا يزالون في الدنيا ، وأبواب الإقبال على الله مُفَتَّحَةٌ لهم في الدنيا ، فما هؤلاء الرجال ؟! واللهِ إنْ كانوا بشَرًا فَنَحْنُ لسْنا من بني البشر ، وإنْ كُنا بشَرٌ فهم فوق البشر ، هم مُلوك الدار الآخرة ، وما هذا الحُبّ الذي في جوانِحِهم ؟ وما هذا الشوْقُ الذي تنْبضُ بِه قُلوبهم ، كلما قرأتَ تاريخ هذا الصحابي مهما تعدَّدَت مرَّات القراءة تشْعُر أنَّك تَقِفُ أمام إنْسانٍ عظيم ، من أيِّ جامِعَةٍ تَخَرَّج ؟! هل يحْمِلُ دُكْتوراه ؟ كم كِتابًا قرأ ؟  فإذا اتَّصل الإنسانُ بالله أصْبح شيئاً آخر ، يُمْكن أنْ يُلْغى عنده مع الاتِّصال بالله كلُّ شيء ، أرجو الله جلّ جلاله أنْ يُمَكِّنَني من نقْل صورة صادِقَةٍ مُشْرِقَةٍ عن هذا الصحابيّ الجليل الذي هو أبو عُبَيْدة بن الجراح .

       قالوا في صفته : كان وضيء الوجه ، بَهِيَّ الطلْعَة ، نحيل الجِسْم ، طويل القامة ، خفيف العارِضَيْن ، ترْتاحُ العَيْنُ لِمَرْآه ، وتأنَسُ النفْسُ بِلُقْياه ، ويطْمَئِنّ الفؤاد إليه ، وكان رقيق الحاشِيَة جمَّ التواضع ، شديد الحياء لكنه ، كان إذا حزب الأمر ، وجدَّ الجِدّ يغْدو كاللّيْث يعْدو ، لا يلْوي على شيء ، رِقَّةٌ ما بعدها رِقَّة ، وبهاءٌ ما بعده بهاء ، إشْراقُ وجْهٍ ما بعده إشْراق ، فإذا جدّ الجِدّ فَهُو كالليْث .

       قالوا : كان يُشْبِهُ نصْل السيْف ، رَوْنَقاً وبهاءً ، ويحْكيهِ حِدَّةً ومضاءً ، إنه أبو عُبَيْدة بن الجراح .

       سيّدنا عبد الله بن عمر وَصَفهُ فقال : ثلاثة من قريش أصبح الناس وُجوهاً ، وأحْسنها أخلاقاً ، وأثْبَتُها حياءً ، إنْ حَدَّثوك لم يكْذِبوك ، وإنْ حَدَّثْتهم لم يُكَذِّبوك ؛ إنهم أبو بكرٍ الصديق ، وعثمان بن عفان ، وأبو عُبَيْدة ابن الجَراح ، وهكذا وصف النبي المؤمن فقال : من عامل الناس فلم يظْلمهم ، وحَدَّثَهُم فلم يكْذِبْهم ، ووعَدَهُم فلم يخْلِفْهُم ، فَهُوَ ممن كَمُلَتْ مُروءته ، وظهرَتْ عدالته ، ووجَبَتْ أُخُوَّتُه ، وحرُمَت غيْبته .

       كان من السابقين السابقين ، أسلم في اليوم الثاني لإسلام أبي بكرٍ رضي الله عنه ، وسيّدنا الصديق أوَّل من أسْلم من الرِّجال ؛ في اليوم الثاني من إسْلام أبي بكرٍ ، وكان إسْلامه على يدي أبي بكرٍ ، فإذا أكْرم اللهُ أحدَكم بِهِداية إنسانٍ على يده - إنسان بِمَعنى الكلمة صادق ومُخْلص - فأنت من أسعد الناس .

      أيها الإخوة الأكارم ، أحبّ دائِماً أنْ أُذَكِّركم بِقَوْل النبي عليه الصلاة والسلام: يا علي لأنْ يهدي الله بك رجُلاً خير لك من حُمر النّعَم"

[ رواه أبو داود ]

خير لك من الدنيا وما فيها ، وخير لك مما طلعت عليه الشمس ، فالإنسان آن له أن ينْتقل من طور التلقي إلى طَوْر الإلقاء ، ومن طَوْر الأخذ إلى طَوْر العطاء ، ومن طَوْر الاهتداء إلى طَوْر الهِداية ، آن له أنْ يرفعه الله عز وجل بِحَسَب عمله الطَيِّب ، فهذا سيِّدُنا الصديق أجْرى الله على يده هِداية عُظماء المسلمين ، وسيِّدنا أبو عبيدة قد أسلمَ على يد سيّدنا الصديق ، ولعلّ العشرة المُبَشّرين بالجنة أسلموا كلُّهم على يد سيّدنا الصديق .

       كان إسلامه على يد سيّدنا الصديق فَمَضى به وبِعَبْد الرحمن بن عَوْف وبِعُثمان بن مظعون وبِالأرقم بن أبي الأرقم إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، فأعْلنوا على يدَيْه كلمة الحق ، وكانوا القواعد الأولى التي أُقيم عليها صَرْحُ هذا الدِّين .

أبو عُبَيدة بن الجراح قال بعض المُفَسِّرين : إنّ قوله تعالى :

[ المجادلة : الآية 22 ]

       قال العلماء : قدِمَ وفْد نصارى نجْران على النبي عليه الصلاة والسلام - اُنْظر إلى ما كان يشْغل أصْحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وانظر الآن إلى مُجتمع اليوم ما يشْغله ؛ يتنافَسون على الدنيا وزينتها وتِجارتها وأموالها ونِسائِها - فقالوا : يا أبا القاسم ، اِبْعَث معنا رجلاً من أصْحابك تَرْضاهُ لنا لِيَحْكُم بيْننا في أشْياء من أموالنا اخْتَلَفْنا فيها ، فإنكم عندنا معْشَر المُسْلمين مرْضِيون ، هنا يطالعنا العجبُ حقًّا ؛ فأنت كَمُؤمن مَوْثوق حتى من قِبَل خُصومك ، موثوق في أمانتك ، وعِفَّتِك ، وصِدْقِك ، وحِكْمَتِك ، حتى من قِبَل خُصومك ، هذه علامة الإيمان ، علامة الإيمان أنَّ المؤمن شَخْصِيَةٌ فذَّة ، شَخْصِيَةٌ يرْتاح لها الإنسان ولو كان عَدُواً ؛ فقالوا : يا أبا القاسم ، اِبْعَث معنا رجلاً من أصْحابك تَرْضاهُ لنا لِيَحْكُم بيْننا في أشْياء من أموالنا اخْتَلَفْنا فيها ، فإنكم عندنا معْشَر المُسْلمين مرْضِيون ، كلكم يذكر حديثَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ 

[ رواه الترمذي ]

       فَرْقٌ كبير بين أن يسْلم الناس منك ، وبين أن يأْمنوك ، فلو سَكَنْتَ في بيْتٍ ولك جيران ، ومضى على سكناك في هذا البيت عشرُ سنواتٍ ، ولم يتضجَّر ، ولم يشْكُ منك أحدٌ من الجيران ؛ إذاً سَلِم الجيران منك ، لكنهم لم يطْمئِنوا إليك ، وفَرْقٌ كبير بين أن يسْلم الناس منك ، وبين أن يأْمنوك ، فالسلامة عدم حُدوث المكْروه ، لكنَّ الطمأنينة والأمن عدم تَوَقُّع ما يُكْره ، فالمُسلم يسْلم الناس من لِسانه ويَدِه ، لكنَّ المؤمن أرْقى من ذلك ، يأمنه الناس على أمْوالهم وأعْراضِهم ، المُسلم لا يُؤذي جيرانه ولا يؤذي َمن دونه ، ولا من فوقه ، لكنَّ المؤمن لا يتوَقَّعُ أحدٌ ممن حوله أنْ يأتيَ الأذى منه ، فثَمَّة فَرْقٌ كبير بين ألاّ تؤذي ، وبينْ ألاّ يتوقَّعَ الناسُ منك شيئاً من الأذى ؛ فالحديث فيه دِقَّة ، إذْ إنَّ مرتبة الإسلام أنْ يَسلم الناسُ من لِسانك ويَدِك ، أما مرتبة الإيمان هي أنْ يأمنك الناس على أمْوالهم ودِمائِهم وأعْراضِهم ، لا يُمْكن لإنسانٍ يُعامِلُ مؤمناً أنْ يخاف منه ، ولا أنْ يتوَجَّس منه خيفَةً ، وحتى أنْ يقول : لعلَّهُ يؤذيني ، فهذه صِفات المؤمنين ، خُصوم المؤمنين من أهل الكتاب جاؤوا النبيَّ عليه الصلاة والسلام طالِبين منه أنْ يبْعث إليهم أحد أصْحابه لِيَحْكُم بينهم في خِلافاتٍ مالِيَّة ، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟! قال : ائتوني العَشِيَّة أبْعَثْ معكم القَوِيَّ الأمين ، يقول سيِّدُنا عمر : فَرُحْتُ إلى صلاة الظهر مُبَكِّراً ، لعلَّني أنا القويُّ الأمين ، وإني ما أحْبَبْتُ الإمارة حُبي إياها يومئِذٍ ، فسيِّدُنا عمر تاقَتْ نفْسه للإمارة ، إذ النبي الكريم يقول : ائتوني العَشِيَّة أبْعَثُ معكم القَوِيَّ الأمين ، قال عمر : فَرُحْتُ إلى صلاة الظهر مُبَكِّراً ، لعلَّني أنا القويُّ الأمين ، وإني ما أحْبَبْتُ الإمارة حُبي إياها يومئِذٍ ، فلما صلى بنا النبي عليه الصلاة والسلام جعل ينْظر عن يمينه وعن شِماله ، فَجَعَلْتُ أتطاول لعلَّهُ يخْتارُني ، ولعلَّني أنا القوِيُّ الأمين - الناس الآن يبْحثون عن مكانة علِيَّة عند أهل الدنيا لا عند المؤمنين ؛ على المنصب والمرتبة والوظيفة ، أما سيّدنا عمر فيبحث عن مرتبة عَلِيَّةٍ عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم - فلم يزَل يُقَلِّبُ بصره فينا حتى رأى أبا عُبَيْدة بن الجراح فقال : اُخْرُج معهم ، فاقْضِ بينهم بالحق فيما اخْتَلفوا فيه ، فقُلْتُ : والله ذهب بها أبو عُبَيْدة .

       في إحدى المرات بشَّر صلى الله عليه وسلَّم أصْحابه بالجنَّة فَسَأله صحابيٌّ فقال : وأنا فقال: سَبَقَكَ بها عُكاشَة ، وهذا من مُنْتهى الذكاء ، والأنبياء أصْحاب فِطنة وذكاء ، فَهُو صلى الله عليه وسلَّم ما أخَافَهُ ، وما كذب عليه ، وما أهْمله ، إنما قال له : سَبَقَكَ بها عُكاشَة .

       سيِّدنا أبو عُبيدة بن الجراح بعثه النبي عليه الصلاة والسلام في جَمْعٍ من أصْحابه لِيَتَلَقَوا عيراً لِقُرَيْش ، وأمَّره عليهم ، وزوَّدَهُم جِراباً من تمْرٍ ، ولم يَجِد لهم غيره ، فكانَ أبو عُبَيْدة يُعْطي الرجل من أصْحابه كلَّ يومٍ تمْرة ، فَيَمُصُّها الواحد منهم كما يمُصُّ الصَبِيُّ ضَرْعَ أُمِّه طوال النهار ، ثمّ يشْرب عليها ماءً ، فكانت تكْفيه إلى الليل ، هذا هو الطعام الخَشِن ، طوال النهار تَمْرة ، أما الآن يقول لك : أين الشاي الأخضر ؟ وأين المُقَبِّلات والحِساء الساخن والفواكه؟ أنواعٌ مُنَوَّعة ، أنا الذي لفتَ نظري أنَّ كلّ هذه الحياة الصعبة والشاقة وهذا الجِهاد ، وهذه الهِجْرة والمُكابدة والتضْحِيَة ، وهذا الحرّ والقرّ جعلهم أسعد الناس ، وكلُّ النعيم الذي نحْياه ، وكُلُّ الرفاه وكلُّ هذه المواد التي بين أيْدينا من دون معْرفةٍ بالله هي عَيْنُ الشَّقاء ، لِذلك اُطْلُبوا العِزَّة عند الله .

       ويوم أُحُدٍ حينما هُزِم المسلمون ، وطَفِق صائح المُشْركين يُنادي : دُلوني على محمد ، كان أبو عُبَيْدة بن الجراح أحد النفر العَشَرة الذين أحاطوا بالنبي عليه الصلاة والسلام ليذودوا عنه بِصُدورِهم رِماح المُشْرِكين ، فلما انْتَهَت المعْركة كان النبي عليه الصلاة والسلام قد كُسِرَت رُباعِيَّتُه ، وشُجَّ جبينه ، وغارَتْ في وَجْنَتِه حلْقتان من حلق دِرْعِه ، فأقْبَلَ عليه الصديق - هناك نصٌّ آخر يقول عليه الصلاة والسلام وقد حصل له ما حصل : كيفَ يفْلحُ قومٌ خضَّبوا وجه نبِيِّهم وهو يدْعوهم إلى ربِّهم !" - قُلْتُ لكم إنَّ هناك مِن المصائِب ما يكْشف اللهُ بها حقيقةَ هذا الإنسان العظيم ، عندما أقْبل عليه الصِّديق يريد انْتَزاعهما من وَجْنَتَيْه صلى الله عليه وسلم ، فقال له أبو عُبَيْدة : أُقسم عليك أنْ تترك ذلك لي ، فَتَرَكَهُ ، فَخَشِيَ أبو عُبَيْدة إنْ اِقتَلَعَهُما بِيَدِه أنْ يُؤذِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فَعَضَّ على أولاهما بِثَنِيَّتَيْه عضاً قوِياً مُحْكماً فاسْتَخْرَجَها ، ووقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ ، ثمَّ عضَّ على الأخرى بِثَنِيَّتِهِ الثانِيَة فاقْتَلَعَها ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ الثانِيَة ، قال أبو بكرٍ : فكان أبو عٌبَيْدة من أحْسن الناس هتْماً - الأهْتَم الذي كُسِرَت أسْنانه الأماميَّة - لقد كان في قلوبهم حبٌّ لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، حينما قال أبو سُفْيان : ما رأيْتُ أحداً يُحِبُّ أحداً كَحُبِّ أصْحابِ محمدٍ محمَّداً " ففعلُ أبي عبيدة هذا مصداق قول أبي سفيان .

       شَهِد أبو عُبَيْدة بن الجراح المشاهدَ كلَّها ، وما تخَلَّف عن النبي إطْلاقاً ، قال : ولما كان يومُ السَّقيفة قال عمر بن الخطاب لأبي عُبَيْدة : اُبْسُط يدَكَ أُبايِعُك ، قَالَ أَنَسٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ *

[ رواه مسلم ]

       كلمة أمين لها عُمْقٌ كبير ، ولا أعْتَقِد أنَّ هناك أعمق منها في المعنى الذي تشْمله ، أمين على مصالح الناس ، أمين على دينهم ، فأحياناً تجد شَخْصاً لديه موظَّف مُجِدّ ومُتَفَوِّق وذو نشاط، ولكنه لا يُصلي ، ويقول لك صاحب المحلَّ : ماذا أفعل له ؟! دَعوهُ وشأنه !! فصاحب هذا المحل يَهُمُّه أن يكون الموظَّف مُنْضبطًا في العمل ومصالحه ، أما أنه لا يُصلي وغير مُلْتَزِم بالشرع فهذا لا يَهُمُّه ، أما المؤمن أمين على دين الناس وينْصحهم ويُوَجِّهُهُم ويُحْسِن إليهم ويُرَبِّيهم ، فالإنسان لا ينْبغي أنْ يتعلَّق بِمَصالِحه الدنيَوِيَّة ، أنت أمين على دين أهلك ؛ على دين زوْجَتك ، فإذا وَجَدْتَ الطبخ ممتازًا ، ونظافة البيت جيِّدة قُلْتَ : زوْجَتي ممتازة إلا أنَّها ليْسَتْ مُتَدَيِّنة ، فأنت لسْتَ أميناً على دينها ، وكذا إذا كان لك أولاد أبْرار ولكن ليس فيهم الدِّين سليمًا ، فهذه قاصمة الظهر ، وإذا سألك شخصٌ كان واجِباً عليك الإجابة إنْ كنت تعْلم ، أنْ تكون الإجابة ليْسَت في صالحِك أما ، فإن لم تفْعل فلستَ أميناً ، وهذا اشْترى منك بِضاعة ، وقال لك : اِنْصَحْني ، ونَصَحْتَهُ بالبِضاعة الكاسِدة ، فأنت لستَ أمينًا ، هناك أمانة فَتْوى ، وأمانة عِلْم ، وأمانة نُصح ، وأمانة دين ، فأنت عليك دائِماً أنْ تنْصح الناس ، وأنْ تكون حريصًا على مصالِحِهم الدنيوِيَّة والأُخْرَوِيَّة .

       سيدنا عمر أوَّلُ سؤالٍ كان يطْرحه إذا قدِم عليه الوالي : كيف الأسْعارُ عندكم ؟ لأنه إذا غِلَت الأسْعار شَقِيَ الناس ، وإذا انْخَفَضَت سعِد الناس ، فكان رحيماً بِرَعِيَّتِه .

       نعود لعمر بن الخطاب إذْ قال لأبي عُبَيْدة : اُبْسُط يدَكَ أُبايِعْك ، فإني سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول : إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ *

[ رواه مسلم ]

        أنا ما وَجَدْتُ أشْخاصاً مُتَأدِّبين مع بَعْضِهم بعْضاً كأصْحاب رسول الله ، سيِّدنا عمر ؛ عِمْلاق الإسلام ، وهو خليفة المسلمين ، وهو أمير المؤمنين يقول له أحدهم : والله ما رأيْنا أحداً خيراً منك بعد رسول الله ، فتفرَّس فيهم ، وكاد يأكلُهم ، إلى أن قال أحدهم : لا واللهِ ، لقد رأيْنا مَنْ هو خيرٌ منك ، فقال : من هو ؟ فقال : أبو بكر ، فقال : صَدَقْتَ وكَذَبْتم جميعا ، قال : والله لقد كان أبوبكر أطْيب من ريح المِسْك ، وكُنتُ أضَلّ من بعيري ، ووقف على المنبر فَنَزل درجة، فقالوا : لمَ فعلْتَ هذا ؟! فقال : ما كان الله لِيَراني أنْ أرى نفْسي في مقام أبي بكرٍ ، لقد كان أميناً على الصديق بعد وفاته ، وقبل أنْ يموت اسْتأذن عائِشَة رضي الله عنها لِيُدْفَن إلى جانب الصديق، فأذِنَتْ له فقال : لعلها اسْتَحْيَتْ مني وأنا أمير المُؤمنين ، فأوْصى أصْحابه : أنْ إذا متُّ فسِيروا بِنَعْشي أمام بيْتِها ، واسْتأذِنوها ، فإنْ أذِنَتْ فادْفِنوني جانب الصِدِّيق ، ما أُخِذَ بِسَيْف الحياء فهُو حرام ، كلمة (أمين) عظيمة ، هل أنت أمين على مصالح زوْجتك وأولادك ، وعلى الدِّين ، في هذه الأمة تجد من يؤجِّر بيْتاً ، ويجعل فيه الحرام ويقول : دخلي باليوم خمسة آلاف ! أنت لسْتَ أميناً على أخلاق الأمة إنما يهُمُّك المال فقط ، مرَّةً أكرمني الله بِعُمرة وكنت في بَحْبوحةٍ من الوقت ، فأَحْبَبْتُ أنْ أمُرَّ على أكثر المشاهد الإسلاميّة ، فَزُرْتُ موْقِعَة بدْرٍ ، ورأيْتُ العريش الذي وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام ، والعُدْوة الدنيا والعُدْوة القُصوى ، لكن لفتَ نظري أنَّ الزائرين مِن الناس الذين كانوا بالسيارات الفَخْمة مدُّوا المَّدات ، وأخْرجوا الأكْلات الفَخْمة ، فقارنتُ بين هؤلاء الذين زاروا أرض هذه المعركة ، وبين أولئك الذين خاضوا هذه المعركة ، فلم أجِد هناك نِسبة !! طَقْمُ هؤلاء غير طَقْم أولئك ، أين الثرى من الثريا ، الآن الناس هَمُّهُم بطونهم وشَهَواتهم ، فلِذلك قال عليه الصلاة و السلام : إذا كان أُمراؤكم خِياركم ، وأغْنياؤُكم سُمحاؤُكم ، وأمْركم شورى بينكم فَظَهْر الأرض خيرٌ لكم من بطْنها ، وإن كان أمراؤكم شِراركم وأغْنياؤكم بُخلاءكم ، وأمركم إلى نِسائِكم ، فَبَطْنُ الأرض خيرٌ لكم من ظهْرها.

       كان سيِّدنا أبو عُبَيْدة قصابًا ، وهو أمين هذه الأمة ؛ الإسلام عظيم ، فلما طلب عمر بن الخطاب من أبي عُبَيْدة ما طلب - كما أسْلَفْنا - قال أبو عُبَيْدة : ما كنتُ لأَتَقَدَّم بين يدي رجلٍ أمَّرهُ رسول الله علينا أنْ يؤُمَّنا في الصلاة ، فأَمَّنا حتى مات ، لما اختار النبي صلى الله عليه وسلّم أبا بكرٍ لِيَؤُمَّ الناس في الصلاة فهُوَ أفْضلهم من دون شكٍّ ؛ قال : ما كنتُ لأَتَقَدَّم بين يدي رجلٍ أمَّرهُ رسول الله علينا أنْ يؤُمَّنا في الصلاة ، فأَمَّنا حتى مات - طبْعاً تعلمون أنِّ سيِّدنا الصديق هو الذي بويِعَ بعد ذلك ، فكان مع الصِّديق يده اليُمْنى ، وما عصاهُ أبداً ، وكان مع عُمر أيضاً يدهُ اليُمْنى ، وما عصاهُ أبداً إلا مرةًّ واحدة ، وإليكم هذه المعْصِيَة : لقد وقعت هذه المعصِيَة حينما كان أبو عُبَيْدة في الشام يقودُ جُيوشَ المُسلمين من نصْرٍ إلى نصْرٍ ، حتى فَتَحَ الله على يَدَيْه الدِّيار الشامِيَّة كُلَّها ؛ فَبَلَغَ الفُرات شَرْقاً وآسْيا الصغرى شمالاً ، عند ذلك دهمَ بِلاد الشام طاعون ما عرف الناس مثله قطّ ، فَجَعَل يحْصد الناس حصْداً ، فما كان من عمر بن الخطاب إلا أنْ وَجَّهَ رسولاً لأبي عُبَيْدة بِرِسالةٍ ، بلَّغ أبا عُبيدة وهو في الشام قائِدًا الجُيوش ، فكتب إليه يقول : إني بَدَتْ لي إليك حاجة ، لا غِنى لي عنك فيها ، فإنْ أتاك كِتابي هذا ، إنْ أتاكَ ليْلاً فإني أعْزِمُ عليك ألاَّ تُصْبِحُ حتى تَرْكَبَ إلَيَّ ، وإنْ أتاك كِتابي نهاراً فإني أعْزِمُ عليك ألاَّ تُمْسي حتى ترْكَبَ إلَيَّ " ، فَفَهِمَ سيِّدُنا أبو عُبَيْدة ما يريده عمر ، واسْمَعوا ما قاله هذا الصحابيّ الجليل :" قد علمتُ حاجة أمير المؤمنين إليّ ، فَهُو يُريد أنْ يسْتَبْقي ما هو ليس بِبَاقٍ ، ثمَّ كتب يقول : يا أمير المؤمنين إني قد عَرَفْتُ حاجَتَك إلَيّ ، وإني في جُنْدٍ من المُسْلمين ، ولا أجد بِنَفْسي رَغْبَةً عن الذي يُصيبُهم أنْ يُصيبُني ما يُصيبُهم ، فهو رضي الله عنه ما أراد أنْ يُغادر الجُيوش لِيَنْجُوَ وحْده من الطاعون ، ويَهْلك الجُنْدُ هناك  ، ولا أريد فِراقهم حتى يَقْضِيَ الله فيَّ وفيهم أمره ، فإذا أتاك كِتابي هذا فَحَلِّلْني من عزْمك ، وأْذَنْ لي بالبَقاء " هذا هو الأمر الذي عصاهُ فيه ، فهو رضي الله عنه كَبُرَ عليه أنْ يأخذ ميزة على جُنوده ، فلا بدَّ من أنْ يكونوا هناك لِيُدافِعوا ويفْتحوا ، وأراد عمر أنْ يسْتَبْقيه ، وأنْ يُنَجيه من هذا الوباء ، فَرَفضَ قائِلاً : لا أريد فِراقهم حتى يَقْضِيَ الله فيَّ وفيهم أمره فإذا أتاك كِتابي هذا فَحَلِّلْني من عزْمك ، وأْذَنْ لي بالبَقاء " فلما قرأ عمر الكتاب بكى حتى فاضَتْ عَيْناه ، فقال له مَن عنده من شِدَّة ما رأَوْهُ يبْكي : أمات أبو عُبَيْدة ؟! قال: لا ، ولكنَّ الموتَ قريبٌ منه ، كانَ رحيماً بِجُنوده ، وأَبَتْ نفسه أنْ يمْتاز عليهم .

       سيِّدُنا عمر حينما أراد أنْ يسْتخلف خليفةً بعده قال: والله لو كانَ أبو عُبَيْدة بن الجراح حياًّ لاسْتَخْلَفْتُه ، فإنه لو أنَّ الله سألني عنه لَقُلْتُ : اسْتَخْلَفْتُ أمين الله ، وأمين رسوله .

       هناك نقطة ثانية ، لما سيِّدُنا عمر عزل سيّدنا خالدًا وولَّى مكانه أبا عُبَيْدة ، فالكِتاب جاء لِأبي عُبَيْدة ، وكان خالدٌ رضي الله عنه يقود معْرَكَةً ، فَكَتَمَ الخبر ، وكتم الكِتاب ، ولم يُبَلِّغ سيِّدنا خالدًا إلا بعد أنْ انْتَهتْ المعركة ، وانْتَصَر المسلمون ، فتَقَدَّم أبو عُبَيْدة القائِد المُعَيَّن من سيِّدِنا خالد القائِدُ المعْزول بِأدَبٍ جمٍّ ، وقدَّم له كِتاب التَّعْيين ، فَسَيِّدُنا خالد رضي الله عنهم شعر بالحرج، وقال : يرْحَمُك الله أبا عُبَيْدة ، ما منعك أنْ تُخْبِرني لمّا جاءَكَ الكِتاب - فقد مضى على ذلك قرابة أسبوع - حتى انْتَهَت المعركة ؟! فأجابه أبو عُبَيْدة رضي الله عنه وقال : والله إني كَرِهْتُ أنْ أكْسِرَ عليك حرْبَكَ ، وما سُلْطانُ الدنيا نريد ، ولا للدنيا نعمل ، وكلنا في الله إخوة - وقد كان يهُمُّه النصر على الأعداء لا المنصب - يقولون : إنّه لما جاء سيِّدُنا خالد رضي الله عنه إلى المدينة قال لِعُمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين لِمَ عزَلْتني ؟ وكانَ عُمر رضي الله عنه يُقَدِّر خالداً رضي الله عنه أعلى تقْدير ، فقال له : والله إني أُحِبُّك ، فقال له - مرَّةً ثانِيَة - : يا أمير المؤمنين لِمَ عزلْتني ؟ فقال له : والله إني أُحِبُّك  ، فقال له - مرَّةً ثالثة - : يا أمير المؤمنين لِمَ عزلْتني ؟ فقال له : واللهِ ما عَزَلْتُك يا أبا سُلَيْمان إلا مخافَةَ أنْ يُفْتَتَنَ الناسُ بك ، لِكَثْرة ما أبْليْتَ في سبيل الله ، فهو رضي الله عنه أراد إنقاذَ الوحيد ، وذلك من شِدَّة الانتِصارات وكثرتها على يد خالد ، فخاف أن يظن الناسُ أنَّ النصر من عِنْد خالِدٍ ، فأراد هذا الخليفة العظيم أنْ يُبَيِّن للناس أنَّ النصر من عند الله ، وكان هذا هو سبب العزْلِ .

       يبْدو أنه حينما تسّلَّم الإمارة أبو عُبَيْدة ولمع نجْمُهُ وذاعَ صيتُهُ وحقَّقَ انتِصارات كبيرة ، عَظَّمَهُ الناس وأكبروه وأجَلُّوه ، فخاف على نفْسه أنْ يُصيبَها الغُرور ، فقال : أيها الناس ، إني مُسلمٌ من قُريش ، وما منكم مِن أحدٍ أحمر ولا أسْود يفْضُلُني بِتَقْوى إلا وَدِدْتُ أني في إهابِهِ - وهذا من تواضُعِه - سيِّدُنا عمر يزور أبا عُبَيْدة بن الجراح ، ويسْأل مُسْتَقْبِليه أين أخي ؟ يقولون: من ؟ يقول : أبو عُبَيْدة ، فيأتي أبو عُبَيْدة فَيُعانِقُ أمير المؤمنين ، ثمَّ يصْحبه إلى داره فلا يجد فيها من الأثاث شيئاً ؛ سَيْفَهُ وتِرْسه ورَحْلَهُ وقِدْرَ ماءٍ مُغَطىً بِرَغيفِ خُبْزٍ ، يسْأله عمر قائِلاً : ألا اتَّخَذْتَ لِنَفْسِك مثل ما يتَّخِذُ الناس فقال له أبو عُبيدة : يا أمير المؤمنين هذا يُبَلِّغُني المقيل ؛ هو للدنيا وهو على الدنيا كثير ألا يُبَلِّغُنا المقيل .

       كذلك لمّا سيدنا عمر بلغه خبر وفاة سيِّدنا أبي عُبَيْدة بن الجراح بَكى بُكاءً ما بكاهُ على أحدٍ من قبل حتى غُصَّ حلْقُهُ ، وانْهَمَرَتْ دُموعه ، وقال : لو كنت مُتَمَنِّياً ما تمَنَّيْتُ إلا بيْتاً مملوءً بِرِجالٍ مثل أبي عُبَيْدة ، ما تمَنى إلا هذا .

     حينما وافَتْ المَنِيَّةُ أبا عُبَيْدة وهو يلْفِظُ أنْفاسَهُ الأخيرة أوْصى فقال : أقيموا الصلاة ، سيِّدُنا عمر حينما طُعِن وقُتِل ، فقبْل أنْ يموتَ سأل سؤالا  غريبًا ، فقال : هل صلى المُسْلمون الفجر ؟! ما الذي يَهُمُّهُ ؟ صلاة الفجرْ ، فلما قال له المسلمون : نعم ، اطْمَأنَّ ، فَسَيِّدُنا أبو عُبَيْدة قال : أقيموا الصلاة ، وصوموا رمضان ، وتصَدَّقوا ، وحُجُّوا ، واعْتَمِروا ، وتواصوا  وانْصحوا لأُمرائِكم ولا تغُشُّوهم ، ولا تُلْهِكم الدنيا ، فإنَّ المرء لو عُمِّر ألف حَوْلٍ ما كان له بُدٌّ من أن يصير إلى مصْرعي هذا الذي تَرَوْن - وكان على فِراش الموت - فنحن جميعاً حُكِمَ علينا بالموت مع وقْفِ التنْفيذ  ويأتي التنفيذ وَفْقَ برنامَجٍ عند الله عز وجل ، فعلى هذا الشرط جِئْنا ، فلو أنَّ شخْصاً اسْتَأجر سيارة ثلاثة أيام فهل يُعْقَل عند انتهاء الأجل أنْ يقول : لماذا أخذوها مني ؟! فأنت ركِبْتَها على شرطٍ وهي أنها مستأْجَرة ، وكذا الإنسان جاء على هذا الشرط وهو الموت لكنَّ الله خلقهُ لِجَنَّةٍ عرضُها السماوات والأرض .

       اِلْتَفَتَ سيِّدُنا أبو عُبَيْدة إلى مُعاذ بن جبل ساعة احتضاره ، وقال : يا مُعاذ ، صلِّ بِالناس ، ثمَّ ما أنْ لبِث حتى فاضَتْ روحُهُ الطاهِرة فقال معاذ : يا أيها الناس إنكم قد فُجِعْتُم بِرَجُلٍ ، واللهِ ما أعلم أني رأيتُ رجُلاً أبرَّ صدْراً ولا أبعد غائِلَةً ، ولا أشدَّ حُباً للعاقِبَة ، ولا أنصح للعامَّة منهم فَتَرَحَّموا عليه يرْحَمْكم الله .

       كم من شَخْصٍ في العالم يموتون يوميًّا ، أنا لا أذكر الرقم ، ولكن على مُستوى العالم كُلّ ثانِيَتَيْن هناك وفاة ، فبِمَ يوصون ؟ وبِمَ يودعون الدنيا ؟ أقول : تبقى قلوبهم متعلقةً بالدنيا .

       فيا أيها الأخ المسلم ؛ اِعْمل عملاً تسْعد به عند لِقاء الله تعالى ، اِبْذل ، ووضَحِّ ، والتزِم ، وأنْفِق ، وتعلَّم حتى يكون الموت أسعد لَحَظاتك ، والموت سماهُ الله مُصيبة ، لأنَّ كلّ شيءٍ تُجَمِّعُه في الدنيا يُسْلبُ منك في ثانِيَةٍ واحدة ، أما إذا كان الإنسان له أعْمال صالحة يُصبحُ الموتُ عُرْسَهُ وفرْحَتَهُ الكُبْرى .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi