English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الـدرس :  لفضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي .

رقم الشريـط : 14/508 .

الموضــوع : الفقه الإسلامي ـ التيمم ( تعريفه ـ شروطه ) .

-        إحياء علوم الدين : صفات العالم .وحشي بن حرب الحبشي

مفرغ الشريط : م . م . حسان العودة .

التاريـــخ : 24/03/1985.

مراجعة الشريط مع النص : الأستاذ سعيد عودة .

التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي  :  المهندس غسان السراقبي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

          الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

         أيها الأخوة المؤمنون ؛ تحدثنا في الدرس الماضي عن الغسل ، واليوم نتحدث عن التيمم.

يصح التيمم بشروط ثمانية :

الأول : النية ، وحقيقتها : عقد القلب على الفعل ، والعلماء على خلاف في النية ، فأكثرهم أنها عمل قلبي ، فإذا عزَم الإنسان على أن يفعل هذه العبادة ، فهذه العزيمة هي النية ، ووقتها : عند ضرب يده على ما يتيمم به ، ففي أثناء الضرب على الحجر ، أو التراب ، أو الرخام ، في أثناء الضرب ينوي الإنسانُ التيممَ من هذا الصعيد الطاهر لأداء الصلاة أو لقراءة القرآن ، أو لشيء آخر .

وشروط صحة النية ثلاثة : 1ـ الإسلام ، فلا تصح النية لغير المسلم ، وهذا شيء بديهي ، 2ـ والتمييز ، يعني العقل ، 3ـ والعلم بما ينويه  ينوي التيمم لصلاة ، كأنْ ينوي التيممَ لصلاة جنازة، أو ينوي التيمم لقراءة القرآن ، وهكذا .

ويشترط لصحة نية التيمم للصلاة أحد ثلاثة أشياء : 1- إما نية الطهارة ، هذه نية ، 2- أو نية استباحة الصلاة ، 3- أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة ، من هذه العبادة المقصودة قراءة القرآن .

إذا نعود فنذكِّر أنَّ للتيمم ثمانية شروط :الشرط الأول النية ، وهي عقد القلب على فعل طاعة ما.

الشرط الثاني : العذر المبيح للتيمم ، فإذا لم يكن هناك عذر مبيح للتيمم  لم يصحّ التيمُّمُ ، ما هي الأعذار ؟ بُعْدُه مسافة ميل عن الماء ، يعني إذا كان بينك وبين الماء ميل ، ولو في المصر ، ولو كنت في بلد آهل بالسكان ، وبينك وبين الماء ميل ، هذا الميل يجيز لك التيمم ، وكذلك حصول مرض ، كمثل أشخاص يعانون مِن مرض الروماتزم ، وبردٍ يخاف منه التلف أو المرض ، يعني يخاف من التلف أي الهلاك ، أو المرض ، أو ازدياد المرض ، إذاً بعد المسافة ، والمرض ، وخوف عدو ، أو حيوان مفترس أو نحوه ، فأحيانا عند الماء عدو ما ، والعدو بطاش ، كما في أثناء الحرب ، وخوف عطش ، فإذا كان مع الإنسان كمية ماء ، وهو في الصحراء ، وإذا توضأ بما معه من ماء ربَّما مات عطشا ، إذًا خاف العطش ، أو خاف المرض ، أو خاف العدو ، واحتياج ماء لعجن لا لطبخ مرق ، فإذا كان معك ماء يكفي لعجن العجين ، فلو أنك توضأت به لبقيت بلا خبز ، ولفقد آلة أيضًا ، فحبل الدلو مقطوع  مثلاً ، أو ليس لديه حبل للدلو ، والماء على بعد أمتار ، لكن لديك حبلٌ ، فهذا يعني فَقْدَ آلة ، وخوف فوت صلاة ، أي الصلاة التي لا تقضى ، مثل الجنازة وصلاة العيدين ، فإذا خفت أن تفوتك صلاة الجنازة ، أو صلاة العيدين فعليك بالتيمم.

إذاً فالأعذار المبيحة للتيمم ، البعدُ عن الماء ، وخوفُ المرض  وخوفُ العدو ، وخوفُ العطش ، والاحتياجُ لعجن لا لطبخ مرق ، لأنّ المرق شيء ثانوي في الطعام ، أما الماء للعجين فشيء أساسي ، ولفقد آلة  كحبل الدلو ، أو السطل ، أو ما شاكل ذلك ، وفي أيامنا هذه إذا انقطع تيارُ الكهرباء ، وعنده محرك يعمل على الكهرباء ، والماء على بعد خمسين مترًا ، وتيار كهرباء مقطوع ، فعليه أنْ يتيمم ، وخوفُ فوت صلاة جنازة ، أو عيد ، هذا الشرط الثاني .

الشرط الثالث : أن يكون التيمم بطاهر ، نويت التيمم من هذا الصعيد الطاهر ، من جنس الأرض، كالتراب ، والحجر ، والرمل  فالرخام حجر ، أما الحطب ، والفضة ، والذهب فليست من جنس    الأرض .

الشرط الأول : النية ، الشرط الثاني : وجود العذر المبيح ، البعد وخوف المرض ، وخوف العطش ، وخوف العدو أيًّا كان ، واحتياج ماء لعجن ، وفقدُ الآلة ، وخوفُ فوات صلاة ، والشرط الثالث : أن يكون التيمم بطاهر من جنس الأرض كالتراب ، والحجر ، والرمل ، لا الحطب ، والفضة ، والذهب .

الشرط الرابع : استيعاب المحل بالمسح ، يعني استيعاب الوجه كاملاً ، من منبت الشعر إلى أسفل الذقن ، وطرفي شحمتي الأذنين استيعابًا كاملاً ، وكذلك اليدين استيعابهما كاملتين .

الشرط الخامس : أن يمسح بجميع اليد ، أو أكثرها ، فلو مسح بإصبعين لم يصحّ ، ولو كرّر حتى استوعب ، بخلاف مسح الرأس .

الشرط السادس : أن يكون بضربتين بباطن الكفين ، ولو في مكان واحد .

الشرط السابع : انقطاع ما ينافي التيمم من حيض ، ونفاس ، فلو كانت المرأة في حيض أو نفاس لم يصحّ التيمم ، إذْ لا بد من انقطاعهما انقطاعًا كاملاً .

الشرط الثامن : زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ و شحمٍ ، فإذا وُجدَ على الأظافر طلاءٌ ، أو شحم ، أو عجين ، أو مادة مانعة فسدَ التيمُّم ، فهذه ثمانية شروط للتيمم ، وأعيدها سريعا ، أولاً : النية ، ثانياً : وجود العذر المبيح ، ثالثاً : التيمم بصعيد طاهر من جنس الأرض ، رابعاً : استيعاب المحل بالمسح ، خامساً : أن يمسح بجميع اليد ، أو بأكثرها ، سادساً : أن يكون بضربتين بباطن الكفين ، ولو في مكان واحد ، سابعاً : انقطاع ما ينافي التيمم ، من حيض أو نفاس ، الثامن : زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ ، وهذه المعلومات أكثر الإخوة الحاضرين على علم بمعظمها ، ولكن فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين .

*   *   *

         ولننتقل إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين عنوانه " صفات العالم " ، وهي : أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور ، كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، وما أكثر البدعة التي تقطع الإنسان عن ربه  كأجهزة اللهو ، إذْ يقول بعضُهم : به نسمع تلاوة القرآن ، وتقدِّم أحاديث دينية ، كما تقدِّم مواضيع علمية ، فربنا عز وجل قال :

( سورة البقرة : 219 ) .

              مثلاً برميل فيه ماء مر ، مذاب فيه ملعقة عسل ، فمن أجل أن تصل هذه الملعقة إلى جوفك ، يجب أن تشرب هذا البرميل بكامله ، وهو مرٌّ ، وقد يكون ساماً ، وقد يكون مؤذياً ، فلذلك عليه أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور ، وإن اتفق عليها الجمهور ، يعني يجوز للجمهور في آخر الزمان أنْ يتفقوا على ضلالة ، كأنْ يصير شيء بحكم العادة ، أو شيء بحكم العرف ، فيصير لكثرة انتشاره بديهيًا ، فيقال : فمَن أنت حتى تجيز ما لا يجوز ؟ ومن أين تأتينا بهذا الدين .

          فهنا يقول الإمام الغزالي : أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور ، وإن اتفق عليها الجمهور ، فلا يغرنّه إطباق الخلق على ما أُحدِث بعد الصحابة رَضِي اللَّه عَنْهم ، وليكن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم .

         فإذا اقتدى إنسان بالصحابة كان في قمة الذكاء والتوفيق ، وإذا اقتدى بغير الصحابة فل ، طبعا هم رجال ونحن رجال كما قال بعض العارفين ، وقال بعض العارفين : ما جاءنا عن صاحب القبة الخضراء فعلى العين والرأس ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، وما جاءنا عن أصحابه الكرام فعلى العين والرأس ، لماذا ؟ لأنهم أخذوا عن النبي ، والنبيُّ معصوم ، وما جاءنا بعد ذلك عن غيرهم ، فنحن رجال وهم رجال ، وقال بعضهم الآخر : كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه ، إلا صاحب هذه القبة الخضراء ، ما ينطق عن الهوى ، وقال بعضهم : ما من أحد يكبر عن أن يُنقَد ، وما من أحد يصغر عن أن يَنقَد ، فالإنسان غير معصوم.

         لذلك قال سيدنا عمر : " أحبُّ ما أهدى إليّ أصحابي عيوبي " ، أكبر هدية تقدمها لأخيك إن رأيت فيه شططا ، أو انحرافاً ، أو تقصيراً ، أو مخالفةً ، أو معصيةً ، فبينك وبينه ، وبمنتهى اللطف والتهذيب ، قل له : يا أخي إنني أحبُّك ، وأنت مؤمن ، وأنت قارئ قرآن ، وهذا الذي تفعله لا يليق بالمؤمنين ، إذا قلت له بينك وبينه فهذه نصيحة ، فإذا وجهت له هذه الملاحظة أمام ملأٍ فهذا تشهير ، وقد يكون الرد عنيفا ، لأنك شهرت به .

         ويسأل الغزالي هذا السؤال فقال : أكان همُّ الصحابة في التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولاية وتولِّي الأوقاف والوصايا وأكل مال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في الِعشرة ؟ ، أم كان همُّهم في الخوف والتفكر والمجاهدة والمراقبة واجتناب دقيق الإثم وجليله ، والحرص على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان  إلى غير ذلك من علوم البطون ؟.

          إنّ سيرةَ الصحابة العطرة قدوةٌ لنا ، فأحيانا قد تحضر مجلسًا فيقال لك : هذا مجلسُ ذكر ، وتجدهم يلبسون ثيابًا بيضاء ، ويقومون بحركات ، وفي أثناء الدوران السريع تصير ملابسُهم مثل المظلة ، يا ترى أهكذا فَعَلَ الصحابة ؟ وبهذه الطريقة وأمثالها فتحوا العالم ، وبهذه الطريقة انتزعوا إعجاب الأمم ، وبهذه الطريقة صاروا قادة الشعوب ، والخلاصة أنّك تشعر أنّ هناك أفعالاً ليست من الدين في شيء .

         يقول الحسن رَضِي اللَّه عَنْه : محدثان أُحدِثا في الإسلام ؛ رجل ذو رأي سيئ زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه ، ومُترَف يعبد الدنيا ، لها يغضب ، ولها يرضى ، وإياها يطلب .

        والحقيقة هنا تحليل دقيق ، فأنتَ أمام رجل آثر الدنيا على الآخرة ، وكلُّ همِّه الدنيا ، أو رجل آخر همُّه أن يتتبَّع أفكار الناس ، فمن وافقه على أفكاره المنحرفة ظنّه صالحاً ومن خالفه كَفَّرَه ، وهذان المُحدَثان ليسا من الدين في شيء .

        ويقول الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه : واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان ، وأقربهم إلى الحق أشبههم بصحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأعرفهم بطريق السلف ، فمنهم أخَذَ الدينَ .

        لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه : خيرنا أتبعنا لهذا الدين لما قيل له : خالفتَ فلاناً ، فلا ينبغي أن يكترث بمخالفة أهل العصر ، إذا كان عملُه موافقًا عملَ أهلِ عصره رسول الله ، وهم الصحابة الكرام .

         فإذا خالفتَ أهل عصرك ، واتبعت أهل عصر رسول الله فأنت على حق ، وكلمة الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " نحن نعرف الرجال بالحق ، ولا نعرف الحق بالرجال " ، وهذه كلمةٌ في منتهى الدقة ، فلا يعرف الحق لأن فلانًا قاله ، بل يعرف فلانًا أهو على حق ، أو على باطل في ضوء الحق الذي تعرفه ، فالحق هو الأصل .

       فلو فرضنا مدرس لغة عربية ، نصب الفاعل ، فإنّ الفاعل لم يَعُدْ منصوبًا ، فحكمُ الفاعل الرفع ، إذا ذاك المدرِّس مخطئ ، ففي اللغة قواعد ثابتة في ضوئها تقيّم ضوابطها ، فإذا قرأ جاهلٌ في كتابٍ مطبوع ونصَب الفاعلَ ، فليس الصواب في قراءته ، وقال : أنا أظنه مرفوعًا ، لا ، فهذا خطأ مطبعيّ ، فأنت تعرف الكلام بالحقائق التي تعرفها من قبل ، ولا تستنبط الحقائق من كتاب طارئ .

        يقول النبي عليه الصلاة والسلام : إنما هما اثنتان : الكلام والهدي ، فأحسن الكلام كلام الله تعالى ، وأحسن الهدي هدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها ، وإن كل محدثة بدعة ، وإن كل بدعة ضلالة ، ألا ليطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ، ألا كل ما هو آت قريب ، ألا إن البعيد ما ليس بآت .

        سألني الأسبوع الماضي رجلٌ ، فقال : أليس هناك حديث " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " ، فأردت أن أبسِّط له الموضوع ، فقلت : لما وضعوا في المساجد برادات للماء في أيام الصيف الحارة ، والمصلي يتمنّى أن يشرب كأس ماء بارد ، فهذه البرادات انتشرت بعد ذلك ، فهذه سنّة حسنة ، ووضعوا في المساجد سخانات للمياه ، ففي أيام الشتاء يتمنى المتوضِّئُ أن يكون الماءُ ساخناً ، وهذه أيضًا سنة حسنة ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ *

(رواه أبو داود)

طبعاً هذه سنة نبوية مطهرة ، فإذا أصيب مسلم بمصاب أو بلاء ، أو حادث وفاة ، فهو بعيد عن جو الطعام والشراب ، فإذا قَدَّم له الأهل الطعام والشراب جاهزين ، فهذا اتباع لسنة النبي عليه الصلاة والسلام ،  فأبواب الخير كثيرة ، وقد بلغني أنّ أحَدَ الصالحين بالشام أوقف مبلغً كبيرًا من المال لكل غلام كُسِر معه إناء ، ويخاف عقاباً أليماً من وليه ، أو سيده ، يأتيه بقطعة من هذا الإناء فيعطيه إناءً كاملاً جديداً ، فهذا الإنسان أراد أن يخفِّف مآسي المجتمع ، وَاللَّهِ هذه سنَّة حسنة ، فإذا فكر الإنسانُ في أعمال الخير ، فأعمال الخير لا تُعدُّ ولا تُحصَى ، لكن هذه ليست بدعاً  ، هذه من صلب الدين ، ومغطاة بآيات ، وأحاديث كثيرة ، من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة فإذا أَلْحَقَ شخصٌ بالمسجد مستوصفًا ، وعولِج فيه مريض فقير ، فهذا شيءٌ جميل ، وهذه سنة حسنة ، وإذا علَّم الإنسان الأولاَدَ القرآنَ الكريمَ ، فألزم المدرِّسُ نفسه بذلك ، فهذا شيء يُحمَد عليه .

         ويقول عليه الصلاة والسلام : طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية ، وخالط أهل الفقه والحكم ، وجانب أهل الزلل والمعصية ، طوبى لمن ذل في نفسه وحسنت خليقته ، وصلحت سريرته ، وعزل عن الناس شرَّه ، طوبى لمن عمل بعلمه ، وأنفق الفضلَ من ماله ، وأمسك الفضلَ من قوله ، ووسعته السنَّةُ ، ولم يَعْدُهَا إلى بدعة .

هناك كثير مِن الأمثلة على البدع ، فبعضُ المسلمين يرغب في حضورِ احتفال رأس السنة ، وآخرُ يحبُّ أنْ يقلِّد الأجانب ، وهذه بِدَعٌ ، وفي خطبة الجمعة حدَّثتُكم أنّ عيد الأم شيءٌ مستورَد، لكن المسلمين يملكون من هذه البضاعة الشيءَ النفيس ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ قَالَ ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا *

(رواه النسائي)

 فلقد رأى النبيُّ الكريمُ أنَّ إكرام الوالدين وحسن صحبتهما أولى لذلك الرجل من الجهاد ، وعَدَّ الإحسانَ إليهما موازياً للجهاد في سبيل الله ، وإليكم حديثًا آخر ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ ، فَقَالَ : أَلَكَ وَالِدَانِ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ *.

[ أخرجه الترمذي ] .

حادثة أخرى ، عَنْ الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ ، وَكَانَ لا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهمَا يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ ، فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ *.

[ أخرجه البخاري ] .

             جاءه رجل ثالث قال له : لي أم تركتها وحيدة ، وأتيت لأجاهد معك يا رسول الله - أو كما قال - فقال عليه الصلاة والسلام : " قَابِلْ اللهَ في برِّها "، فبرُّ الوالدة عملٌ يكفي أن تقابل اللهَ به عز وجل ، " قَابِلْ اللهَ في برِّها " ، وقال عليه الصلاة والسلام : لو أن في اللغة كلمة أقل من "أف" لقالها الله عز وجل ، إذا نحن عندنا في العام 365 عيدًا للأم ، كل يوم أنت مكلف بطلبِ رضى الوالدة ، لا بالكلام بل بالإحسان والأدب وطلب الرحمة ، وتدعو لهما في آخر كل الصلاة؛ ربِّ اغفر لي ولوالدي ، رب ارحمهما كما ربَّياني صغيرة ، لكن في مجتمع آخر يكون للأم خمسةُ أولاد ، ولا ترى أحدًا منهم طيلة العام ، فلمثل هذا المجتمع كان عيد الأم ، أجَلْ لمثل هؤلاء كان عيد الأم ، لرجل يموت في بيته فتتفسخ جثتُه ، ويبقى ستة أشهر إلى أن يُقتحم عليه البيت من نتن الرائحة ، وله خمسة أولاد متزوجون يقيمون في لندن ، في المدينة نفسها التي هو فيها ، ولم يخطر على بال واحد منهم أن يزور أباه خلالَ هذه الأشهر الستة ، فلمثل هؤلاء كان عيد الأم ، وغالباً حتى في هذا العيد يكتفون بإرسال بطاقات زيارة ، بدل الزيارة الحقيقة .

          إذاً المسلمُ وسعته السنَّة ، ولم تستهوِه البدعة ، وكثير من الصراعات في حياتنا ؛ صراعات لها أول وليس لها آخر ، كلها مستوردة من الغرب  ، فمصمِّم أزياء في فرنسا مثلاً ، لنزوة شيطانية ألَمَّتْ في عقله يمكن أنْ يجعل نساء المسلمين يخرجنَ على قواعد الشرع ، وإذا رضينا هذا فقد تُودع منا ، وإذا تتبعنا هذه الصراعات ، وبجَّلناها ، وقدّسناها ، فأين نحن إذًا من الإسلام .

          والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوِه البدعة ، وفي هذا الحديث : طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، فلما يتعامَى الإنسان عن عيوب الناس وينشغل بعيوب نفسه فهذا مؤمن حقاً ، أمّا التافه فهمُّه الأول تتبُّعُ عورات الناس ، لِمَ فلانة طلقت، ولِمَ فلان ليس له أولادٌ ، يا ترى السبب منه أم منها ؟ وما دخلك أنت بينهما ، ومَن استشارك ؟ ومَن شكا لك الموضوع  ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ *.

[ أخرجه الترمذي ] .

ومن علامة الإيمان .

( سورة المؤمنون : 1 ـ 3 ) .

           قال بعض المفسرين : كلُّ كلام لا علاقة له بذكر الله فهو لغو  ملغي ، إن الله يحب معالي الأمور ، ويكره سفسافها ، ودنيِّها ، فلذلك  طوبى لمن شغل عيبُه عن عيوب الناس ، وأنفق من مال كسبه من غير معصية .

         عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ *.

[أخرجه مسلم] .

هذه الدعوات يا ربّ يا ربّ صارت هباءً منثورًا ، فإذا كان دخله حرامًا ، يا ربّ ويا ربّ ، فهذا نفاق ، وإذا لا  يصلِّي الفرض إلا  في الصف الأول وفي وقته ، والله شيء جميل ، لكنه يملك مطعمًا ، تباع فيه الخمرة ، قلت له : ما هذا ؟ فقال لي : إنْ شاء الله في رقبة شريكي ، أنا لا أذهب إلى المطعم أبدًا ، و الحمد لله ، ولكنه يقبض الربح في آخر السنة ، وإن شاء الله بيعُ الخمرة في رقبة شريكه كما يزعم ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ *، يعني أنا لا أعتقد شيئًا في الحياة أخطر من الدعاء ، لأنك بالدعاء تستعين بأقوى قوة بالكون ، وهي الله عز وجل ، وبالدعاء أنت أقوى إنسان على وجه الأرض .

 

        كان سراقةُ بن مالك فارساً شجاعاً صنديداً طمع في الجائزة ، إنها مئتان من الإبل لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً ، وحينما اقترب منه غاصت قدما فرسه في الرمل أول مرة والثانية والثالثة ، شعر أن هذا ممنوع مني ، إذًا في الكون قوة إليهة تحميه بالدعاء ، فيكون أقوى إنسان على وجه الأرض .

       كذلك معركة الخندق معركة كبيرة ، كانت على وشك أن تستأصل المسلمين ، إنّها حرب تدميرية هدفها إنهاء الإسلام كليا ، فالله عز وجل أرسل رياحًا عصفت بخيام الكافرين فأطفأت نيرانهم ، وقلبت قدورهم ، ودبّت بينهم الخلافات ، وكان سيدنا نعيم بن مسعود قد أسلم في الوقت المناسب ، قال للرسول الكريم : مُرْني يا رسول الله ، فقال له : أنت واحد ، ولكن خذِّلْ عنا ما استطعت ، فذهب إلى الأحزاب وقال لهم كلاما عن اليهود ، وذهب إلى اليهود وقال لهم كلامًا آخر ، فأوقع بينهم الشقاق ، وكانت النتيجة أن انصرفت الأحزاب ، ونصر اللهُ عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ولا شيء قبله ولا شيء بعده .

 وفي حنين أمسك النبي الكريم حفنة من رمل ورماها في الوجوه وقال : شاهت الوجوه ،

أنا النبيُّ لا كذب     أنا ابنُ عبدِ المطلب

إنّك بالدعاء تعلن أنّ لك عند الله رجاء ، واللهُ سبحانه وتعالى هو هو ، قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، وآياته هي هي ، وقوانينه هي هي ، في أي زمان إذا قلت : يا ربّ ، يقول الله عز وجل : لبيك يا عبدي ، فما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض ، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجًا ، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني ، أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه ، وأهويت الأرض من تحت قدميه، الدعاء شيء خطير ، أنت بالدعاء يستجيب الله لك ، لكن العبد الذي يقول : يَا رَبِّ يَا رَب، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ *.

ويقول عليه الصلاة والسلام : " وأنفق من ماله كسَبَهُ من غير معصيةٍ ، وخالف أهل الفقه والحكم، فمِن أين ترجو الخير إن كنت بعيدًا عن أهل الخير ، ومِن أين ترجو أن تكون عالما إذا كنت بعيدًا عن مجالس العلم ، وهل سمعتُم في حياتكم أنّ إنسانًا صار طبيبًا وهو جالس في بيته أو وهو مقيم بالسوق ، فلا بد من التفرغ ، ومِن لزوم مجالس العلم ، ومن البذل ، حتى تكون محققًا لأهدافك .

ويقول عليه الصلاة والسلام : وجانب أهل الزلل والمعصية ، طوبى لمن ذلّ في نفسه ، وحسنت خليقته ، وصلحت سريرته .

( سورة الشعراء : 88 ـ 89 ) .

إذا كنتَ ذا قلبٍ سليٍم فهنيئا لك ، لأنّ الله معك ،" وعزل عن الناس شره ، طوبى لمن عمل بعلمه"، والله شيء جميل ، لِيَضَعْ كلُّ واحد منا يضع نفسه محلّ البدوي الذي قال للنبي الكريم : يا رسول الله عظني وأوجز ، فنظر إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له :

( سورة الزلزلة : 7 ـ 8 ) .

قال الأعرابيُّ : قد كفيت ، فقال عليه الصلاة والسلام : فَقُهَ الرجل ، لو قال : فَقِه فلها معنى آخر، أما قال : فَقُه الرجل ، لو قال :َ فقِهَ ، يعني عرف أحكام الفقه ، لكنّه قال : فقُه أي أصبح فقيها ، كأنْ تكون آية قرآنية قرأتها فشعرت أنك اكتفيت بها لعشرات السنين ، تطبيقا لهذا الحكم ، قال تعالى :

( سورة طه : 123 ) .

( سورة البقرة : 38 ) .

هذه آية ثانية .

( سورة النحل : 97 ) .

فإِنْ فهمتَ مضمون هذه الآيات و عملتَ بها فقد فقُهتَ بإذن الله .

واللِه في القرآن آيات كثيرًا ، كل آية إذا عقلتها تقول كفيت ،  طوبى لمن عمل بعلمه ، وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك من قوله ، لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، فأنْ يقول قائلٌ : الحمد لله لا أسرق ، ما هذا الكلام ، هذه كبائر ، مِن البديهي ألاّ تسرق ، فإذا قال لك طبيب : أنا الحمد لله أقرأ وأكتب ، أفتأعجب من ذلك و تقول : تقرأ وتكتب!! هذه بديهية ، هذه يفعلها طالب ابتدائي ، أنت مطالب بعلم دقيق ، مطالب باستشارات ، مطالب بمطالعة عميقة ، مطالب بحل معضلات ، أمّا أنْ تقرأ وتكتب ، فهذه بديهيات ، أما إذا كنت في مجلس ، وطُرِح موضوع عن إنسان ، فسلَقَتْهُ الألسنة ، أنت كمؤمن ماذا تفعل ؟ أتجري مجراهم، لا ، فإمّا أن تقوم من هذا المجلس ، وإما أن تسكِتهم ، فهذه غيبة ، أو حدّثك شخصٌ بقصة عن فلان ، أتنقلها مكبر ؟ فيدبّ الخلافُ بينهما ، فاعلمْ أنّه لا يدخل الجنة نمّام أبداً ، أو قتات ، والمعنى واحد ، إنه شي خطير على مستوى اللسان ، هناك كبائر ، فاحذر الغيبة والنميمة والسخرية ، قالت له : صفيَّةُ قصيرة ، فقال لها : يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجتْ بمياه البحر لأفسدته ، فكلمة "قصيرة " ، يقولون قصيرة مثل المسطيجة ، وأحياناً يقولون إذا كان طويلاً زيادة: مثل الحورة !! أمَّا إذا كان قصيرًا زيادة ، فيغتابونه غيبةً مهلِكةً ، فالتطاوُل على الناس وصفاتهم في المجالس شيءٌ قبيحٌ ، وهذا كله حسابُه عند الله عسيرٌ ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم .

           لذلك : طوبى لمن أمسك الفضل من قوله ، ووسعته السنة ، ولم تستهوِه البدعة ، فعليك بكتاب الله ، أما يكفيك ؟ ففيه كل شيء ، والحديث النبوي الشريف ألا يكفيك ؟ وَاللَّهِ هذه الأيامُ أقرأ مسرحية شكسبير ، وماذا يعنيك من شكسبير ، أعنده حكمة ؟ أيصف لك نفوسًا مريضة؟ فإذا نقب شخصٌ في صندوق قمامة فماذا سيجد ، سيجد قشر برتقال ، والأكلة المتعفنة ، واللحمة المتفسخة ، هذا ما في صناديق القمامة ، فإذا قرأت الروايات والقصص ، فلن يطالعك منها إلاّ انحراف أخلاقي ، وهبوط نفسي   وضعف إنساني ، وواقع مؤلم ، وفقر مدقع ، ولؤم لا يحتمل ، فعندما تنتهي من القراءة ، تشعر بانقباض شديد ، لأن الكاتب أوصلك إلى الوحل الذي صنعتْهُ قبائحُ الناس ، فمرَّغك  في وحل البشر ، لكن اقرأ عن صحابي جليل ، ستبقى أسبوعًا مترنمًا ، واللهِ الأسبوع الماضي ذهبت إلى البيت ، ومن عادتي أن اقرأ قبل أن أنام ، لشدة استمتاعي بالقصة التي تلوتها على مسامعكم ، لكنّني واللِه ما تمكَّنتُ من أن اقرأ شيئاً ، فبقيت هكذا مستمتعا بهذه المواقف التي وقفها سيدنا أبو سفيان بن الحارث ، وما استُنبِط من مواعظ من هذه القصة ، اقرأ قصص الصحابة تجد نفسَك ارتفعت ، ويمكن أنْ تنسى نفسك أنك من مواليد الشام ومن أبناء سنة 1985 ، تُشَدُّ بروابط متينة إلى ذاك المجتمع الفاضل ، وإلى هذه القيم العالية ، وإلى هذه البطولات ، وتتمنى أن تكون خادمًا عندهم ، وتتمنى أن تكون حارسًا لهم  ، وتعجب لِما هم عليه مِن هذا الكمال ، والإنسان يذكر الصالحين الأبطال ، فيتعطر المجلس بذكرهم ، ويعتمر قلبه بالإيمان ، وترتفع معنوياته ، ويشعر أنّه إنسان آخر ، بينما إذا قرأ القصص الحديثة ، فكأنّه خاض في صندوق قمامة إلى قمة رأسه ، تجد فيها السفه ، والحمق ، والخيانة ، والغدر ، واللؤم ، والفقر المدقع ، والغنى الفاحش ، والفرق الطبقي الذي لا يحتمل ، والضعيف الذي لا ناصر له ، لكن اقرأ ما جاء في كتاب الله ؛  فتروعك حقائقُ الإيمان ، إذْ يقرأ كلامًا يفيده ، طوبى لمن وسعته السنة ، ولم تستهوِه البدعة ، يقول أحدهم : واللهِ أنا أعلِّم ابني العزف على الكمان ، وهي آلة حنونة ، ولكن السنة ما اكتفيت بها ، وما لامست مشاعري ، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إن طرب المؤمن بكتاب الله لمقياسٌ فنيُّ بحت ، ولو اجتمع ذواقو الغناء في العالم لما طربوا مجتمعين كما يطرب مؤمن بآيات الله ، تذوب نفسُك مع معانيها ، وتشعر أن المتكلم هو الله عز وجل ، خالقك .

( سورة صَ : 44 ) .

ثم اقرأْ هذه الآية :

( سورة الحديد : 16 ) .

دخلت منزلَ شخصٍ منذ يومين ، وهو متقدم في السن ، حدّثني موجزًا بكلميتن ، فقد سمعنا أن لك دروسًا ، قلت له : نعم ، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي ، عبدي كبرت سنك ، وضعف بصرك وشاب شعرك ، وانحنى ظهرك ، فاستحيِ مني ، فأنا استحيي منك ، فقال : لا تضيِّق و لا تشدِّد فكل سنٍّ لها ظروفها ، فهو يبقى إلى الساعة الثانية يلعب بالنرد رغم كِبَر سنِّه ، فهذه مِن رجل كبُرت سنُّه ثخينةٌ حقًّا ، ولا تُقبَل أبدًا ، وعلمتُ أنّه جاءت امرأة إلى البيت ، وهي صديقة زوجتك فيقول : تعالوا إلى هنا ليجلسهما إليه ، رغم سنه ، بحجَّة أن غرفته فيها مدفأة ، فأنا أذكر هذا و أمثاله بالحديث القدسي : فاستحيِ مني فأنا أستحيي منك .

 

*   *   *

 

وهذه قصة صحابي ، ونقول " صحابي" والله أعلم بحاله ، فهذا الرجل  فعل مأساة في تاريخ المسلمين ؛ قتل خير الناس بعد محمد صلى الله عليه و سلم ، وقتل شرَّ الناس أيضاً ، فلعل الله عز وجل يغفر له هذه بتلك ، فَمَنْ هذا ؟ هذا الذي أدمى فؤاد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أدمى فؤاده حينما قتل عمه حمزة بن عبد المطلب يوم أحد ، وإنْ أحدٌ منكم أكرمه الله عز وجل بزيارة الحرم النبوي الشريف ، فلينتقل إلى الأماكن المقدسة ، ومنها أُحُد ، فإنه سيجد قبر سيدنا حمزة ، أشهر قبر هناك ، في ساحة معركة أحد ، ثم شفى قلوبَ المسلمين حينما قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة ، إنه وحشي بن حرب الحبشي ، المكنى أبو دسمة ، و له قصة عنيفة حزينة دامية ، فأَعِرْهُ سمعك ليروي لك مأساته بنفسه ، قال وحشي:

           كنت غلاماً رقيقا لجبير بن مطعم أحد سادة قريش ، وكان عمه طعيمة قد قتل يوم بدر، على يد حمزة بن عبد المطلب ، فحزن عليه أشد الحزن ، وأقسم باللات والعزى ليثأرنّ لعمه ، وليقتلن قاتله ، وجعل يتربص بحمزة الفرص ، ولم يمضِ على ذلك طويل وقت ، حتى عقدت قريش العزم على الخروج إلى أُحُد للقضاء على محمد بن عبد الله ، والثأر لقتلاها في بدر، فكتَّبتْ كتائبها ، وجمَّعتْ أحلافها ، وأعدَّت عدَّتها ، ثم أسلمتْ قيادتها إلى أبي سفيان بن حرب ، فرأى أبو سفيان أن يجعل مع الجيش طائفة من عقيلات قريش ، أيْ من نساء قريش ، ممَّن قتل آباؤهن ، أو أبناؤهن ، أو أخوتُهن ، أو أحٌد من ذويهن في بدر،  ليَحمسْنَ الجيش على القتال ، وَيَحُلْنَ دون الرجال ودون الفرار ، فكان في طليعة من خرج معه من النساء ، زوجه هند بنت عتبة ، وكان أبوها وعمها وأخوها قد قتلوا جميعاً في بدر ، ولما أوشك الجيش على الرحيل التفت إلي جبير بن مطعم وقال : هل لك يا أبا دسمة - يعني وحشيًّا - في أن تنقذ نفسك من الرق ، قلت : ومن لي في ذلك ؟ قال : أنا لك به ، قلت : وكيف ؟ قال : إن قتلتَ حمزة بن عبد المطلب عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق ، قلت : ومن يضمن لي الوفاء بذلك ؟ قال : من تشاء ، ولأُشهِدَنَّ على ذلك الناسَ جميعاً ، قلت : أَفعلُ وأنا لها ، قال وحشي : وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة ، قلما أخطئ شيئاً أرميه بها ، فأخذت حربتي ومضيت مع الجيش ، وجعلت أمشي في مؤخرته ، قريباً من النساء ، فما كان لي أربٌ بالقتال ، له مصلحة بسيدنا حمزة فقط ، وكنت كلما مررتُ بهند زوجة أبي سفيان ، أو مرَّتْ بي ، ورأت الحربة تلتمع في يدي تحت وهج الشمس تقول : أبا دسمة أشفِ واستشفِ ، فلما بلغنا أحد والتقى الجمعان خرجت ألتمس حمزة بن عبد المطلب ، وقد كنت أعرفه من قبل ، ولم يكن حمزة يخفى على أحد ، لأنه كان يضع على رأسه ريشة نعامة ، كما كان يفعل ذووا البأس من شجعان العرب ، وما هو إلا قليل حتى رأيت حمزة يهدر بين الجموع كالجمل الأورق ، وهو يهد الناس بسيفه هداً ، فما يصمد أمامه أحد ، ولا يثبت له شيءٌ ، وفيما كنت أتهيأ له ، وأستتر منه بشجرة أو حجر متربصاً أن يدنو مني ، حتى تقدمني إليه فارسٌ من قريش ، يدعى سباع بن عبد العزي ، وهو يقول : بارزني يا حمزة ، بارزني ، فبرز له حمزة وهو يقول : هلمّ إلي ، ثم ما أسرع أن بادره بضربة من سيفه فخر صريعاً ، يتخبط بدمائه بين يديه ، عند ذلك وقفت من حمزة موقفاً أرضاه ، أي صارت المسافة قريبة ، وجعلت أهز حربتي ، حتى إذا اطمأننت لها دفعت بها نحوه ، فوقعتْ في أسفل بطنه ، فخطى متثاقلاً نحوي خطوتين ، ثم ما لبث أن سقط والحربة في جسده ، فتركتها حتى أيقنت أنه مات ، ثم أتيته وانتزعتها منه ، ورجعت إلى الخيام وقعدت فيها ، إذ لم تكن لي حاجة غيره ، وإنما قتلتُه لأُعتَق ، ثم حمي وطيس المعركة وكثر فيها الكر والفر ، غير أن الدائرة ما لبثت أن دارت على أصحاب محمد ، وكثر فيهم القتل ، عند ذلك غدت هنُد بنتُ عتبة على قتلى المسلمين ، ومن ورائها طائفة من النساء ، فجعلت تمثّل بهم ، فتبقر بطونهم ، وتفقأُ عيونهم، وتجدع أنوفهم ، وتصلم آذانهم ، وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم دُعِي إلى التمثيل في قتلى بدر ، فقال عليه الصلاة والسلام : لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً ، ثم صنَعَتْ من الأنوف والآذان قلادةً وأقراطاً فتحلّت بها ، ودفعت قلادتها وقرطيها الذهبيين لي وقالت : هما لك يا أبا دسمة ، هما لك ، فاحتفظتُ بهما فإنهما ثمينان ، ولما وضعت الحرب أوزارها ، عدتُ مع الجيش إلى مكة فبرَّ لي جبيرُ بن مطعم بما وعدني ، وأعتق رقبتي ، فغدوتُ حرًّ ، لكن أمر محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل ينمو يوما بعد يوم ، وأخذ المسلمون يزدادون ساعة بعد ساعة فكنتُ كلما عظم أمر محمد ، عظم عليَّ الكرب ، وتمكن الجزع والخوف من نفسي ، وما زلتُ على حالي هذه حتى دخل محمد مكة بجيشه الجرار فاتحاً ، والعاقبة للمتقين ، عند ذلك ولَّيْتُ هارباً إلى الطائف ، ألتمس فيها الأمن ، لكن أهل الطائف ما لبثوا كثيراً حتى لانوا للإسلام ، وأعدُّوا وفداً منهم إلى لقاء محمد ، وإعلان دخولهم فيه ، وعندما أنزل ربنا عز وجل قوله تعالى :

( سورة النصر : 1 ـ 3 ) .

قالوا : في هذه الآية نَعيُ النبي عليه الصلاة والسلام ، يعني أنّ رسالته تحققت وتمَّت ، وقال عليه الصلاة والسلام : يأتي على أمتي زمان يخرج الناس من دين الله أفواجًا ، وكيف ذلك ؟ فهذه مثلاً مضى عليها أربعون سنة محجَّبة ثم سفرت وأظهرتْ مفاتنها ، وتدَّعي أنّ خلقها قد ضاق ، بل قد ضاقت نفسُها ذرعًا بالحجاب ، فيخرج الناسُ أفواجا ، كما دخلوا أفواجاً ، عند ذلك قال وحشي : سقط في يدي ، وضاقت عليَّ الأرضُ بما رحبت ، وتعيَّت عليّ المذاهب ، فقلت : ألحقُ بالشام ، أو باليمن ، أو ببعض البلاد الأخرى ، فوالله إني لفي غمرة همَّي هذه إذْ رقّ لي رجل ناصح وقال: ويحك يا حبشي ، إن محمدًا واللهِ لا يقتل أحدًا من الناس إذا دخل في دينه ، وفي الإسلام قواعد صارمة ، ولو أنّ هذا الحبشي قالها نفاقاً ، أو شكلاً ، أو تقية ، أو ممالأةً ، أو مماراةً ، لو قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد رسول الله ، فقد حقَن دمه ، قال له : ويحك يا حبشي ، إن محمدًا والله ما يقتل أحدًا من الناس إذا دخل دينه ، وتشهد بشهادة الحق ، فما أنْ سمعتُ مقاله ، حتى خرجت ميمِّمًا وجيه شطرَ يثرب ، أبتغي محمدًا ، فلما بلغتها تحسّست أمَره ، فعرفت أنه في المسجد ، فدخلت عليه في خفةٍ وحذر ، ومضيت نحوه ، حتى صرت واقفاً فوق رأسه ، فقلت أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا رسول الله ، فلما سمع الشهادتين ، رفع بصره إليّ ، فلما عرفني رد بصره عني ، وقال : أوحشي أنت ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، فقال : اقعد وحدِّثني كيف قتلت حمزة ، فقعدت فحدثت خبره ، فلما فرغت من حديثي ، أشاح عني بوجهه ، وقال : ويحك يا وحشي ، غيِّب وجهك عني ، فلا أرينَّكَ بعد اليوم ، أيْ لن يقتله رسول الله ، ففي الإسلام قواعد ثابتة ، لكن غيِّبْ وجهك عني ، فلا أرينَّك بعد اليوم ، فكنت منذ ذلك اليوم أتجنب أن يقع بصر النبي الكريم عليَّ ، فإذا جلس الصحابة قبالته أخذتُ مكانًا خلفه ، وبقيتُ على ذلك حتى قبض النبي عليه الصلاة والسلام ، فموقفي مُخْزٍ إلى يوم القيامة ، ثم أردف وحشي يقول : وعلى الرغم من أني عرفت أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله ، فقد ظللتُ أستشعر فداحة الفعلة التي اجترحتها ، وأستفظع الأمرَ الجلَلَ الذي نزل بي ، وطفقت أتحيَّنُ الفرص كي أكفِّر عمَا سلف، وصدَق النبي الكريم إذْ قال : " ألا يا رب شهوةِ ساعةٍ أورثت حزناً طويلاً "، فعلى الإنسان أنْ يفكِّر مليون مرة قبل أنْ يعمل عملاً ، كقتل النفس ، فيمكن لعملٍ ما أنْ يجعله في حجاب إلى يوم القيامة ، فقدْ يكون ذاك العملُ أحَدَ أسباب هلاكه ، " ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلاً "، ثم قال : فلما لحق النبي الكريم بالرفيق الأعلى ، وآلت الخلافة إلى صاحبه أبي بكر ، وارتدَّ بنو حنيفة أصحاب مسيلمة مع المرتدين ، جهّز خليفةُ رسول الله جيشاً لحرب مسيلمة ، فقلت في نفسي : إن هذه وَاللَّهِ فرصتك يا وحشي فاغتنمها ، ولا تدَعْها تفْلتُ من يديك ، ثم خرجت مع جيوش المسلمين ، وأخذت معي حربتي التي قتلت بها سيد الشهداء حمزة ، وآليت على نفسي أن أقتل بها مسيلمة الكذاب ، أو أظفر بالشهادة ، فلما اقتحم المسلمون على مسيلمة وجيشه حديقة الموت ، والتحموا بأعداء الله جعلت أترصد مسيلمة ، فرأيته قائماً والسيف في يده ، ورأيت رجلاً من الأنصار يتربص به مثلما أتربص أنا به ، فلما وقفتُ منه موقفاً أرضاه هززت حربتي حتى إذا استقامت في يدي دفعت بها نحوه فوقعت فيه ، وفي نفس اللحظة التي أطلقت حربتي على مسيلمة كان الأنصاري يثب عليه ويكيل له ضربة بالسيف ، فربك يعلم أيّنا قتله ، فإن كنت أنا الذي قتلته أكن قد قتلتُ خير الناس بعد محمد ، وقتلتُ شر الناس بعده ، لعلّ الله عز وجل يجعل هذه بتلك .

         فهذه القصة هدفها أنّ الإنسان أحياناً في ساعة غفلة ، أو طغيان الشهوة ، أو الطمع في المال ، أو القوة العمياء ، يرتكب حماقة كبيرة من السذاجة والغباء ، حيث تقول : أتوب منها ، هذا كلام ، فلما تشعر النفس بشناعة عملها وفظاعة فعلتها فليس مِن قوة تزيح عن كاهلها الشعور بالإثم ، فمثلاً إذا كان الإنسان في ساعة سكر شديد ، قام يذبح ابنه ، وبعد ما ذهب عنه أثرُ السكر وصحا منها رأى ما فعلتْ يدُه ، ولات حين مندَم ، ولو تصورنا أنّ أحدً لم يحاسبه ، ولم يعتقله ، وليس مِن قضاء يحاكمه ، لكنّه يتفتَّت ألمًا وحسرةً ، و يموت كل ساعة مئة مرّة ، لماذا ؟ لأن عذاب النفس يسبق كل عذاب ، و قد حُكيَ لي أنّ شخصًا منذُ ثلاثين سنة تقريبًا في بيروت دعس طفلاً بسيارته ، فلما أوى لينام ما استطاع ، والحادث وقع الساعة الواحدة ليلاً حسب الرواية ، إذْ بعث الوالدُ ابنه لشراء حاجة من الدكان ، وبينما الولدُ يقطع الشارع دعسته سيارة فمات ، فأول يوم ما استطاع أن ينام ، وثاني يوم ، وثالث يوم ، ورابع يوم ، ومضى عليه عشرون يوماً لا ينام ، فالتجأ إلى طبيب نفسي علَّه يجد ما يريحه و يهدِّئ من رَوعه ، فحذارِ من ساعة الغفلة ، ومن ساعة طغيان الشهوة .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi