English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

رقم الـدرس :  لفضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي .

رقم الشريـط : 15/508 .

الموضــوع : الفقه الإسلامي - التيمم ( أركانه - سننه ) .

                إحياء علوم الدين ـ باب العلم ( صفات العلماء بالله  ) .

                بعض الأحاديث الشريفة .

                الصحابي عبد الله بن أم مكتوم . 

مفرغ الشريط : م . م . حسان العودة .

التاريـــخ : 31/03/1985 .

مراجعة الشريط مع النص : الأستاذ سعيد عودة .

التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي  :  المهندس غسان السراقبي .

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

           الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، اللهم يا أكرم الأكرمين أغننا بالعلم ، وزيِّنا بالحلم ، وأكرمنا بالتقوى ، وجمِّلنا بالعافية ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلنا في الدرس الماضي في بحث الفقه إلى " التيمم "، وتحدثنا عن تعريفه ، وعن شروطه ، ووصلنا إلى أركانه ، وسننه .

التيمم له ركنان فقط : 1ـ مسح الوجه 2ـ ومسح اليدين فقط .

وأما السنن فسبعة :

1ـ التسمية في أوله ، لا بد من أن تسمي في أول التيمم .

2ـ الترتيب ، تبدأ بالوجه ، وتثني باليدين .

3ـ الموالاة ، تمسح الوجه ، وتمسح بعده اليدين مباشرة ، دون أن تمسح الوجه وتمضي إلى حاجة ، ثم تعود فتمسح اليدين ، وهذا معنى الموالاة .

أكرِّر : التسمية : بسم الله الرحمن الرحيم ، والترتيب : مسحُ الوجه أولاً ، واليدين ثانياً ، والموالاة : متابعة مسح الوجه واليدين في وقت واحد .

4ـ وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب ، 5ـ وإدبارهما .

تضع اليدين على التراب وتجعلهما تقبلان وتدبران .

6ـ ونفضُهما ، إذا علقت بهما كمية من التراب كثيرة ينبغي أن تنفضهما .

7ـ تفريج ما بين الأصابع .

أكرِّر : إقبال اليدين ، وإدبارهما ، ونفضهما ، وتفريج ما بين الأصابع .

           وندب تأخير التيمم لمن يرجو الماء ، بعثتَ إنسانًا ليأتي بالماء ، وأنت في انتظاره ، فيندب تأخير التيمم ، طبعاً قبل خروج الوقت ، فإذا خرج الوقت المستحب ، ينبغي أن تتيمم وأن تصلي.

          ويجب طلب الماء إلى مقدار أربعمئة خطوة ، تقريباً نصف كيلومتر ، إن ظن قربه مع الأمن وإلا فلا ، فإذا كنت مثلاً في أثناء حرب داخل أرض عدو ، فالأمن غير متوافر ، فلو أن الماء على بُعد ثلاثمئة متر لا ينبغي أن تذهب ، وإذا توافر الماء إلى قدر نصف كيلومتر مع وجود الأمن تذهب إليه ، وإلا فلا .

          ويجب طلبه ممن هو معه ، واحد معه ماء فمرّت شاحنة عندها مستودع ماء ، فإن كان في محل تشح به النفوس ، أو غلب على ظنك أن أحداً لن يلبيك ، فتيمَّمْ وصلِّ ، لكن إذا كنتَ في أرض خيّرة وأناس طيبين ، أو كنت في أرض يغلب على أهلها حبُّ الخير ، فاطلب الماءَ من المارة ، وإن لم يعطه إلا بثمن مثله لزمه شراؤه ، كأنْ يقال لك : صفحة الماء بليرة ، أما أن تكون بمائة ليرة ، فهذا ليس ثمن مثله ، فصار ذاك ابتزازًا لكن الصحيفة بليرة ثمن معقول ، وإن لم يعطه إلا بثمن مثله لزمه شراؤه إن كان المالُ فاضلا عن نفقته ، معه مال زائد عن حاجته  فالسعر معقول ، والمبلغ موجود وفائض ، عندئذ لزمه الشراء .

          ويصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض ، فكلما كثرت الفرائض قلَّ سعر الماء ، فيقل السعر للمرة الواحدة يقسمهم على عشرة فروض ، أو على خمسة فروض ، يجد أنّ الفرض الواحد تكاليفه قليلة .

          وفي بعض المذاهب لا يصح التيمم قبل دخول الوقت ، ولكن في المذهب الحنفي ، يصح التيمم قبل دخول الوقت .

          كذلك إن كان أكثر البدن أو نصفه جريحاً تيمَّم ، ولو وجدَ الماء ، فمثلاً وقع حادث ، ومعظم البدن مضمد ، أو فيه جروح ، ورضوض ، فما دام نصف البدن أو أغلبه مجروحًا فهذا يتيمم ولو وجد الماءَ .

أمّا إنْ كان أكثرُه صحيحاً غسَله ومسَح على القسم المضمد .

         ولا يجمع بين الغسل والتيمم ، فلا يجوز الجمع بينهما ، فما دام يستطيع الغسل ، والماء متوافر ، فلا ينبغي أن يجمع مع الغسل التيممَ .

         ماذا ينقض التيمم ؟ كلُّ ما ينقض الوضوء ينقض التيمم ، ويضاف إليه شيء آخر وهو القدرة على استعمال الماء الكافي .

        وبعد فهذه فقرة من باب : " أرأيت لو أنه فعل كذا وكذا "، هؤلاء سمُّو في علم الفقه "أرائتيين" ، أحد الصحابة الأجلاء عرضت عليه قضية نادرة ، فقال رَضِي اللَّه عَنْه أَوَقَعَتْ ؟ قيل لا ، قال : إن وقعت نفتي بها ، توفيرًا للوقت ، وهذه الحالة النادرة ؛ قال : رجل مقطوع اليدين والرجلين ، وبقي منه الجذعُ ، هذا ما حكمه ؟ قال : هذا يصلي من دون طهارة ، ولا وضوء ولا تيمم عليه ، فمِن أندر الحالات أن يعيش الإنسان جذعاً فقط ، من غير يدين ولا رِجْلين ، وعلى كلٍّ فنحن في صدد القضايا الواقعية ، وهذا هو الصواب من غير تنطُّع ، إذاً التيمم له ركنان وله سبعة سنن ، أمّ الركنان فإنّي أعود لذكرهما مع إعادة موجزة للموضوع كله :

         مسح الوجه ، ومسح اليدين ، فتُمسَح اليدُ ظاهرُها أولاً وباطنُها ثانياً ، اليمين ثم الشمال ، والوجه من منبت الشعر إلى أسفل الذقن ، وعرضاً إلى شحمتي الأذنين ، وركناه مسح اليدين والوجه ، وسننه التسمية بسم الله الرحمن الرحيم ، والترتيب ، مسح الوجه ثم اليدين ، والموالاة ، الوجه  واليدان في وقت واحد ، وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب وإدبارهما ، ونفضهما ، وتفريج الأصابع ، وتأخير التيمم لمن يرجو الماء ، وطلب الماء إلى مقدار أربعمئة خطوة ، إن ظن قربه مع الأمن ، وإلا فلا ، ويجب طلبه ممن هو معه مِن المارة إن كان في محل لا تشح به النفوس ، أو يغلب على ظنه أن الناس لا يبخلون بالماء ، وإن لم يعطه إلا بثمن مثله لزمه شراؤه، إن كان معه فاضلٌ عن نفقته ، ويصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ، وصح تقديمه على الوقت ، يعني يجوز التيمم قبل دخول الوقت ، ولو كان أكثر البدن أو نصفه جريحاً تيمم ، وإن كان أكثره صحيحاً غسله ومسح على القسم الجريح ، ولا يجتمع غسل وتيمم ، وينقضه ما ينقض الوضوء ، ويضاف إلى النواقض ناقض آخر وهو القدرة على استعمال الماء الكافي ، أما مقطوع اليدين والرجلين فإذا كان في وجهه جراحة يصلي بغير طهارة ولا يعيد .

 

*   *   *

والآن إلى إحياء علوم الدين .

          طبعاً قد يسأل سائل ما حكمة تنوع الموضوعات ، تنوع الموضوعات يدفع السقم ، فنتحدّث في الفقه عشر دقائق ، على مدى الأشهر والسنوات فنتعلم كل شيء ، لكن لو أمضينا الوقت كله بالفقه لثقل ذلك على النفس ، والآن إلى صفات العلماء بالله تعالى ، وهنا صفحة يجب أن اقرأها لكم وأشرحها .

           من صفات العلماء بالله تعالى أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب ، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه .

           فهناك علم الظاهر ، رجلٌ وقف ليصلي فصلى صلاة صحيحة ،  وقف منتصبًا ، وقرأ وفق أحكام التجويد ، وركع مطمئناً ، وسجد مطمئناً ، فقد توافرتْ جميع الصفات الواردة في الصلاة الصحيحة ، لكن قلبه ساهٍ ، مشغول بالدنيا ، كل خواطره تواردتْ عن الدنيا ، وجميع المشكلات في الأسبوع تأتيه وهو في الصلاة ، لماذا لا تزوره أخته ، فما لها حق في عدم زيارته، وهنا انتهت الفاتحة ، وقال : ولا الضالين ، ثم تذكَّر أنها زارته من يومين ولم تجده، ثم قال : آمين ، أهذه هذه الصلاة ؟ ولو أنه طبَّق الشروط تطبيقًا ظاهريًا فإنها صلاة ، لكن هنا الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه يلفت النظر إلى أن علماء الآخرة ينبغي أن تكون عنايتهم منصبةً على تطهير القلب ، والالتفات إلى الله عز وجل ، وعلم الباطن .

          يقول : إن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة ، شيء جميل ، المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، أتحب أنْ تجرِّب فجرِّب ولا بأس ، اعمل عملاً صالحًا يكلفك شيئًا ثمينًا ، اخدم إنسانًا خدمة شاقة، امشِ معه عشر ساعات ، لا تبتغي بها إلا وجه الله ، زرْ مريضاً في أقصى المدينة ، اركب أول حافلة ثم الأخرى لبُعدِ المسافة ، وخذ له معك هدية ، وحدثه عن الله وارجع ، إنْ رأيتَ واحدًا بحاجة إلى مال ، فاقتطع جزءًا من مصروفك وادفعه له ، اعمل عملاً صالحًا حقيقيًا ، فستجد نفسك إذا قرأت القرآن تنهمر الدموعُ انهمارًا ، وتفهم شيئاً لم تكن تفهمه من قبل ، هاتان الكلمتان دقيقتان ، جاهِدْ تشاهِدْ ، شيء عجيب أن العلم بالله تعالى ثمنه ليس من جنسه ، بل ثمنه بعيد عن جنسه ، فغضُّ البصر ، وإنفاق المال ، وخدمة الناس ، والتودُّد إليهم ، وتقديم خدمات قيمة لهم ، والمساعدة ، والنصيحة ، وبذل الوقت رخيصًا ، وبذل الجهد سخياً ، وتقرأ القرآن فتنهمر الدموع، والفكر مفتوح ، والعقل متفتح ، تفهم عن الله أشياء لم تقرأها في تفسير ، هذا معنى قول الإمام الغزالي :" جاهد تشاهد " .

( سورة العنكبوت : 69 ) .

         هذه المعية لمن ؟ للمحسنين ، معية الله بتجلِّيه على قلبك ، فهذه المشاهدات القلبية التي اتصف بها الصوفيون لا تتأتَّى إلا بالمجاهدة ، بالِغْ في غضِّ البصر ، وبالغ في العمل الصالح ، ولا تنتظر أن يأتيك الناس ويطلبون منك عملاً صالحاً ، بل أنت ابحث عن عمل صالح ، وكل واحد منا لو بحث لوَجَد في انتظاره آلاف الأعمال الصالحة ، ألا يستطيع أن يزور مريضاً ؟ ألا يستطيع أن يقدم مساعدة ؟ ألا يستطيع أن يفعل معروفاً ؟ ألا يستطيع أن يخدم إنساناً ؟ ألا يستطيع أن يمشي في حاجة أخيه ؟ الأعمال الصالحة كثيرة جداً ، فلو أنك تتبعتها ، وبحثت عنها لوجدتها، فإذا فعلتها سعدت برضى الله عز وجل ، وإذا أردتم ملخص الملخص دون الغوص في متاهات العلوم الدينية ، ودون تضييع الوقت الثمين في علوم لا تنفع ولا تضر ، إذا أردتم أن تكونوا على جوهر حقيقة الدين فعليكم بالمجاهدة ، فإذا جاهدتم شاهدتُم ، هكذا يقول الإمام الغزالي.

            فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة ، ودقائق علوم القلوب تتفجر بها ينابيع الحكمة من القلب ، وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك .

           كتب فقط ؟ علوم عصرية تعارف الناسُ عليها ، هذا درس حقوق ، عنده أصول القانون ، تاريخ القانون ، قانون المقارن ، الأحوال الشخصية  الفرائض ، علم المواريث ، أصول المحاكمات ، درجات المحاكم ، أنواع الأحكام ، آداب القضاة ، فهذه علوم عصرية ، ثم دارس للفيزياء ، درس الفيزياء ، والكيمياء ، والحرارة ، والمغناطيس ، والضوء ، والكهرباء والطاقة ، والطاقة الذرية ، والكيمياء النووية ، ثم دارس للرياضيات ، درس الرياضيات الحديثة ، والرياضيات التقليدية ، والهندسة الفراغية ، والهندسة المستوية ، ثم اللغة العربية ، فهذا درس أصول اللغة ، وعلوم اللغة ، وتاريخ اللغة ، والنحو والصرف ، هذه كلها فروع الجامعة ، وكل فرع له مجموعة مواد ، وكتب تقرؤها ، وتفهمها ، وتحفظها ، وتلخصها ، وتذاكر فيها ، تأخذ درجة مقبول ، أو جيد ، أو امتياز ، فتنجح ، وتأخذ شهادة ، هذه أشياء كلها مبذولة للناس ، أما الهدى فغيرُ هذا الشيء ، فإذا  نزل الدينُ إلى هذا المستوى ، وصار كتبًا تقرأ ، وتُحفظ ، وتلخَّص، وتُفهم ، ويتكلم الناسُ بها في المجتمعات ، هذا مثقف ثقافة تاريخية ، وذاك مثقف ثقافة حقوقية ، وآخر مثقف ثقافة إسلامية ، وهذا دراسته بالفلك ، وذاك دراسته بالرياضيات ، وآخر دراسته بعلوم التجارة ، ويحمل بكالوريوس تجارة ، أو بكالوريوس بالمحاسبة ، هذا بالإعلام ، وذاك بالصحافة ، وغيرُه في الأدب ، وآخر في اللغة الأجنبية ، وهذا بالتاريخ ، وهذا في الجغرافية ، وهذا بالفلسفة ، وهذا بالشريعة ، نزلنا الدين العظيم إلى مستوى العلوم العصرية ، لكل مؤلفات ، وكتب ، وفهارس ، وتواريخ ، ومقررات ، وامتحانات ، الفصل أول ، والفصل الثاني ، والنتيجة جيد أو مقبول  أو امتياز ، وهذا مرقن قيده ، وآخر مفصول ، هذا يحمل شهادة في الشريعة ، أما الهدى فشيء آخر ، والهدى انضباط  ، وغض بصر ، وخوف من الله عز وجل ، فإنّ رأس الحكمة مخافة الله ، فلو قطعتَ رأس الثعبان مثلاً لمات ، فلو ألغيتَ خوف الله هل بقيت حكمة ؟ لا تبقى حكمة ، إذًا هذا  العلم بالله تعالى ، وثمنه المجاهدة ، ولتبقَ الآية في ذهنك : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " هذه آية يجب أن تحتلّ بؤرةً ذهنك دائماً .

        قال العلماء : أما الكتب ، والتعليم من خلالها فلا تفي بذلك ، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تنفتح بالمجاهدة ، والمراقبة ، ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة .

        قال لي صديق : كنتُ راكبًا سيارتي قادمًا من الزبداني الساعة الثانية عشرة ليلاً ، وجدتُ امرأة مع رجل وتحمل وعلى يديها طفل ،  وشعرت أنهما بحاجة لمساعدة فوقفت ، صعد الزوج وزوجته ومعهم طفل حرارته مرتفعة 40 ـ 41 درجة ، ويظهر أنهم غرباء ، كان ذلك في أثناء أحداث لبنان ، فأخذتهم إلى طبيب ، ومن الطبيب للصيدلي ، ومشفى من أجل ضرب الإبرة ، وقال : أربع ساعات أمضيتها في خدمة هذه الأسرة ، فوصل الساعة الرابعة إلى البيت مرهقًا ، ثم قال : أمضيت أسبوعين في سرور عارم ، وكأنني في الجنة ، ولما أُصلي أشعر كأنني محلِّق في جوِّ السماء ، ولما أقرأ القرآن أشعر كأنني أفهم القرآن كلمة كلمة وحرفًا حرفًا ، وهذا شيء ثابت حقًّا ، والتجربة أكبر برهان ، فابحث عن عمل صالح وافعله قربة إلى الله عز وجل ، ثم انظر كيف أن الله عز وجل يفتح قلبك لمعرفته ، ويتجلى عليك بالسكينة ، والطمأنينة وتحس أنك إنسان آخر ، هذا ملخص الكلام ، واسمعوا هذه الكلمة .

قال : فكم من متعلم طال تعليمه ، ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة .

              نسأله : ما تفسير هذه الآية ، يقول : واللهِ سأراجع كتب التفسير   ، طيب وهذه الآية ، يقول : والله نسيتُ تفسيرها ، وسأرى ماذا قال عنها العلماء ، رَجَعَ بعد حين وقال : واللهِ قال البيضاوي مثلاً كذا وكذا ، حسنًا وهذه الآية التي في زيد ، قال : واللهِ إنّ سيدنا رسول الله شاهد السيدة زينب في وضع متبذِّل فأعجبه حسنُها ، قال : سبحان الله ، فسمعتْه ، فحدثت زيداً فكرِهها ، فنوى طلاقها ، هكذا قالوا عن رسول الله في التفسير ، أعوذ بالله ، أهذه أخلاق رسول الله ، فإذا كان الشخصُ لا معرفة له برسول الله ، وقرأ في التفسير كلامًا مغلوطًا ، أفيصدِّقه ؟ فليحذرِ المسلم المؤمن مِن التقوُّل على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ، فهو وإياهم قمّة الهرم البشري .

عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ * .

[ أخرجه مسلم ]

        أنتَ لك عقلٌ ، ولا بد لك من موقف ، فلو قال المفسر : إنّ القصة هذه هكذا رواها الطبري ، أَأُعفِي من الإثم ، لا ، كيف قبلتها ؟ وكيف صدقتها .

        قال العلماء : وكم من مقتصر على المهم في التعلم ، ومتوافر على العمل ومراقبة القلب ، فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار به عقول ذوي الألباب .

        فإذا تعلم الإنسان الأساسيات ، والتفتَ إلى قلبه ، ولعمله الصالح  ومجاهدة نفسه وهواه ، فتح اللهُ عز وجل على قلبه من معاني كتاب الله ما تحار به الألباب ، وهذا الشيء ليس مبذولاً لواحد فقط ، بل هو لكل واحد منكم ، وهذه عظمة الإسلام ، لا أحد أحسن من أحد ، فالتفاضل في درجات الإيمان فقط ، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ، وكل من سار على هذا الدرب وصل إليه وإلى هدفه ، وأعظم الأهداف مبذولةٌ لكل مسلم  ،ليس في الإسلام طبقة رجال الدين ، وطبقة بعدهم ثانية ، وطبقة وسطى ، لا شيء مِن هذا ، بل كل مسلم مفتوح أمامه الباب ليصل إلى أعلى مستوى في الإيمان ، قال عليه الصلاة والسلام : مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرًثَهُ الله عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *.

         الحديث الأخير في هذا الموضوع ، قال الإمام علي رَضِي اللَّه عَنْه : القلوب أوعية ، وخيرها أوعاها للخير ، إما أكثرها سعةً ، أو أكثرها وعياً ، وخيرها أوعاها للخير ، والناس ثلاثة ، عالم رباني ، يعني يستمد علمه من الله عز وجل .

( سورة البقرة : 282 ) .

( سورة التغابن : 11 ) .

( سورة الأنبياء : 79 ) .

إلا أن يؤت فهماً في كتاب الله ، هذا نص قرآني " ففهمناها سليمان" وهذه آية ثانية " واتقوا الله ويعلمكم الله " وهذه آية أخرى " ومن يؤمن بالله يهد قلبه" هذه آيات مِن القرآن الكريم تؤكد أن الله سبحانه وتعالى إذا رأى من عبده صِدْقاً في طلبه فتح قلبه لمعرفته .

          لذلك قال أحد العلماء الكبار وقد دخل إلى مسجد فرأى فتًى يحدث الناس ، والناس مقبلون عليه ، فرأى إقبال الناس على هذا الفتى مما يحط من قدره هو ، فهو العالم الكبير ، الذائع الصيت ، العالم العلامة الحبر الفهامة ، وحيد عصره ، فريد زمانه ، رأى فتى صغيرًا ، لا يعرفه أحد ، والناس مقبلون عليه إقبالاً شديداً ، فأراد أن ينتقص من شأنه ، فقال : واللهِ يا فتى ما سمعنا بهذا الكلام ، من أين جئت به ؟ فقال الفتى على مسمع الناس جميعًا : يا شيخ أتعلمت كل العلم ؟ قال : لا ، فقال الفتى : أتعلَّمتَ جله ؟ قال : لا ، فقال الفتى : أتعلمتَ نصفه ؟ فخجل ، وقال : نعم ، قال له : هذا من النصف الذي لم تتعلمه إذًا ، فقال هذا العالِم : والله ما ندمت على قول قلته في حياتي كندمي على قولي لهذا الشاب : يا فتى ما سمعت بهذا الكلام .

            والإنسان حين يعرف أن العلم بحرٌ ما له نهاية ، يتواضع ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه علم فقد جهل ، عالم رباني  ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع ، أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، فاحذر يا كميل أن تكون منهم ، إياك أن تكون منهم ، فالناسُ ثلاثة أصناف الناس ؛ عالم رباني ، ومتعالم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع ، أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، فاحذر يا كميل أن تكون منهم ، العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة  والعلم يزكو على الإنفاق ، العلم دين يدان به ، العلم دين ، تكتسب به الطاعة في الحياة ، وتكتسب به جليل الأحدوثة بعد الممات ، العلم حاكم ، والمال محكوم ، ومنفعة المال تزول بزواله ، فإذا فلَّس إنسان فجأة وأُخِذتْ أمواله منه فقد زالت كل منافع المال ، أما منافع العلم فلا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يسلبها منك ، مات خزان المال وهم أحياء ، وهم في قمة حياتهم ، وأوج شبابهم ميتون  كما قال الله تعالى :

( سورة النحل : 21 ) .

             همُّهم بطونهم ، وقبلتهم نساؤهم ، والدنيا أكبر همهم ، ومبلغ علمهم ، يغضبون لزوالها ، ويرقصون طربًا لمجيئها ، وهم في غفلة عن الموت ، يأتيهم بغتة فيصعقهم ، مات خُزان المال وهم أحياء  والعلماء أحياء باقون ما بقي الدهر .

            ثم قال الإمام علي كرم الله وجه : إن ها هنا علما جمًّا ، آه لو وجدت من حمله ، بل أجد طالب غير مأمون ، يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا ، انظر إلى هذا الصنف الخطير ، يريد الدنيا ، يريد الطعام والشراب ، والمال ، والوجاهة ، عن طريق الدين ، ويستطيل بنعم الله على أوليائِهِ ، ويستظهر بحججه على خلقه ، هذا صنف ، صنف أراد الدنيا عن طريق الدين .

          الصنف الثالث : " أو مناقض لأهل الحق" ، لكن يُزرع الشك في قلبه لأول عارض ، مثلاً هو مع هذا العالم خمس سنوات ، ثم قرأ مقالة في مجلة فيها : " أنهم عرفوا جنس الجنين ذكر أم أنثى "، فالمعنى عنده أنّ القرآن ليس صحيحًا ولا صوابًا ، وأنّ الدينَ خَلْط ، فهذا الإنسان ضعيف التفكير ، فأولُ شخصٍ ذكيٌّ ، لكنه استخدم ذكاءه لاغتنام الدنيا عن طريق الدين ، وهذا غير مأمون ، أما الثاني فليس عنده هذا الخبث ، لكنه محدود التفكير ، يشك في الأمور بسرعة ، هذا النوع الثاني لا بصيرة له ، وهو لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء ، والثالث : أو موهوماً باللذات ، سلس القياد إلى الشهوات .

         الصنف الرابع : مغرماً بجمع الأموال والادخار ، فهؤلاء جميعاً أقربُ شبهٍ بهم الأنعامُ السائمةُ ، اللهم هكذا يموت العلم ، إذا مات حاملوه ، ثم لا تخلو الأرض من قائم لله بحُجَّةٍ ، إما ظاهراً مكشوفاً ، أو مستتراً مقهوراً ، هذا إما مشهورٌ ، وإمّا مغمورٌ ، لكيلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته ، وكم هؤلاء الصادقون ؟ وأين أولئك ؟ هم الأقلون عدداً ، والأعظمون قدراً ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، يحفظ الله بهم حججه ، حتى يودعوها مَنْ وراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هَجَمَ بهم العلمُ على حقيقة الأمر ، فباشروا روح اليقين ، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون ، يعني رضوا ببيت صغير ، بفراش غير وثير ، بطعام خشن، بثياب قليلة ، بأدوات متواضعة .

         مال ، وسيارة فخمة ، وبيت فخم ، فقط ، هذه كل أهدافنا ، أما أنْ يدرك أنّ هناك في آخرة ،راجع إلى إله عظيم ، أسماؤه حسنى ، خالق الكون العظيم ، هذه أشياء لا تعنينا أبداً ، سبحان الله " أموات غير أحياء".

        لكنْ هناك مَن صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، أولئك أولياء الله عز وجل من خلقه ، وأمناؤه ، وعماله في أرضه ، والدعاة إلى دينه  ثم بكى وقال : وا شوقاه إلى رؤيتهم .

       لا تخلو الأرض من صادقين ، معهم الحجة ، مخلصون في دعوتهم إلى الله عز وجل ، مترفعون عن الدنيا ، صغرت أم كبرت .

 

*    *    *

 

وبعد فإلى بعض الأحاديث الشريفة :

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ *.

[ أخرجه ابن ماجه ] .

هذا مبدأ عام ، فالإنسان يأتي ببضاعة يبيعها بسعر معتدل ، ويربح منها ، ثم يأتي بغيرها ، فهذا مرزوق ، هذا الإنسان ماذا يفعل ؟ يخفف عن المسلمين أعباء الحياة ، ويسهم في خفض الأسعار، يجلب البضاعة ويبيعها ، ويجلب غيرها ويبيعها ، لماذا باعها سريعاً ؟ لأنه ربح فيها ربحًا معقولاً ، وسعره معقول ، بضاعة جيدة ، تهافت الناس عليها فاشتروها ، هذا اسمه جالب ، وهذا الجالب مرزوق ، فأحد كبار الصحابة ، وربما كان أغنى الصحابة سئل : كيف حصَّلتَ هذا المال؟ فقال : لم أبِعْ دَيْناً ، ولم أستقلَّ ربحاً ، فمهما ربحتْ الحاجةُ يبيعها ، لكنّ التاجر الآن يصفن ، يريد أنْ يحل مشاكله بالبضاعة هذه ، فيخطِّط ليبيعها بربح فاحش ، فتُحَلّ فيه مشاكله كلها ، فالذي يجري أنه عندما رفع السعر قلَّ الشراء ، وحدَث تضخم نقدي ، فصار الناسُ طبقة غنية ، وطبقة فقيرة ، ونشأت مشاكل ، ناس من دون دخل ، فبحثوا عن أساليب غير مشروعة للدخل ، كل هذه الأمراض ، ربما سببها ارتفاع الأسعار ، هذا الجالب الذي يشتري ويبيع ، ويشتري ويبيع ، يسهم في خفض الأسعار ، ويسهم في خفض مستوى المعيشة ، وفي توفير الحاجات للناس ، ويسهم في الرخاء الاجتماعي ، طبعاً على قدر إمكاناته ، وله نيته دائماً ، في الإسلام عندنا قاعدة " فاعل الخير خيرٌ منه" ، أي الفاعلُ للخير خيرٌ من الخير ، وهذه النفس التي أرادت الخير ، والخير مهما كان له حجم فهناك أعظم منه ، فاعل الخير خيرٌ من الخير ، فأعظم من الخير أن تفعل الخير ، هذه النفس الراقية  التي تحب الخير للناس ، يقلقها شقاُء الناس ، هناك أشخاص إذا سَكَنَ أحدُهم في بيت فخم، فليَكُنْ من بعده الطوفان ، بينما تجد شخصًا يتألم لوجود هذه الأزمة ، ويتألم آخرُ لأن بعض الناس باحتكار البيوت يؤخِّرون الزواج ، علمًا بأنّه عندنا فتيات كثيرات في سن الزواج ، وهذا الزواج معطل  بسبب عدم وجود بيت ، وبعض الأشخاص يتهم أسرته لبساطتها وقناعتها ، وإنّ الله عز وجل زرع في قلب كل أبٍ وكل أمٍّ عطفًا على الأولاد ، وهذا من دون جهد ، وهذه فطرة الله ، حتى المرأة الكافرة الملحدة تخشى على أولادها ، لكن النبي الكريم أثنى على من كان في قلبه رحمة عامة للناس ، هذه الرحمة العامة كسبية ، تكسبها بالصلاة ، فلو كانتْ أمورك الذاتية محلولة ، لما كنتَ مرتاحًا حتى تزولَ مشكلات الناس ، فالجالب مرزوق ، والمحتكر ملعون ، لأنه لا يهمه إنْ حُرِم الناسُ من هذه المادة ، وارتفعت أسعارها إلى درجة أصبحت قلّةٌ قليلة من الناس يشترونها ، فحرم منها الجميع ، والأطفال لا يدركون هذه الناحية ، فيشتهون و يلحُّون على الآباء الذين يتألَّمون لعجزهم عن الشراء ، والبائع لا يهمه الأمر ، وكلُّ همِّه الربح ، فيرفع سعر البضاعة ، وإذا لم يحقق ربحًا فاحشًا فلنْ يبيعها ، إذْ ليس لديه رحمة .

         واللهِ ذات مرة حدّثني شخص بقصة دمعت لها عيني ، مضمونها : طفل صغير وقف عند بائع فول ، وقال له : أريد صحن فول ، معه ربع ليرة ، والصحن ثمنُه ليرتان ونصف ، قال له : ادخُلْ وتفضل ، ووضع له صحنًا عاديًا ، بالبندورة والزيت والحمض ، كما وضع له مقبِّلات، فقال شخصٌ جالسٌ : ما هذا ؟ كلُّه بربع ليرة ، قال له صاحبُ المحل : طفلٌ اشتهى أنْ يأكل فولاً ، أَأَدَعُهُ من دون فول ؟! أَكُلُّ الربح ماديٌّ ، هنا نقطة الخلاف ، الناس يقيسون الربح فقط بالمال ، أَكُلُّ الربح مال ، هناك تجليات تتنزل على قلب الإنسان إذا فعل خيراً لا يعلمها إلا الله .

           سائق سيارة أجرة وقف لإنسان مقطوع ، ليس معه إلاّ مبلغ يسير ، فأخذه ولم يدعْه مقطوعًا ، أَكُلُّ الربح مال ؟ لا ، ليس كل الربح مالاً ، فبعض الربح سكينة في القلب ، يستحقها صاحب المعروف ، لذلك فعلى الإنسان ألاّ يضنَّ بمعروفه على أحد ، قال له : ادخلْ وكُلْ فولاً ، قال له : اشتهى أن يأكل فولاً ، أفأدَعُه من دون فول ، وأخذ منه ربع ليرة ، وأشعَرَ الولدَ أنه دفع ثمن الفول ، وشعَر صاحبُ المحلِّ أنّه أخذ ثمن الفول ، فالجالب مرزوق ، والمحتكر ملعون .

 

*    *   *

قصة قصيرة عن عبد الله بن أم مكتوم :

لا شك أنكم جميعاً تعرفون أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عوتب به ، فكلما رآه يقول : أهلا بمن عاتبني به ربي .

          قال : لما ضيَّقتْ قريش على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والذين آمنوا معه واشتد أذاها لهم ، أِذن اللهُ للمسلمين بالهجرة ، فكان عبد الله ابن أم مكتوم أسرَع القوم مفارقةً لوطنه ، وفراراً بدينه ، فقد كان هو ومصعب بن عمير أول من قدما المدينة من أصحاب رسول الله .

          عبد الله بن أم مكتوم فاقد البصر ، حكمة ربنا أن الله سبحانه وتعالى جعل صحابيًّا جليلاً عظيم الشأن فاقِدَ البصر ، لماذا ؟ ليؤكد لنا أن طريق الجنة مفتوح لكل الناس ، حتى من فقدوا أبصارهم ، وقد يبلغون أعلى المراتب ، وما أنْ بلغ عبد الله يثربَ حتى طفِق هو وصاحبه مصعب بن عمير يختلفان إلى الناس ، ويقرئونهم القرآن ويفقهانهم في دين الله ، لقد كان نشيطًا ، ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة اتخذ عبد الله بن أم مكتوم ، وبلال بن رباح مؤذنين ، سيدنا بلال ، وعبد الله بن أم مكتوم صارا للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤذنين ، يخضعان لكلمة التوحيد كل يوم خمس مرات ، ويدعوان الناس إلى خير العمل ، ويحضانهم على الفلاح ، فعَمَلُ المؤذن عملٌ عظيم ، حتى إن بعضهم قال في قوله تبارك و تعالى :

( سورة فصلت : 33 ) .

            إنَّ الآية تعني " الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله " إلى تمام الأذان ، فهذه دعوة إلى الله ، فكان بلال يؤذن ، وابن أم مكتوم يقيم الصلاة ، وربما أذن ابن أم مكتوم وأقام بلال الصلاة ، وكان لبلال وابن أم مكتوم شأن آخر في رمضان ، فقد كان المسلمون في المدينة يتسحرون على أذان أحدهما ، ويمسكون عند آذان الآخر ، فصار أذانٌ قبل الفجر ، وهو لتذكير الناس بوقت السحور ، وأذان للإمساك ، وكان بلال يؤذن بليل ويوقظ الناس ، وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه ، وقد بلغ من إكرام النبي عليه الصلاة والسلام لابن أم مكتوم أن استخلفه على المدينة ، فجعله أميرًا عليها في غيبته ، أكثر مِن مرّةٍ ، كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة ، وفي أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه من آيات القرآن ما يرفع شأن المجاهدين ، ويفضلهم على القاعدين ، لينشط المجاهد إلى الجهاد ، ويأنف القاعد من القعود ، فأثَّرَ ذلك في نفس ابن أم مكتوم ، إذْ لا يقوى على الجهاد ، والآيات كلها تحضُّ على الجهاد ، وتغضّ من شأن القاعدين  المتخلفين ، فقال : يا رسول الله ، لو أستطيع الجهاد لجاهدت ، ثم سأل الله بقلب خاشع، أن ينزل قرآنًا في شأنه ، وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد ، وجعل يدعو في ضراعة :" اللهم أنزل عذري ، اللهم أنزل عذري "، فنزل القرآن بآيات تتحدث عن أناس يحبون الجهاد ولا يقوون عليه .

         فحدّثَ زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله ، فقال : كنت إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام فغشيَتْهُ السكينة ، وثقل رأسه ، ثم سُرِّيَ عنه فقال : اكتُبْ يا زيد :

( سورة النساء : 95 ) .

لا يستوون ، فالقاعد مرتاح مسترخٍ ، لا يريد أن يعمل ، فلا يستوي هذا مع المجاهد ، فقام ابن أم مكتوم وقال : يا رسول الله ، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ، قال سيدنا زيد : فما قضى كلامه ، حتى غشيتْ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السكينةُ ، ثم سُرّي عنه فقال : اكتب يا زيد :

قال هذه كتبتها ، قال اكتب :

           إلا إذا كان هذا من أصحاب العاهات ، فهو مستثنى من هذه الآية ، ومن هذه القاعدة ، فنزل الاستثناء الذي تمنَّاه ابن أم مكتوم ، وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى أعفى عبد الله بن أم مكتوم وأمثاله من الجهاد ، فقد أَبَتْ نفسُه الطموحُ أن يقعد مع القاعدين ، وعقد العزم على الجهاد في سيبل الله ، ذلك لأن النفوس الكبيرة لا تقنع إلا بكبار الأمور ، وغريب حقًّا كيف سيجاهد وهو لا يرى بعينه ، اتخذ لنفسه وظيفة ، فكان يقول أقيموني بين الصفين ، وحمِّلوني اللواء أحمله لكم وأحفظه ، فأنا أعمى لا أستطيع الفرار ، لقد قَبِلَ أنْ يمتطيَ ظهرَ فرسٍ ، ويحمل راية الجهاد  دون أن يرى ، وفي السنة الرابعة عشرة للهجرة عقَد عمر بن الخطاب العزمَ على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة ، تزيل دولتهم ، وتزيل ملكهم ، وتفتح الطريق أمام جيش المسلمين ، فكتب إلى عماله يقول :

لا تدعوا أحدًا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا وجّهتمُوه إليَّ والعَجَلَ العَجَلَ ، وطفقت جموع المسلمين تلبِّي نداء الفاروق ، وتنهال على المدينة من كل حدب وصوب ، وكان في جملة هؤلاء المجاهدين مكفوف البصر عبد الله بن أم مكتوم ، فأمَّر الفاروقُ على الجيش الكبير سعدَ بن أبي وقاص ، وأوصاه وودعه ، ولما بلغ الجيش القادسية برز عبد الله بن أم مكتوم لابسًا درعه ، مستكملاً عدَّته ، وندب نفسه لحمل راية المسلمين ، والحفاظ عليها ، أو الموت دونها ، والتقى الجمعان في أيام ثلاثة قاسية عابسة ، واحترب الفريقان حربًا لم يشهد لها التاريخ مثيلاً ، حتى انجلَى اليومُ الثالث عن نصر مؤزَّر للمسلمين ، فزالت دولة من أعظم الدول ، وزال عرش من أعرق العروش ، ورُفِعتْ راية التوحيد في أرض الوثنية ، وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء ، وكان من بين هؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم ، استُشهِد في معركة القادسية وهو كفيف البصر .

         فهذه القص سُقْتُها لكم ، ليَعلم القاصي والداني أنّه ليس مِن عقبة تقف أمام المسلم ، حتى لو فَقَدَ بصره ، ومع ذلك فباب الجنة مفتوح ، فإنْ كان بالمسلم ضعفٌ في جسمه ، أو أحد أعضائه ، كأنْ يكون لا يرى بعينيه جيداً ، أو أنّ ماله قليل ، أو نحو ذلك ، فباب الله عز وجل مفتوح على مصراعيه ، وكلما سِرتَ في طريق الله عز وجل ازددتَ حبًّا وشوقا واندفاعا ومجاهدة .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi