English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس  15/20  ، سيرة التابعي :  سعيد بن جبير ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

تفريغ              :   م . م . حسان العودة . 

التدقيق اللغوي     : الأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

     الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس عشر من دروس سير التابعين رضوان الله عليهم أجمعين ، والتابعي اليوم هو سعيد بن جبير ، قال عنه الإمامُ أحمد بن حنبل : لقد قتل سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا ومحتاج إلى علمه .

     قصة هذا التابعي تثير تساؤلات كثيرة ، لكن أنا أضع بين أيديكم دقائقها وتفاصيلها، وبإمكانكم أن تستنبطوا أشياء كثيرة ، أحد أكبر الأشياء التي ينبغي أن تستنبط من هذه القصة ، أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ابتلاء .

( سورة الانشقاق : 6 )

 

     الإنسان حينما يوطِّن نفسه على أن هذه الدنيا دار ابتلاء ، ويرضى بكل شيء ، فكان هذا التابعي فتًى وفيق الجسم ، مكتمل الخلق ، متدفقاً حيوية ونشاطاً ، وكان ذكي الفؤاد ، حاد الفطنة، نزّاعاً إلى المكارم ، متأثماً من المحارم ، شديد الخوف أن يقع في الإثم ، لكنه كان أسود اللون ، شعره مفلفل ، لأن أصله حبشي ، هذا الأصل الحبشي ، ولونه الأسود ، وشعره المفلفل ، وأنفه الأفطس ، ما كان لينال من مكانته الرفيعة بين المسلمين ، هذا مجتمع المسلمين ، مجتمع المقياس الواحد ، مقياس التقوى.

 

( سورة الحجرات : 13 ) .

     وما لم يكن هذا المقياس سائداً في المجتمع فالمجتمع متخلف ، وأيّة قيمة يوزن بها الإنسان غير قيمة العلم والعمل والتقوى ، فهذا دليل تخلف المجتمع ، وكان سعيد بن جبير حديثَ السن ، حبشي الأصل ، عربي الولاء ، أدرك أن العلم وحده هو الذي يرفعه ، وأن التقى وحدها هي التي تكرمه ، وتبلغه الجنة ، لذلك قالوا : تعلموا العلم ، فإن كنتم سادةً فُقْتُمْ ، وإن كنتم وسطاً سُدْتُم ، وإن كنْتُم سوقةً عِشْتُم .

     لو فرضنا إنسانًا والده شخص عاديّ ، فقير لا في مال ، ولا في جاه ، يا ترى طريق المجد مفتوح أمامه على مصراعيه ؟ من خلال العلم ، فأي إنسان لو كان والده من الطبقة الدنِيا في المجتمع ، لو كان فقير مدقعًا ، من الطبقة التي لا يُؤْبَهُ لها ، لكنه إذا سلك طريق العلم تألّق نجمه ، وعلا اسمُه ، وأصبح يشار إليه بالبنان .

     أدرك هذا الفتى أن العلم هو الطريق الوحيد إلى الرفعة ، وأن التقى هي الطريق الوحيدة إلى الجنة ، طبعاً الطريق تذكر وتؤنث ، فجعل التقى عن يمينه ، والعلم عن شماله ، وشدّ عليهما بكلتا يديه ، وانطلق يقطع بهما رحلة الحياة ، غير وَانٍ ولا متمهل، هو أساساً سبب سعادة الإنسان الكبرى أن يتخذ قراراً ناجحاً ، فمنذ نعومة أظفاره كان الناس يرونه إمَّا عاكفاً على كتاب يتعلم ، أو صافًّا في محراب يتعبد ، فهو بين طلب العلم والعبادة ، إما في حالة تعلم ، أو في حالة تعبد ، والتعلم غذاء العقل ، والتعبد غذاء القلب ، والإنسان عقل وقلب وجسم ، لكن الجسم يستوي فيه مع الحيوان ، الجسم غذاؤه الطعام والشراب ، والعقل غذاؤه العلم ، والقلب غذاؤه التعبد ، دَعُونا من الجسم ، لأنه قاسم مشترك مع كل المخلوقات ، وبقي الإنسانُ عقلاً وقلبًا ، فالذكر والعبادة والصلاة والتلاوة تغذِّي القلب ، والعقل العلم والفهم والدليل والحجة والإطلاع والمطالعة والسماع والقراءة تغذيه أيضًا ، فاتخذ قرارًا حكيمًا طريقه للمجد ، العلم والتقوى ، العلم والعمل ، هذا مقياس الله عزوجل . 

     أخذ هذا الفتى العلم عن طائفة مِن جلّة الصحابة ، مِن أمثال أبي سعيد الخدري ، وعدي بن حاتم الطائي ، وأبي موسى الأشعري ، وأبي هريرة الدوسي ، وعبد الله بن عمر ، وعائشة أم المؤمنين ، رَضِي اللَّه تعالى عَنْهم أجمعين ، لكن أستاذه الأكبر ، ومعلمه الأعظم ، كان عبد الله بن عباس ، حبر الأمة ، وبَحر علمها الزاخر ، لزِم سعيدُ بن جبير عبدَ الله بن عباس لزومَ الظلِّ لصاحبه ، فأخذ عنه القرآن وتفسيره ، والحديث وغريبه ، وتفقّه على يديه في الدين ، وتعلّم منه التأويل  ودرس عليه اللغة ، فتمّكن منها أعظم تمكين ، حتى غدا الآن - دققوا - وما على ظهر الأرض أحد من أهل زمانه إلا وهو محتاج إلى علمه ، لقد بلغ القمة ، ثم طاف في ديار المسلمين بحثاً عن المعرفة ما شاء الله أن يطوف ، فلما اكتمل له ما أراد من العلم اتخذ الكوفة له داراً ومقاماً ، وغدا إلى أهلها معلماً وإماما ، وكان يؤم الناس في رمضان ، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود ، وكان جامعًا للقراءات ، وأخرى بقراءة زيد بن ثابت ، وثالثة بقراءة غيرهما ، وهكذا ، وكان إذا صلى منفرداً ربما قرأ السورة الطويلة من القرآن ، وكان إذا مرّ بقول الله عز وجل :

( سورة غافر : 70 ـ 72 ) .

أو مرَّ بنحوها من آيات الوعد والوعيد اقشعر جلده ، وتصدع فؤاده ، وهملتْ عيناه ، ثم لا يزال يبدأ فيها ويعيد حتى يوشك أن يقضي نحبه ، فصلاة الليل أحد أكبر مصارد سعادته ، إلى الآن المواقف رائعة جداً ، وقد دأَب على شدِّ رحاله إلى بيت الله الحرام كل عام مرتين ، مرةً في رجب محرِماً بعمره ، وأخرى في ذي القعدة محرِماً بحج ، وقد كان طلاب العلم والخير والبِّرِّ والنصح يتوافدون على الكوفة لينهلوا من مناهل سعيد بن جبير العذبة ، ويغترفوا من هديه القويم، فهذا يسأله عن الخشية ، ما هي ؟ فيجيبه : الخشية أن تخشى الله عز وجل حتى تحول خشيتك بينك وبين معاصيك ، ومَن هو الذي يخشى الله ؟ هو الذي لا يعصيه ، فإذا حالت الخشية بينك وبين معاصيك فأنت ممَّن يخشى الله ، وإذا سئل عن الذِّكر ما هو ؟ يقول : الذكر طاعة الله عز وجل ، فمَن أقبل على الله ، وأطاعه فقدْ ذكَره ، ومَن أعرض عنه ، ولم يطِعْه فليس له بذاكر ، ولو بات ليلة يسبِّح ويتلو . 

     لقد وَضَعَ يده على جوهر الدين ، فما دام هناك مخالفات ومعاصٍ ، لو أمضيت ليلة بكاملها تسبح وتتلو وتقرأ ، فهذا لا يعبأ به أحد ، الأصل أن تؤدِّيَ الواجبات ، وأن تعطيَ الحقوق ، وقد كانت الكوفة حينما اتخذها سعيد بن جبير دارَ إقامةٍ له خاضعةً للحجاج بن يوسف الثقفي ، فيجب على أهل العلم أن يكونوا في معزل عن الوحول ، عن وحول الأحداث اليومية ، والصراعات ، والأخذ والرد ، لأنهم إذا اقتربوا من هذه المنطقة الخطرة ربما ضَحَّوْا بعلمهم ، أو ربما قطعَ خيرهم ، فالأَوْلى أن يصون أهلُ العلم علمَهم عن الابتذال ، وكان الحجاج والياً على العراق والمشرق وبلاد ما وراء النهر ، وكان يتربّع حينئذٍ على ذروة سطوته وسلطانه  ، وذلك بعد أن قَتَلَ عبدُ الله بنُ الزبير ، وقَضَى على حركته ، وأخْضعَ العراقَ لسلطان بن أمية ، وأخمد نيران الثورات القائمة هنا وهناك ، وأعمل السيف في رقاب العباد ، وأشاع الرعب في أرجاء البلاد ، حتى امتلأت القلوبُ رهبةً منه ، وخشيةً من بطشه ، كلكم درس في الصف العاشر خطبته الشهيرة : أما بعد ؛ فإني قد رأيت رؤوساً قد أينعت ، استوت يعني ، وحان قطافها ، وإني لصاحبها ، له خطبة شهيرة جداً ، ونحن لا يعنينا الحجاج ، فليس من أهل العلم ، لكن يعنينا أن يَحدُث تداخلٌ بين أهل العلم وأهل الحكم ، ثم شاء الله أن يقع صدامٌ بين الحجاج بن يوسف الثقفي وبين عبد الرحمن بن الأشعث ، أحد كبار قوّاده ، فكيف حصل هذا الخلاف ؟.

     الآن نحن مضطرون أن ندرس جانباً ممَّا نشب مِن خلافٍ بين الحجاج وبين هذا القائد ، لأنه هناك مداخلة في هذا الموضوع ، بين سعيد بن جبير ، وبين أحداث الخلاف بين الحجاج ، وبين قائده الكبير الأشعث ، أحد كبار قواده .

     سيَّر الحجاجُ ابنَ الأشعث بجيش لغزو رتبيل ، ملك الترك على المناطق الواقعة وراء جسستان ، فغزا القائد الباسل المظفر شطراً كبيراً من بلاد رتبيل ، واحتل حصوناً منيعة من ديارهم ، وغنم مغانم كثيرة من مُدُنِه وقُراهُ ، ثم بعث إلى الحجّاج رسلاً زفّوا له البشائر ، بشائر النصر الكبير ، وحملوا معهم خُمس الغنائم لتستقر في خزائن بيت مال المسلمين ، وكتب له كتاباً استأذنه فيه بالتوقف عن القتال مدة من الزمن ، ليختبر مداخل البلاد ومخارجها ، ويقف على طبيعتها وأحوالها .

     الحجاج كان واليًا على العراق وفارس وبلاد ما وراء النهر ، أرسل أحد أكبر قواده ابن الأشعث ليفتح بلاد الترك ، ما وراء النهر ، هذا القائد استجاب وقطع شوطاً كبيراً في الفتوحات ، واحتل حصونًا كثيرة ، وأرسل غنائم وفيرة إلى الحجاج ، ثم طلب من الحجاج أن يستأذنه أن يقف قليلاً كي يطّلع على مداخل هذه البلاد ومخارجها قبل أن يعيد الكَرَّة في الغد ، لماذا فعل هذا ؟ خاف أن يتوغل في شعابها القاسية المجهولة ، وخاف أن يعرض جيشه الظافر للمخاطر ، فاغتاظ الحجاج منه ، وأرسل إليه كتاباً يَصِفُه فيه بالجبن والخنوع ، وينذره بالويل والثبور ، ويهدِّده بالتنحية عن القيادة .

     تذكُرون أن النبي عليه الصلاة والسلام عطَّل حكم قطع يد السارق في الحرب ! لماذا ؟ والله عز وجل يقول :

( سورة المائدة : 38 )

لكن الجندي إذا سرق في ساحة الحرب لا تُقطع يدُه ، بتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام، لأنّ ثمّة إدراكًا بعيدًا جداً ، هذا الجندي وهو في ساحة المعركة لو وقع في جريمة سرقة، ونفّذنا عليه حكم قطع اليد ربّما انتقل إلى صف العدو قبل أن ينفَّذ فيه الحكم ، وانضمّ إليهم، وحارب معهم ، وأعطاهم أسرار المسلمين ، إذاً فحكمُ قطع اليد لا يُؤتِي أُكُلَه في الحرب، وهذا من إدراك النبي عليه الصلاة والسلام ، فلو أن الحجاج عرف أن هذا القائد الذي فتح البلاد، واحتل الحصون ، وأرسل الغنائم ، وقال : سأتوقف قليلاً لأختبر مداخل البلاد ومخارجها وشعابها وأوديتها ، قبل أن أُقْحِم الجيشَ الظافرَ المنتصرَ في المهالك ، فهذا كلام منطقي ، لكن الإنسانَ حينما يصل القمّة ربما لا يرى ، لأنه دائما إذا ما لم يكن الإنسان مع الله في اتصال دائم تضلُّ أعمالُه ، ولو كان ذكياً ، ويؤتى الحَذِرُ مِن مَأْمَنِه ، فالإنسان مهما كان ذكياً ، فقد يرتكب حماقة ربما لا يفعلها الغبيّ ، لأن الإنسان حينما يعتدّ بنفسه ، وحينما يرى قوته ، تكون هذه الرؤية المضلِّلة غشاوةً على عينيه ، فبدَلَ أن يشجعه ، وأن يثنيَ عليه ، وأن يوافق على مقترحه، وصَفَه بالجبن والخنوع ، وأنذَره بالويل والثبور ، وهدّده بالتنحية عن القيادة ، قائد جيشٍ معه جنود ، وبيده قوة في أطراف البلاد ، فجمع عبد الرحمن وجوهَ الجند ، وقادة الكتائب ، وهذه الحكمة مِن الحكمة أيها الإخوة الكرام للمؤمنين فقط ، لأنه لو كان الكافر يتمتع بحكمة ، وفهم ، وإدارك عميق ، وتوازن ، لَوَضَع الأمور في أماكنها ، ووقف الموقف المناسب ، لكن ما دام الإنسان مقطوع عن الله ، أو بعيدًا عن الله ، فلا بد أن يرتكب خطأً فاحشاً ، وحماقة كبيرة ،  جمع عبد الرحمن وجوهَ الجند ، وقادة الكتائب ، وقرأ عليهم كتاب الحجاج  ، واستشارهم فيه ، فَدَعَوْهُ إلى الخروج عليه ، والمبادرة إلى نبذِ طاعته ، فقال لهم عبد الرحمن : أتبايعونني على ذلك ، وتؤازرونني على جهاده ، حتى يطهِّر اللهُ أرضَ العراق من رجسه ، فبايعه الجند على ما دعاهم إليه ، وسوف ترون بعد قليل حروبًا طاحنة ، وآلاف القتلى ، وفتنًا سببها موقف غير حكيم من الحجاج ، هبَّ عبدُ الرحمن بن الأشعث بجيشه الممتلئ كراهيَةً للحجاج ، ونشبتْ بينه وبين جيوش الثقفي  معارك طاحنة ، انتصر فيها نصراً مؤزراً ، فتمّ له الاستلاء على جسستان ، وجلِّ بلاد فارس ، ثم أقبل ابنُ الأشعث يريد انتزاع الكوفة والبصرة من يدي الحجاج ، وفيما كانت نيرانُ الحرب مشتعلة بين الفريقين ، وكان ابن الأشعث ينتقل من ظفرٍ إلى ظفر ، وقع للحجاج خطب زاد خصمه قوةً ، ذلك أن ولاة الأنصار كتبوا إلى الحجّاج كتباً قالوا فيها : إن أهل الذمّة قد طفقوا يدخلون في الإسلام ، ليتخلصوا من دفع الجزية ، وقد تركوا القرى التي يعملون فيها ، واستقرّوا في المدن ، وأنّ الخراج قد اضمحلّ ، وأنّ الجبايات قد أفلست .

     هل تذكرون ماذا قال عمر بن عبد العزيز لما أرسل له أحد ولاته كتاباً أن هناك عددًا كبيرًا من أهل الذمة دخلوا في الإسلام ، فقَلَّت الجزية والدخل ، قال : واللهِ أتمنّى أن أعمل راعيَ غنمٍ أنا وأنت ، ويدخلُ الناسُ كلهم في الإسلام ، إنسان من أهل الذمة ، أعلن إسلامه ، وانضم للمسلمين ، لم يَعُدْ حينئذٍ مكلفًا بدفع الجزية ، فماذا فعل الحجاج ؟ كتب إلى ولاته في البصرة وغيرها كتباً يأمرهم فيها أن يجمعوا كل من نزح إلى المدن من أهل الذمة ، وأن يعيدوهم إلى القرى مهما طال نزوحهم عنها ، فصدع الولاة بالأمر ، وأجْلَوْا أعداداً كبيرةً من هؤلاء عن ديارهم ، وأبعدوهم عن موارد أرزاقهم ، وحشدوهم في أطراف المدن ، وأخرجوا معهم نساءهم وأطفالهم  ، ودفعوهم دفعاً إلى الرحيل إلى القرى ، بعد أن مضى على فراقهم لها حينٌ من الدهر، فأخذ النساءُ والولدانُ والشيوخُ يبكون ، ويستصرخون ، ويستغيثون ، وينادون : وا محمداه ، وحاروا فيما يفعلون ، وإلى أين يذهبون ، فخرج إليهم فقهاء البصرة ، وقراؤها ليغيثوهم ، ويشفعوا لهم ، فلم يتمكنوا من ذلك ، فطفقوا يبكون لبكائهم ، ويستغيثون لمُصابهم .

     الآن اغتنم عبد الرحمن بن الأشعث القائد الذي انشق عنه هذه الفرصة ودعا الفقهاء والقراء إلى مؤازرته ، فاستجابت له كوكبة من جلّة التابعين ، وعلى رأسهم سعيد بن جبير ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، والشعبي ، وغيرهم ، هنا النقطة ، ينبغي على أهل العلم أن يبتعدُوا عن معترك السياسة ، ودارت رحى الحرب بين الفريقين ، وكان النصرُ أولَ الأمر لابن الأشعث ومَن معه على الحجاج وجنوده ، ثم بدأت كفةُ الحجاج ترجح شيئاً فشيئاً ، حتى هزم ابن الأشعث هزيمة منكرة ، وفَرَّ ناجياً بنفسه ، واستسلم جيشه للحجاج وجنوده ، هنا بدأت القصة .

     أمر الحجَّاجُ مناديَه أن ينادي في المقاتلين المهزومين ، وأن يدعوهم لتجديد بيعته ، فاستجاب أكثرهم له ، وتوارى بعضهم عنه ، وكان بين المتوارين سعيد بن جبير رَضِي اللَّه عَنْه وأرضاه ، فلما أخذ المسلمون يتقدمون تباعاً لبيعته فوجئوا بما لم يكن في حسبانهم ، فلقد جعل يقول للواحد منهم : أتشهد على نفسك بأنك قد كفرت بنقض بيعتك لوالي أمير المؤمنين ، فيجب أن يشهد على نفسه بالكفر ، فإن قال : نعم  ، قَبِلَ منه تجديد بيعته ، وأطلق سراحه ، وإن قال : لا ، قَتَلَه ، فكان بعضهم يخضع له ، ويقرُّ على نفسه بالكفر ، لينقذ نفسه مِن القتل ، وكان بعضهم الآخر يستكبر ذلك ويستنكره ، فيدفع رقبته ثمناً لإبائه واستنكاره ، ولقد ذاعت أخبار تلك الحادثة التي قتل فيها أشخاص كثيرون ، ونجا منها أشخاص بعد أن دمغوا أنفسهم بالكفر ، مِن ذلك أن شيخاً معمَّراً من قبيلة خثعم ، كان معتزلاً للفريقين ، مقيماً وراء الفرات ، سِيق إلى الحجاج مع مَن سيقوا إليه ، فلما ادخل عليه سأله عن حاله ، فقال : مازلت منذ شبَت هذه النار معتزلاً وراء هذا النهر ، منتظراً ما يسفرُ عنه القتال ، فلما ظهرتَ وظفرتَ أتيتك مبايعاً ، فقال : تباً لك ، أتقعد متربصاً ، ولا تقاتل مع أميرك ، ثم زجره قائلاً : أتشهد على نفسك بأنك كافر ، قال : بئس الرجل أنا إنْ كنتُ عبدت الله ثمانين عاماً ، ثم أشهد بعد ذلك على نفسي بالكفر ، ليس الأمرُ معقولاً ، فقال له : إذاً أقتلك ، قال : وإنْ قتلتني ، فوالله ما بقي من عمري إلا ظمأ حمار ، يعني ساعات قليلة ، فإنه يشرب غدوة ، ويموت عشية ، وإني لأنتظر الموت صباحاً ومساء ، فافعل ما بدا لك ، فقال الحجاج لجلاده : اضرب عنقه ، فضرب الجلاد عنقه ، فلم يبق أحد في المجلس من شيعة الحجاج ، أو من عدوه إلا أكبر الشيخ المعمر ، ورثا له ، ثمانين سنة ثم أقول عن نفسي : إنني كافر ، ليس هذا معقولاً ، قال له : افعل ما بدا لك .

     دعا كميل بن زياد النخعي ، وقال له : أتشهد على نفسك بالكفر ، فقال : والله لا أشهد ، قال: إذاً أقتلك ، قال : فاقضِ ما أنت قاض ، وإنَّ الموعد فيما بيننا عند الله ، وبعدَ القتل ، فقال له الحجاج : ستكون الحُجَّة يومئذٍ عليك،  لا لك ، فقال له : ذلك إذا كنتَ أنت القاضيَ يومئذٍ ، فقال الحجاج : اقتلوه ، فَقَدِّم وقتل ، قُدِّم إليه رجل آخر كان يكرهه الحجاج أشدّ الكراهية ، ويشتهي أن يظفر بقتله ، لِما كان ينقل له من سخريته به ، فبادَره قائلاً : إني أرى أمامي رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر    ، فقال له الرجل : لا تورطني ، وتخدعني عن نفسي ، أنا أكفر أهل الأرض، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد ، فخلّى سبيله ، وهو يتحرق ظمأً لقتله .

    نحن هنا دخلنا في القصة مرة ثانية ، سعيد بن جبير إذا وقع بين يدي الحجاج فلا بد أن يقتله ، فإما أن تُدَقَّ عنقُه ، وإمّا أنْ يُقِرّ على نفسه بالكفر ، وهما أمران أحلاهما مرٌّ ، فآثر أن يخرج من بلاد العراق ، وأن يتوارى عن الأنظار ، وظلّ يضرب في أرض الله الواسعة مستخفياً عن الحجاج وعيونه ، حتى لجأ إلى قرية صغيرة مِن أراضي مكة ، وبقي على حاله هذه عشر حججٍ كاملات ، عشر سنوات وهو متخفٍّ ، كانت كافيةً أن تطفِئ نيران الحجاج المتّقدة في قلبه ، وأن تزيل ما في نفسه من ضغنٍ عليه ، بَيْدَ أنه حدث ما لم يكن يتوقعه أحد ، ذلك أنه قدم على مكة والٍ جديد من ولاة بني أمية ، هو خالد بن عبد الله القسري ، فتوجّس أصحاب سعيد بن جبير خِيفةً منه ، لِمَا كان يعرفون من سوء سيرته ، وتوقعوا الشرَّ على يديه ، فجاء بعضهم إلى سعيد ، وقال له : إنّ هذا الرجل قدِم مكة ، وإنا واللهِ لا نأمنه عليك ، فاستجبْ لطلبنا ، واخرجْ من هذا البلد ، فقال : واللهِ لقد فررتُ حتى صرتُ أستحي من الله ، ولقد عزمتُ على أن أبقى في مكاني هذا ، وليفعْل اللهُ بي ما يشاء ، لم يكذب خالدًا ظنُّ السوء الذي ظنه الناس به ، فما أنْ علِم بمكان سعيد بن جبير حتى أرسل إليه سرية من جنوده ، وأمرهم أن يسوقوه مقيداً إلى الحجاج في مدينة واسط ، فأطبق الجندُ على بيت الشيخ ، وألقوا القيد في يديه على مرأى من بعض أصحابه، وآذنوه بالرحيل إلى الحجاج ، فتلقاهم هادئ النفس ، مطمئنَ القلب ، ثم التفت إلى أصحابه ، وقال: ما أراني إلا مقتولاً على يد هذا الظالم ، ولقد كنتُ أنا وصاحبان لي في ليلة عبادة ، فاستشعرنا حلاوة الدعاء ، فدعونا الله بما دعونا ، وتضرّعنا إليه بما شاء مِن تضرع ، ثم سألنا الله جل وعز أن يكتب لنا الشهادة ، وقد رزقها اللهُ صاحبيَّ كليهما، وبقيتُ أنا أنتظرها ، ثم إنه ما كاد أن ينتهي من كلامه ، حتى طلعت عليه بُنَيَّةُ صغيرة له، فرأته مقيداً ، والجنودُ يسوقونه ، فتشبثت به ، وجعلت تبكي وتنشج ، فنحاها عنه برفق،  وقال لها : قولي لأمك يا بنية إن موعدنا الجنة إن شاء الله تعالى ، ثم مضى ، فبلغ الجندُ بالإمام الحبر العابد الزاهد التقي النقي الورع واسطًا ، وأدخلوه على الحجاج .

     فلما صار عنده ، نظر إليه في حقد ، وقال : ما اسمك ؟ قال : سعيد بن جبير ، فقال : بل شقي بن كسير ، قال : بل كانت أُمِّي أعلمَ باسمي منك ، هذا هو اسمي ، قال : ما تقول في محمد ؟ قال : تعني محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ، قال : نعم ، قال : سيد ولد آدم ، النبي المصطفى ، خير من بقي من البشر ، وخير من مضى ، حمل الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح لله ولكتابه ، ولعامة المسلمين ، وخاصتهم ، قال : فما تقول في أبي بكر ؟ قال: هو الصديق خليفة رسول الله ، ذهب حميداً ، وعاش سعيداً ، ومضى على منهاج النبي صلوات الله وسلامه عليه ، لم يغيِّر ، ولم يبدل ، قال : فما تقول في عمر ؟ قال : هو الفاروق الذي فرّق الله به بين الحق والباطل ، وخيرة الله من خلقه ، وخيرة رسوله ، ولقد مضى على منهاج صاحبَيْه ، فعاش حميداً ، وقتل شهيداً ، قال : فما تقول في عثمان ؟ قال : هو المجهِّزُ لجيش العسرة ، الحافرُ لبئر رومة ، المشتري لبيت لنفسه في الجنة ، صهر رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنتيه ، ولقد زوَّجه النبي بوحي من السماء ، وهو المقتول ظلماً ، قال : فما تقول في عليِّ ؟ قال: ابن عم رسول الله ، وأول من أسلم من الفتيان ، وهو زوج فاطمة البتول ، وأبو الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة ، قال : فأي خلفاء بني أمية أعجب لك ؟ قال : أرضاهم لخالقهم ، قال : فأيُّهم أرضى للخالق ؟ قال : علمُ ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم ، تحقيق طويل ، قال : فما تقول فيَّ ؟ قال : أنت أعلم بنفسك ، قال : بل أريد علمك أنت ، قال : إذاً يسوءك ولا يسرك ، قال : لا بد من أن أسمع منك ، قال : إني لأَعْلَمُ أنك مخالف لكتاب الله تعالى ، تُقدِم على أمور تريد منها الهيبة ، وهي تقحمك الهلَكَةَ ، وتدفعك إلى النار دفعاً ، قال : أمَا واللهِ لأقتلنك ، قال : إذاً تفسد عليَّ دنياي ، وأفسد عليك آخرتك ، قال : اختر لنفسك أي قتلة شئت ، قال : بل اخترها أنت لنفسك يا حجّاج ، فوالله ما تقتلني قتلة إلا وقتَلك اللهُ مثلها في الآخرة ، قال : أتريد أن أعفوَ عنك ، قال : إن كان العفو فمن الله تعالى ، أمّا أنت ، فلا أريده منك ، فاغتاظ الحجاج ، وقال : السيف والنطع يا غلام ، فتبَسَّم سعيد ، فقال له الحجاج : وما تبسُّمك ، قال عجبت من جرأتك على الله ، وحلم الله عليك ، قال : اقتله يا غلام ، فاستقبل القبلة، وقال :

( سورة الأنعام : 79 )

قال : حرِّفوه عن القبلة ، فقال :

( سورة البقرة : 115 )

قال : كبُّوه على الأرض ، فقال :

( سورة طه : 55 )

قال : اذبحوا عدو الله ، فما رأيت رجلاً أَدْعَى منه لآيات القرآن الكريم ، فرفع سعيد كفَّيه ، وقال: اللهم لا تسلِّط الحجاجَ على أحد بعدي ، قال : فلم يمضِ على مصرع سعيد بن جبير غيرُ خمسة عشر يوماً حتى حمَّ الحجاج ، واشتدت عليه وطأةُ المرض ، فكان يغفو ساعة ويفيق أخرى ، فإذا غفا غفوة استيقظ مذعوراً وهو يصيح : هذا سعيد بن جبير آخذ بخناقي ، هذا سعيد بن جبير ، يقول : فيمَ قتلتني ؟ ثم يبكي ، ويقول : مالي ولسعيد جبير ، ردّوا عني سعيد بن جبير، فلما قضى نحبه ، وورِي في ترابه ، رآهم بعضهم في الحلم ، فقال له : ما فعل الله بك فيمن قتلتهم يا حجاج ؟ قال : قتلني اللهُ بكل امرئ قتلة واحدة ، وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة .

     هناك استنباطات كثيرة ، لكن دائماً العلم يجب أن يُنَحَّى عن المعترك الأرضي ، هذا أكمل شيء له ، وإلا نكون قد ضيَّعنا الدعوةَ إلى الله عز وجل .

     الشيء الثاني ، العبرة بهذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض ، هذه لمَن كانوا على منهج الله ، لمَن كانوا على سنّة رسوله ، لمَن كانوا على الحق ، والعبرة أن الإنسان بعد الموت يدفع الثمن باهظًا ، وهذه القصة مؤلمة ، وتضفي على المجلس بعض الحزن ، لكن الحياة دار ابتلاء ، ودار سعي ، ودار امتحان ، وعلى كلٍ فعلى الإنسان أنْ يكون على منهج الله سائراً ، والحياةُ الدنيا لا قيمة لها ، والجرأة قلَّ مثيلُها بين الناس ، إنسان متمكن ، وأعصابه قوية ، يُدْلِي بالحُجّة ، ويقول الحق  دون خوف ووَجلٍ ، ودون ارتباك وتردد ، هذا من آثار الإيمان ، لأن المؤمن حياته الدنيا يراها مؤقتة ، والآخرة هي الحياة الحقيقية ، والدليل قوله سبحانه وتعالى  :

( سورة الفجر : 24 ) .

     هذا معنى الحياة الأساسية ، حياة الآخرة ، فأنا أقول : هنيئاً لمَن كان على الحق ، ولتكن نهاية حياته ما تكون ، لأن العبرة بهذا الأبد المديد الذي لا ينتهي ، حيثُ يحكم فيه ملِكٌ عادل ، والدنيا عرض حاضر ، يأكل منه البَرُّ والفاجر ، والآخرة وعدٌ صادقٌ ، يحكم فيه مَلِكٌ عادلٌ .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi