English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس  07/20  ، سيرة التابعي :  : سيد التابعين الحسن البصري ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

تفريغ              :   السيد أحمد مالك  . 

التدقيق اللغوي     : الأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن  الرحيم

 

     الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقًّا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلا ،  وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

     أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس السابع من سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم ، والتابعيّ في هذا الدرس هو سيدنا الحسن البصري ، وهو علَم من أعلام التابعين ، وفي قصَّته موعظة بليغة جدًّا .

     أيها الإخوة الكرام ؛ يقول اللهُ عزوجل :

[سورة يوسف]

     ويقول تعالى في موضع آخر :

[سورة هود]

أي إنَّ القصة لها دور في التربية والتعليم يفوق حدَّ التَّصوُّر ، لماذا ؟ لأن القصة حقيقة مع البرهان عليها ، فأنت حينما تتلقَّى الحقائق بشكل مجرَّد قد تقنعك ، ولكنها لا تهزُّك ، وثَمَّة فرقٌ بين إحداث القناعة ، وبين إحداث الموقف ، القصةُ تنطوي على حقيقة ، لكنها مجسَّدة في شخص مِن جلدتك وعلى شاكلتك ، يشعر بما تشعر ، و يتألَّم بما تتألَّم ، ويتحمَّل الضغوط نفسها ، وتغريه الشهوات نفسها ، ويقف هذا الموقف الكامل ، هذا من شأنه أن يحدث فيك موقفا ، وشتَّان بين القناعة وبين الموقف ، القناعة تستقرُّ في الدماغ ، ولكن الموقف يتغلغل إلى كيان الإنسان ، كم من طبيب مقتنع أشدَّ القناعة أنّ الدخان حرام ، أو أنّ الدخان مُؤْذٍ وضار ، ومع ذلك يدخِّن ، ولكن حينما يقف أمام غرفة العمليات ، ويرى بأمِّ عينه إنسانا شابًّا سويًّا قويًّا متينا ، في أوجِّ نجاحه وعطاءه ، مُصاب بسرطان في الرئة ، هذا المنظر يحدث في الطبيب موقفا ، فيدَع بسببه الدخان ، أما المقالات فتحدث له قناعة فحسب ، والقناعة شيء ، والموقف شيء آخر ، فإذا قنعت فربَّما كان تصرُّفُك بعيدا عن قناعتك ، لكنك إذا تأثَّرت هذا التأثُّر يحدث موقفا ، وهذا التأثر يتغلغل في كيانك كله حتى يسهم في إحداث موقف ، لذلك نحن نتمنى المواقف لا القناعات، والقناعات متوافرة ، فما من مسلم إلا وهو قناعة أن دينه حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق ، لكن لماذا المعصية ؟ ولماذا الانحراف ؟ ولماذا التقصير ؟ لأن القناعات متوفرة ، لكن التأثير ضعيف ، لذلك أردتُ أن يكون هذا الدرسُ درس قصة إسلامية حتى تروا إنسانا يشترك معك في كل شيء ، وتشترك معه في كل شيء ، ومع ذلك كان في أعلى علِّيِّين .

     أيها الإخوة ؛ البشير هو الذي يبشِّر ، جاء البشيرُ يبشِّر زوج النبي أمِّ سلمة رضي الله عنها بأن مولاتها خيرة قد وضعت حملها ، وولدت غلاما ، فغمرت الفرحةُ فؤادَ أم المؤمنين رضوان الله عليها ، وطفحَت البشرى على محيَّاها النبيل الوقور ، جارية عند أم سلمة اسمُها خيرة ، أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة و السلام ، ولها خصائص وميزات تنفرد بها ، وبادرت فأرسلت رسولا ليحمل إليها الوالدة ومولودها ، لتقضيَ فترة النفاس في بيتها ، في بيت أم سلمة ، فسيدنا الحسن البصري هو هذا الغلام ، أين نشأ ؟ في بيت إحدى زوجات النبي عليه الصلاة و السلام ، فقد كانت خيرة أثيرة عند أم سلمة حبيبةً إلى قلبها ، ولسنا في معرض الدخول في موضوع العبيد والجواري ، فقد ولَّى الزمنُ الذي كان فيه العبيد و الجواري ، ولكن من أجل أن تعلَموا أن زيد بن ثابت حينما وصل إليه أهله ، وكان عند النبي وخيَّره النبيُّ بين أن يذهب مع أهله وبين أن يبقى عنده ، فاختار النبيَّ عليه الصلاة والسلام ، ولكم أن تفهموا من هذه القصة كلَّ شيء ، لماذا اختار زيدُ بن ثابت أن يبقى عند النبي ؟ لشدَّة الرحمة والعطف الذي وجدهما في بيت النبي، و على كلٍّ فهذه الجارية المولاة لأم سلمة لا تقلُّ عن ابنتها حبًّا وعطفا ورحمة ، فلما ولدت غلاما دعت الأمَّ ومولودها لتقبع في بيت أم سلمة ، وكان بها لهفة وتشوَّقٌ لرؤية وليدها البكر .

     أيها الإخوة ؛ النظام الإسلامي أو المنهج الربَّاني يجعل حياة المؤمن كلَّها سعادة ، فحينما يتزوَّج يسعد بزوجته ، وبعد حين يسعد بأولاده ، وبعد حين آخر يسعد بأولاد أولاده ، وكلُّ طور من أطوار المؤمن فيه نوع من السعادة ينفرد بها هذا الطَّورُ ، لكن حياة الانحراف ما دامت هذه الفتاة شابَّةً نضرة لها من يطلبها ، فإذا سلكت طريقَ الحرام ، وزوى جمالُها ، وكبرت سنُّها أُلقيت في الطريق كما تُلقى الفأرة الميَّتة ، وازِن الآن بين فتاة تزوَّجت ، وأنجبت ، وأصبحت أمًّا، ثم أصبحت جدَّةً ، وازنْ بين مكانتها الرفيعة ، الجدة لها مكانة كبرى في أيِّ أسرة ، وازنْ بين مكانتها كامرأة ذات خبرة وعلم ومكانة ، وبين امرأة ملقاةٍ في قارعة الطريق ، لأنها سلكت في أيام شبابها طريق الحرام ، فلما زوى جمالُها أُلقيت في الطريق ، ولذلك أنا أعرف أنّ ما مِن امرأةٍ منحرفةٍ ترى فتاةً تحمل وليدها إلا وتذوب كما تذوب الشَّمعةُ ، تمنِّيًا أن يكون مثلها ، فتطبيقُ منهج الله عزوجل يمنح الإنسانَ سعادة ما بعادها سعادة ، والعوام يقولون كلمة : "ما فيه أغلى من الولد إلا ولد الولد " ، الشباب يسمعون هذه الكلمة ، ولكن لا يستوعبونها ، أما إذا أنجبتَ أولادا ، وأنجب أولادك أولادا تعرف قيمة هذه الكلمة ، وحياة الإنسان كل سن له متعة ينفرد به ، و ما هو إلا قليل حتى جاءت خيرةُ تحمل طفلها على يديها ، فلما وقعت عينا أمِّ سلمة على الطفل امتلأت نفسُها أُنْسًا به وارتياحا له ، ثم إنك إذا تأمَّلت حكمة الله عزوجل ، فما حكمة الله أن هذا الطفل الصغير محبَّبٌ إلى القلوب يتميَّز بصفات نفسية نادرة ، الصفاء ، الذاتية ، العفوية ، وبالتعبير الشائع " السُّوَيعاتية " ، هذا الطفل لو أحزنته و لو أبكيته فبعد ثانية ينسى ويضحك ، ليس عنده حقد ، ولو أن كل طفل حقد على أمه وأبيه إذا أدَّبوه فالقضية كبيرة جدا ، ذاتية على صفاء ، على لطف ، على فطرة سليمة ، فالأولادُ يملؤون البيت بهجة وسرورا ، فإذا الإنسان رزقه اللهُ الأولادَ فهذه نعمة ، فلا يضجر ، لأنّ هناك من يضجر ، هذه نعمة كبرى خصَّك الله بها ، أنت عليك أن تعتنيَ بهؤلاء الأولاد كي يكونوا استمرارًا لك .

   كان هذا الوليدُ الصغيرُ قسيمًا وسيمًا - أي جميلا حسن الوجه - بهيَّ الطلعة ، تامَّ الخِلقة ، يملأ عينَ الناظر إليه ، ويأسر فؤادَ رائيه ، ثم التفت إلى وملاتها ، و قالت :"  أسمَّيتِ غلامك يا خيرة ؟ قالت : كلا يا أمَّاه ، لقد تركتُ ذلك لك لتختاري له من الأسماء ما تشائين ، فقالت نسمِّيه على بركة الله الحسن ، ثم رفعت يديها ، ودعت له بصالح الدعاء " ، والنبي علَّمنا أنّ على الإنسان أنْ يسمِّيَ قبل أن يقارب أهله ، فإذا جاءه مولودٌ يأتي هذا المولودٌ بعيدا عن نزغات الشيطان ، وهذا من السنة ، فمن والده ؟ الفرحة بهذا المولود لم تقتصر على بيت أم سلمة أم المؤمنين ، وإنما شاركها بيتٌ آخر من بيوت المدينة ، هو بيتُ الصحابي الجليل زيدِ بنِ ثابتٍ كاتبِ وحيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذلك أن يسارًا والدَ الصبي كان مولًى له أيضا ، فالوالد مولى لسيدنا زيد بن ثابت ، والوالدة كانت مولاة لسيدتنا أم سلمة زوج النبي عليها رضوان الله ، وكان من آثر الناس عنده ، وأحبِّهم إليه ، بصراحة أقول لإخواننا الذين عندهم محلاَّت تجارية : هذا الموظَّف ، أو بالتعبير القديم " الصانع" هذا أحد أولادك ، هكذا الإيمان ، أي باللطف والإحسان والمودَّة والعطف والمحبَّة ، هكذا الإسلام ، ليس هناك تفرقة ، أنا أقول لكم كلمة اعتبروها شطحةً : واللهِ إنْ لم تعاملْ مَن عندك كما تعامل ابنَك فلن ترقى عند الله ، فالقضية دقيقة جدا ، والإيمان مرتبة عالية فالإسلام كمال ، والإسلام عدالة ورحمة ، وخلُق ، و عطاء ، وليس أخذا ، يقولون كلمة بالتعبير الحديث " استراتيجية " أنا أقول : استراتيجية المؤمن مبنية على العطاء ، واستراتيجية الكافر على الأخذ  ، حتى إنه قيل : انظُر ما الذي يسعدك ، أن تعطي أو أنْ تأخذ ، فإن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة ، وإن كان الذي يسعدك أنْ تأخذ فأنت من أهل الدنيا ، هذه علامة .

   درجَ الحسنُ بن يسار الذي عُرف فيما بعد بالحسن البصري في بيت من بيوت رسول اله صلى الله عليه و سلم ، ورُبِّيَ في حجر زوجةٍ من زوجات النبي ، هي هند بنت سٌهيل ، المعروفة بأم سلمة ، وأمُّ سلمة إنْ كنتَ لا تعلم أيها الأخ الكريم كانت من أكمل نساء العرب عقلا ، وأوفرهن فضلا ، وأشدهن حزما ، حزم على عقل ، على فضل ، وكانت من أوسع زوجات رسول الله صلى الله عليه  سلم علما وأكثرهن رواية عنه ، إذْ روت عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم ثلاثمائة وسبعة و ثمانين حديثا ، كانت راويةً لحديث عن رسول الله ، ولا يوجد أروع من العلم مع الخُلق ، فالذي يرفعك إلى أعلى عليِّين أن تكون أخلاقيا بقدر ما أنت عالم ، وأنت عالم بقدر ما أنت أخلاقي ، هذان الخطَّان إذا ارتقيتَ فيهما فأنت في أعلى عليِّين ، و كانت إلى ذلك كلِّه من النساء القليلات النادرات اللواتي يكتبن في الجاهلية ؛ وإنما امتدَّت إلى أبعدَ من ذلك ، فكثيرا ما كانت خيرة أمُّ الحسن تخرج من البيت لقضاء بعض حاجات أم المؤمنين ، فكان الطفلُ الرضيع يبكي من جوعه ، ويشتدُّ بكاؤه ، فتأخذه أمُّ سلمة إلى حجرها ، وتلقمه ثديها لتصبِّره ، وتعلِّله عن غياب أمه ، إذًا هذا التابعيُّ الجليل رضع من زوجة رسول الله ، فكأن النبيَّ أبوه من الرضاعة ، وكانت لشدَّة حبِّها إياه يدرُّ ثديُها لبنا سائغا في فمه فيرضعه الصبيُّ ، ويسكت عليه ، وبذلك غدت أمُّ سلمة أمًّا للحسن من جهتين ؛ فهي أمُّه بوصفه أحد المؤمنين ، لأنها أمُّ المؤمنين ، وهي أمُّه من الرضاعة أيضا ، ولقد أتاحت الصِّلاتُ الواشجة بين أمهات المؤمنين وقرب بيوت بعضهن ببعض بالغلام السعيد أن يتردَّد على هذه البيوت كلها ، وبالمناسبة و هذا من فضل الله علينا ، لقد شاء حكمةُ اللهِ عزوجل أن تولد في بلد إسلامي ، فيه مساجد ، وفيه مجالس علم ، وفيه أهل ، وفيه بقيّةُ حياء ، وبقية أخلاق ، وبقية انضباط ، نقول : بقية ، ولو أن الإنسان وُلد في " شيكاغو" الأمريكية مثلا ، أو في "نيس" الفرنسية ، ففي هذه المدن الفاسقة الفاجرة عصابات للخمور والزنا و اللواط ، واللهِ هذه نعمة كبرى ، أن الله عزوجل سمح لك أن تكون في بلد سلامي ، وسمح لك أن يسمعك الحقَّ ، هذه بشارة أيها الإخوة ، قال تعالى :

[سورة الأنفال]

     أحيانا لا يعرف الإنسانُ قيمة هذه المجالس إلا إذا سافر ، فيشعر بوحشة و ضيق ، فلا يعرف قيمة هذه المجالس إلا مَن ابتعد عن بلاد المسلمين ، ومَن أقام في بلاد المشركين من دون ضرورة فقد برئت منه ذمَّة الله .

     تردَّد الحسنُ البصري على بيوت رسول الله ، وتخلَّق بأخلاق ربَّاتها جميعا ، و اهتدى بهديهم ، وقد كان كما يحدِّث عن نفسه يملأ هذه البيوت بحركته الدائبة ، و يُترعها بلعبه النشيط، حتى إنه كان ينال سقوف بيوت أمهات المؤمنين بيديه ، وهو يقفز فيها قفزا ، فالذي عنده ابنٌ عفريت - بالتعبير الشائع - لا يتألَّم كثيرا ، ورد في بعض الأحاديث : كثرة العُرام في الصغر دليل حصافة العقل في الكبر" ، كان طفلا شيطانا ، و بتعبير العوام " جني شاقق الأرض " ، هذا قد يكون في مستقبله الكبير إنسانا عظيما ، حيويته شديدة جدا ، وطاقته مخزونة ، أحيانا هناك إنسان بليد سكوني " سلاتيك" ، وليس ديناميكيًا ، فكثرة العرام في الصغر دليل حصافة العقل في الكبر .

     ظلَّ الحسن يتقلَّب في هذه الأجواء العبِقة بطيوب النبوة ، المتألَّقة بسناها ، نحن ما أتيح لنا أن نلتقيَ بنبيٍّ ، لكن أنا أتصوَّر أن الإنسان لو التقى بنبيٍّ فهذا شيء كبير وعظيم ، وكان أحدُ الصحابة اسمه ربيعة يخدم النبيَّ ، فلما يأتي وقتُ نوم النبيِّ يقول له : انصرف ، انتهى ، أين ينام هذا الصحابي ؟ على طرف باب بيت النبي ، من شدة تعلُّقه به ، فكمالُ الإنسان إذا كان في أَوَّجِّه لا يُصدَّق ، أنا أتصوَّر أن الصحابة الكرام أحبُّوا النبيَّ حبًّا فات حدَّ الخيال ، هل هناك امرأة تتحمَّل نبأَ موت زوجها ، ثم موت أخيها ، ثم موت أبيها ، زوج ، وأخ ، وابن ، وأب ، وراء بعضهم ؟ فعن سعد بن أبي وقاص قال : مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد ، فلما نعوا لها، قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : خيرا يا أم فلان ، هو بحمد الله كما تحبين ؛ قالت : أرونيه حتى أنظر إليه ؟ قال : فأشير لها إليه ، حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل ! تريد صغيرة *

[سيرة ابن هشام]

لا قيمة لها ، هكذا أحبَّ الصحابةُ رسولَ الله .

     إخواننا الكرام الإسلام كلُّه حبٌّ ، فإذا كان القلبُ لا يخفق بالحبِّ فهو مثل وردة بلاستيك ، كبيرة وحمراء ، ولكنَّ النفس لا تهفو إليها ، أما الوردة الطبيعية فشيء جميل جدًّا ، فلا إيمان لمن لا محبَّة له ، وإذا لمْ تحب الله عزوجل فلن تدمع هذه العينُ أبدا ؟ تقرأ القرآن وكأنه كتاب عادي ، وتصلِّي وكأنك في حركات رياضية ، أين الحبُّ ، وأين المناجاة ؟ و أين أنت من قوله تعالى :

[سورة الأنفال]

[سورة السجدة]

أين هذه ؟ أين :

[سورة الذاريات]

أين هذه ؟

     هذا التابعي الجليل تتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عن عثمانَ بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي موسى الأشعري ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وغيرهم ، لكنه أُولِع أكثر ما أولع بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والإنسان الذي لا قدوة له ما هذا الإنسان ؟ إنسان ليس له منهلٌ علمي ؟ إنسان ليس له مسجد يؤمُّه ، ليس له إخوان يستأنس بهم ، يعيش تائها شاردا ، على هامش الحياة .

     إخواننا الكرام الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، ولزوم الجماعة من فرائض الدين ، فعَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ قَالَ قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ أَيْنَ مَسْكَنُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : فِي قَرْيَةٍ دُونَ حِمْصَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ فَلَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَوَاتُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ *

[رواه أحمد]

     قال تعالى :

[سورة التوبة]

     وقال تعالى :

[سورة الكهف]

     راعه من هذا الصحابي الجليل صلابتُه في دينه - سيدنا علي - وإحسانه لعبادته ، وزهادته في زينة الدنيا ، وغلبه بيانُه المشرِق ، وحكمته البالغة ، وأقواله الجامعة ، وعظاته التي تهزُّ القلوبَ ، وتخلَّق في أخلاقه بالتقى والعبادة ، ونسج على منواله في البيان والفصاحة ، ولما بلغ الحسنُ أربعة عشر ربيعا من عمره ، ودخل في مداخل الرجال ، انتقل مع أبويه إلى البصرة ، واستقرَّ فيها مع أسرته ، ومِن هنا نُسِب الحسنُ إلى البصرة ، وعُرِف بين الناس بالحسن البصري، والبصرة كانت يومئذ قلعةً من أكبر قلاع العلم في عالَم المسلمين ، وكان مسجدُها العظيم يموج بمَن ارتحل إليها من كبار الصحابة ، وجلَّة التابعين ، وكانت حلقاتُ العلم على اختلاف ألوانها تعمر باحات المسجد ومُصَلاَّه ، والآن مع تخلُّف المسلمين صار المسجد للصلوات فقط ، وأحيانا تجد مسجدا طويلا عريضا ، يُصَلَّى الظهر فيه بنصف صف ، وفي الصبح بثمانية أشخاص ، ويكون ضمن أبنية ، وكل بناية اثنا عشر طابقا ، و كل طابق أربع شقق ، فلو أَمَّتْ بناية واحدة هذا المسجد لملأته عن آخرِه ، قال تعالى:

[سورة مريم]

     إنّ الأبلغ من ذلك أنّ المسجد كان له دور خطير ، فكان المسجد موطِنًا للقضاء ، وموطنًا للعلم ، الآن أنا أتمنى أن يعود للمسجد دوره الخطير ، يخرِّج علماءَ ، و يخرِّج دعاةً ، ويخرِّج حفَّاظ القرآن الكريم ، وأنْ تُحلَّ المشكلات فيه ، ويكون له رسالة واسعة جدًّا .

     لزم الحسنُ البصري المسجد ، وانقطع إلى حلقة عبد الله بن عباس حبر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عنه التفسير ، والحديث ، والقراءات ، كما أخذ عنه وعن غيره الفقهَ واللغةَ والأدب وغيرها ، حتى غدا عالما جامعا فقيها ثقةً ، فأقبل الناسُ عليه ينهلون من علمه الغزير .

     أيضا إخواننا الكرام ، تعلَّموا قبل أن ترأسوا ، فإن ترأستم فلن تعلَّموا ، سمعتُ عن أحد العلماء الذين عاشوا في القرن الرابع عشر جلس يدرِّس العلم ، فأخطأ خطيئة واحدة ، أو غلطة واحدة ، فاعتكف سبع سنين في بيته ، غلطة واحدة ، تعلموا قبل أن ترأسوا ، لأنكم إن ترأستم فلن تعلَّموا ، واحد روى حديثا ضعيفا ، بأدب قال له : يا سيدي هذا حديث ضعيف ، قال : ما دمتُ قد قلتُه فهو صحيح ، ما هذا الكبر ؟ ما دمت قد قلته فهو صحيح ، وانتهى الأمرُ ، إنكم إن ترأستم فلن تعلَّموا ، تكبر نفسك كثيرا ، فإذا أراد الواحدُ أن يكون داعيةً إلى الله عزوجل فلْيَطلب العلم بشكل كثيف جدا ، حتى إذا أُتيح له أن يعلِّم يكون قد نضج ، ولا يوجد شيء يُزري بالإنسان كالجهل ، فالتفَّ الناسُ حول الحسن البصري يسيخون إلى مواعظه التي تستلين القلوبَ، وتستدرُّ الدموعَ ، ويَعُونَ حكمته التي تخلب الألباب ، ويتأسَّون بسيرته التي كانت أطيبَ مِن نَشر المسك ، وقد انتشر أمرُ الحسن البصري في البلاد ، وفشا ذكرُه بين العباد .

 

     دقَّق أيها الأخ الكريم في قوله تعالى :

 

[سورة الشرح]

    لا يوجد إنسان يطلب العلم بإخلاص إلا رفعه الله عزوجل ، أحيانا تجد أسماءً متألِّقة ، أسماء علماء متألِّقين جدا ، هذا كان دولاتيًّا ، وهذا كان لحَّامًا ، وهذا كان نجَّارا ، لا يخطر ببالك أن يُذكر العالِم مليون مرة أنه كان نجَّارا ، وصار أكبر بكثير من أن يكون نجَّارا ، صار عالما ، لأنّ رتبة العلم أعلى الرتب ، ولما يطلب الإنسانُ العلمَ بإخلاص يرفع اللهُ شأنَه ، قال تعالى :

[سورة الشرح]

     إنّ كلَّ آية يختصُّ بها النبيُّ عليه الصلاة والسلام فللمؤمن منها نصيب ، انتشر أمرُ الحسن في البلاد ، وفشل ذكرُه بين العباد ، فجعل الخلفاءُ والأمراءُ يتساءلون عنه ، ويساقطون أخبارَه .

[سورة الشرح]

     حدَّث خالد بن صفوان فقال : لقيتُ مَسلمةَ بنَ عبد الملك في الحيرة فقال لي : أخبرني يا خالدُ عن حسن البصرة ، فإني أظنُّ أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك ؟ فقال : أصلح اللهُ الأمير ؛ أنا خيرُ مَن يخبِرُك عنه بعلم ، قال : أنا جارُه في بيته ، وجليسه في مجلسه ، و أعلم أهل البصرة به ، قال : هاتِ ما عندك  - هل هناك ثروة أعظم من أن يكون لك أخبار طيِّبة بين الناس ، وسمعة عطرة ، هل هناك ما هو أعظم من أن يثنيَ عليك الناسُ في غيبتك ، أمّا في حضرتكف المديح لا قيمة له ، لأن هناك من يخافك ، وهناك من يطمع في عطائك ، فيكيل لك المديح جُزافا ، لكن البطولة أَنْ يمدحك الناسُ في غيبتك ، هذا هو المدح الحقيقي ، وأنت غائب ، مرة سمعتُ عن رجلٍ استلم وظيفة ، طبعا شديد وقوي ، بحضرته يحترمونه أشدَّ الاحترام ، فإذا غاب " أبو بريز " مثلا ، البطولة ما يُقال في غيبتك ، لا ما يقال في حضرتك ، في غيبتك ، أما في حضرتك فنفاق في نفاق ، قد يقول قائل كلاما ليس مقتنعا به ، وقد يقول قائل كلاما مبنيًّا على خوف ، أو على طمع ، قال : هاتِ ما عندك - الآن اسمعوا الوصفَ - قلتُ : إنه امرؤٌ - و اللهِ هذه الكلمات تُكتب بماء الذهب - قلتُ إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته - لا توجد ازدواجية ، موقف معلَن ، وموقف حقيقي ، شيء يقال ، وشيء لا يقال ، شيء نفعله في العلن ، ونفعل عكسه في السرِّ ، هذه الازدواجية المقيتة ، وهذا النفاق الحسنُ البصري بريء منه - قال له : إنه امرؤ سريرته كعلانيته - واحدة - و قوله كفعله ، إذا أمر بمعروف كان أَعْمَلَ الناس به ، وإذا نهى عن منكر كان أَتْرَكَ الناس له ، ولقد رأيتُه مستغنيا عن الناس ، زاهدا بما في أيديهم ، ورأيت الناس محتاجين إليه ، طالبين ما عنده " فقال مسلمةُ : حسبُك يا خالد كيف يضلُّ قومٌ فيهم مثلُ هذا " ، احفظوها  سريرته كعلانيته ، قولُه كفعله ، إذا أمر بمعروف كان أعملَ الناس به ، وإذا نهى عن منكر كان أتْركَ الناس له ، يستغني عن دنيا الناس ، ويحتاج الناس علمَه ، سأله واحد : بِمَ نِلتَ هذا المقام ؟ قال : باستغنائي عن دنيا الناس ، وحاجتهم إلى علمي "، فكيف إذا كان العكسُ ؟ الناسُ مستغنون عن علمه ، وهو محتاج إليهم ، واللهِ هذا شأنُ بعضِ مَن لم يُوفَّق في دعوته إلى الله عزوجل ، الناسُ مستغنون عن علمه ، وهو في أشدِّ الحاجة إلى أموالهم ، وإلى قوتهم .

     ولما وليَ الحجَّاجُ بن يوسف الثقفي العراقَ ، وطغى في ولايته وتجبَّر ، كان الحسنُ البصري أحدَ الرجال القلائل الذين تصدَّوا لطغيانه ، وجهروا بين الناس بسوء أفعاله ، وصدعوا بكلمة الحق في وجهه ، فعَلِمَ الحجَّاجُ أن الحسن البصري يتهجَّم عليه في مجلس عام ، فماذا فعل؟ دخل الحجَّاجُ إلى مجلسه ، وهو يتميَّز من الغيظ ، وقال لجلاَّسه : تبًّا لكم ، سُحقا ، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة ، و يقول فينا ما شاء أن يقول ، ثم لا يجد فيكم من يردُّه ، أو ينكر عليه ، واللهٍ لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء ، ثم أمر بالسيف والنطع - إذا كان يُريد قطعَ رأس إنسان بمكان فيه أثاث فاخر حتى لا يلوِّث الدمُ الأثاثَ يأتون بالنطع ، والنطع قطعة قماش كبيرة ، أو قطعة جلد ، إذا قُطع رأسُ من يُقطع رأسُه ، لا يلوِّث الدمُ الأثاث ، ثم أمر بالسيف والنطع فأُحضِر ، ودعا بالجلاد فمَثُل واقفا بين يديه ، ثم وجَّه إلى الحسن بعضَ جنده ، وأمرهم أن يأتوا به ، ويقطعوا رأسه ، وانتهى الأمرُ ، وما هو إلا قليل حتى جاء الحسنُ ، فشخصتْ نحوه الأبصارُ ، ووجفت عليه القلوبُ ، فلما رأى الحسنُ السيفَ والنطع والجلادَ حرَّك شفتيه ، ثم أقبل على الحجاج ، وعليه جلالُ المؤمن ، وعزة المسلم ، ووقارُ الداعية إلى الله ، فلما رآه الحجاجُ على حاله هذه هابه أشدَّ الهيبة ، وقال له : ها هنا يا أبا سعيد ، تعالَ اجلس هنا ، فما زال يوسع له و يقول : ها هنا ، والناس لا يصدَّقون ما يرون ، طبعا طُلب ليقتل ، والنطع جاهز، والسيَّاف جاهز ، وكلُّ شيء جاهز لقطع رأسه ، فكيف يستقبله الحجَّاج ، ويقول له : تعال إلى هنا يا أبا سعيد ، حتى أجلسَه على فراشه ، ووضَعَه جنبه ، ولما أخذ الحسنُ مجلسه التفت إليه الحجَّاجُ ، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين ، والحسنُ يجيبه عن كلِّ مسألة بجنان ثابت ، وبيان ساحر ، وعلم واسع ، فقال له الحجاج : أنت سيدُ العلماء يا أبا سعيد ، ثم دعا بغالية - نوع من أنواع الطيب - وطيَّب له بها لحيته ، وودَّعه ، ولما خرج الحسنُ من عنده تبعه حاجبُ الحجاج ، وقال له : يا أبا سعيد ، لقد دعاك الحجاجُ لغير ما فعل بك ، دعاك ليقتلك ، والذي حدث أنه أكرمك ، وإني رأيتك عندما أقبلت ، ورأيتَ السيفَ والنطعَ قد حرَّكتَ شفتيك ، فماذا قلت ؟ فقال الحسن : لقد قلت : يا وليَ نعمتي ، وملاذي عند كربتي ، اجعل نقمته بردا و سلاما عليَّ ، كما جعلت النارَ بردا وسلاما على إبراهيم ، قال تعالى :

[سورة النمل]

     لقد علَّمنا اللهُ في القرآن شيئًا أصعب من قطع الرأس ؛ أنْ يكون الإنسان في بطن حوت ، وفي الليل ، وفي البحر ، قال تعالى :

[سورة الأنبياء]

     إخواننا الكرام ؛ مَن هاب اللهَ هابه كلُّ شيء ، ومَن لم يهب اللهَ أهابه اللهُ مِن كل شيء ، حتى يصبح خائفًا من ظله .

     مِن هذه المواقف البطولية أنه بعد أن انتقل الخليفةُ الزاهد عمر بن عبد العزيز إلى جوار ربِّه، وآلت الخلافةُ إلى يزيد بن عبد الملك ، ولَّى على العراق عمر بن هبيرة الفزاري ، ثم زاده بسطةً في السلطان ،فأضاف إليه خراسان أيضا ، وسار يزيد سيرةً غير سيرة سلفه العظيم ، يزيد لم يكن على سيرة عمر بن عبد العزيز ، فكان يرسل إلى عمر بن هبيرة بكتاب تلوَ الكتاب يأمره بإنفاذ ما فيه ، ولو كان مجافيا للحقِّ ، أحيانا يزيد يرسل كتبا وأوامرَ وتوجيهات لواليه على البصرة و خراسان ، هذه الأوامر مجافيةٌ للحق ، أي فيها ظلم ، فدعا عمرُ بن هبيرة كلاًّ من الحسن البصري وعامر بن شرحبيل ، المعروف بالشعبي ، وقال لهما : إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك قد استخلفه اللهُ على عباده ، وأوجب طاعته على الناس ، وقد ولَّاني ما ترون من أمر العراق ، ثم زادني فولاَّني فارسا ، وهو يرسل إليَّ أحيانا كتبا يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته ، فهل تجدان لي في متابعتي إياه ، وإنفاذ أمره مخرجا في الدين ؟ أي هل هناك فتوى ؟ فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ، ومسايرة لل- يا ابن هبيرة خفِ اللهَ في يزيد ، ولا تخف يزيدَ في الله ، واعلم أنّ الله جلَّ وعزَّ يمنعك من يزيَد ، وأنّ يزيدَ لا يمنعك من الله ، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملكُ غليظ شديد ، لا يعصي اللهَ ما أمره ، فيزيلُك عن سريرك ، وينقلك من سَعة قصرك إلى ضيق قبرك ، حيث لا تجد هناك يزيد ، وإنما تجد عملك الذي خالفتَ فيه ربَّ يزيد ، يا ابن هبيرة إنك إن تكُنْ مع الله تعالى في طاعته يكفِك ضائقةَ يزيد في الدنيا والآخرة ، وإنْ تكُن مع يزيد في معصية الله تعالى فإنّ الله يكِلُك إلى يزيد ، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والي ، والحسن ساكت ، فالتفت عمرُ بن هبيرة إلى الحسن ، وقال : وما تقول أنت يا أبا سعيد ؟ فقال : يا ابن هبيرة - واللهِ هذا كلام يُكتب بماء الذهب  اسمعوا " فبكى ابن هبيرة حتى بلَّت دموعُه لحيته ، ومال عن الشعبي - تركه - إلى الحسن ، وبالغ في إعظامه و إكرامه ، فلما خرجا من عنده - الشعبي والحسن - توجَّها إلى المسجد ، فاجتمع الناسُ عليهما ، وجعلوا يسألونهما عن خبرَيْهِما مع أمير العراقين - مثل الآن العراق وإيران ، والي العراق وإيران ، هذا ملِك - فالتفت الشعبي إليهم وقال : - كذلك الشعبي منصِف - أيها الناسُ من استطاع منكم أن يؤثر اللهَ عزوجل على خلقه في كل مقام فليفعل ، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسنُ لعمر بن هبيرة قولا أجهله - الذي تحدَّث به أعرفه أنا - و لكنني أردتُ فيما قلت وجهَ ابن هبيرة ، وأراد فيما قاله وجهَ الله ، أنا سايرتُ ، ولكني أردتُ فيما قلته وجهَ ابن هبيرة ، وأراد فيما قاله وجهَ الله ، فأقصاني اللهُ من ابن هبيرة و أدناه منه و حبَّبه إليه " ، فمَن أرضى الناسَ بسخط الله سخِط عنه اللهُ ، وأسخطَ عنه الناسَ ، ومَن أرضى اللهَ بسخط الناس رضيَ عنه اللهُ ، وأرضى عنه الناسَ .

   ومن أقوال الحسن :"إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب ، متى ازدَدْتَ من أحدهما قربا ازدَدْتَ من الآخرة بعدا " ، وقال له أحدُهم : صِف لي هذه الدارَ - دار الدنيا - قال : ماذا أصف لك من دارٍ أولها عناء ، وآخرها فناء ، وفي حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، مَن استغنى فيها فُتِن ، ومَن افتقر فيها حزن " ، وسأله آخر أيضا : ماذا فعلنا بأنفسنا ؟ قال : لقد أهزلنا ديننا ، وسمَّنا دنيانا ، وأخلقنا أخلاقنا ، وجدَّدنا فرشَنا وثيابنا ، يتَّكئُ أحدنا على شماله ، ويأكل من مالٍ غير ماله ، طعامه غصبٌ ، و خدمته سُخرة ، يدعو بحلوٍ بعد حامض ، وبحارٍّ بعد بارد ، وبرطبٍ بعد يابس ، حتى إذا أخذته القِظَّةُ تجشَّأ من البشم ، ثم قال : يا غلام هات هضوما - أي " كازوزا " - يهضم الطعام ، يا أُحَيْمق واللهِ لن تهضم إلا دينك ، أين جارُك المحتاج ؟ أين يتيمُ قومك الجائع ؟ أين مسكينُك الذي ينظر إليك ؟ أين ما وصَّاك به اللهُ عزوجل؟ ليتك تعلم أنك عددٌ ، وأنه كلما غابت عنك شمسٌ نقص شيءٌ من عددك ، ومضى بعضُه معك ".

   في ليلة الجمعة من غُرَّة رجب سنة (110هـ ) لبَّى الحسنُ البصري نداءَ ربِّه ، فلما أصبح الناسُ ، وشاع الخبرُ فيهم ارتجَّت البصرةُ بموته رجًّا ، فغُسِّل وكُفِّن و صُلِّيَ عليه بعد الجمعة ، في الجامع الذي قضى في رحابِه حياتَه عالما ومعلِّما و داعيا إلى الله ، ثم تبِع الناسُ جميعا جنازته ، فلم تُقَمْ صلاةُ العصر في ذلك اليوم بجامع البصرة ، لأنه لم يبق فيها أحدٌ يقيم الصلاة ، ولا إنسان ، وقد قيل : ولا يعلم الناسُ أن الصلاة عُطِّلت في جامع البصرة منذ أن بُنِيَ إلى ذلك اليوم ، يوم انتقال الحسن البصري إلى جوارِ ربِّه .

   هذا أحد التابعين ، فإذا سمعتم الحسنَ البصري فهذا هو الحسن البصري ، طبعا هذه بعضُ قصصه ، وله قصص أخرى .

و الحمد لله رب العالمين

***

Copyright © 2007 Nabulsi