English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : فقه الزواج (1 /10 ) : 27 / 11 / 1994 – الزواج في الإسلام : حكمه – أهميته ، ودعوته إليه - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

  Text Box: مقدمة ;

 

 

 

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سلسلة دروسٍ  تعالج موضوع الزواج ، ذلك أن مشكلةً كبيرةً يعاني منها المسلمون ، ألا وهي انصراف الشباب عن الزواج لأسبابٍ كثيرة .

من هذه الأسباب أسباب مادية ، وهناك أسبابٌ أخرى ، وما من بيتٍ من بيوتات المسلمين إلا وفيه فتياتٌ طاهراتٌ مؤمناتٌ عفيفات ينتظرن ما كتب الله لهن من زواج ، فهناك مشكلة لا يخلو بيت من بيوت المسلمين منها ، صعوبات وعقبات ، تفلُّت أحياناً ، وإرجاء تأخير في سن الزواج أحياناً أخرى ، هذه كلها تقلق الآباء والأمهات ، نريد أن نرى هدي القرآن الكريم ، وهدي السنة المطهرة في هذا الموضوع .

 Text Box: دعوة الإسلام إلى الزواج
 

 

وصيةٌ قالتها امرأةٌ ، تقول في هذه الوصية : " يا بنيتي ، لو أن الوصية تركت لفضل أدبٍ تركت لذلك منك ، ولكنها تذكرةٌ للغافل ومعونةٌ للعاقل ، ولو أن المرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها ، أو لشدة حاجتهما إليها ، لكنت أغنى الناس عنها ، ولكن النساء للرجال خلقن ، ولهن خُلق الرجال " .

هذه سنه الله في خلقه ، المرأة خلقت للرجل ، والرجل خلق للمرأة ، وكما قال الله عزَّ وجل :

( سورة الشورى )

( سورة فصلت : آية " 37 " )

( سورة الروم : آية " 21 " )

ما من شابٍ من دون استثناء إلا ويتطلع إلى زوجةٍ مؤمنةٍ ، تسره إن نظر إليها وتحفظه إن غاب عنها ، وتطيعه إن أمرها .

وما من فتاةٍ طاهرةٍ عفيفةٍ مؤمنةٍ إلا وترجو الله سبحانه وتعالى أن يجعل زوجها زوجاً مؤمناً ، رجلاً كريماً عفيفاً ، هذه حاجةٌ أساسية عند الرجال وعند النساء ، فلماذا نجد الطرق المؤدية إلى الزواج مغلقة أو ضيقة ؟

أيها الإخوة الكرام ، الإنسان خلقه الله عزَّ وجل ، وزوَّده بتعليمات ، هذه التعليمات هي الشرع الحكيم .

 Text Box: حكم الشرع في الزواج 
 

 

قبل كل شيء نريد أن نرى حكم الشرع في الزواج ، وحكم الشرع في التبتُّل ( الانقطاع عن الزواج ) ، ولعل هذين الموضوعين تعرفون أكثر تفاصيلهما من دروسٍ وخطبٍ سابقة ، ولكن لا بدَّ من هذين الموضوعين كتمهيدٍ لموضوعٍ دقيقٍ جداً ربما نضع فيه اليد على موطن الجُرح .

ما العقبات التي تقف أمام زواج الشباب بالفتيات ؟ وهل هذه العقبات يمكن أن تذلل أو لا يمكن ؟ وكيف تذلل ؟ فلا يخلو رواد المساجد من أن يكون أحدهم شاباً يتطلع إلى زوجةٍ مؤمنة ، أو أن يكون أباً  يتمنى على الله عزَّ وجل ، أن يهبه زوجاً لابنته مؤمناً ، يحفظها ويرعاها ، ويكرمها ويحفظ لها دينها .

لذلك الزواج من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأريد أن يكون هذا واضحاً أمامكم جميعاً ، فأنا أعجب أشد العجب من شابٍ في سن الزواج ، وبإمكانه أن يتزوج ، وعنده البيت ، ويتأخَّر ، قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم :

( سورة النساء : آية " 3 " )

حينما بوَّب صحيحه الإمام البخاري جعل هذه الآية في صدر باب النكاح ، أو باب الترغيب في النكاح ، وقال ابن حجر العسقلاني الذي شرح صحيح الإمام البخاري : " إنها صيغة الأمر " ، وأقل درجات الأمر ، يقتضي الندب ، أقل درجات الأمر الندب ، فثبت الترغيب في الزواج :

 

 

كلكم يعلم أن الأمر الشرعي يقتضي الوجوب ، والأمر يقتضي الإباحة ، والأمر يقتضي الندب ، وهناك أمرٌ ينصرف إلى التهديد .

فأما أمر التهديد فنحو قوله تعالى :

( سورة الكهف : آية " 29 " )

وأمر الإباحة :

( سورة البقرة : آية " 187 " )

وأمر الندب :

 

( سورة النساء : آية " 3 " )

وأمر الوجوب :

( سورة البقرة )

ويقول عليه الصلاة والسلام كما يروي عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال لنا النبي صلى الله عليه وسلَّم :

(( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ )) .

( صحيح البخاري : رقم " 4677 " )

أي أن من بلغ سن الزواج فعليه أن يتزوج ، هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام ، وإني أرجو الله سبحانه وتعالى أن يفكر كل أبٍ تفكيراً جدياً بتزويج أولاده وبناته ، وأن يفكر كل شابٍ تفكيراً جاداً في البحث عن زوجةٍ ، وعن مستلزمات هذا الزواج .

لبعض العلماء رأيٌ دقيق ، هو أن الزواج واجب ، والواجب يقترب من الفرض ذلك أن التحرُّز من الزنا فرض ، وما لا يتوصل إلى الفرض إلا بشيءٍ فهو فرض ، أي أن هذا الشيء الثاني يرتقي إلى مرتبة الفرض ، وهذا رأي بعض العلماء ، وعلى كلٍ ، الرأي الفقهي المعتمد الذي عليه أكثر الفقهاء أن من تاقت نفسه إلى الزواج ، وخشي على نفسه العنت ، فالزواج في حقه فرض عين ، وهذا الزواج مقدمٌ على فريضة الحج .

والإسلام في الآيات الكريمة أيضاً ، رغب في الزواج ، قال تعالى :

( سورة الرعد : " 38 " )

يقول الإمام القرطبي في هذه الآية : " هذه الآية تدل على الترغيب في النكاح والحضِّ عليه ، وتنهى عن التبتُّل ، وهو ترك النكاح ، وهذه سنة المرسلين ".

ليس هذا فيه خلاف إطلاقاً ، لكن الحديث عن العقبات التي سوف نأتي عليها إن شاء الله تعالى .

وقد روى الإمام الترمذي ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :

(( أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ : الْحَيَاءُ ، وَالتَّعَطُّرُ ، وَالسِّوَاكُ ، وَالنِّكَاحُ )) .

( سنن الترمذي : رقم " 1000 " )

وروى الإمام ابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال عليه الصلاة والسلام :   (( النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ )) .

( سنن ابن ماجة : رقم " 1836 " )

 Text Box: فضل النكاح
 

 

أيها الإخوة ، مهما بلغ الإنسان من العلم فلا يستطيع أن يرقى إلى التشريع الإلهي ، هذا التشريع هو الكمال في حقِّ الإنسان ، إذًا على الإنسان أن يتطلع إلى هذه السنة التي سنها النبي عليه الصلاة والسلام .

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :

(( الدُّنْيَا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )) .

( صحيح مسلم : رقم " 2668 " )

أي أن أثمن شيءٍ في الدنيا امرأةٌ صالحة ، كما قال النبي :  

(( تسرك إن نظرت إليها ، وتحفظك إن غبت عنها ، وتطيعك إن أمرتها )) .

( أبو داود عن ابن عباس )

وأخرج الإمام الطبراني عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي e قال :

(( أربعٌ من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة : قلباً شاكراً ، ولساناً ذاكراً ، وبدناً على البلاء صابراً ، وزوجةً لا تبغيه حوباً في نفسها وماله )) .

لا تظلمه ، لا تخونه لا في نفسها ، ولا في ماله ، أي أنها حافظةٌ للغيب ، حافظةٌ لمال زوجها .

وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يهتمَّ الآباء اهتماماً شديداً بتربية بناتهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلَّم ، في أحاديث كثيرة يقول :

(( من جاءته بنتان فأحسن تربيتهما ، حتى يزوجهما أو يموت عنهما ، فأنا كفيله في الجنة )) .

( ورد في الأثر )

البنت التي تأتيك لعلها سببٌ لك لدخول الجنة ، لكن الشرط أن تحسن تربيتهما ، وأن تختار لها الزوج الصالح .

وروى الإمام الترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قال : لَمَّا نَزَلَتْ : ]  وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : أُنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ فَقَالَ :

(( أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ )) .

( سنن الترمذي : رقم " 3019 " )

أي أنّ هذا هو أفضلُ كنزٍ تتخذونه ، وهو أفضلُ من الذهب والفضة .

الحقيقة أن هناك زوجة تعين زوجها على دينه ، توقظه في صلاة الفجر ، وقد كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها قبل أن يغادر البيت : << يا فلان ، نحن بك أي نحن نسعد بسعادتك ، ونشقى بشقائك ، إنما نحن بك نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام ، فاتق الله فينا >> ، أيْ إياك أن تكسب مالاً حراماً ، لو عدت إلى البيت بيدين خاليتين نقبل ذلك ، أما إذا عدت بمالٍ حرام فهذا يوردنا المهالك .

ومما يدل على فضل النكاح أيضاً ، ما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :

(( من رزقه الله امرأةً صالحةً فقد أعانه على شطر دينه )) .

( الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف )

أحياناً تكون الزوجة عبئاً على زوجها من حيث دينه ، فخروجها لا يرضي الله  ، له منها أولاد ، إن فارقها ضيَّع الأولاد ، وإن بقيت معه أتعبته ، وأحرجته وأربكته ، وهو دائماً قلقٌ في علاقته مع الله عزَّ وجل ، ماذا يفعل ؟ أيطلقها أم أيبقيها ؟ ينصحها فلا تنتصح ، يأمرها فلا تأتمر ، يرشدها فلا ترشد ، ماذا يفعل ؟ هذه امرأةٌ لا تعين زوجها على دينه ، لكن المرأة التي تعين زوجها على دينه هذه امرأةٌ قديسة ، ولها عند الله عزَّ وجل مقامٌ كبير .

وفي روايةٍ للبيهقي ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين ، فليتق الله في النصف الباقي )) .

( الجامع الصغير عن أنس بسند صحيح)

  Text Box: معصية الزنا لها مقدمات
 

 

الحقيقة أننا لو درسنا دراسة علمية حالات تفلُّت الإنسان من الدين ، ولا أظن أنني أبالغ إنْ قلت : إن معظم هذه الحالات بسبب النساء ، لذلك وردت أحاديثٍ كثيرة تحذِّر المؤمنين من فتنة النساء ، وقضية النساء قضية لها جانب دقيق جداً ، فهي قضية تتطوَّر ، فالإنسان إن لم يقف عند الحدود في البدايات ، لا يستطيع أن يقف في النهايات ، هذا يؤكِّده قول الله عزَّ وجل :

( سورة الإسراء : آية " 32 )

الزنا له مقدّمات ، فالذي يتورَّط في المقدمات في الأعم الأغلب يصل إلى النتائج المخزية ، لكن المؤمن يطيع الله عزَّ وجل ، ويبقى بعيداً عن هذه المقدمات .

لذلك هناك معاص لها قوة جذب ، لذلك أمرك الله جلَّ جلاله ألاّ تقترب منها .

كنت ضربت على هذا مثلاً دقيقاً : أن خطاً للتوتر العالي شدّته ستة آلاف فولط ، هذا الخط إذا أراد وزير الكهرباء أن يحذِّر الناس منه يضع لوحة بعيدة عنه تقول : " لا تقترب " ، لا تقول : لا تمسَّ التيار ، لو اقترب من التيار أقلّ من ستة أمتار يصبح قطعةً من الفحم التيار ، لأن ستة آلاف فولط تجذب ، مثل هذا التيار الشديد يحذر منه بالعبارة التالية : " لا تقترب من التيار " ، أما إذا قلنا : لا تمس هذا التيار فإنه قبل أن يمسه يحرقه ، فكل معصيةٍ لها قوة جذبٍ ، لذلك جاء التحذير منها بهذه العبارة : ] لاَ تَقْرَبُوا [ .

( سورة الإسراء )

( سورة البقرة : آية " 187 " )

أي لا بد لك من أن تدع بينك وبين حدود الله هامش أمان ، فالخلوة تَخرِقُ هذا الهامش ، وصحبة الأراذل تَخرِقُ هذا الهامش ، وقراءة الأدب الهابط تَخرِقُ هذا الهامش ، والنظر إلى شيءٍ هابط تَخرِقُ هذا الهامش ، فخرق الهامش أصبحت به معرضاً للوقوع في المعصية .

إن هذا تماماً كنهرٍ عميقٍ مخيف له شاطئٌ مائل ، عليه حشائش زلقة ، ثم هناك أرض مستوية جافة ، فالمشي على الأرض المستوية الجافة فيه كل الأمان ، أما المشي على الأرض المائلة الزلقة التي تنتهي بالنهر ، هذا المكان خطر ، لذلك : (( من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )) ، هذا معنى :

( سورة الإسراء : آية " 32 )

وهذا معنى :

( سورة البقرة : آية " 187 " )

وهذا معنى أن كل معصيةٍ لها قوة جذب ، جاء النهي عنها بعبارة : أن لا نقترب منها .

يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((... مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ : مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ )) .

( موطأ مالك : رقم " 1566 " )

فاللسان بين اللحيين .

عقد الإمام الغزالي في الإحياء فصولاً مطولةً حول آفات اللسان ، ففي الحديث الطويل عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ :  يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ :

(( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )) .

( سنن الترمذي : رقم " 2541 " )

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ )) .

( صحيح البخاري : رقم " 5997 " )

الغيبة والنميمة والسخرية ، والبذاءة والسب واللعن ، وما إلى ذلك هذه كلها من آفات اللسان ، فاللسان مهلك ، وما بين الرجلين مهلك .

فيقول عليه الصلاة والسلام :

((... مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ : مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ )) .

( موطأ مالك : رقم " 1566 " )

والترغيب الأخير ، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه ، أنه قال :

(( وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ ؟ ـ كأنهم عجبوا من هذا ـ قَالَ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا )) .

( صحيح مسلم : رقم " 1674 " )

هذا حكم الشرع في موضوع الزواج ، فالزواج جزءٌ من الدين ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( تناكحوا تناسلوا ، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة )) .

( ورد في الأثر )

لكن أيها الإخوة ، إياكم أن تظنوا أن النبي عليه الصلاة والسلام يباهي بقية الأمم بالكمِّ مِن أمته ، إطلاقاً ، لا يتباهى إلا بالنوع ، فأمةٌ شاردةٌ ضائعةٌ ، أولادها في الأزقة ، ليسوا متعلمين ، وليسوا مهذبين ، بعيدون عن الدين ، هؤلاء الأولاد لا يُتباهى بهم يوم القيامة ، الأمة التي يتباهى بها النبي يوم القيامة هي أمة الاستجابة التي آمنت ، وأقبلت ، وارتقت .

 Text Box: نهي الإسلام عن الإعراض عن النكاح والأدلة على ذلك
 

 

شيءٌ آخر ، من لوازم هذا البحث أن الإسلام نهى عن الإعراض عن النكاح ، حتى لو كان بغرض الاشتغال بنوافل العبادات ، فأنت كونك مؤمنًا ينبغي لك أن تعبد الله لا على مِزاجك ، ولا على رؤيتك القاصرة ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يُعبَد إلا وفق ما أمر ، فأي اجتهادٍ في عبادته مخالفٍ لنص القرآن الكريم وللسنة المطهرة هو اجتهادٌ مرفوض ، فينبغي لك أن تعبد الله وفق ما أمر ، وقد أمرك بالزواج ، أما أن تتوهم أن عبادة الله من دون زواج تكون أقرب ، أو أكثر قبولاً ، فلا ، والنبي عليه الصلاة والسلام قمة البشر في تقواه قال :

(( أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ـ ومع ذلك ـ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي )) .

[متفق عليه]

فالاقتران بامرأة لا يعني أنك أقل مرتبة عند الله مِن الذي لم يقترن ، بالعكس فالزواج يستكمل به الدين فليتق الله في النصف الآخر ، قال الله تعالى :

( سورة المائدة )

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية : << قال علي بن أبي طلحة : عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت هذه الآية ، في رهطٍ من أصحاب النبي e ، قالوا : نقطع مذاكرنا ، ونترك شهوات الدنيا ، ونسيح في الأرض ، كما يفعل الرهبان ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلَّم ، فأرسل إليهم ، فذكر لهم ذلك ، قالوا : نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأنام ، وأنكح النساء ، فمن أخذ بسنتي فهو مني ، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني )) .

هذه الآية نزلت بهذه المناسبة :

 

 

 

ينبغي أن تعبد الله وفق المنهج الذي أراده لك ، وفي حديثٍ آخر رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال :

(( جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ـ أي رأوا أن عبادتهم قليلة أمام عبادة النبي e ـ فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ أَحَدُهُم : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ ، وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي )) .

( صحيح البخاري)

وأرقد : رقد ، وركض ، وركد .. ركد أي سكن ، ماءٌ راكد ، رقد نام ، ركض عدا .

وروى الإمام البخاري عن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم رد على عثمان بن مظعون التبتل ، أي رفض منه التبتل ، كلكم يعلم أن أمر النبي سنة ، وأن نهيه سنة ، وأن سكوته إقرار وهو سنة ، وأن صفته سنة أقواله وأفعاله وإقراره وصفاته ، كلها من السنن .

فما دام هذا الصحابي الجليل أراد التبتل ، وابتعد عن امرأته ، وقالت عنه بذكاءٍ بالغ : إنه صوّامٌ قَوّام ، أي شكت زوجها للنبي e ، بهذه العبارة ، إنه صوّامٌ قوَّام ، فالنبي عليه الصلاة والسلام  استدعى عثمان بن مظعون وقال : يا عثمان ، أليست لك بي أسوة ؟ أي أن هذا الذي تفعله لا يرضي الله عزَّ وجل ، تروي كتب السيرة أنه بعد حينٍ دخلت امرأة عثمان بن مظعون على السيدة عائشة ، وقد رأتها نضرةً عطرة ، فقالت : << كيف حالك ؟ قالت : أصابنا ما أصاب الناس >> .

أي أن عثمان بن مظعون التفت إليها بعد أن تركها ، إذن حينما ردَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم على عثمان ابن مظعون التبتُّل ، هذا الرد كأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى به عن التبتل .

وروى الإمام أحمد عن أنسٍ رضي الله عنه قال :

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا ، وَيَقُولُ : تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .

( مسند أحمد : رقم " 13080 " )

نهى e نهياً شديداً ، وقال : (( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .

يقول أحد العلماء تعقيباً على هذا الحديث : " هذا حثٌ على النكاح شديد ، ووعيدٌ على تركه يقرِّبه إلى الوجوب ( النكاح ) والتخلِّي عنه ، يقربه إلى التحريم " .

وذكر سعيد بن هشام بن عامر أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن التبتل فقالت : << لا تفعل ، أما سمعت قول الله تعالى :

( سورة الرعد : آية " 38 " )

فلا تتبتل >> .

وروى الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة عن شداد بن أوس رضي الله عنه ، وكان قد ذهب بصره ، قال : << زوِّجوني ، فإن رسول الله e أوصاني ألا ألقى الله أعزبَ >> .

صار الزواج نوعًا من الطاعة لله عزَّ وجل .

وعن سيدنا معاذ رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه قال : << زوجوني ، إني أكره أن ألقى الله أعزبَ >> .

وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنه قال : << لو لم أعش ، أو لم أكن في الدنيا إلا عشراً  لأحببت أن يكون عندي فيهن امرأة >> ، ولو لعشرة أيام .

وسيدنا عمر له قول مؤثر جداً ، يبدو أنه قد رأى رجل عزف عن الزواج ، ويبدو أنه في مكنته أن يتزوج ، فقال رضي الله عنه : << ما يمنعك من النكاح إلا عجزٌ أو فجور >> .

أي أن الذي ينصرف عن النكاح إما يفسَّر هذا بعجزه أو مرضه ، أو يفسر بفجوره .

آخر قول للإمام أحمد بن حنبل ، يقول : " من دعاك إلى غير التزويج ، فقد دعاك إلى غير الإسلام " .

 وبالطبع أنا لم أضف إلى معلوماتكم شيئاً جديداً ، كلكم يعلم علم اليقين أن الإسلام دعا إلى الزواج ، وأن الزواج من سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن الإنسان بالزواج يستكمل دينه ، إلا أن الموضوع الذي أردت أن أخوضه في هذه الدروس ليس تقرير هذه الآيات والأحاديث ، فهذه تعرفونها جميعاً ، وما زدت على ثقافتكم شيئاً بتلاوتها على أسماعكم ، إلا أنني أريد ، أو نريد في هذه الدروس  أن نضع اليد على الجروح والعقبات ، ما الذي يحول بين الشباب وبين الزواج ؟ هناك أسباب مادية ، وهناك أسباب اجتماعية ، وهناك فقر حقيقي ، وهناك فقر مصطنع

 

.

 Text Box: أسباب العزوف عن الزواج
 

 

غلاء المهور والطلبات التعجيزية

 

 

الفقر المصطنع ، هذا الذي سوف نحاربه ، فمثلاً غلاء المهور ، أو بيت له صفات معينة ليس في قدرة معظم الناس ، أو عمل له صفات معينة ، فالناس حينما اتجهوا إلى المباهات في الزواج صارت الطلبات خيالية ، أو طلبات كما تسمى تعجيزية ، فالآن والحقيقة قبل سنوات كثيرة الزواج طريق إجباري إلى قضاء هذه الحاجة ، أما الآن مع ضعف الإيمان هناك آلاف السبل لقضاء هذه الحاجة من دون زواج ، وهذا ما تدعوا له المؤسسات غير الإسلامية في العالم ، وقد عُقِد مؤتمر السكان في أكبر بلد إسلامي ليحضَّ دول العالم الثالث على تشريعات تبيح العلاقات الجنسية خارج الزواج ، فهذا ما أراده مؤتمر السكان في  القاهرة .

فحينما نعقِّد الأمور على المتزوجين ، حينما نضع العقبات أمام الشباب المسلم ، هذا الكلام موجَّه للشباب ، ولآباء الشباب ، ولآباء الفتيات ، وللفتيات ، حينئذ يلجأ الناس إلى الحرام .

عندنا حلاَّن ، إما أن يغلق باب الزواج إغلاقًا حُكميًّا ، طبعاً المغالاة في المهور والطلبات التعجيزية ، هذه تحول بين الشباب والزواج ، والشباب مع ضعف إيمانهم ، ومع يقظة الفتن في أي مكان ، في الطريق ، وفي البيت ، وفي أجهزة اللَّهو ، مع يقظة هذه الفتن ، وضعف الوازع الديني ، فالانزلاق إلى الزنا محتمل ، بل إن احتماله كبير جداً ، فإما أن نسهِّل سبل الزواج ، أو أن يكون السفاح محل النكاح .

وإذا فسد الإنسان في أخلاقه ، وإذا زلَّت قدمه في شأن الزواج ، فآثر السفاح على النكاح ، ينتهي ، فالزنا معصية كبيرة ، قال تعالى :

( سورة الفرقان )