English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس  19/20  ، سيرة التابعي : عمر بن عبد العزيز ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

تفريغ              :   الأستاذ عماد علان .

التدقيق اللغوي     : الأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس التاسع عشر من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وتابعيّ اليوم هو سيّدنا عمر بن عبد العزيز ، ولعلَّه الموضوع الثاني عن هذا الخليفة ، الذي عُدَّ بحَقٍّ خامس الخلفاء الراشدين ، فالحديث عن هذا التابعيّ الجليل عمر بن عبد العزيز حديث ذو شُجون ، فأنت لا تكاد تُلِمّ بِصُورة من صُوَر حياته الفذَّة حتى تُسْلمك إلى أخرى أكثر بهاءً .

        مرَّةً كنتُ في تَشْيِيع جنازة ، دخلنا إلى المسجد لِنُصلِّي على الجنازة ، وقام أحد العلماء يريد أن يؤبِّن المُتَوفَّى ، الذي لا أنساهُ أبدًا ؛ قال : كان أخوكم مؤذِّنًا ترحَّموا عليه ، وانتهى التَّأْبين ! وأنا أعرف المُتوفَّى رحمه الله تعالى إنسانًا حياتهُ غنِيَّة مُتْرفةٌ ، وفي بيته ما لذَّ وطاب ، له دخْلٌ كبير ، وجالَ في أوروبا كلَّها ، مُتمتِّع بالحياة في أعلى درجة ، ولكن اسْتوْقفَتْني كلمة المؤبِّن أنَّه ما استطاع أن يقول مِن كلمتين ، كان أخوكم مؤذِّنًا ، ترحَّموا عليه فقلتُ في نفسي ؛ الإنسان عليه أن يدَعَ أعمالاً صالحةً يتحدَّث الناس عنه خمس دقائق أقلّ شيء ، عشر دقائق ، فكلَّما عظم الإنسان يصبح الحديــث عنه ذا شُجون ، يمكن أن نتحدَّث عن الصحابة الكرام سنوات ، وعن التابعين سنوات ، وتؤلَّف الكتب والمجلَّدات ، وتُحلَّلُ الشَّخصِيات ، تُدْرس المواقف، وتوصف الملامح ، فالإنسانُ العظيم هناك مَن يتحدّث عنه إلى أمدٍ طويل .

فهذا الخليفة الراشد ، كتُبٌ مؤلَّفة عن حياته ، وتحليلات لِشَخصِيَّاته ، ووصْفٌ لبيانه ، فالإنسان سيَمْضي ، بقيَت بطولته أن يدعَ أثرًا في الحياة ، والدليل قول الله عز وجل :

[ سورة يس ]

أيها الأخ الكريم ، دقِّقْ في حياتك الدنيا ، الحديث عن بيْتك لا يُقال عند الموت ؛ عن مساحته وتَزْييناته ، الحديث عن دَخلَك ، والحديث عن ملاذَّك ، وهذا كلّه لا يمكن يُقال عند الموت ، لا يُقال عند الموت إلا الأعمال الطيّبة التي تركتها ، الآثار الإيجابيّة التي حقَّقْتها ، الخدمات الجلّة التي قدَّمتها للإنسانيَّة ، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ؛ صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له *

[رواه مسلم]

        فالمؤمن العاقل يبحث ، ويسعى لِتَرْك أثرٍ يُخلِّدُه بعد الموت ، ومَن ترك أثرًا طيِّبًا إيجابيًّا كأّنه ما مات .

      قبل حين تُوفِّيَ أحد علماء دمشق ، وكانت التَّعزيَة في الجامع الأموي ، وأذكر أنَّ وزير الأوقاف وقتها قدَّمَ بِشارة للمُعزِّين ، أنَّ ابن هذا العالم عُيِّن خطيبًا لهذا المسجد ، فلمّا ألقى ابنهُ كلمةً ، قلتُ : واللهِ ، الأب ما مات ! ما دام قد تركَ عالمًا ، وخطيبًا ، وداعِيَةً إلى الله عز وجل ، معنى ذلك أنّ الأب لم يمُت ، فأنت أيها الأخ الكريم إذا تركْت عملاً طيِّبًا فما مِتَّ ، ولا تموت ، يقول سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه : يا بنيّ ماتَ خُدَّام المال وهم أحياء ! التخطيط جيّد ، والقلب جيّد والبسَّامات جيِّدة ، والعضلات والأسيد أوريك ، والنِّسَب من أعلى النِّسَب ، قال : مات خزَّان المال، وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقيَ الدَّهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في الثلوب موجودة، معنى ذلك أنَّ الإنسان عليه أن يدَعَ أثرًا في حياته .

      نحن بعد أربعةً عشرة قرْنًا نتحدَّث عن هذا الخليفة العظيم بكلّ طيبٍ ، إذًا هو لمْ يمُتْ ، مرَّةً سألتُ طُلاَّبي عن اسم تاجرٍ عاش سنة ألف وثمانمئة وثلاثة وثمانين في دمشق ، وله عندي علامة تامَّة ؟ فما تذكَّر أحد إطلاقًا ‍! فقلت لهم : وأنا معكم لا أعرف !! العلماء باقون ما بقي الدَّهر ، القوَّاد العظام ، والفاتحون ، والذين تركوا بصماتٍ على الإنسانيّة ، هؤلاء ما ماتوا ، لذلك اِجْهَدوا أن تعملوا عملاً يُخلِّدُكم إلى أبد الآبدين ، وما من عملٍ أعظم من أن تضع علمًا نافعًا ، أو ولدًا صالحًا ، أو صدقةً جاريَة .

هناك ثلاث صُوَرٍ عن هذا الخليفة العظيم ؛ الأولى يَرْويها دُكَيْم بن سعيد الدارمي أحد الشعراء الرجاز البداة ، وهذا شاعر تعامل مع هذا الخليفة يروي هذه القصَّة ، قال : امْتدَحْتُ عمر بن عبد العزيز يوم كان واليًا على المدينة ، فأمر لي بِخَمس عشرة ناقةً من كرائم الإبل ، فلمَّا صِرْن في يدي تأمَّلْتهنّ فراعني منظرهنّ ، وكرهْتُ أن أمْضي بهنّ وحدي في فِجاج الأرض خوْفًا عليهِنّ ، ولم تَطِبْ نفسي بِبَيْعِهِنّ ، مدحَ هذا الشاعر سيّدنا عمر بن عبد العزيز بِقَصيدة رائعة أعطاهُ عليها خمس عشرة ناقة من كرائم الإبل ، قال : ، فلمَّا صِرْن في يدي تأمَّلْتهنّ فراعني منظرهنّ ، وكرهْتُ أن أمْضي بهنّ وحدي في فِجاج الأرض خوْفًا عليهِنّ ، ولم تَطِبْ نفسي بِبَيْعِهِنّ ، وفيما أنا كذلك قدِمَت علينا رُفْقةٌ تبتغي السَّفر نحْوَ دِيارنا في نَجد ، فسألتهم صحبةً ، فقالوا : مرحبًا بك، ونحن نخرج الليلة فأعِدَّ نفسك للخروج معنا ، فمَضَيْت إلى عمر بن عبد العزيز مُوَدِّعًا ، فألْفَيْتُ في مجلسهِ شيخَين لا أعرفهما ، فلمَّا هَمَمْتُ بالانصراف ، الْتفتَ إليّ ، وقال : يا دُكَين : إنَّ لِيَ نفسًا توَّاقة ، فإذا عرفْت أنِّي بلغت أكثر مِمَّا أنا فيه الآن فأْتِني ، ولك منِّي البرّ والإحسان ، إن عرفت أنَّني سأصلُ إلى مرتبةٍ أعلى فأتنِي ، ولك منِّي البرّ والإحسان ، نفسهُ توَّاقة وطموحة .

أيها الإخوة الكرام ، أتظنّ أنّ المؤمن غير طَموح ؟ والله الذي لا إله إلا هو لطموح المؤمن الواحد يعْدل طموح ملايين من أهل الدنيا ، لأنَّ أهل الدنيا يطْمحون إلى الدنيا ، والدنيا زائلة ، ولكنَّ المؤمن يطْمحُ لِحَياةٍ أبدِيَّة بعد الموت ، فأيُّهما أشدُّ طموحًا ؟ المؤمن مُتَوَقِّتْ ، كالمِرْجَل ، نفسهُ توَّاقة وطموحة ، وهِمَّتُهُ عالِيَة ، وعزيمتهُ صلبة ، المؤمن لا يشيخُ أبدًا ؛ شابّ دائمًا ، ولو بلغَ من الكِبَر عِتِيًّا ، نفسهُ شابَّة ؛ لأنَّ هدفهُ كبير ، وطموحهُ كبير ، ونفسيَّتُهُ عالِيَة جدًّا ، لِدَرجة أنَّه لا يرضى بالأكل والشرب فقط كعامَّة الناس ، يريد أن يُحقِّق مبدأً ، ويعيشُ لِهَدفٍ نبيل ، له رسالة يحملها سيّدنا عمر بن عبد العزيز ، قال له : إنَّ لِيَ نفسًا توَّاقة ، فإذا عرفْت أنِّي بلغت أكثر مِمَّا أنا فيه الآن فأْتِني ، ولك منِّي البرّ والإحسان ، فقلتُ : أشْهِدْ لي بذلك أيها الأمير ؟ يبْدو أنَّ الشاعر كان ذا دُعابة ؛ أيْ طلب منه أن يحضر شاهدًا لأنَّ العرْض خطير جدًّا ، فأنت الآن والي ، وما الذي هو فوق الولاية ؟ أن تكون خليفة ، فإذا أشْهَدْت لي من يقول هذا الكلام وقْتَها فلي منك العطاء الكثير ، فقلتُ :  أشْهِدْ لي بذلك أيها الأمير ؟ فقال : أُشْهِدُ الله تعالى على ذلك ‍، أيْ إذا أتَيْتني وأنا في مرتبةٍ أعلى من هذه المرتبة لك مِنِّي البرّ والإحسان ، هذا الكلام كان لمَّا كان واليًا، فقلتُ : من خلقهِ ؟ أيْ أريد شاهدًا من خلْقه ، فقال : هذين الشَّيْخَين ، فأقْبلْتُ على أحدهما ، وقلتُ: بأبي أنت وأمِّي : قلْ لي ما اسْمك حتى أعْرفك ؟ فقال : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ‍! فالْتَفَتُّ إلى الأميــر ، وقلتُ : لقد اسْتسْمَنْتُ الشاهد !! أي هذا الشاهد جيّد ، ثمَّ نظرْتُ إلى الشيخ الآخر وقلتُ : ومن أنت جُعِلْتُ فداك ؟ فقال : أبو يحيى مولى الأمير ، فقلْت: وهذا شاهدٌ من أهله، كان شاعرًا ذو دعابة .

          قال : ثمَّ حيَّيْت ، وانْصرفْتُ بالنُّوق إلى ديار قومي في نَجْد ، إذًا سيّدنا عمر نفسهُ توَّاقة، فهل هذا منْقصَةٌ في حقّ المؤمن ؟ لا ، كُنْ توَّاقًا ، إلا أنَّ المؤمن طموحهُ يتَّصِل إلى الآخرة ، ولكنَّ طموح أهل الدنيا ينتهي عند الدنيا ، طموح المؤمن يسْتمرّ إلى الآخرة .

        قال : فرمى الله فيهنّ البرَكة حتى اقْتَنَيْتُ من نِتاجهنّ الإبل والعبيد ، أي هذه الخمس عشرة ناقة طرحَ الله فيهنّ البرَكة ، ثمَّ دارَت الأيَّام دوْرتها ، فبَين أنا بِصَحراء ثلجٍ من أرض اليَمامة في نجْد ، إذْ ناعٍ ينعي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك - الذي قبل سيّدنا عمر - فقلْتُ للناعي : ومَن الخليفة الذي قام بعدَهُ ؟ فقال : عمر بن عبد العزيز  ، - تحقَّق طموحه - فما إن سمعْتُ مقالتهُ حتَّى شدَدْتُ رحالي نحو بلاد الشام ، فلمَّا بلغْتُ دمشق لقيتُ جريرًا منْصرفًا عند الخليفة فحيَّيْتُهُ ، وقلــتُ : من أين يا أبا حمزة ؟ فقال : من عند خليفة يعطي الفقراء ، ويمنعُ الشعراء ! اِرْجِعْ من حيث أتَيْتَ فذلك خير لك ، فقلتُ : ليَ شأنٌ غير شأنِكم ، أنا لي وضْع خاصّ، لي معه شاهدين ، وعهْد ، فقال : أنت وما تريد ! فانطلقتُ حتى بلغتُ دار الخليفة ، فإذا هو في باحة الدار، وقد أحاط به اليتامى والأرامل  وأصحاب الظلمات ، فلم أجِد سبيلاً إليه من تزاحمهم عليه فرفعْتُ صوتي مرتفعًا :

يا عمر الخيرات والمكارم     وعمر الدسائع العظائم

الدسائع جمعُ دسيعة ، وهي الجفنة العظيمة ، والقدر الذي يُقدَّم فيه الطعام .

قال :

إنِّي امرؤٌ من قطنٍ من دار    طلبْتُ دَيني من أخي المكارم

فنَظَرَ إليّ مَولاه أبو يَحيى نظْرة طويلة ، ثمَّ الْتفتَ إليه وقال : يا أمير المؤمنين : إنَّ عندي لهذا البدويّ شهادةً عليك ! كان أحد شهوده مولاه أبو يحيى ، فقال : أعرفها ! ثمَّ الْتفتَ إليّ وقال : اُدْنُ مِنِّي يا دُكَين ، فلمّا صِرْت بين يديه مال عليّ وقال : أتَذْكرُ ما قلتهُ لك في المدينة من أنَّ نفسي ما نالَت شيئًا قطّ ، إلا أنَّها تاقَتْ إلى ما هو أعلى منه ؟ فقلتُ : نعم ، يا أمير المؤمنين ! فقال : وهذا أنا ذا نِلْتُ غايَةَ ما في الدنيا ، وهو المُلك ، فنَفْسي الآن تتُوقُ إلى غايَة ما في الآخرة، وهي الجنَّة!

ومرَّةً قال : تاقَت نفسي إلى الإمارة فلمَّا بلغْتُها ، تاقَت نفسي إلى الخلافة ، فلمَّا بلغتها تاقَت نفسي إلى الجنَّة ، وتسعى إلى الفَوْز بِرِضْوان الله عز وجل ، ولئن كان الملوكُ يجعلون الملك سبيلاً لِبُلوغ عزِّ الدنيا ، فلأجْعلنَّهُ - أي المُلك - سبيلاً إلى بلوغ عزّ الآخرة ! هؤلاء حجَّة على من سِواهم ، يمكن أن تكون ملكًا ، ويمكنُ أن ترقى إلى الجنَّة ، الجنَّة لا تغلقُ أمام أحد ، ولو كان ملكًا.

       ثمَّ قال : يا دُكَين ، إنّي والله ما رزأْتُ - أخذْتُ - المسلمين في أموالهم درهمًا ولا دينارًا منذ وُليتُ هذا الأمر ، وإنِّي لا أملكُ إلا ألف درهمٍ فَخُذْ نصفها ، واتْرُك ليَ نصْفها ! فأخذْتُ المال الذي أعْطانيه ، فوالله ما رأيْتُ أعظمَ منه بركةً ! هذه أوَّل صورة ، شاعر أعْطاه يوم كان أميرًا خمس عشرة ناقة ، فلمَّا صار خليفةً أعطاه خمسمئة دينار من ماله الشَّخصي ، وهو يُقسمُ أنَّه ما أخذ دينارًا واحدًا من مسلمٍ من رعِيَّتِهِ .

     سيّدنا عمر بن الخطّاب قال هذا ، قال : أيّها الناس ، لكم عليّ خمسُ خِصال خُذوني بهنّ ؛ لكم عليّ أن لا آخذ من أموالكم شيئًا إلا بِحَقِّها ، ولكم عليّ أن لا أنفقَ هذا المال إلا بِحَقِّه ، وإذا غِبْتُ في البعوث ، فأنا أبو العيال حتى ترجعوا ، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى ، ولكم عليَّ أن لا أُجمِّركم في البعوث .

      الصورة الثانيَة يرْويها قاضي الموصِل يحيى بن يحيى الغسَّاني ، يقول : بينما عمر يطوف ذات يومٍ في أسواق حمص يتفقَّد الباعة ، ولِيَتَعَرَّف على الأسعار - سيّدنا عمر بن الخطَّاب ما اسْتقْدمَ واليًا إلا وسألهُ كيف الأسعار عندكم ؟ - إذْ قام إليه رجلٌ عليه برْدان أحمران قطريَّان وقال: يا أمير المؤمنين ، لقد سمعتُ أنَّك أمرْت من كان مظلومًا أن يأتِيَك ؟ فقال : نعم ، وها أنا قد أتَيْتُكَ ، وها قد أتاك رجل مظلومٌ بعيد الدار ، فقال عمر : وأين أهلك ؟ فقال : في عَدَن ، جاءه من عدن إلى حمص ، فقال عمر : إنَّ مكانك من مكان عمر لبعيدٌ ، ثمَّ نزل عن دابَّتِهِ ووقفَ أمامه وقال : وما ظلامتُكَ ؟ فقال : ضَيْعَةٌ لي - بستان - وثَبَ عليها رجل مِمَّن يلوذون بك ، وانْتَزَعَها مِنِّي ، فكتَبَ عمر كتبًا إلى عروة بن محمَّد واليه على عَدَن يقول فيه : أما بعد ، فإذا جاءك كتابي هذا فاسْمَع بيِّنَة حامِلِه فإن ثبتَ له حقّ فادْفَعْ له حقَّه ، ثمَّ ختَمَ الكتاب ، وناولَهُ الرجل، فلمَّا همَّ الرَّجل بالانصراف قال له عمر : على رِسْلِك ، إنَّك قد أتَيْتنا من بلدٍ بعيد ، ولا ريْبَ في أنَّك اسْتنفذْتَ في رحلتك هذه زادًا كثيرًا ، وأخلقْتَ ثيابًا جديدة ، ولعلَّه نفقَت لك الدابة ، ثمَّ حسب ذلك كلَّه فبلغَ ذلك أحدَ عشر دينارًا ‍! مبلغٌ ضخمٌ جدًّا ، فدَفَعَها إليه ، وقال : أَشِعْ هذا في الناس ، قلْ للناس : إنّ عمر أعطاني نفقة السَّفَر ، حتى لا يتثاقلَ مظلومٌ عن رفْعِ ظُلامتِهِ بعد اليوم مهما كان بعيد الدار.

        النقطة أنَّه مظلوم ، وسوف يأخذ حقَّهُ ، ولكن أراد أنَّ المظلوم الذي يقْبع في أماكن نائيَة ، يُشَجِّعه لأن يأتي إلى الخليفة ، ويعرض عليه ظلامته ، ويأخذ نفقَة السَّفَر ، حتى لا يتثاقلَ المظلوم في أن يأتي إلى عمر ، هذه الصورة الثانيَة التي نقلها أحد القضاة .

          وأما الصورة الثالثة ، هذه الصـورة يرويها العابد الزاهد زِياد بن ميْسَرَة المخزومي بِالولاء ، فيقول : أرسلني موْلاي عبد الله بن عياش من المدينة إلى دمشق للِقاء أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في حوائج له ، وكانت بيني وبين عمر صِلَةٌ قديمة ترجعُ إلى عهْد ولايتِهِ على المدينة ، فدخلْت عليه فإذا عندهُ كاتبٌ يكتب له ، فلمَّا صرْتُ في عتبة الحجرة قلْتُ : السلام عليكم، فقال : وعليكــم السلام ورحمة الله يا زِياد ‍! ثمَّ مضَيْتُ نحْوهُ خَجِلاً ، لأنّي لم أُسلِّمْ عليه بإمرة المؤمنين ، هو أمير المؤمنين الخليفة ، وقال له : السلام عليكم ! فلمَّا انْتَهيْتُ إليه قلتُ : السَّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى وبركاته ، عدَّلَ ! فقال : يا زِياد إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل ، فما الحاجة إلى الثاني ؟! المؤمن يتعلَّق بالحقائق ، وبِجَوْهر الحياة .

       أيها الإخوة الكرام ، المؤمن إذا أحْكم اتِّصالهُ بالله عز وجل يسْتغني عن ثناء الناس ، وعن تعظيمهم ، وعن تبْجيلهم ، وعن توْقيرهم ، لا يتعلَّق بهذا إلا من أقصى قلبه من الاتّصال بالله عز وجل ، وأساسًا أكبر نقطة ضَعْف في الإنسان اسْتِجداء المديح ، طبْعًا فقْرُهُ الداخلي يحملُهُ على اسْتِجداء المديح ، لو أنَّه وصلَ إلى شيءٍ من الله عز وجل ، إلى السكينة التي أخبر الله عنها ، إلى الصَّلوات التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم ، قال تعالى :

[ سورة التوبة ]

لو أنَّ الإنسان أشْرقَت نفسهُ بِنُور الله عز وجل لا يهتمّ بهذه الشَّكْليَّات ، ولا بهذه العبارات ، فهي عندهُ لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، فقال :  يا زِياد إنَّني لمْ أُنْكرْ عليك السَّلام الأوّل ، فما الحاجة إلى الثاني؟! فكان كاتبُهُ إذْ ذاك يقرأُ عليه مظالمَ جاءتْهُ من البصرة مع البريد ، فقال لي : اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك ، فجلسْتُ على خشبة الباب ! بالمناسبة الإنساني العظيم طبيعي ، والإنسان الصغير إذا عظُمَ فجأةً يتكلَّف ! فلو جلسْت مع النبي صلى الله عليه وسلَّم ، دخل عليه أحدهم فأصابتْه رعدة : فقال : إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة " ، كلَّما الْتقيْت مع العظماء رأيتهم قريبين منك ، حتى إنَّه قيل : ما من أحدٍ خالَطَ النبي صلى الله عليه وسلَّم إلا ظنَّ أنَّهُ أقربُ الناس إليه ‍‍! وهذه من عظمة النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل عنه : ما رآهُ أحدٌ بديهةً إلا هابهُ، وما خالطهُ إلا أحبَّه ، لكنَّك إذا خالطتَهُ ترى نفسكَ قريبةً منه جدًّا ، وتراه قريبًا منك ، فالتَّكَلُّف ليس من صفات المؤمنين، لا تتكلَّف التَّصنّع والكهنوت !! هذا ليس من صفات المؤمنين ، ويتناقض مع الفطرة السليمة ، فأنت عظيمٌ جدًّا إذا كنت طبيعيًّا .

        فقال لي : اِجْلسْ يا زياد حتَّى نفْرغَ لك ، فجلسْتُ على خشبة الباب ! والكاتب يقرأ عليه ، وعمر يتنفَّس الصُّعداء من الهمّ ، فلمَّا فرغَ كاتبهُ من قراءة الرِّقاع التي معه ، وانطلقَ إلى شأنه ، قام عمر من مجلسِهِ ومشى إليه ، حتى جلسَ بين يديّ عند الباب ، ووضعَ يديْه على ركبتي ، ثمَّ يقوم سيّدنا عمر بن عبد العزيز بنفسه عند هذا المولى الذي جاءهُ من المدينة ، وقد أرجأهُ قليلاً لِيَحلّ قضايا المظالم ، يبدو أنَّه غفل ، فقال لِزِياد : هنيئًا لك يا زياد ، لقد اسْتدفأْتَ بِمَدْرعتِكَ ، واسْترحْتَ مِمَّا نحن فيه ! الخلافة كانتْ عبئًا ، سيّدنا عمر قال : لسْتُ خيرًا من أحدكم ، ولكنَّني أثقلكم حِمْلاً ، والله لو تعثَّرَتْ بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها ، لِمَ لمْ تفْسِح لها الطريق ياعمر؟!!!

      مرَّةً حرمَ نفسهُ أكلَ اللَّحْم مدّةً طويلة ، فأصبحَ في بطنهِ صوتًا ، فقال : قَرْقِرْ أيُّها البطْن أو لا تُقَرْقِرْ ، فوالله لن تذوق اللَّحْم حتى يشبعَ منه صِبْيَة المؤمنين !!!.

      قال : لقد اسْتدفأْتَ بِمَدْرعتِكَ ، واسْترحْتَ مِمَّا نحن فيه ! مرَّةً دخلتْ عليه زوجتهُ فاطمة ، فرأتْهُ يبكي في مُصلاَّه ، قالتْ له : ما لكَ تبكي ، فقال : دعيني وشأني ، فلمَّا ألحَّتْ عليه ، قال : إنِّي وُلِّيتُ هذا الأمْر ، فذكَرْتُ الفقير الجائع ، والضَّعيف ، وذو الحاجة ، والأسير ، والمظلوم ، وذا العِيال فعَلِمْتُ أنَّ الله سيُحاسبني عن هؤلاء جميعًا ، وأنّ حجيجَهـم دوني رسولُ الله ، فلهذا أبكي ، دعيني وشأني !

         وكانت عليَّ مدْرعة صوف ، ثمَّ طفقَ يسألني عن صُلَحاء أهل المدينة ؛ رِجالهم ونسائهم واحدًا واحدًا ، فما ترك منهم واحدًا إلا وسألني عنه ، ثمّ سألني عن أشياء كان أمرَ بها في المدينة حينما كان واليًا عليها ، فأخبرتهُ عن كلّ ما سأل ، ثمَّ تنهَّد وقال : يا زياد ألا ترى إلى ما وقع فيه عمر ؟ فقلتُ : إنِّي أرجو لك في ذلك خيرًا ‍وأجْرًا ، فقال : هيهات ‍! ثمَّ بكى حتى رثَيْتُ له ، وقلتُ: اِرْفِق بِنَفسك يا أمير المؤمنين فإنِّي لأرجو لك خيرًا كثيرًا فقال : ما أبْعَدَ ما ترْجوهُ يا زياد!.

       الآن اِسْمع أيها الكريم كيف يصِفُ مَنْصِبَ الخلافة ؟ قال: لقد أصْبح في وُسعي أن أشْتِمَ ولا أُشْتَم ، وأن أضْربَ ولا أُضرَب ، وأن أوذِيَ الناس ولا أوذَى بأحد ، مَن بإمكان مجابهة الملك؟ ومن بإمكانه أن يضربهُ ؟ منْصب الملك أعلى منصب ، قال له : لقد أصْبح في وُسعي أن أشْتِمَ ولا أُشْتَم وأن أضْربَ ولا أُضرب ، وأن أوذِيَ الناس ولا أوذَى بأحد ، ثمَّ بكى ، انظروا الخوف من الله عز وجل !! قال : ثمَّ بكى كرَّةً أخرى حتى جعلتُ أرثي له ، ولقد أقمْت عندهُ أيامًا ثلاثة حتى قضى ما أرسلني به مولاي ، فلمَّا هممْتُ بالانصراف زوَّدني بِكتابٍ إلى سيّدي يسألهُ فيه أن يبيعني منه ، ثمَّ أخرج من تحت فراشه عشرين دينارًا ، وقال : اسْتَعِن بهذا المال على دنياك ، ولو كان لك حقّ في الفيء لأعْطَيناك ، فأبيْتُ أن آخذ المال منه ، فقال : خُذْهُ فما هو من مال المسلمين إنَّما هو من نفقتي ، فامْتنعْتُ عن أخذه ، ولكنَّه ما زال بي حتى أخذتهُ منه ، ومضَيْتُ ، فلمَّا بلغْت المدينة دفعْت بكتاب أمير المؤمنين إلى مولاي ، ففضَّه ، وقال : إنَّما سألني أن أبيعك له لِيُعْتِقَكَ ! فلِمَ لا أكون أنا المُعْتِقُ لك ؟ ثمّ أعْتقَهُ .

         أيها الإخوة الكرام ، هذا نموذج وهو أنَّه ما من عملٍ على وجه الأرض إلا ويمكن أن يكون طريقًا إلى الجنَّة ، وهذه عظمة الإسلام ، وقد قلتُ لكم سابقًا : الإنسان في عمله ومهنته ، وحرفته ، ووظيفته ، ومنصبهُ ، كرسيّه في الجامعة ، منصبه في الطب ، والتدريس ، تجارته ، صناعته ، العمل الذي ترتزق منه إذا كان في الأصل مشروعًا ، وسلكْت به الأساليب المشروعة التي بيَّنها الله ، أيْ لم تكذب ، ولك تغشّ ، ولم تُدلِّسْ ، ولك تظلِم ، ولم تحْتكِر ، ولم تستغلّ ، إذا كان العمل في الأصل مشروعًا  وسلكْت به الأساليب المشروعة ، ولم يشْغلْك عن فريضة أو واجبٍ أو طلب علْم ، وأردْت به كفاية نفسك وأهلك ، وخدمة المسلمين انقلب العمل إلى عبادة ، فهذا الخليفة العظيم جعل من هذا المنصب العالي طريقًا إلى الجنَّة ، وكلّ واحد من سعادته أن يجعل ممَّا أقامه الله فيه ، الله أقامك تاجرًا أو موظَّفًا ، مدرِّسًا ، طبيبًا ، بائعًا ، أيّ عملٍ أقامك الله به بإمكانك أن تجعلهُ طريقًا إلى الجنَّة ، والحياة محدودة ، وقصيرة ، وهذه الحياة مزرعة الآخرة فانتَبِهوا أيّها الإخوة .

         أيها الإخوة ، العادات إذا رافقتْها النوايا الطَّيِّبَة انقلبَت إلى عبادات ، فكلّنا نأكل ، ونشرب، وننام ، ونسكن في بيت ، ولنا عمل ، ونتنزَّه أحيانًا ، والله الذي لا إله إلا هو يمكن أن تكون نزهتك مع أولادك عبادة ، إذا نوَيْتَ أن تُكْرمهم ، وأن تمكِّن علاقتهم بك ، وأن تضعَ اللّقمة في فم زوجتك هي لك صدقة ، أن تجلس مع أهلك تؤْنسهم بِحَديثك هو لك صدقة ، فالإنسان إذا عرف الله عز وجل فكلّ ذلك محْسوم ، كلّ شيءٌ يعمله هو عملٌ صالح يرقى به ، فالعِبرة أن تعرف الله تعالى أوَّلاً ، وأن تعرف سرّ وجودك ثانيًا ، وغاية وجودك ، الآن كلّ حركاتك وسكناتك أعمال صالحة ، حتى الأعمال التي تظنّها عاديّة ، أن تشتري بيتًا لابنك ، أطْعم أهله ، ودعا إخوانه إلى طعام ، أخذ أهله إلى نزهة ، ارتدى ثيابًا جديدة ، بصفته مسلمًا ، فالظهور بمظهر أنيق واجب ، فالأعمال العاديّة بالنوايا الطَّيّبة تنتقل إلى عبادات ، والأعمال الجليلة تنقلب إلى عبادات ، خليفة المسلمين قال : الناس يتَّخذون الملك ليكون طريقًا إلى الدنيا ، وأنا أتَّخذه طريقًا إلى الآخرة ، فيمكن لأيّ عملٍ على الإطلاق ، طبعًا إذا كان مشروعًا ، أن يكون لك طريقًا إلى الجنَّة ، فعلى الإنسان مراجعة حساباته ، ويجتهد في معرفة الله ، ومعرفة كتابه ومنهجه ، حتَّى تنقلب حياته إلى مغانمَ لا إلى مغارم ، فهناك مَن يموت ، قال تعالى :

[ سورة الكهف ]

         وهناك من أَلْفُهُ كأُفّ ‍! العبرة أن تعرف ربّك ، وأن تعرف منهجه ، وبها تصير حركاتك كلّها صالحة ، عملك ، وبيتك ، وتربية أولادك ، إطعامك لأهلك ، نشاطك الاجتماعي كلّه في سجلاّت الأعمال الصالحة ، فهذا الدرس عن سيّدنا عمر بن عبد العزيز ثلاثة صور ؛ الصورة الأولى والثانية والثالثة تؤكِّد أوَّلاً نفسًا توَّاقة ، فالمؤمن طموح لأعلى درجة ، ولكن طموح المؤمن لا ينتهي عند الدنيا ، بل ينتهي إلى الآخرة ، فالدنيا مَطِيَّة،  والحياة جميلة ، لكن لمَن عرف الله ، يقول أحد العارفين بالله تعالى : مساكين أهل الدنيا ، جاؤوا إلى الدنيا ، وغادروها ، ولم  يعرفوا أجْمل ما فيها ! يقول أحد العارفين بالله : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري إن حبسوني فحَبسي خَلوَة ، وإن أبعدوني فإبعادي سِياحة ، وإن قتلوني فقتْلي شهادة ، فماذا يصْنعُ أعدائي ؟!! وهذه دعوة لطيفة من الله عز وجل ، قال تعالى :

[ سورة النحل ]

         أنت بِمَعرفة الله تجعل حياتك ذات معنى ، لذلك حياة العظماء عظيمة جدًّا ، هل تصدِّقون أنَّ الله سبحانه وتعالى أقْسمَ بماذا ؟ بِعُمُر النبي ! قال تعالى :

[ سورة النحل ]

          خالق الكون يُقْسمُ بِعُمُر النبي ، فالعُمْر قد يكون قصيرًا جدًّا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء الدنيا ، وعاش فيها ثلاث وستِّين سنة ، قلبَ وجْه الأرض ، وعمَّت الفضيلة في القارَّات الخمْس ، سمعتُ البارحة عشرة ملايين مسلم في أمريكا ، الآن بفرنسا الدِّين الثاني هو الإسلام ، فأيّ طالب في التعليم من حقِّه أستاذ دِيانة إسلامي ! فالنبي خلال ثلاث وستِّين سنة عمَّ الهدى الأرض ، والإسلام في توسّع ، لذلك الإنسان إذا أراد أن يتْرك شيئًا في الحياة الله عز وجل يعينه على ذلك ، ويكرمه ، فما علينا إلا أن نتحرَّك ، والله معنا  والعوام يقولون كلمة أحبّها : عبْدي قُم أقمْ معك ! أنت تحرَّك ؛ اُتْرك عملاً صالحًا ، وأثرًا ، اُدْعُ إلى الله ، دُلَّ الناس على الله ، أتْقِن عملك ، وانْصح المسلمين ، أما الإنسان الذي لا عمل له ، فلا شيء له عند الله تعالى ، فحجْم الإنسان عند الله بِحَجم عمله الصالح .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi