English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس  02/20  ، سيرة التابعي :  عامر التميمي ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

تفريغ              :   السيد عماد علان  . 

التدقيق اللغوي     : الأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين ، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا ، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني من سِيَر التابعين رِضْوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وتابِعِيّ اليوم هو عامر بن عبد الله التميميّ ، وقبل أن نبدأ قصَّته لا بدَّ من مقدِّمةٍ نحن في أمسِّ الحاجة إليها .

     أيها الإخوة الكرام ، إنّ الإنسان في هذا الزمان الذي أنبأ به النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ  *

[ رواه الترمذي ]

     وهذا الحديث معروف عندكم ، وهناك أحاديث كثيرة تُذكِّرُ بِهُبوط الإنسان في آخر الزمان ، يصبح المعروف منكرًا ، والمنكر معروفًا ، يصبحُ المطر قيظًا ، والولد غَيْظًا ، ويفيضُ اللئام فَيْضًا ، ويغيظ الكرام غَيْظًا ، أحاديث لا مجال لِذِكْرها ، ولكنَّها تبيِّنُ أنّ حالة الإنسانيَّة في آخر الزمان في هُبوطٍ أخير ، هناك سُقوط ، وانْهِيارُ قِيَم ، وانْهِيارُ مبادئ ، وانْهيار مُثُل ، واستعار الشَّهوات والفِتَن ، فالإنسان في زحْمة هذه الحياة ، وفي زحْمة هذه الفتن ، حينما يسْتمعُ إلى قصَّة صحابيّ أو تابعيّ ، يرى النُّبْل ، والصِّدق ، ويرى الإخلاص ، والأمانة ، والاندفاع إلى الله عز وجل ، وكأنَّني أُشبِّه الإنسان برجلٍ يمشي في صحراء ؛ الحرّ شديد ، ورِمَال ، ثمّ يرى عن بُعْدٍ واحةً من أشجار نخيل وغدير ماءٍ ! فنحن إذا دخلنا بيت الله ، واسْتمعنا إلى قصّة صحابي أو تابعي ، وعِشْنا ساعةً في هذه القِيَم الرفيعة ، والمُثُل الفائقة ، هذا مِمَّا يَدْعو أن تُنزَّل علينا الرحمة، للقَوْل الذي تعرفونه جميعًا ، "عند ذِكْرِ الصالحين تتنزَّل الرَّحَمَات " ، والإنسان حينما يرى هؤلاء الأبطال ، وهؤلاء الصحابة الكرام ، وهؤلاء التابعين ، يرى بطولاتهم ، ووُضوح الرؤية عندهم ، ويرى انْطلاقًا إلى جنَّة لا يفْنى نعيمها ، هذا يكون لنا دافعًا وباحِثًا ، ومُشَجِّعًا ، إنّهم قُدْوةٌ لنا ، والشيء الخطير أيُّها الإخوة أنَّه كما يُقال : قلْ لي مَنْ قُدْوتُكَ أقُلْ لكَ مَن أنت ، أهل الدنيا قدوتهم مِن جِنْسِهم وعلى شاكلتهم ، فالتاجر قدْوتهُ تاجرٌ أكبر منه ، والصِّناعيّ قدوَتُهُ صِنَاعِيّ أكبر منه ، والمثقَّفُ ثقافةً عِلمانِيَّة قدْوتُهُ علمانيٌّ أكثر ثقافة منه ، والقويّ قُدْوتُهُ قويّ أكبر منه ، ولكنَّ المؤمن قدوتهُ رسول الله وصحابتُهُ الكرام ، الذين سَبَقُوهُ في مجال الإيمان ، لذا فهذه الدروس أيّها الإخوة نعيشُ بها جميعًا ساعةً ، وكأنَّنا في واحةٍ عقِبَ مسيرة في صحراء حارَّة ، لأنَّ الذي يحْصَل أنَّك في الأيَّام كلِّها تسْتمِعُ إلى قِصَصٍ مُؤدَّاها سقوط الإنسان ، ومادِيَّة الإنسان ، وشحّ الإنسان ، ولُؤْمُ الإنسان ، وقَسْوةُ الإنسان ، ونفاقُهُ ، وجهْلُه ، وحياةٌ فيها جهْل وسُقوط وحِقْد ولؤْم ، وفيها أنانيّة وعُدوانٌ وبَغْي ، وفيها تجاوُز ، فإذا انتقلنا إلى هؤلاء الأبطال الذين عاشُوا حياتهم سُعَداء وكانوا مُلوكًا ، مُلوك الدار الآخرة ، وكانوا أبطالاً ، وكانوا أعلامًا ، عشنا حينئذٍ ساعة روعة و شوق .

     فعامِرُ بن عبد الله التميميّ كان مِن التابعِين الأجِلاَّء ، وقبل أنْ أدْخل في تفاصيل حياتِهِ ، لفَتَ نظري في هذا التابعيّ الجليل توازنُه في حياته ، فهو في عبادته كأرقى العابدين ، ولكن إذا انتقلْتَ إلى عملهِ في النهار كان أرقى المجاهدين ، وإذا انتقلْت إلى صبْرِهِ كان أشدّ الصابرين ، والحقيقة كما كنت أقول لكم دائمًا : نحن مع التَّفوّق لا مع التَّطرّف ! نحن مع أنْ يَنْمُوَ الإنسان في جوانِبِهِ الثلاثة ، أن ينْمُوَ عَقلهُ ، وأن ينْمُوَ قلبهُ ، وأن ينضبِطَ سُلوكهُ ، ويرقى عملهُ بِشَكْل متوازٍ.

     يُقال : كانت البصْرَةُ على حداثتِها من أغنى بلاد المسلمين ، ومن أوْفرها ثرْوةً ، بما كان يتدفَّق عليها من غنائِمِ الحرب ، ولكنَّ الفتى التميميّ عامر بن عبد الله لمْ يكن له أرَبٌ في ذلك كلّه، لقد كان زاهدًا بِمَا في أيدي الناس راغبًا بما عند الله .

     أيها الإخوة ، هذه جملة خطيرة جدًّا ، فالمؤمن يزْهدُ بِمَا في أيدي الناس ، ويرْغبُ بما عند الله ، فإذا زهدْتَ بما في أيدي الناس أحبَّكَ الناس ، وإذا رغبتَ بما عند الله أحبَّك الله ، والعكس غير صحيح ، أيْ إذا أحببت ما عند الناس ، وطمعْت في مالهم أبْغضَكَ الناس ، وإذا زهدْتَ بما عند الله أبْغضك الله تعالى .

رجل البصْرة الأوَّل ؛ الصحابيّ الجليل أبو موسى الأشعري كان والِيَ  المدينة الزاهرة ، وهو قائد الجيوش فيها ، وإمامُ أهلها ، ومعلِّمُهم ، ومرشدهم إلى الله عز وجل ، لزِمَ عامر بن عبد الله التميميّ أبا موسى الأشعري في سِلْمه وحربِهِ ، نقول : إنهم تابعون ، ومعنى " تابعون" أنَّ هؤلاء اقْتدَوا بالصحابة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ، حيث بقيَ عددٌ غيرُ قليل من أصحاب رسول الله رِضْوان الله تعالى عليهم ، فهؤلاء التابعون لَزِموا صحابة رسول الله ، فهذا التابعيّ عامر بن عبد الله التميميّ لَزِمَ أبا موسى الأشعري في سلمه وحربهِ ، وفي حِلِّهِ وترْحالِهِ ، فأخذ عنه كتاب الله طريًّا كما نزل على فؤاد محمَّد صلى الله عليه وسلّم ، لأنّ القرآن يجب أن تتلَقَّاهُ قِراءةً ، وأنْ تتلقَّاهُ فهْمًا ، وأنْ تقْتَدِيَ بِمَن يُطَبِّقُهُ ، وتحضرني كلمة أُعْجَبُ بها ، هي في كتاب العُكْبُري ، يقول عن كتاب الله العزيز : " تؤخذُ ألفاظهُ من حُفَّاظِهِ ، وتؤخذُ معانيهِ مِمَّن يُعانيه"، يجب أن تلْتقي بإنسانٍ يُعاني هذه المعاني ، ويعيشُها  ، وشتَّان بين من يتكلَّم عن معاني القرآن ، وهو لا يُعانيها ، وبين من يتكلَّم عن معاني القرآن ، وهو يُعانيها ، وفي الحقيقة عندنا في الأدب مِقياس مِن أرقى المقاييس في رُقِيِّ النصّ الأدبي ، يُسَمِّيه الأدباء والنُّقاد (الصِّدْق الفني) ، ومعْنى الصِّدق الفنيّ أن يصْدر الأديب عن تجربةٍ حيَّة يعيشها ، وعن عاطفةٍ صادقةٍ ، فالإنسان إذا حدّثنا عن حقيقة عاشها أبكانا ، أما إذا حدَّثنا عن مشكلةٍ خياليَّةٍ لم يُبْكِنا إطلاقًا ، فإذا أردْت أن تتأثَّر بأدبٍ ما فابْحَث عن أديبٍ صادقٍ فيما يقول ، صِدْقُهُ فنيّ ، فأنت لو اسْتمعْتَ مِن فقيرٍ يصفُ حالة الفقْر ، ربّما راق له قلبك ، أما لو اسْتَمَعْت إلى غَنِيٍّ مُتْرفٍ يصفُ لك حالة الفقْر ، ربَّما نفرْتَ من كلامه ، لأنَّه لا يعرفُ الشَّوْق إلا من يُكابِدُه ، ولا الصَّبابة إلا من يُعانيها .

     فأخذ هذا التابعيّ الجليل عن أبي موسى الأشعري كتاب الله رطبًا طرِيًّا كما نزل على فؤاد محمد صلى الله عليه و سلم ، وروى عنه الحديث صحيحًا مَوْصولاً بالنبي الكريم الله صلى الله عليه وسلّم ، وتفقَّهَ على يدَيْه في دين الله عز وجل ، فلمَّا اكْتَمَلَ له ما أراد من العِلْم جعَلَ حياتهُ أقْسامًا ثلاثة ، ذكرتُ أشياءَ دقيقة ، أنت بِحاجةٍ إلى درس تفسير كتاب الله ، وهل مِن كتابٍ على وجه يمكن أن يكون أهَمّ في حياتك من كتاب الله ؟ هو منْهجك ، وأنت بِحَاجةٍ ماسَّةٍ إلى درْسٍ في الحديث الشريف وشرحه ؛ لأنّ الله عز وجل يقول :

[ سورة الحشر ]

فمعرفةُ الذي أتانا به النبي أو آتانا إيَّاهُ النبي فرْضُ عَيْنٍ على مسلم ، هذا البند الثاني.

أنت كَزَوْج ، أو موظَّف ، أو طبيب ، أو تاجر ، أو محامي ، أنت في أمسّ الحاجة إلى أن تعرف الأحكام الفقْهيَّة المتعلِّقة بِحِرْفتكَ وحياتك ، فأنت كَزَوْج عليك معرفة حقوق الزوج والزوجة ، وطريق معاملة الأهل كما كان يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام ، وفي التجارة ، حقوق البيع والشِّراء وشروطهما ، والدَّيْن والحوالة ، والوكالة ، وأنت بِأمسّ الحاجة إلى درسٍ في السيرة ، لأنَّ السيرة إسلامٌ عملي ، وحقيقة مع البرهان عليها ، فلمَّا اكْتملَ لهذا التابعيّ الجليل العلْم جعَلَ حياتَهُ أقسامًا ثلاثة ؛ وهذا ينقلنا إلى تنظيم الحياة .

     أيها الإخوة الكرام ، أُناسٌ كثيرون جدًّا يكونون ضَحِيَّة الدنيا ، لا تنظيم في حَياتِهِ ، يأتي بهُموم عملهِ إلى البيت ، فَيَشْقى في بيتِهِ ، وينقل هموم بيتِهِ إلى عملهِ ، فيَشْقى في عمله ، فإذا دَخَلَ إلى بيت الله كانت كلّ مشكلات التجارة في ذهنه في أثناء الصلاة ، لقد صلّّى أحدهم صلَّى وراء الإمام فقال له : أنت صلَّيْت ركعتين فقط في صلاة المغرب ، فقال الإمام : هذا غير معقول! فقال المُصَلِّي : لا ، لأنَّ لي ثلاثة محلاَّت تِجاريَّة ، في كلّ ركعة أَحُلّ مشاكل محلّ ، وبقي المحلّ الثالث ما حللْتُ مشاكله !! يأتي هؤلاء بِهُموم العمل إلى المسجد ، وبهموم البيت إلى العمل ، وبهموم العمل إلى البيت ، ويكون في النهاية ضَحِيَّة عدم تنظيم حياته ، لذا أيها الإخوة نظِّموا أوقاتكم ، وإنّ لله عملاً بالليل لا يقبلهُ بالنهار ، وعملاً بالنهار لا يقبلهُ بالليل ، وقْتٌ لأهلك، ووقْتٌ لأولادك ، ووقْتٌ لعَمَلِك ، وقت لِعِبادتك ، ووقْتٌ لطلب العلم ، فتَنظيم الأوقات هو الذي يجعلكَ تكْسبُ الدنيا ، واللهُ عز وجل قال :

[ سورة الانشقاق ]

     قرأتُ مرَّةً مقالة في مَجلَّة مفادها أنَّ في حياة الإنسان ثلاثة أشياء ؛ الوقت والصحّة والمال، ومن أجل أن تزهدوا في هذه الدنيا ، ففي مرحلة الشباب الصحَّة متوفِّرة ، وليس عندهُ مشكلة ، قلب ، دساَّمات ، ضَغط ، كولسترول ، شحوم ثلاثيَّة ، أسيد أوريك ، تجده يطحن الحجارة ، وفي أوَّل مرحلة الشباب الوقت وافر والصَّحة وافرة ، ولكن لا يوجد المال ، وفي المرحلة الثانية الصَّحة موفورة ، والمال موفور ، ولكن ليس لديه الوقت لِيَتَنَعَّم بالمال ، من لِقاء إلى لِقاء ، واجْتِماعات ، دوام ، وعمل مضنٍ ، وهموم ، ولو ذهَب إلى نزْهة لوجدتَهُ ساهيًا ! ففي المرحلة الثانية المال موجود والصَّحة موجودة ، ولكن ليس لديه الوقت ، وفي المرحلة الثالثة المال موجود، تقاعَدَ سلَّم أولادهُ زمام الأمور ، والوقت موجود  ولكن لا توجد الصحَّة ، في جِسْمِهِ خمسون علَّة ، وهذه هي الحياة ؛ تغرُّ ، وتَضُرّ ، وتمُرّ ، ولكن حياة المؤمن ليست هكذا ، المؤمن عرف هدفهُ من بداية الحياة ، وشكَّل حياتهُ تشْكيلاً إسلاميًّا ، وجعل هدفهُ واضِحًا ، وجنَّدَ طاقاته ونشاطاته ومالهِ ووقتهُ في سبيل هذا الهدف ، لاحِظ إنْ أتَيْتَ بِعَدسة ، ووقفتَ تحت أشعَّة الشَّمس وجعلتَ مِحْرقها تحت ورقة ، فستحترق هذه الورقة ! فالذي حدث أنَّ هذه الأشعّة اجْتمَعت في نقطة فأحْرَقَتْ ، والإنسان إذا تجمَّعَتْ طاقاتهُ في شيءٍ واحد يُحَقِّق المستحيل ، أما أهل الدنيا فهم مبعْثَرون مُشَتَّتون ، أما المؤمن فهو مجموع ، عضلاته وخِبْراته وعلمه ومالهِ وذكاؤه ، وثقافته ، ومطالعته ، وطلاقة لِسانه ؛ يفعل بها المستحيل ، وكلّ ذلك في سبيل الله .

     هذا التابعي الجليل قال : شطر في حلقات الذِّكْر يقرأُ فيه الناس القرآن الكريم في مسجد البصرة ، وشطْر في خَلَوات العبادة ينتصبُ فيه قائمًا بين يدي الله عز وجل حتى تَكِلَّ قدَماه ، وشطْرٌ في ساحات الجهاد يسَلّ فيها سيْفًا غازِيًا في سبيل الله ، فهو في الجهاد تارةً ، وفي العبادة تارةً أخرى ، وفي طلب العلم وتعليمه تارةً ثالثة ، ولمْ يتْرك في حياته موضِعًا لشيءٍ غير ذلك ، حتى دُعِيَ بِعَابِدِ البصْرة ، وزاهدها الأوَّل .

     أحدُ أبناء البصْرة قال : سافرْتُ في قافلةٍ فيها عامر بن عبد الله التميميّ ، فلمَّا أقْبَلَ علينا الليل نزلْنا بِغَيْضةٍ فجَمَعَ عامرُ متاعَهُ ، وجمعَ فرسَهُ بِشَجَرةٍ ، وطوَّلَ له زِمامهُ ، وجمعَ له مِن حشائش الأرض ما يُشْبعُهُ ، وضرحهُ أمامه ، ثمّ دخل الغَيْضة وأوْغَلَ فيها ، فقلْتُ في نفسي : والله لأتْبعنَّه ، ولأنْظرنَّ ما يصْنعُ في أعماق الغَيْضة في هذه الليلة ، فمضى حتى انتهى إلى رابيةٍ ملْتفَّة الشجر ، مسْتورة عن الأعيُن فاسْتقبل القبلة ، وانتصبَ قائمًا يصلِّي ، فما رأيْتُ أحْسنَ من صلاته ، ولا أكمل ولا أخْشع ، ولما صلى ما شاء أن يصلِّي طفقَ يدْعو ربّه ويُناجيه، فكان ممَّا قال : إلهي قد خلقتني بِأمرك ، وأقمْتني في بلادك بِمَشيئتك ، ثمّ قلت ليَ : اسْتَمْسِك ، فكيف أسْتمسِكُ إن لم تمسِكْني بِلُطفك يا قويّ يا متين ‍.

       أيها الإخوة الكرام ، الإنسان لا بدّ أن تكون له مناجاة مع الله تعالى ، وساعة يخْلو بها بِرَبِّه ؛ في سجوده ، وفي صلاته ، وفي ذكره ، هذه شحنة ، أنا مرَّةً مِصباحٌ كهربائي علَّمني درسًا لا أنساهُ ، مصباحٌ يُشْعل بالكهرباء ، كنتُ إذا نسيتُ أن أشْحنهُ ، وأردْتُ أن أسْتعملهُ فجأةً  أضْغطُ الزرّ ، فإذا الضوء باهت ضئيل ، أما إذا شحنتُهُ ، وأردتُ أن أستعملهُ أرى له ضوءًا كَضَوء الشمس ، فكذلك المؤمن كلما شحنْتهُ تألَّق ، والشَّحنُ يكون عن طريق العبادة ؛ فالصلاة شَحن ، والذِّكر شحن ، والاستغفار شحن ، والدعاء شَحن ، وتلاوة القرآن شحن ، فبِقَدْر ما تشْحنُ نفْسكَ تتألَّق ، فهكذا كان هذا التابعيّ الجليل .

     كان يقول : إلهي إنَّك تعلم أنَّه لو كانت ليَ هذه الدنيا بما فيها ، ثمَّ طُلِبَتْ مِنِّي مرْضاةً لك ، لوَهَبْتُها لِطَالِبِها ، فهَبْ ليَ نفسي يا أرحم الراحمين ، إلهي إنِّي أحْببْتُكَ حُبًّا سهَّلَ عليّ كلّ مصيبة، ورضَّاني بكل قضاء ، فلا أُبالي مع حُبِّي لك ما أصبحت عليه ، وما أمْسيْتُ فيه .

     قال الرجل البصري : ثمَّ إنَّهُ غلبني النعاس فأسْلمْتُ جَفْني إلى النوم ، وما زلْتُ أنام وأسْتيقظ وعامر منتَصِبٌ في موقفه ، ماضٍ في صلاته ومناجاته حتى تنفَّس الصبح ‍! هل يعقل ألاّ ينام الإنسان ؟ نعم معقول ، أحيانًا يسهر شخصان إلى أذان الفجر ، لانْبساطهما ، فهل سرورك بالله عز وجل كَسُرورِكَ بِصَديقك من أهل الدنيا ، تسهر معه حتى الفجر ؟ قال : يا موسى أَتُحِبّ أن أكون جليسك ، فَصُعِقَ ! قال : كيف ذلك يا رب ؟ وكيف أكون جليسك ؟ قال : "يا موسى أما علمتَ أنَّه من ذكرني فقد جالسَني ، أما علمْت أنِّي جليسُ مَن ذكرني ، وحيثما الْتَمَسَني عبدي وجدني "، فلمَّا بدا له الفجر ، فأدَّى المكتوبة ، ثمَّ أقْبلَ يدعو ، ويقول : اللهمّ ها قد أصْبح الصبح ، وطفقَ الناس يغدون ويروحون ، يبتغون من فضلك ، وإنّ لِكُلٍّ منهم حاجة ، وإنّ حاجة عامر عندك أن تغفر له ، اللهمّ فاقْضِ حاجتي وحاجاتهم ، يا أكرم الأكرمين .

     ثمّ قال عامر : اللهمّ إنِّي سألتُكَ ثلاثًا ؛ فأعْطَيتني اثْنَتَين ، ومنَعْتني واحدة ، اللهمّ فأعْطِنِيها حتى أعْبدَكَ كما أحبّ وأريد ، ثمّ نهَضَ من مجلسه ، ووقعَ بصَرهُ عليّ ، فَعِلَم بمكاني منه في تلك الليلة ، فجَزِعَ لذلك أشدّ الجزع ، وقال لي في أسًى : أراك كنت ترقبني تلك الليلة يا أخا البصرة؟ قلتُ : نعم ، فقال : اسْتر ما رأيْت مِنِّي ستَركَ الله .

     أحيانا يصلّي الواحد منَّا قيام الليل فيقيم الدنيا ويقعدها ، ويقول : البارحة صلّينا قيام الليل !! هو يعبد الله ، ولا يحِبّ أن يُعْرف بذلك ، لأنَّ أفضل الزهد هو إخفاؤهُ ، لذا قال له : اسْتر ما رأيْت مِنِّي ستَركَ الله ! فقلتُ : واللهِ لَتُحَدِّثني بِهذه الثلاث التي سألت بها ربّك ، أو لأخْبِرَنّ الناس بِما رأيْتُه منك ؟ هو معه سلاح ، فإما أن تحدِّثني بها ، أو لأخبِرَنَّ الناس بما كان من شأنك ، فقال : وَيْحَكَ لا تفعَل ! فقال : قلتُ : هو ما أقولهُ لك ، فلمَّا رأى إصْراري قال : أحدِّثك على أن تعطِيني عهْد الله وميثاقهُ ، ألاّ تُخْبر بهذا أحدًا ! فقلتُ : لكَ عليّ عهْدُ الله وميثاقهُ ألاّ أُفْشِيَ لك سرًّا ما دُمْتُ حيًّا ، فقال : لمْ يكن شيءٌ أخْوفَ على ديني من النِّساء .

     واللهِ يا أيها الإخوة هل معظم المسلمين يسرق ؟ غير معقول ، يشرب الخمر ؟ غير معقول، يقتل ؟ غير معقول ، لكنَّ النِّساء كما قال عليه الصلاة والسلام حبائل الشيطان ، إنَّ إبليس طلاَّع رصَّاد ، وما هو من فخوخه بِأوْثَقَ منه بِصَيْدِهِ من النِّساء ، فاتَّقوا الله ، واتَّقوا النِّساء ، فَمَأخذُ الشباب الوحيد هو النساء ، لذلك كلّما بالغْتَ في غَضّ البصر ، وابتعدْتَ عن اللِّقاءات المختلطة، والطرقات الفاسدة ، وعن الأماكن تواجد النساء كلَّما سلِمَ دينكُ ، قال : لمْ يكن شيءٌ أخْوفَ على ديني من النِّساء ، فسألْتُ ربِّي أن ينزع من قلبي حبّهنّ ، حتى صِرْتُ لا أبالي امرأةً رأيْتُ أم جِدارًا !!! وقد يقول أحدكم غضّ البصر صَعب ، وأنا أقول لكم : واللهِ الذي لا إله إلا هو وكما قال عليه الصلاة والسلام : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا *

[رواه أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

     أنت تصلّي في النهار خمس صلـوات ، فما قولك أنَّه كلّما وقعَتْ عيْنك على امرأة أجْنبيَّة ، وغضضْتَ بصرك لا تخاف أحدًا ، ولا ترجو أحدًا إلا الله ارْتَقَيْت عند الله ، مرَّةً قلتُ لكم : أحيانًا تتوافق القوانين مع الشرائع ، فإذا ترك أحدٌ سرقة المال ، يا تُرى ترك السرقة خوفًا من الله أم خوفًا من العقاب القانوني ؟ الله تعالى أعلم ، ولِحِكمة أرادها الله عز وجل أنَّ بعض أوامر الدِّين ينفرد بها من بين كلّ الشرائع ، فغضّ البصر مثلاً ، لا توجد جهة في الأرض يمكن أن   تُحاسبك على نظرك إلى النِّساء ، وهذه العبادة عبادة الإخلاص ، لأنَّه لا توجد جهة تُحاسِب ، وإذا أرادتْ لا تستطيع ، فقد تكون في غرفة نوْمك ، والنافذة مفْتوحة ، والبناء الآخر قريب ، فُتِحَت نافذة ، وأطلَّت امرأة من النافذة ، من يستطيع أن يُحاسبك على نظرك إلى هذه المرأة ؟ لذلك قال تعالى :

[ سورة غافر ]

     إذا كنت طبيبًا ، وشَكَتْ لك موضِع ألمٍ من جسمها ، فلك الحقّ أن تنظر إلى هذا الموضع كي تعالجهُ ، ولكن من الذي يكشف أنَّك نظرْت إلى موضعٍ لسْت بحَاجة إليه ؟ نظرة شهوةٍ ، الله هو الذي يعلم ، قال تعالى :

[ سورة غافر ]

     لذلك أنا أُردِّد هذا القول كثيرًا : من لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا لمْ يعبأ الله بشيءٍ من عمله .

     قال : فقلتُ هذه واحدة فما الثانية ؟ قال : سألتُ ربّي ألاّ أخاف أحدًا غيره ، واللهِ توجد بالأرض ملايين الجهات المخيفة ، وما أكثر المخاوِف ، فإذا ركبْتَ مركبةً فهناك مخاوف ، مجيء سائقٍ غافل ، وإذا دخلت إلى مكان فهناك من يُعَرقل عملك ، ويُعَقِّد عليه القضايا ، فالإنسان تحت أخطار لا يعلمها إلا الله ، قال : سألتُ ربّي ألاّ أخاف أحدًا غيره ، فاسْتجاب لي ، حتى إنِّي واللِه لا أرغب شيئًا في الأرض ولا في السماء سواه ، قال : يا موسى خفْني وخَفْ نفسكَ ، أنا أقول لكم هذه الحقيقة : واللهِ - وهي دقيقة جدًّا - مهما رأيْت جهة قوِيَّة شَرِسةً عُدْوانِيَّة ، فلا تخَفْ منها ، خَفْ من ذنْبٍ تقترفهُ ، فيَسْمحَ الله لهذه الجهة القويَّة أن تصل إليك ، قال تعالى :

[ سورة الأنعام ]

وقال تعالى :

[ سورة الأنعام ]

     تصوَّر إنسانًا واقفًا أمام سبعة وُحوش مخيفة ، وكلّها تريد أكْلهُ ، بِلُقْمة واحدة ، ولكنّ هذه الوحوش مربوطة بِيَد جهةٍ واحدة ، ومربوطة بِأزِمَّة مُحكمةٍ ، وهذه الجهة بصيرة سميعة عليمة حكيمة رحيمة وعادلة ، فأنت علاقتك مَع منْ ؟ مع الوُحوش أم مع الجهة التي تُمسِكُ أزِمَّتها ؟ هذه الجهة لو أَرْخَتْ بعض الأزِمَّة لوصَلَتْ الوحوش إليك ، فإذا منَعَتْها عنك انتهى الأمر ، وهذا معنى قول الله تعالى :

[ سورة هود ]

هذا معنى قول بعض العارفين :

***

أَطِعْ أمْرنا نرْفع لأجلك حجْبَنا          فإنَّا مَنَحْنا بالرضا من أحبَّنا

ولُذْ بِحِمانا واحْتَمِ بِجَنابِنـــا         لِنَحميك ممَّا فيه أشرار خلقنا

***

قلْتُ : فما الثالثة ؟ فقال : سألْتُ ربِّي أن يُذْهِبَ عَنِّي النَّوم حتى أعْبدَهُ بالليل والنهار كما أريد ،  فمَنَعَنيها ، فلمَّا سمِعتُ منه ذلك قلتُ له : رِفْقًا بِنَفْسِك فإنَّك تقضي ليلكَ قائمًا ، وتقطعُ نهاركَ صائمًا ، وإنَّ الجنَّة تُدْركُ بأقلَّ ما تصْنع ، وإنَّ النار تُتَّقى بأقلَّ مِمَّا تُعاني ‍! فقال : إنَّي لأخشى أن أنْدَمَ حيث لا ينفعُ النَّدَم ، والله لأجْتهِدَنَّ في العبادة ما وجدتُ للاجتهاد سبيلاً ، فإنْ نجَوْتُ فَبِرَحْمة الله ، وإن دخلْتُ النار فَبِتَقْصيري .

     أيها الإخوة ، هل تعلمون من هو العاقل ؟ هل عندكم تعريفٌ جامعٌ مانِعٌ للعاقل ؟ العاقل هو الذي لا يعملُ عملاً يندمُ عليه ، فأنت الآن تعيش ، ولكن يا ترى لو حان الآن وقتُ مُغادرة الدنيا، ألا تنْدم لِمَ لمْ تُصَلِّ أكثر ، ولِمَ لمْ تتعلَّم أكثر ، ولِمَ لمْ تُنْفِقُ أكثر ، ولذلك فالعاقل هو من يعْملُ عملاً لا ينْدمُ عليه أبدًا ، هذا ما قالهُ بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم والله : "لو علِمْتُ غدًا أجلي ما قدرْتُ أن أزيد في عملي " .

غير أنَّ عامر بن عبد الله لمْ يكن راهبًا من رهبان الليل فحَسْب ، بل كان فارسًا من فرسان النهار أيضًا ، فما أذَّنَ مؤذِّنُ الجهاد في سبيل الله إلا وكان في طليعة من يُجيب النِّداء ، وكان إذا نهَض لِغَزوة من الغزوات مع المجاهدين وقفَ يتوسَّمُ الناس لِيَختار رِفاقهُ ، واسْمعوا هذه القصَّة: إذا وقعَ على رِفْقةٍ تُوافقُهُ قال لهم - فقبل أن يجاهد يختار رفاقهُ في الجهاد  ألا يقولون الرفيق قبل الطريق - : يا هؤلاء ، إنِّي أريد أن أصْحبكم على أن تُعطوني من أنفسكم ثلاث خِلال ، فيقولون ما هنّ ؟ فيقول : أولهنّ أن أكون لكم خادمًا ، فلا يُنازعني أحدٌ منكم في الخدمة أبدًا ، سيِّدُ القوم ، والثانيَة أن أكون لكم مؤذِّنًا فلا يُنازِعَني أحدٌ منكم للنِّداء للصَّلاة ، والثالثة أن أُنفقَ عليكم بِقَدر طاقتي ، لذلك يُعرَف الإنسانُ في السَّفَر ، فإذا قالوا : نعم ، انْضمَّ إليهم ، وإذا نازعه أحدٌ منهم في شيء من ذلك رَحَلَ عنهم إلى غيرهم .

     ونزلَ سعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد القادسيّة في إيوان كِسْرى ، وأمرَ عمْرو بن مُقَرٍّ أن يجمعَ الغنائم ، ويُحصيَها ، لِيُرْسِلَ خُمسها إلى بيت مال المسلمين ، ويقسمُ باقيها على المجاهدين ، فاجْتمعَ بين يديه من الأموال والأعلاق والنفائس ما يفوق الوصْف ، ويعزّ على الحصر ، فهنا سِلال كبيرة مختَّمَةٌ بالرصاص ، مملوءة بآنِيَة الذهب والفضَّة ، كان يأكل بها ملوك فارس ، وهناك صناديق من نفيس الخشب كُدِّسَتْ فيها ثيابُ كِسْرى وأوْشحَتُهُ ودُروعُهُ المُحَلاَّة بالجوهر والدرر ، وصناديق مملوءة بِنَفائس الحليّ وروائع المقْتَنَيات ، وتلك أغمادٌ فيها سُيوف ملوك الفرس مَلِكًا بعد ملِك ، وسيوف الملوك والقُوَّاد الذين خضعوا للفرس خلال التاريخ، وفيما كان العمَّال يُحْصون هذه الغنائم على مرأى من المسلمين وعلى مَسْمع أقْبلَ على القوم رجلٌ أشعثُ أغْبر ، ومعه حُقّ كبير الحجم - الحُقُّ هو الوعاء الكبير - ، ثقيل الوزن حملهُ بِيَدَيه كِلْتَيهما ، فتأمَّلوهُ فإذا هو حُقٌّ لم تقع عيونهم على مثله قطّ ، ولا وجدوا فيما جمعوه شيئًا يعدِلُهُ أو يُقاربهُ ، فنظروا في داخله فإذا هو قد مُلئ بِرُوائه الدرّ والجوهر ، فقالوا للرجل : أين أصبْتَ هذا الكنز الثمين ؟ فقال : غنِمْتُهُ في معركة كذا ، في مكان كذا ، فقالوا : وهل أخذت منه شيئًا ؟ فقال: هداكم الله ، والله إنّ هذا الحُقّ وجميع ما مَلَكَتْهُ ملوك فارس لا يعدل قلامة ظفر !! ولولا  حَقُّ بيت مال المسلمين فيه ما رفعْتهُ من أرضهِ ، ولا أتَيْتكم به ، فقالوا : من أنت أكرمكَ الله ؟ فقال : واللهِ لا أخبركم لِتَحمدوني ، وما أُخبرُ غيركم لِيُقَرِّضوني ، ولكنَّني أحمدُ الله تعالى وأرجو ثوابهُ ، ثمّ تركهم ومضى ‍! الآن قطعة الماس ثمنها مئتا ألف ليرة ، فإذا كانت كمّية كبيرة من الماس والذهب والفضّة ، ومُقْتَنَيات كبيرة ، جاء بها وتركها وانْسحَب ، هل أخذتَ منها شيئًا ؟ قال : لا ، والله ، كلّ هذا الحُقّ ، وكلّ كنوز فارس لا تعدل عندي قلامة ظفرٍ واحدة .

     ثمّ تركهم ومضى ، فأمروا رجلاً منهم أن يتَّبعهُ ، وأن يأتيهم بِخَبرهِ ، فما زال الرجل يمضي وراءهُ ، وهو لا يعلمُ به ، حتى بلغ أصحابهُ ، فلمَّا سألهم عنه قالوا : ألا تعرفهُ ؟ إنَّهُ زاهِدُ البصْرة ، عامر بن عبد الله التميميّ .

     الآن نُنْهي هذه القصَّة بِحادِثٍ مُنَغِّصٍ جرى لهذا التابعيّ الجليل ، فهذا التابعيّ الجليل رأى رجلا من أعوان صاحب شُرطة البصرة قد أمسكَ بِخُنَّاق رجل من أهل الذِّمة ، وجعل يجُرُّهُ جرًّا، والذِمِّيّ يستغيث الناس ، ويقول : أجيروني أجاركم الله ! أجيروا ذِمَّة نبيّكم يا معشر المسلمين ، فأقْبلَ عامر عليه ، وقال : هل أدَّيْتَ جِزْيتَكَ ؟ فقال : نعم أدَّيتها ، فالْتفتَ إلى الرجل الممْسِك بِخُنَّاقه ، وقال : ماذا تريد منه ؟ فقال : أريدهُ أن يذهب معي  يكْسحَ حديقة صاحب الشرطة ، يكْسح يعني ينظِّف ، فقال للذِمِّي : أَتَطيبُ نفسك لهذا ؟ فقال الذميّ : كلاَّ ، فذلك يرُدّ قُواي ، ويشغلني عن كسب قوت عيالي ، فالْتفت عامر إلى الرجل وقال : دَعْهُ ، قال : والله لا أدعهُ ، فما كان من عامر إلا أن ألقى رداءهُ على الذميّ ، وقال : والله لا تغفر ذِمَّة محمَّد وأنا حيّ ، ثمّ تجمَّعَ الناس ، وأعانوا عامرًا على الرجل ، وخلَّصوا الذِمِّي من القوَّة ، فما كان من أصحاب أعوان الشّرطة إلا أن اتَّهموا عامرًا بِنَبْذ الطاعة ، ولفَّقوا له تهمةً أنَّه لا يطيعُ أمير المؤمنين ، ورمَوْهُ بالخروج عن أهل السنة والجماعة ، وقالوا : إنَّه امرؤُ لا يتزوَّج النساء ، ولا يأكل لحم الحيوانات، ولا ألبانها ، ويتعالى على غشيان مجالس الولاة ، ورفعوا أمرهُ إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي الله عنه ، فأمر الخليفة والِيَهُ على البصرة أن يدعو عامر بن عبد الله إلى مجلسِهِ ، وأن يسألهُ عمّا نُسب إليه لِيَرفعَ له خبرهُ ، فاسْتدعى والي البصرة عامرًا ، وقال : إنَّ أمير المؤمنين أطال الله بقاءهُ أمرني أن أسألك عن أمور نُسِبَت إليك ، فقال : سَل عمَّا أمر به أمير المؤمنين ، قال : مالكَ تعْزفُ عن سنَّة رسول الله ، وتأبى أن تتزوَّج ؟ فقال : ما تركتُ الزواج عُزوفًا عن سنّة النبي عليه الصلاة والسلام ، فأنا أشْهد أنَّه لا رهْبانيَّة في الإسلام ، وإنَّما أنا امرؤً رأى أنَّ له نفْسًا واحدة ، فجَعَلها لله عز وجل ، وخشِيَ أن تغلبهُ الزوجة عليها ، قال : ما لك لا تأكل اللَّحْم ؟ فقال : آكلهُ إن وجدْتُهُ واشْتهيْتُهُ ، أما إن لم أشْتَهِهِ ، أو لم أجدْهُ فإنِّي لا آكله ، قال : ما لك لا تأكل الجبن ؟ قال : إنَّ بِمَنطقةٍ فيها مجوسٌ يصنعون الجبن ، وهم قومٌ لا يفرِّقون بين الميتة والمذبوحة ، إنِّي أخشى أن تكون المنفحة التي صُنِع منها الجبن من شاةٍ غير مذكَّاة ، فما شهد شاهدان من المسلمين على أنَّه جبْن صُنِعَ بمنفحة شاة مذبوحة أكلته ، قال : ما يمْنعك أن تأتي الولاة ، وتشهد مجالسهم ؟ قال : إنَّ في أبوابكم كثيرًا من طلاَّب الحاجات فادْعوهم إليكم ، واقْضوا حوائجهم لديكم ، واتْركوا مَن لا حاجة له عندكم ، رُفعَت الأقوال إلى أمير المؤمنين فلم يجد فيها شيئًا أو خروجًا عن السنة والجماعة .

هذا التابعي الجليل حينما خرج من البصرة ، رفع يديْه ، وقال : اللَّهمّ مَن وَشى بي ، وكذب عليّ، وكان سببًا في خروجي ، والتفريق بيني وبين صحبي ؛ اللَّهمّ إنِّي صفحْتُ عنه فاصْفحْ عنه، وهَبْ له العافيَة في دينه ودنياه ، وتغمَّدْني وإيَّاه وسائر المسلمين بِرَحمتك وعفوِكَ وإحسانك يا أرحم الراحمين ، ثمَّ وجَّه مَطِيَّتهُ نحو دِيار الشام ، ومضى في سبيله ، واسْتقرَّ في بيت المقدس، ومرِضَ مرَضَ الموت ، فدخَلَ عليه أصحابهُ فوجدوهُ يبكي ، فقالوا له : ما يُبكيك وقد كنتَ وكنت؟ فقال : والله ما أبكي حِرْصًا على الدنيا ، ولا جزعًا من الموت ، وإنَّما أبكي لِطُول السَّفر، وقلَّة الزاد ، ولقد أمْسيْت بين صعود وهبوط ، إما إلى الجنة وإما إلى النار ، فلا أدري إلى أيِّهِما أصير ، ثمَّ لفظَ أنفاسَهُ ، ولسانهُ رطْبٌ من ذِكْر الله ، هناك في أولى القبلتين ، وثالث الحرمين ، ومسرى النبي عليه الصلاة والسلام ، تُوُفِّيَ عامر بن عبد الله التميميّ ، وقبرهُ الآن في بيت المقدس .

     هذا تابعيّ جليل وقف هذا الموقف ، واللهُ تعالى امْتحنهُ ، ونجَّاه ،  وكان بطلاً في النهار ، وراهبًا في الليل ، وزاهدًا وورِعًا ، قال تعالى :

[ سورة الصافات ]

وقال تعالى :

[ سورة المطففين ]

الحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi