English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس رقم 14 / 33 – الفقه الإسلامي - الصلاة  :   لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي. 

الموضوع            :  صلاة الضحى وصلاة الحاجة - إحياء الليالي

تفريــــــغ    :   السيد لؤي الراعي  .

تنقيح                :  الأستاذ محمد موسى حلوم .

تنقيح نهائي         :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم

          الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

        أيها الأخوة المؤمنون : تابع فصل تحية المسجد ، وصلاة الضحى ، وإحياء الليالي ، وكنا قد وصلنا في الدرس الماضي إلى صلاة الحاجة ، وتحدثنا عن أن الإنسان إذا واجه مشكلة عويصة وظنها كبيرة قام الليل ، وصلى ركعتين صلاة الحاجة ، فإن الله قدير على حل هذه المشكلة المعضلة ! وقال مؤلف الكتاب : ونُدِبَ إحياء العشر الأخير من رمضان ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن :

     عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ ، أَحْيَا اللَّيْلَ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدّ ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ .

(صحيح مسلم)

     والقصد منه إحياء ليلة القدر ، فإن العمل فيها ، خير من عمل في ألف شهر خالية منها ! وروى أحمد عن النبي الكريم أنه :

       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ، وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ *

(مسند الإمام أحمد)

      وقد بَسَطْتُ هذا في دروسٍ سابقة من أن ليلة القدر معناها : أن معرفة الإنسان بربه بلغت الحدَّ الذي يخشاه منه ، فأي إنسان يعصي الله سبحانه وتعالى لا يعرف ربه ، فإذا عرفه حق المعرفة فإنه يطيعه ، وإذا قدّر الله عز وجل تقديراً صحيحاً فإنه لا يعصيه ، فلا عبادة كالتفكر ، التفكر يفضي إلى الطاعة !

ونُدِبَ إحياء ليلتي العيدين ، الفطر والأضحى ، لحديث النبي الكريم :

       عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ ، لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ *

(سنن ابن ماجة)

ويستحب الإكثار من الاستغفار بالأسحار ، وسيد الاستغفار :

 " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعـوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك عليّ ، وأبوء بذنبي ، أي أعـترف بنعمتك يا رب ، وأعترف بذنبي ، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت "

     والدعاء في إحدى ليلتي العيدين مستجاب ، ونُدِبَ إحياء ليلة النصف من شعبان ، لأنها تكفَّر ذنوب السنة ، ونُدِبَ إحياء ليلة الجمعة .

فمعنى الإحياء إذا أردنا أن نتوسع فيه : إذا جلس الإنسان بعد العشاء بعض الوقت ، وقرأ كتاب الله ، وذكر الله عز وجل ، ودعا إلى الله ، وتذاكر مع إخوانه المؤمنين في بعض موضوعات الإيمان ، وتفكَّر في بعض الآيات الكونية ، وإذا زاد عن العشاء ، أو قام قبل الفجر فهذا عند الله إحياء ، لا أن تفهموا مني أن الإحياء أن لا ينام الإنسان أبداً هذا جسد وله حاجات .

      حَدَّثَنِي عبد الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عبد الله أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَلا تَفْعَلْ ، صُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا *

(صحيح البخاري)

       فهذه المرأة التي جاءت سيدنا عمر رضي الله عنه قائلة له " : يا أمير المؤمنين إن زوجي قوّامٌ قوّامٌ ، سيدنا عمر  يبدو أنه مشغول فظن أنها تمدحه ، فقال : بارك الله لك فيه ! قوّام في النهار ، قوّام في الليل ، سيدنا علي رضي الله عنه قال : يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها ! فانتبه سيدنا عمر ، و قال : يا أبا الحسن إن كنت فهمت هذا فاحكم بينهما ، فأخذ الإمام علي كرم الله وجهه ، أن الإنسان المؤمن المسلم يحق له أن يتزوج أربع نساء ، فإذا تزوج أربع نساء نصيب الواحدة منهن ليلة في الأربع ليالٍ ! فحكم سيدنا علي لهذه المرأة أن يتفرغ لها ليلة في كل أربع ليالي ، فلما بلغ عمر بن الخطاب هذا الحكم أُعجِب به"

حكم صحيح .

فإذا قلنا : إحياء الليالي يعني إحياء تام من دون نوم إطلاقاً هذا لا يتحمله الإنسان ، ولكن يتحمله في العام مرات عديدات ، أما هنا نُدِبَ إحياء ليلة الجمعة أي طوال ليلة الجمعة لم ينم ، وإذا جاء إلى الخطبة ينام في المسجد ، فمعنى الإحياء زاد عن الحد المعقول ، وزاد عن العشاء جلسة ، وإذا الإنسان سَهِرَ مع إخوانه المؤمنين في موضوع ديني فهذا إحياء ! قام قبل الفجر ، وصلى ركعات ، فهذا إحياء !

ونُدِبَ إحياء ليلة النصف من شعبان ؟ لأنها تكفّر ذنوب السنة ، وليلة الجمعة لأنها تكفر ذنوب الأسبوع ، ولكن يوجد هنا نقطة دقيقة : إذا ظن أحدكم أن عنده رصيداً ناجحاً يقوم بفعل الذنوب طوال الجمعة ويكفرها الخميس ، يقوم بفعل الذنوب أثناء العام وفي شهر شعبان القادم على الطريق نكفر به عن ذنوبنا ، هذا فهم ثقيل ، ومغلوط ، فيما لو صدر من إنسان ذنب من دون قصد أو تصميم أو من دون إرادة أو من دون رغبة ، فإن جلسة إحياء هذه الليالي يشفيه من هذا المرض الذي سبب له الوقوع في الذنب .

      وقد قال عليه الصلاة والسلام :

      " من أحيا الليالي الخمس ، وجبت له الجنة ، ليلة التروية ، وليلة عرفة ، وليلة النحر ، وليلة الفطر ، وليلة النصف من شعبان "

      وقد قال عليه الصلاة والسلام :

    عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَـالَ : مَنْ قَامَ لَيلَةَ النِصْفِ مِنْ شَعْبَانْ ، ولَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ ، لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ *

(سنن ابن ماجة)

نقطة دقيقة : وعن ابن عباس رضي الله عنه قال :

        عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ *

(مسند الإمام أحمد)

    هذا الذي قلته قبل قليل ، إذا الإنسان استيقظ الساعة الخامسة أو الرابعة والنصف في هذه الأيام وصلّى قيام الليل ، وذهب إلى المسجد فهذا قيام ليل ، أي أحيا هذه الليلة ، وإذا كان بعد العشاء عنده موعد ، في موضوع في ذكر في مذاكرة فيه قرآن فيه مذاكرة للحديث الشريف .. فهذا مجلس إن ذُكِرَ بعد العشاء فهذا إحياء ! فالنبي الكريم كان رؤوفاً بأمته ، وهناك أشياء لم يفعلها ، كان صائماً في السفر فأفطر ، فهل شعر بحاجة ماسة للطعام ؟ أنا أظن قد يكون لا، ولكن لماذا أفطر ؟ لئلا يشق على أمته ، وهناك بعض السنن التي تركها ثم فعلها ، ليست مؤكدة ، أليس بإمكانه فعلها ؟ نعم بإمكانه ، لكن عمله تشريع ، ومخالفة التشريع معصية ، لا أنسى المرأة التي جاءت النبي عليه الصلاة والسلام ، تشكو زوجها ، فقال النبي الكريم لها :

      عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ : مُغِيثٌ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ : يَا عَبَّاسُ أَلا تَعْجَبْ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ ، بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ ، قَالَتْ : فَلا حَاجَةَ لِي فِيهِ *

(سنن النسائي)

     لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ أي لو أنك ترضين بما يقول ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي  أمرك منفَّذ ، ومعصية أمرك معصية ،  قَالَ : لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ ، ما رضي النبي الكريم أن يضع مقامه مقام الرسالة مقام النبوة في الضغط على زوجة ،  قَالَ : لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ ، ولو أنني أمرتك لوجب التنفيذ ، ولكانت المخالفة معصية كبيرة ،  قَالَ : لا إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ .

     عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ ، فَهُوَ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ *

(مسند الإمام أحمد)

     فإذا الإنسان استيقظ قبل الفجر ، وتوضأ وذهب إلى المسجد ، إلى أين هو ذاهب ؟ سؤال؟ إنه ذاهب إلى الله ! إني ذاهب إلى ربي ، ليس شيئاً سهلاً ، لا يوجد طعام ولا شراب ولا دعوة ، لا شيء في المسجد إلا الصلة بالله عز وجل ، والصلة في بيته أشد و أوكد ، فإذا صليت الفجر في جماعة فكأنما أحييت الليل كله .

    سبحان الله عندما يعتاد الإنسان صلاة الفجر في جماعة تنقلب هذه الصلاة إلى عادة ثابتة فمن عاداته ، أنه ينام الساعة الواحدة ويستيقظ الرابعة والنصف ، وينام الساعة الثانية ، ويستيقظ في الرابعة والنصف ، يكون مسافراً فيستيقظ بالرابعة والنصف ، ويكون متعباً فيستيقظ الرابعة والنصف ، الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب .

        خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا ، فَقَالَ : أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ ، وَلا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ ، وَلا يُسْتَشْهَدُ ، أَلا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ، عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ ،  مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ

(سنن الترمذي)

        رجل يصلي وحده ، أبقى نائماً ، الله غفور رحيم ، لست مرتاحاً ، يأتي جسدك معلومات من الشيطان معقولة ، لو قمت للصلاة لن تفهم شيئاً منها لأنك نعسان ، أما إذا كان عوّد نفسه على الصلاة في جماعة ، لحصل وضع آخر ، أصبحت هذه الصلاة راسخة .

       أخوة كثيرون يقولون لي : بعد أن صلينا الفجر في جماعة ، أصبحت هذه الصلاة جزءاً من حياتنا ، فلو أن مرة واحدة فاتتنا هذه الصلاة لتعكّر يومنا كله ! وكأنهم فقدوا شيئاً ثميناً ، "لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس ، أكفك النهار كله .

       فإذا الإنسان توضأ وارتدى ثيابه وتوجه إلى المسجد ، إلى أين هو ذاهب ؟ إلى الله ، إذا كان قد جاء من مكان بعيد ، من طرف المدينة ، إلى المسجد فشيء ثمين هذا ! والأجداد قالوا : رحمهم الله الثواب على قدر المشقة ! أخ يجلس معنا هنا قد قَدِم من دوما من حرستا من زملكا من عربين من جوبر ، ركب الباص الأول والثاني ، و الباص لا يوجد فيه محلات، وانتظر ، وتحمل منه الطريق ساعة ونصفاً حتى وصل ، وعنده ساعة ونصف للعودة ، والله هذا أجره لا يمكن أن يكون مثل الذي يسكن أمام الجامع ، لا يمكن والله ! رب العالمين والله يقدر الليل والنهار ، يقدر المسافات ، ويقدر أزمة المواصلات ، و الركوب في الباصات ، ويقدر دفع المبلغ الكبير للتكسي مثلاً ، وجدت نفسك تأخرت فأخذت تكسي ، فطلب منك تسع ليرات ، كثيرون عندنا لو لم تأتِ إلى هذا المسجد ، والله يقدر الليل والنهار كله بقدر ، يقدر حجم التضحية تماماً ، وأحياناً تكون على أحر من الجمر ، وأحياناً يكون عندك موسم شديد جداً تقول : وقت الله مقدس ، لا أعتدي عليه ، توقف العمل وتتوجه إلى المسجد ، حق على الله سبحانه وتعالى أن يكرمك ، أنا أعتقد وجازم بهذا القول إذا أغلقت المحل قبل الوقت المعتاد كي تتوجه إلى مجلس العـلم ، أنا أعتقد جازماً والله الذي لا إله إلا هو لا يمكن أن تفوتك بيعة ، هذا الذي يأتـيك ويراك قد أغلقت الدكّان سبحان الله يتعلق بهذا المحل ، ويقول: غداً آتيه ، و جارك الملاصق يكون عنده نفس البضاعة ، فيريد من عندك .

       والله عز وجل يلفت نظر الناس إليك ، ويجعل قلوب الناس تهوي إلى هذا المحل ، إنه مغلق وجاره لديه البضاعة نفسها ، لا لأن هذا أغلق محله ليتوجه إلى المسجد فهو في حفظ الله ، وهذا الشاري لن يشتري من عند غيره ، أنا أرى محلاً يبيع عصيراً في سوق الحميدية أذّن الظهر فأغلق محله ، ينتظر الزبون نصف ساعة ليأتي البائع ، اذهب وصلِّ معه ينتظره حتى يعود من الصلاة ليسقيه كأساً من العصير ! فالله عز وجل بيده قلوب العباد ، وأنا أقول لكم كلام أعني ما أقول تماماً : مثل ما ربنا عز وجل أمرنا بـزكاة المال ، أيضاً أمرنا بزكاة الوقت .

         وأنا قلت اليوم لأخ : أحياناً ينكسر برغي وسط آلة ، تنكسر طابته فتجد نفسك لا يوجد حل ، حتى تفك هذه الآلة وتأخذ لها سيارة إذا كان حجمها معقولاً أو تأخذ لها ونشاً ، أو لمحل ليضعوا عليها ملحمة يلحمون عليها البرغي ، يفكو البرغي ، وقد تأخذ من وقتك عشر ساعات أو عشرين ساعة ، أو ثلاثين ساعة ، وأحياناً تنكسر قطعة بآلة تضطر أن تسافر لبلد آخر لتحضر مثلها ، الله عز وجل قادر أن يضيع من وقتك مئات الساعات ، عدا النفقات ، فلو أنك اقتطعت من وقتك الثمين وقتاً لله عز وجل ، لا تحيد عنه ، لوفّر الله لك وقتك ، ولبارك الله في حياتك .  وأذكر حديثاً آخر :

       عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ذَرٍّ . كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أَدْرَكْتَ أُمَرَاءَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا ؟ قُلْتُ : مَا تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا ، وَاجْعَلْ صَلاتَكَ مَعَهُمْ نَافِلَةً *

(سنن الدارمي )

 أنه من أخَّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره !

     أحياناً يجلس الرجل ليسهر مع أهله صلاة العشاء فلا يصليها ، شيء يزعجه ، لا يهنأ بقصة ، ولا بحديث ، ولا بقراءة مقالة ، إذا فضّل الجلوس مع أهله ويقرأ لا يهنأ لأنه لم يصل العشاء ، أصبحت الساعة الحادية عشرة نَعِسَ فقام للصلاة بكل نفس ذائقة الموت ! إذا كان الإنسان نعسان لا يصلي فليرقد قليلاً حتى يصحو ، إذا كان سيصلي وهو في تعب شديد ليست صلاة هذه ، إذا كان صلى الصلاة في المسجد مع أذان الظهر يأتي إلى البيت يأكل وينام وليس عليه شيء ، أما إذا كان لم يصلِّ يريد أن يأكل وأكثر من الطعام لا يبقى به قوة للصلاة، وإذا صلى وكان جائعاً جداً فعقله بالطعام ، وهذه مشكلة ، فصلي الظهر في وقته ، يبارك له في وقته .   من أخر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ! أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أوقاتها .

    وهنا شيء جديد بالكتاب : يكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي ! لأن قيام الليل من عمل السر ،  والإخلاص ، ولو أنه أُبْدِيَ في جماعة لأصبح ذلك مشوباً بالنفاق ! وقيام الليل إحياء الليالي هذا كما قال العلماء : يُكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالي المتقدم ذكرها في المساجد ! وليس محرّم ، إذا الإنسان لم يحيها وحده إطلاقاً ، لماذا الآن يقومون بالإحياء في المساجد ؟ لعدم وجود الهمة الفردية بأن تحييها وحدك وقديماً كان الإنسان عنده رغبة عظيمة جداً للتقرب من الله عز وجل ، وهذه صلاة قيام الليل ، تبكي تطوّل تقصر ..  تركع أحياناً ربع ساعة ، بالسجود لك عند الله قائمة مطاليب فطلبتها كلها في هذا السجود ،   أنت حر في بيتك ، وأحياناً الإنسان يأتيه الخشوع ويطيل في السجود ويطيل في الركوع فهذه الصلاة خاصة جداً من خصوصيات المؤمن ، لذلك النبي الكريم كان يصليها في البيت ، ويكره أن تصلى في جماعة في المساجد !

لكن أفسر لكم لماذا يصلي الناس الآن يحيون هذه الليالي في المساجد ؟ لأن همة الإنسان الآن ضعيفة جداً ، فأنا أقول إحياؤها في المسجد في جماعة خير من عدم إحيائها كلياً ، وهذه مكروهة ، ومعنى ذلك أن لا تصليها أبداً على هذه الحالة ! إذا كانت مكروهة أن تصلى في المسجد في جماعة ، وأنت لا تصليها أنا أفتي لك أن تصليها في المسجد في جماعة ! ولو بلغك أن هناك جامعاً فيه إحياء ليلة العيد وأنت لم تنوِ إحياءها وحدك اذهب واحضر الإحياء في المسجد ، وصلِّ قيام الليل في جماعة ! فهو مكروه كراهة ، أما لو عندك همة عالية وتحيي الليلة وحدك فأفضل ، وأقرب ، وأشد إخلاصاً ، وأكد لنفسك أنك مخلص ، لماذا يُكْرَه ؟ ليس هناك نهي إطلاقاً بالمناسبة ! ولكن لأن النبي الكريم لم يفعل هذا لا هو ولا أصحابه ،

فالنبي الكريم وأصحابه الكرام ما فعلوا هذا ، ولكن ربنا عز وجل قال :

 

 

 

 

 

 


 (سورة المزمل)

 

     و الله عز وجل في القرآن الكريم ثبت قيام الليل للنبي ولأصحابه ، ولم يصل النبي هذا القيام في المسجد في جماعة ، لكن نحن في عصر متأخر جداً ، إذا الإنسان لم يصل وحده وسمع أن هناك إحياء ليل لا مانع ! أنا أحبذ أن يصلى قيام الليل في جماعة لأن همة الناس قد ضعفت ! وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذه الموضوعات .

Copyright © 2007 Nabulsi