English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس  01/20  ، سيرة التابعي :  عطاء بن أبي رباح ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

تفريغ              :   السيد عماد علان  . 

التدقيق اللغوي     : الأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة المؤمنون ، في الدروس السابقة كان الموضوع حَول أصحاب رسول الله رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، واليوم ندخل في موضوع جديد ، وهو سِيَرُ التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا حَتَّى كُنْتُ مِنْ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ *

[ رواه البخاري ]

     ونحن بِشَهادة رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع عَدَدٍ كبير من التابعين الأجِلاَّء الذين اقْتفَوا أثر النبي عليه الصلاة والسلام ، وأثرَ أصحابه الكرام ، وتابِعِيّ اليوم عطاء بن أبي رباح ، فقد قيلَ عنه : ما رأيتُ أحدًا يريد بالعِلم وجْه الله عز وجل غير هؤلاء الثلاثة : عَطَاء وطاووسُ ومجاهد .

     أيها الإخوة الكرام ؛ تَذْكير سريع لِحِكمة تَدريس سِيَر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وسِيَرِ التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين.

     كُلّكم يعلم أنَّ الإسلام عقيدة ، وعبادةٌ ، ومُعاملةٌ ، وخُلُق ، وأنَّ المسلم إذا وُضِعَت أمامه هذه الحقائق ، وتِلْك الأحكام فلا شكَّ أنَّهُ يتأثَّر بها أشدَّ التأثُّر ، إلا أنَّه إذا رأى بِأُمّ عَيْنَيْه الإسلامَ مُجَسَّدًا في شخْص ، فهذا الشَّخص الذي يحملُ بين جوانِحِهِ مشاعر المسلم ، ويتحرَّك في حياتِهِ وِفْق منهج المسلم لهُوَ أبْلَغُ ألف مرَّة من أيَّة محاضرةٍ نظريَّة تُلقى عن الإسلام ، وهذا لِسَبَبٍ بسيط، وهو أنَّ القصَّة فيها حقيقة مع البرهان عليها ، أنت أمام شخصٍ امْتلأَ عقلهُ بالعلم ، وامْتَلأَ قلبهُ بالحُبّ ، وتحرَّكَ في سُلوكِهِ وِفْق منهجٍ دقيق ، هذا الشَّخص حجَّةٌ عليك ، أما إذا بَقِيَ الإسلامُ فِكْرًا ، وثقافةً ، وبَقِيَ الدِّين أحكامًا شرعِيَّةً ، فربَّمَا لا يفْعَلُ فِعْلَهُ في الناس ، كما لو تَلَوْتَ على مسامِعِهِم قصَّةَ إنسان تمثَّلَ هذا الدِّينَ بِكُلّ إمكاناتهِ .

     هذا التابعِيّ الجليل كان مُعاصِرًا لِلخليفة الأمَوِيّ سُلَيمان بن عبد الملك ، الذي يقول عنه المؤرِّخون : إنّهُ خليفة المسلمين ، وأعْظمُ مُلوك الأرض .

     سُليمان بن عبد الملِك يُؤدِّي فريضة الحجّ ، وهو في بيت الله الحرام  حاسِرَ الرأس ، حافِيَ القدَمَيْن ، ليس عليه إلا إزارُهُ ، ورداء ، شأنُهُ كَشَأن أيّ حاجٍّ من المسلمين ، ومن خلْفِهِ ولداهُ ، وهما غلامان كَطَلْعَة البدْر بهاءً ، وكأكْمام الورْد نظارةً وطيبًا ، وما إن انتهى خليفة المسلمين ، وأعظمُ مُلوك الأرض من الطَّواف حول البيت العتيق ، حتى مالَ على رجلٍ من خاصَّتِهِ ، وقال أيْن صاحبكم ؟ الآن الملِكُ يسْأل أحدَ خاصَّتِهِ ؛ أيْن صاحبكم ؟ فقال : إنَّهُ هناك قائمٌ يُصَلِّي ، نحن الآن في البيت العتيق ، في بيت الله الحرام  والخليفة يسأل أحد المقرَّبين إليه ؛ أين صاحبكم ؟ وأشار إلى ناحيةٍ غربيَّة من المسجد الحرام ، فاتَّجَهَ الخليفة ، ومن ورائهِ ولداهُ إلى حيثُ أُشير إليه، وهمَّ رِجال الحاشِيَة -كما هي الحال دائمًا - أنْ يتْبعوا الخليفةَ لِيَفْتحوا له الطريق ، ويدْفَعُوا عنه أذى الزِّحام ، فثنّاهم ، وقال : هذا مقامٌ يسْتوي فيه الملوك والسُّوقَةُ ‍! يسْتوي فيه الحاكمُ والمحكوم ، والقويّ والضعيف ، والفقير والغنيّ ، والآن الإنسان إذا ذهَبَ إلى الحجّ ؛ وكان من أغنى أغنياء الأرض ، وجلسَ في أفْخَر فندقٍ هناك ، فلا يستطيعُ إلا أن يطوفَ مع عامَّة المسلمين ، ولا يستطيع إلا أن يسْعى في المسْعى ، وإلا أن يقف في عرفات ، ويسير إلى مزدلفة، شأْنُ الحجّ وخصائصُهُ تقتضي أن يكون الحُجَّاج سَواسِيَةً مهما علا بعضهم على بعض .

     ويقول هذا الخليفة : ولا يفْضُل فيه أحدٌ على أحد إلا بالقَبُول والتَّقوى ، ورُبّ أشْعَثَ أغبر قَبِلَ على الله فتقبَّلَهُ بِمَا لمْ يتقبَّل به المُلوك ، ورُبَّ أشْعثَ أغبر قدم على الله في بيته الحرام ، فقَبِلَهُ اللهُ بما لمْ يتقبّل به الملوك .

     ثمَّ مضى هذا الخليفة نحو هذا الرجل ، فوجدَهُ لا يزال في صلاته ، غارقًا في ركوعِهِ وسُجودهِ ، والناس جُلوسٌ وراءهُ ، وعن يمينه وشمالهِ ، فجلسَ الخليفة حيث انتهى به المجلس ، وجلس معه ولداهُ ، وطفِقَ الفتيان القرشِيَّان يتأمَّلان ذلك الرجل الذي قصَدَهُ أمير المؤمنين ، وجلسَ مع عامَّة الناس ينتظرُ فراغهُ من صلاتهِ ‍! مَن هو هذا الرَّجل ؟! قال : فإذا به شَيْخٌ حبَشِيّ، أسْوَدُ البشَرَة ، مُفَلْفَلُ الشَّعْر ، أفْطَسُ الأنف ، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْوَد !! مَن هذا الرجل الذي سأل عنه الخليفة ؟ وتوجَّهَ إليه مع ولِيَّيْ العَهْد ؟ رآهُ يُصَلِّي ، فجلَسَ ينتظرُ مع عامَّة الناس ، ولمَّا انتهى الرجل من صلاتهِ مال بِشِقِّه على الجِهَةِ التي فيها الخليفة،  فحيَّاهُ سليمان بن عبد الملِك ، فرَدَّ التَّحِيَّة بِمِثلها ، وهنا أقْبَلَ عليه الخليفة ، وجعلَ يسْألهُ عن مناسِك الحجّ ؛ مَنْسَكًا منْسكًا ، وهو يفيضُ بالإجابة عن كلّ مسْألة ، ويُفصِّلُ القَوْل فيها تفْصيلاً ، لا يدَعُ سبيلاً لِمُسْتزيد، ويُسْنِدُ كلَّ قَوْلٍ يقولهُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولمّا انتهى الخليفة من مُساءلَتِهِ جزَّاهُ خَيْرًا ؛ أيْ قال له : جزاكَ الله خَيْرًا ، وقال لِوَلدَيْه : قومَا ‍فَقامَا ، وقام الثلاثة نحوَ المسْعى ، وفيما هم في طريقهم إلى المسْعى بين الصَّفا والمروَة سمِعَ الفتَيان من يقول : يا معْشَرَ المسْلمين لا يُفْتِي الناسَ في هذا المقام إلا عطاء بن أبي رباح ، فإن لمْ يوجَد فَعَبْدُ الله بن أبي نجِيح ، فالْتَفَتَ أحدُ الغلامَيْن إلى أبيهِ ، وقال : كيف يأْمُر عامِلُ أمير المؤمنين الناس بِأَن لا يسْتفْتُوا أحدًا إلا عطاء بن أبي رباح وصاحِبِهِ ، ثمَّ جئنَا نحن نسْتفتي هذا الرجل الذي لم يأْبَه للخليفة ، ولمْ يُوَفِّهِ حقَّهُ من التَّعظيم ؟‍!! الآن اسْتمعوا ما قاله سليمان : فقال سليمان لِوَلدِهِ : هذا الذي رأيْتَهُ يا بنيّ ، ورأيْتَ ذُلَّنا بين يدَيْه هو عَطاء بن أبي رباح ؛ هو نفسهُ ! صاحبُ الفتيا في المسجد الحرام  ووارِث عبد الله بن عبَّاس ، يعني خليفة عبد الله بن عبَّاس ، الصحابيّ الجليل الذي أوتِيَ فهْمًا في القرآن الكريم ، وكان مَوْسوعةً في كلّ العُلوم ، ثمَّ أرْدَفَ يقول : يا بنيّ ، تَعَلّم العِلْم ، فَبِالعِلْم يشْرُفُ الوضيع ، سأُذكِّرُكم بِعَطاء بن رباح ؛ شيْخٌ حبشي ، أسْودُ البشَرة ، مُفَلْفلُ الشَّعر ، أفْطسُ الأنف ، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود ‍!! قال له : يا بنيّ هل رأيْتَ ذُلَّنا بين يدَيْه ؟ المُتَكَلِّم خليفة المسلمين، الذي يَحْكمُ ثلث الدنيا ، هل رأيْت ذلَّنا بين يديه ؟ يا بنيّ تَعَلّم العِلْم ، فَبِالعِلْم يشْرُفُ الوضيع ، وينْبُهُ الخامِل ، ويَعْلو الأرِقَّاء على مراتب المُلوك ، ولذلك حينما قِيل : رُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب ، ليس في هذا مُبالغة إطلاقًا ، فرُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب ، تعلَّموا العِلم ، فإنْ كنتُم سادةً فُقْتُم ، أيْ تَفَوَّقْتُم ، وإن كنتم وسطًا سُدْتُم ، أيْ أصبحْتُم سادةً ، وإن كنتم سُوقةً عِشْتُم ‍، أيْ عِشْتُم ‍بالعلم .

     مَن هذا التابعيّ الجليل ؛ عطاء بن رباح ؟ قال : كان عَبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من أهل مكّة ، وهذه حِكمة ، فقد تكون أنت في أدْنى سلّم المجتمع ، في الطبقة الدنيا ، فقيرًا ، لا يعرفك أحد ، الأب مُتَوَفَّى ، والأم فقيرة ، جاهلة ، وأنت في هذا البيت ، فإذا تعلَّمْتَ العِلْم ، وصَلْتَ إلى العَلْياء، كان عطاء بن رباح عبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من أهْل مكَّة ، غير أنَّ الله عزّ وجل أكْرمَ الغُلام الحبشيّ بِأَنْ وضَعَ قدَمَيْه مُنْذ نُعومة أظفارهِ في طريق العِلْم ، وَواللهِ الذي لا إله إلا هو لا أغْبِطُ أحدًا إلا شابًّا صغيرًا نشأ في طاعة الله ‍! شيءٌ ثمينٌ جدًّا أن تكون في مقْتَبَل العُمر ، تتلقَّى العلْم ، وتُغذِّي عقْلَكَ بالعلم ، وتُغذِّي قلْبكَ بالحبّ ، وتتَّبِعُ منْهجَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فإذا كنتَ شابًّا ، وهذه هي حالُك ، فكيف إذا صِرْتَ شيْخًا ؟ من لمْ تكُن لهُ بِدايةٌ مُحْرقَةٌ ، لمْ تكن لهُ نِهايةٌ مُشْرقة ، والأمر بين أيديكم ، الإله هو الإله ، ربّ محمَّدٍ وأصحاب محمّد هو ربُّنا ، وإلههُم إلهُنا ، فالحقائق واحدة ، والظروف واحدة ، والمعطيات واحدة ، والفرَصُ واحدة ، وبإمكانك أن تكون بطَلاً في أيّ عَصْر ، لا تَكُن خامِلاً ، ولا تكن غير طموحٍ في أمْر الآخرة ، كُنْ طَموحًا بالآخرة ، حبَشِيّ مملوك لامرأة من قريش ، يقفُ أمامهُ خليفة المسلمين ، ويقول له : يا بنيّ ، هل رأيتَ ذلَّنَا بيْن يدَيْك ؟ عبْدٌ حبشي ، أسْودُ البشَرة ، مُفَلْفَلُ الشَّعر ، أفْطسُ الأنف ، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود ‍! قال له هل : رأيتَ ذلَّنَا بين يديك ؟ هذا هو العلم .

     هذا العَبْدُ الأسْود الممْلوك لامرأة من قريش ، قسَّمَ وقْتَهُ ثلاثة أقْسام ، وهذا يهمُّنا كثيرًا ، وأنا أتمنَّى عليكم أنْ تُنظِّموا أوقاتكم ؛ وقْتٌ للعمل مِن أجل أن تأكل ، ووقْتٌ من أجل أن تعبدَ الله عز وجل ، ووقْتٌ من أجل أن تطلبَ العِلم ، ولا تسْمَح لِجانِبٍ من حياتِكَ أن يطْغى على جانبٍ آخر ، وإلا ندمتَ أشَدّ النَّدَم ، ولا تسْمح لِعَمَلِكَ أن يأخذ جلَّ وقْتك ؛ إذًا أنت لا تعيش ، ولم تعرف حقيقة الحياة ، ولا تسْمح لِعَمَلِك أن يحْتَوِيَ كلّ وقْتك ، ولا تسْمح لِعِبادتِكَ أن تُنْسيكَ عملكَ الذي ترْتَزِقُ منه ، وازِنْ بين عبادتك ، وبين عملكَ ، وبين طلبِ العلم ، فيجب أن نُنَظِّمَ أوْقاتنا ، عبْدٌ حبشيّ ، أسْودُ البشَرة ، مُفَلْفَلُ الشَّعر ، أفْطسُ الأنف ، إذا جلسَ بدا كالغُراب الأسْود ‍، ممْلوك لامرأة من قريش نظَّمَ وقْتَهُ ، جعَلَ قِسْمًا من وقْتِهِ لِسَيِّدَتِهِ ، يخْدمها أحسنَ ما تكون الخدمة، ويؤدِّي لها حُقوقها عليه أكْمَلَ ما تؤدَّى الحقوق ، وجَعَلَ قِسْمًا من وقْتِهِ لِرَبِّه ، يفْرُغُ فيه لِعِبادتِهِ ، أصْفى ما تكون العبادة ، وأخلصَها لله عز وجل ، وجعلَ قِسْمًا ثالثًا لِطَلب العلم ، حيث أقْبلَ على منْ بقِيَ حيًّا من أصْحاب رسول الله ، وطفِقَ ينْهَلُ من مناهلِهم الثَّريّة الصافيَة ، فأخذ عن كبار الصحابة كأبي هريرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم رِضْوان الله تعالى عنهم ، حتى امتلأَ صدره علمًا وفقْهًا وروايةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم .

     مرَّةً ثانيَة ؛ نظِّموا أوْقاتكم ، وقتٌ للعمل ، لا تُلْقوا هُموم العمل إلى البيت ، ووقْتٌ لِعِبادة الله، لا تُشَوِّش هذه العبادة بِهُموم البيت ، ولا بِهُموم العمل ، ووقْتٌ لِطَلب العلم ، وكأنَّك طالبٌ صغير، اِنْسَ كلّ شيءٍ ، اُدْخل إلى بيت الله ،      واطْلب العلم ، نظِّم وقْتَكَ ، عَبْدٌ وقفَ أمامهُ ملِكٌ ذليلاً ، ولمَّا رأتْ السيّدة المكيّة أنّ غلامها قد باعَ نفسهُ لله ، ووقفَ حياتهُ على طلب العلم ، تخلَّتْ عن حقِّها فيه ، وأعْتَقَتْ رقبَتَهُ تقَرُّبًا لله عز وجل ، وهذه الحقيقة أيّها الإخوة ، واللهِ الذي لا إله إلا هو لا تتخلّف أبدًا ، ما معنى هذه الحقيقة ؟ إنَّهُ من طلبَ العِلْم تكفَّلَ الله له بِرِزْقِهِ ، وهذه الحقيقة جعلَتْ من أبي حنيفة أبَا حنيفة العالم الكبير ! أنا لا أقول لكم : إنَّك إذا طلبْتَ العِلْم تجِدُ المال تحت الوِسادة !! ولكنَّ الله عز وجل يُيَسِّر لك عملاً وقْتُهُ معقول ، ودخْلهُ معقول ، ويسْمحُ لك هذا العمل أن تطلب العلم ، ويستحيل أن تطلب العلم ، ويجعلك الله تحت عملٍ يمتصّ كلّ وقتك ! فمن طلبَ العِلْم تكفَّلَ الله له بِرِزْقِهِ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ

[ رواه البخاري ]

     وقال أيضا : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ *

[ رواه الدارمي ]

     لمَّا يقوم الإنسان وهو بين أهله ويرتدي ثيابهُ ، ويتَّجِهُ إلى بيت الله لِيَطلب العلم ، لا يدري وهو بهذه الحركة أنّه يتحرّك نحو الجنَّة ، وقد سهَّلَ الله له طريقًا إلى الجنَّة .

     حينما أعْتَقَتْهُ سيّدتَهُ اتّخذ عطاءٌ من بيت الله الحرام مُقامًا له ، فجعلَهُ دارهُ التي يأْوي إليها ، ومدرستَهُ التي يتعلَّمُ فيها ، ومُصلاّهُ الذي يتقرَّب إلى الله تعالى فيه ، حتى قال بعض المؤرِّخين : كان المسجد الحرام فِراشَ عطاءِ بن أبي رباح نحْوًا من عشرين عامًا ! أنتَ انظُر أيَّ مكانٍ ترتاح فيه ؟ المؤمن في المسجد كالسَّمَك في الماء ، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص!! أين ترتاح ؟ المؤمن يرتاح في المسجد ، بيتُ الله تعالى ، العلم القُرْب من الله ، التَّزكِيَة .

     وقد بلغَ هذا التابعيّ الجليل منْزلةً من العِلْم فاقَتْ كلَّ تَقْدير ، وسمَا إلى منزلةٍ لمْ يَنَلْها إلا نفرٌ قليل ، فقد رُوِيَ أنَّ عبْد الله بن عمر رضي الله عنهما أمَّ مكَّة معْتَمِرًا ، فأَقْبَلَ الناس عليه يسألونهُ ويسْتفْتونَهُ ، هذا منْ ؟ عبد الله بن عمر ؛ هذا صحابيّ ، وهو ابن عمر بن الخطاب ، فقال : إنِّي لأعْجبُ لكم يا أهْل مكَّةَ ، أتَجْتمِعون عليّ لِتَسْألوني عن أسئلةٍ كثيرة ، وفيكم عطاء بن أبي رباح، صحابيّ يرى أنَّ عطاء بن أبي رباح أشدُّ علْمًا منه .

     وصَلَ هذا التابعيّ الجليل إلى ما وصَلَ إليه مِن عُلُوّ في مقامه ، ومن رُتبةٍ عاليَةٍ في علْمِه، بِخَصْلَتَيْن اثْنَتَيْن ؛ الأولى أنَّهُ أحْكَمَ سلْطانهُ على نفْسِهِ ، فلَمْ يدَعْ لها سبيلاً في أنْ ترْتَعَ فيما لا نفْعَ له ، وأنا أعْتقدُ أنَّ إخواننا الكرام ، ورُوَّاد هذا المسجد ، وطُلاَّب العلم الشريف ، يسْتحيلُ أن يُفكِّر الواحد بِعَمَلٍ فيه معْصِيَة ، وهذا حُسْن ظنِّي بكم ، ولكن بَقِيَ كيف تتفاوَتون الآن ؟ في ألاَّ يدعَ أحدُكم وقْتًا يمْضي بلا فائدة ، فَنَحْن نتفاوَت في الاستفادة من كلّ دقيقةٍ من حياتنا ، أحيانًا سهْرة لا طائِلَ منها ، وجلْسة غير مُجْدِيَة ، حديث فارغ ، وموضوع سخيف ، إنَّ الله يُحِبّ مَعالِيَ الأُمور، ويكْرهُ سَفْسافَها ودَنِيَّها ، طبْعًا جميعُ المؤمنين في الأعمّ الأغلب لا يعْصون الله عز وجل ، بلغُوا مرْتبةً أعلى من أنْ يعْصُوا ربَّهم ، تجاوَزُوا هذه المرحلة ، فكيف يتفاوتون الآن؟ وكيف يتمايَزون؟ وكيف يتسابقون ؟ في اسْتغلال أوقات الفراغ ؛ طلبُ علْمٍ ، وقراءة القرآن ، ودعوةٌ إلى الله تعالى ، أمْرٌ بالمعروف ، نهْيٌ عن المنكر ، إصْلاحُ ذات البيْن .

     الخصْلة الثانِيَة ؛ أنَّهُ أحْكمَ سُلطانهُ على وقْتِهِ ، فلمْ يهْدرهُ في فضول الكلام والعمل ، أحْكمَ سلطانه على نفسِهِ ، فلمْ يسْمح لها أن تركعَ في المُباح ، وأحكمَ سُلطانهُ على وقتِهِ ، فلمْ يسْمح لِنَفْسِهِ أن يُمضِيَ وقتًا في ما لا طائِلَ منه .

     حدّثَ محمَّدُ بنُ سُوقَة جماعةً من زُوَّارِهِ ، قال : ألا سْمِعُكم حديثًا لعلَّهُ ينفعكم كما نفعَني ؟ فقالوا : بلى ‍، قال : نصَحَني عطاء بن أبي رباح ذاتَ يومٍ ، وقال : يا ابْنَ أخي ، إنَّ الذين من قبلنا كانوا يكرهون فُضول الكلام ، قلْتُ : وما فُضول الكلام عندهم ؟ قال : كانوا يَعُدُّون كلّ كلامٍ فُضولاً ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ ، وأن يُفْهم ، قال تعالى :

[ سورة المؤمنون ]

     قال المفسِّرون : كلّ ما سِوى الله تعالى لَغْوٌ ، فأنت إن جَلسْتَ جلسةً فانْتَبِه ، لأنّ المؤمن الصادق لا يتكلَّم كلمةً إلا إذا كان لها معنى عميق ، يفسِّر آية ، يشْرح حديثًا ، يبيِّنُ حكمًا شرعِيًّا، يبيِّنُ عظمة الله تعالى في الخلْق ، يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، لا يوجد عندهُ كلام فارغ، الكلام اللَّغو ، والموضوعات السَّخيفة ، والمبتذلة والمسْتهلكة ، واسْتِماعٌ إلى قصَّة لا طائل منها ، وغيبة ، مسْتحيل ، وهذا من صفات المؤمن الصادق ، يضْبطُ لِسانَهُ في أعلى درجات الضَّبْط ، قال : كانوا يَعُدُّون كلّ كلامٍ فُضولاً ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ ، وأن يُفْهم ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يُرْوى أو يُدْرى ، أو أمْرًا بِمَعْروف ، أو نهْيًا عن منكرٍ ، أو علْمًا يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى ، أو أن تتكلَّم بِحاجتِكَ ومعيشتِكَ التي لا بدّ منها ، تبْحث عن زوجة ؛ هذا عمل مشروع ، تبحثُ عن عملٍ ، تؤمِّنُ طعامَ أولادك ، تُزَوِّجُ أولادك ، هذه حاجة أساسيَّة ومشْروعة ، ولك فيها حاجة ، وفيها امْتِثال لِقَول الله عز وجل :

[ سورة المائدة ]

     هذا محمَّد بنُ سُوقَة الذي نصَحَ جماعةً قد زاروهُ ، وقال لهم : نصحني عطاء بن أبي رباح وقال كذا وكذا ، ثمَّ حدَّق إلى وجهي ، وقال : أَتُنْكِرون قوله تعالى :

[ سورة الانفطار ]

     الإنسان أحيانًا يَغْفل أنَّ له ملكان يكْتُبان عنه كلّ شيءٍ .

[سورة الانفطار]

أَتُنْكرون قوله تعالى :

[ سورة ق ]

ثمَّ قال : أما يسْتحي أحدُنا - هذا الكلام كلامُ عطاء بن أبي رباح - لو نُشِرَتْ عليه صحيفَتُهُ التي أمْلاها صَدْر نهارِهِ ، ووجدَ أكْثرَ ما فيها ليس من أمْرِ دينه ، ولا مِن أمْر دُنياه ، أما يسْتحي ؟! من هؤلاء الذين انتفَعُوا بِعَطاء بن أبي رباح ؟ قال : انْتَفَعَ به أهل العِلم المتخَصِّصون ، وأربابُ الصِّناعة المحترفون ، وأقوامٌ كثيرون غير هؤلاء .

     حدَّث الإمام أبو حنيفة النعمان عن نفسهِ فقال : - طبْعًا هذه قصَّة قد تسْتغرِبونها ، وأنا أسْتغْربُها معكم ، إلا أنَّها ليْسَت مستحيلة الوُقوع ، لأنَّ الإنسان أحيانًا قد يُتقنُ المعلومات النَّظريَّة، ولكن في حيِّز التطبيق قد يضْطرب - أخْطأْتُ في خمسة أبواب من المناسك بِمكَّة ، فَعَلَّمَنيها حجَّام ، أي حلاَّق ، والإنسان إذا حجَّ أوَّل مرَّة تجدُه قد قرأ كُتُبًا كثيرة ، واسْتمعَ إلى دروس علْم كثيرة في مناسك الحجّ ، يضطرب وينْسى أن يُهَرْوِل ، ينْسى أن يضطبِع ، يبدأُ من اليسار ، وقد يقعُ في أخطاءٍ كثيرة ، وهذه لا تقدحُ في مكانتِهِ ، لأنَّ النَّظري شيء ، والعملي شيءٌ آخر ، قال أبو حنيفة بن النعمان : أخْطأْتُ في خمسة أبواب من المناسك بِمكَّة ، فَعَلَّمَنيها حجَّام ، وذلك أنَّني أردْتُ أن أحْلِقَ لأَخْرجَ من الإحرام ، فأتَيْتُ حلاَّقًا ، وقلتُ : بِكَم تحْلق لي رأسي ، فقال الحجَّامُ : هداكَ الله ، النُّسُك لا يُشارطُ عليه ، اِجْلس ثمَّ ادْفع ما تريد ، وكانت هذه مخالفة ، لأنّ النُّسُك لا يُشارط عليه ، ولا يُساوَم ، قال : فَخَجِلْتُ وجلسْتُ ، غير أنَّنِي جلسْتُ منحرفًا عن القِبْلة ، فأَوْمَأ إليّ بِأنْ اسْتقبِلِ القِبْلة ، ففعلْتُ وازْدَدْتُ خجلاً على خجلي ، ثمّ أعْطيتُهُ رأسي من جانبي الأيْسَر لِيَحْلقهُ ، فقال : أدِرْ شِقَّك الأيْمن ، فأَدَرْتُهُ ، وجعَلَ يحْلِقُ رأسي ، وأنا ساكتٌ أنظر إليه ، وأعْجبُ منه ، فقال لي : ما لي أراك ساكتًا ؟! كَبِّرْ ، فجَعَلْتُ أُكبِّر حتى قُمْتُ لأَذْهب ، فقال : أين تريد ؟ فقلتُ : أريد أن أمضي إلى رحلي ، فقال : صلِّ ركْعتين ثمَّ امْضِ إلى حيثُ تشاء .

     هذه قصَّة مرْوِيَّة عن أبي حنيفة النّعمان ، فيمْكن أن يتلقَّى المسلم العِلْم عن الحجّ بِشَكلٍ دقيق جدًّا ، ثم يذهب ليحجَّ ، فيقعُ في أخطاءٍ كثيرة جدًّا ، لذلك فإنّ المُمارس كما يقولون سبَقَ الفارس، المعلومات النَّظريَّة شيء ، والعمل شيء آخر .

     هناك قِصَص أغْربُ من ذلك ، فقد يظنّ المسلم أحيانًا أنَّهُ بلغَ القِمَّة ، فربُّنا عز وجل بِأُسلوبٍ لطيفٍ يؤدِّبُهُ ، ويُنْسيهِ شيئًا بديهِيًّا ، فمرَّة أحد كبار علماء المسلمين ، ولا أذْكرُ اسْمهُ ، أخطأ خطيئةً في مناسِكِ الحجّ ، فقال له : ألَم تقرأْ قَوْل الإمام فلان ؟ وكان الإمام نفسه الذي غلط‍‍! فالإنسان لمَّا يقول أنا ، فمهما علا شأْنُهُ ، هل هناك مَن هوَ أعلى شأنًا من الصَّحابة رضي الله عنهم ؟ صحابةُ رسول الله ، وهم قِمَمٌ في الكمال قالوا كلمة ، ولعلَّهم قالوها في قلوبهم : لن نُغْلَبَ اليوم مِن قِلَّة ، فقال تعالى :

[ سورة التوبة ]

     لذلك إذا قال الإنسان : أنا ، ولو كان أحد أكبر علماء المسلمين فقد وقعَ في خطأ فاحشٍ في اخْتِصاصِهِ .

  قال : فصلَّيْتُ ركْعتين ، وقلتُ في نفسي : ما ينبغي أن يقعَ مثلُ هذا مِن حجَّام ، ما هذا الحجَّام؟ خمسة أخطاءٍ صحَّحَها لأبي حنيفة ! شيخُ الفقهاء !! قال : لا يقعُ هذا مِن حجَّامٍ إلا إذا كان ذا علْمٍ، فقلْتُ له : مِن أيْنَ لك ما أمرْتني به من المناسك ؟ دقَّة بالغة ، فقال : لله أنت ، لقد رأيْت عطاء بن أبي رباح يفعلُهُ ، فأخذْتُ عنه ، ووجَّهْتُ الناس إليه ، فكان الحجّام تلميذَ عطاء بن أبي رباح .

     الحقيقة أنَّ شيئًا في الإسلام عجيبًا ، الحياة تقتضي العمل ، فهذا يعمل في الطعام ؛ خضري، أو سمَّان مثلاً ، وهذا بنَّاء ، وذاك قصَّاب ، إلخ .. لكنَّ رَوعة الإسلام أنَّ أصْحاب الحِرَف إن كان لهم مجْلسُ علْمٍ فهم علماء ، تجد كلامًا دقيقًا ، وحكمًا صحيحًا ، وإدراكًا ، وهذا شيءٌ يُلفِتُ النَّظر ، وهو إنسانٌ عادي له عمل ، ولكن لأنَّ لهُ مجلسَ علْمٍ يتلقَّى العِلْم أسْبوعيًّا أصبح هذا على طريق العلماء ، تجدُ إنسانًا له عمل ، وهو في نظر الناس عادي ، لكن حينما يتكلّم يتكلّم بالحكمة، ويقف الموقف المناسب ، ويتصرَّف بحِكمة بالغة ، وهذه هي آثار مجالس العلم .

     أقْبلَت الدنيا على عطاء بن أبي رباح ، فأعْرض عنها أشدّ الإعراض ، وأباها أشدّ الإباء ، وعاش عمرهُ كلَّه يلبسُ قميصًا لا يزيدُ ثمنهُ عن خمسة دراهم ، ولقد دعاهُ الخلفاء إلى مصاحبتهم، فلم يَجِب دعوتهم لِخَشْيَتِهِ على دينِهِ من دُنياهم ، لكنَّهُ مع ذلك كان يَثِبُ عليهم إذا وجدَ في ذلك فائدةً للمسلمين ، أو خيرًا للإسلام ، فإذا اتَّصَل عالمٌ بإنسان له قيمة ، وشأنهُ لِصَالِحِ المسلمين ، فهذا عملٌ صالح ، واللهُ تعالى يتولَّى السرائر ، فعطاء بن أبي رباح أقْبلَت عليه الدنيا أشدّ إقْبال ، لكنَّه أعرض عنها ، ودعاه خلفاء كثيرون إلى مصاحبتهم ، فرفَضَ دعوتهم ، وخَشِيَ على دينِهِ من دُنياهم ، كما قال أبو حنيفة لما عاتبَهُ المنصور ، وقد اجتمع به في أحد دور وُجهاء بغداد ، قال له : يا أبا حنيفة لو تغشَّيتنا ، فقال أبو حنيفة : ولِمَ أتغشَّاكم ، وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه ، وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء ؟ قال له : يا أبا حعفر إنَّك إن قرَّبتني فتَنْتني ، وإنّك إن أبْعدتني أزْريْتني ، وأنا أُمثّل الإسلام !

     قال عثمان بنُ عطاء الخرساني : انْطلقْتُ مع أبي نريدُ هِشام بن عبد الملك ، فلمَّا غدونا قريبًا من دمشق ، إذا نحن بِشَيخٍ على حِمار أسْوَد ، عليه قميص صفيق ، وجبَّة ، وقلنْسُوة لاصقة بِرَأسه ، وركابه من خشب ، فضَحِكْتُ منه ، وقلتُ لأبي : مَن هذا ؟! قال : اُسْكُتْ ! هذا سيّد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح ، فلمَّا قرُبَ مِنَّا نزلَ أبي عن بغْلتِهِ ، ونزلَ هو عن حِمارِهِ، فاعْتنقَا ، وتساءلاَ ، ثمَّ عادا فَرَكِبَا ، وانْطلقَا حتَّى وقفَا على باب قصْر هِشام بن عبد الملك ، فلمَّا اسْتقرَّ بهما الجلوس حتى أُذِنَ لهما ، فلمَّا خرج أبي قلتُ له : حدِّثْني بما كان منكما؟ فقال : - الآن عطاء بن أبي رباح سيّد فقهاء الحجاز ، والإنسان المتقشّف ، وصاحب الثِّياب الرخيصة يركب الدابة الرخيصة ، فالبغل غير الحصان ! - بادرَ فأذِنَ له ، وواللهِ ما دخلْت إلا بِسَبَبِهِ ، فلمَّا رآهُ هشام رحَّبَ به ، وقال : مرْحبًا مرْحبًا ، ها هُنا ها هُنا ، أي تعال إلى جنبي ، ولا زال يقول له ها هُنا هَا هُنا حتَّى أجْلسَهُ معهُ على سريرهِ ! وإلى جانبِهِ تمامًا ، ومسَّتْ ركْبتَهُ ركْبته ، وكان في المجْلس أشراف الناس ، وكانوا يتحدَّثون فسَكَتُوا ، ثمّ أقْبلَ عليه هشام فقال : ما حاجتُكَ يا أبا محمَّد ؟ اُطْلُبْ ؟! بعد قليل أذْكر لكم بعض المواقف التي لا ترْضي الله تعالى ، يمكن أن تلتقي مع إنسان بيَدِه الأمر ، وتطلبُ منه حاجةً شَخْصِيَّة ، قال له : يا أبا محمد ما حاجتك ؟ قال: يا أمير المؤمنين ، أهل الحرمين ، أهل الله ، وجيران رسول الله صلى الله عليه وسلّم تُقسِّم عليهم أرزاقهم، وأُعْطِياتهم ، قال : نعم ، يا غلام ؛ اُكْتُب لأهل مكَّة والمدينة بِعَطاياهِم وأرزاقِهِم إلى سنة ، ثمّ قال : هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، أهل الحجاز ، وأهل مجْدٍ أصْلُ العَرَب ، وقادة الإسلام ترُدّ فيهم فُضول صدقاتهم ، أيْ إذا جنَيت الصدقات منهم، الفضول أَبْقِها في بلادهم ، فقال : نعم ، يا غلام اُكْتُبْ بِأنْ تُردَّ فيهم فُضول صدقاتهم ، قال : هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمّد ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أهل الثُّغور يقفون في وُجوه عدُوّكم ، ويقتلون من رام المسلمين بِشَرّ ، تُجْري عليهم أرزاقًا تدرّها عليهم ، هم بِحاجة إلى مساعدة ، وهم إنْ هلَكوا ضاعت الثّغور ، قال : نعم ، يا غلام اُكْتب بِحَمْل أرزاقهم إليهم ، هل من حاجةٍ غيرها يا أبا محمد ؟ قال : نعم ، يا أمير المؤمنين أهل ذِمَّتكم لا يُكلَّفون ما لا يُطيقون ، فإنَّما تَجْبون منهم مَعونةٌ لكم على عدوّكم ، أيْ لا تُكلِّفوا أهل الذمَّة ما لا يُطيقون ، قال: يا غلام ، اُكتبْ لأهْل الذمَّة ألاَّ يُكلَّفوا ما لا يطيقون ، قال : هل من حاجةٍ غيرها يا أبا محمّد ؟ قال : نعم ، اتَّقِ الله في نفْسِكَ يا أمير المؤمنين ، واعْلَم أنَّكَ خُلِقْت وحْدك ، وسوف تموت وحْدك ، وتُحْشرُ وحدك ، وتُحاسَبُ وحْدك ، ولا واللهِ ما معك أحدٌ مِمَّن ترى أمامك ، حينما تموت ، وحينما تُحشَر، وحينما تُحاسب ، فأكَبَّ هِشامٌ ينْكت في الأرض وهو يبْكي ! فقام عطاءٌ فَقُمْتُ معه ، فلمَّا صِرْنا عند الباب إذا رجُلٌ قدْ تَبِعَهُ بِكِيسٍ لا أدري ما فيه ، وقال له : إنَّ أمير المؤمنين بعَثَ لك بِهذا ، فقال : هيْهات ، وما أسألكم عليه من أجْرٍ إنْ أجريَ إلا على ربّ العالمين ! فوالله إنَّهُ دخل على الخليفة ، وخرج من عنده ، ولم يشْرب قطْرةَ ماءٍ ، يمْكن أن تدخل على الخليفة ، اُدْخل على الملك ، فإذا كانت لك مكانةٌ عندهُ ، واطْلُب منه تَلْبِيَة حاجات المسلمين من دون طلب حاجات شخْصِيَّة .

     عُمِّرَ عطاء بن أبي رباح حتى بلغَ مائة عامٍ ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ *

[ رواه الترمذي ]

   

 لا يوجد أجْمل من عمْرٍ طويل في طاعة الله ، ولا يوجد أصْعب من عمْرٍ طويل في معصِيَة الله، قال تعالى :

 

[ سورة النحل ]

     إخواننا الشباب ، أنتم بِطَاعتكم لله ، وفي سِنّ شبابكم ، يُدَّخَر لكم ، وأنتم لا تشعرون ، شَيْخوخة من أرْوع فترات العُمْر ، لأنَّهُ مَن حفِظَ نفسهُ صغيرًا حفظها الله له كبيرًا ، ومن تعلَّمَ القرآن في شبابه متَّعَهُ الله حتى يموت ، أنا أقول لكم وهذه بِشَارة من رسول الله : إنّ الشابّ إذا أقْبَلَ على طلب العلْم ، وامْتلأتْ جوانحه بِحُبّ الله ورسوله ، وضبطَ جوارحهُ ، وسلوكه بالكتاب والسنة ، فهذا الشابّ له خريف عُمُرٍ يتمنَّاهُ الإنسان تَمَنِّيًا ، وقد لا يصِلُهُ ، وكنت قد حدَّثكم أنَّ رجلاً بدأ بِتَعليم أولاد المسلمين في الثامنة عشرة من عُمُره ، وامْتدَّ به العمر حتى الثامنة والتِّسْعين ، وكان إذا رأى شابًّا في الطريق يقول له : يا بنيّ أنت كنت تلميذي قبل أعوام ، وكان أبوك تلميذي ، وكان جدّك تلميذي ‍‍!! وكان منتصِبَ القامة ، وحادّ البصر ، مرهفَ السَّمع أسنانُهُ في فمِهِ ، وذاكرتُهُ قَوِيَّة ، فكان إذا قيل لهُ : يا سيِّدي ما هذا ؟ يقول : يا بنيّ ، حفظناها في الصِّغر ، فحَفِظَها الله علينا في الكِبَر ، من عاش تقِيًّا عاش قوِيًّا .

     عاش عطاء بن أبي رباح حتى بلغ مائة عام ، ملأها بالعلم والعمل ، وأتْرعها بالبرّ والتقوى، وزكَّاها بالزُّهْد بما في أيدي الناس ، والرغبة بما عند الله ، وللهِ درُّ القائل حين قال :

***

لا تسْألنَّ بُنَيّ آدم حاجــةً          وسَل الذي أبوابهُ لا تُغلــقُ

الله يغضبُ إن تركْت سؤالهُ         وبنيّ آدم حينما يُسأل يغضبُ

***

     الحسن البصري سُئلَ بما نِلْتَ هذا المقام ؟ قال : باسْتغنائي عن دنيا الناس  وحاجتهم إلى علْمي ، فلا يليق بالعالم إلا أن يستغني عن دنيا الناس ، وأن يحتاج الناس إلى علْمِهِ ، أما إذا زهِد الناس في علمِهِ ، واحتاج هو إلى دنياهم فالوَيْل له ، وسقط حينئذٍ من أعْيُن الناس ، فإذا أتاه اليقين وجدهُ الموتُ خفيف الحِمْل من أثقال الدنيا ، وكثيرَ الزاد من عمل الآخرة ، ومعه فوق ذلك سبعون حجَّةً ، ووقفَ خلالها سبعين مرَّة على عرفة .

     هذا تابعي من التابعين ، عَبْدٌ أسْود ، وحبشي ، ورأسهُ مفلفل ، وأنفه أفطس وقف أمامه أمير المؤمنين ذليلاً ، قال له : يا بنيّ ، هل رأيْت ذلَّنا بين يديه ؟! تعلَّموا العلمَ ، فإنْ كنتم سادةً فُقْتُم ، وإن كنتم وسطًا سُدْتم ، وإن كنتم سوقةً عِشْتم ، ورتبة العلم أعلى الرتب ، والعلم لا يُعْطيك بعضَهُ إلا إذا أعْطيتهُ كلَّكَ ، فإذا أعْطيتهُ بعْضكَ لم يعْطِكَ شيئًا ، وأنا أُقدِّم لكم مِقْياسًا دقيقًا، ابْحث عن صديق من سنِّك لم يطلب العلم ، واجْلِس معه نصف ساعة واسْتَمِع إلى كلامه تجده سخيفًا ، ومزْحَهُ رخيصًا ، ونظراته غير منضبطة ، ولسانه غير مهذَّب ، وتعليمات سخيفة، وآراءه غير صحيحة ، فبين مَن يطلب العلم وينضبطُ عملهُ بالعلم ، وبين من يتفلتُ من العلم وادٍ سحيق ، ومسافة كبيرة ، فالثاني كالدابة الهائمة على وجهها .

     عطاء بن أبي رباح نظَّمَ وقْتهُ حينما كان عبْدًا ممْلوكًا لامرأةٍ من قريش ، فكان ثلث وقتهِ لخِدْمةِ سيِّدته ، والثلُث الثاني لأداء عباداته ، والثلث الثالث  لطلب العلم ، ولا تظن أنَّك في سَاعة بالأسبوع تتعلّم منها سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وفي سَاعةٍ أخرى تتعلَّم فيها السنَّة الشريفة ، وفي سَاعة ثالثة تتعلَّم كتاب الله ‍، إنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم .

الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi