English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : فقه الزواج (3 /10 ) : 11 / 12 / 1994 – الفقر المفتعل - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثالث من الدروس الاجتماعية المتعلقة بشأن الزواج ، تحدثنا في الدرس الماضي عن معالجة الفقر الحقيقي ، واليوم ننتقل إلى موضوعٍ آخر وهو معالجة الفقر المفتعل .

  Text Box: عقبات الفقر المفتعل 

 

الفقر المفتعل معناه أنك إذا كنت بحاجة ماسة إلى مدفأة تتقي بها البرد ، وثمن المدفأة المعتدل ألف ليرة ، ومعك ألف ليرة ، فتوجهت إلى بائع المدافئ ، فإذا ثمنها عشرة آلاف ليرة ، هذا الثمن غير صحيح ، وغير معقول ومفتعل ، أنت كنت قادراً على شراء هذه المدفأة ، لكنك الآن أصبحت عاجزاً ، فهذا بشكلٍ مبسط هو الفقر المفتعل .

أولاً : حينما شرع الشرع الحكيم المهر للمرآة شرعه تكريماً لها ، فالمرآة شيء ثمين ، وشيء نفيس ، لا يمكن أن تأخذها بلا شيء .

من أخذ البلاد بغير حرب       يهون عليه تسليم البلاد

 

مشروعية المهر لضمان كرامة المرأة

 

أحياناً لسبب أو لآخر يقال لك : المهر درهم فضة ،  شيء جميل ، لكن من مضاعفات هذا التصرُّف أن الزوج إذا غضب من زوجته لسبب تافهٍ جداً طلّقها ، ومفارقة الزوجة أو تطليقها أمرٌ يسير ، لا يكلف شيئاً ، دائماً يكون الطلاق سيفًا فوق رقبتها ، فحينما يكون لها مهر ، والمهر معقول ، فقبل أن يقول لها : طلقتك ، أو قبل أن يهددها بالطلاق ، أو قبل أن يستهين بها عليه أن يفكر مرات كثيرة ، لذلك جعل الله المهر للزوجة تكريماً لها .

لكن الشرع الحكيم ما أراد أن يكون المهر عقبةً دون الزواج منها ، في الأصل هو تكريمٌ لها ، لكن مع الممارسات الخاطئة صار المهر عقبةً تمنع الزواج منها ، لذلك كانت المغالاة في المهور أحد بنود الفقر المفتعل .

شيء آخر ، سألني أخ كريم : أليس من واجب الزوجة أن تخدم زوجها ؟ قلت : نعم ، إلا أن هذا إذا نُصَّ في العقد ، في عقد الزواج صار هذا عقد خدمة لا عقد زواج ، فمن باب تكريم المرأة التكريم الأمثل أن موضوع الخدمة لا يدخل في عقد الزواج .

لكن الأعراف ، وهي أحد مصادر التشريع تقتضي أن الرجل يكسب الرزق ، والمرأة تقوم بشؤون البيت ، أما إذا أدخلنا هذا في صلب العقد فقد قلبناه من عقد زواجٍ إلى عقد خدمة .

هناك قصة توضح هذا المعنى ، رجل كريم يحمل إجازة في اللَّغة ، يترجم ، فعمل عند مكتبٍ تجاري ، فهذا الأخ المترجم لكرم أخلاقه ولتواضعه ولحبه لأصحاب هذا العمل كان إذا جاءهم ضيف كان يقوم ، ويبادر إلى صنع الضيافة المناسبة لهم ، تواضعاً ومحبةً وتبرعاً ، وتفانياً في عمله ، لكنه إنسان يحمل إجازة مترجم ، وهم تقبلوا هذه المبادرة بكل امتنان ، بعد حين تغيَّر مدير المكتب ، فأراد أن يضع عقوداً يوضّح بها ، أو قرارات تنظيمية ينظم فيها أعمال من في المكتب ، فهذا الذي كان يقدم الضيافة طوعاً ومحبةً وتواضعاً لأصحاب المكتب التجاري عندما رأى في مهماته الأساسية صنع هذه الضيافة ترك العمل كله ، ومعه الحق .

الموضوع دقيق جداً ، إذا نص في عقد الزواج على وجوب الخدمة انقلب العقد من عقد زواجٍ إلى عقد خدمةٍ ، وهذا امتهانٌ للمرأة ، لكن المرأة الكريمة لا تستنكف أن تطبخ ، وأن تنظف ، وأن تعتني بأولادها ، وأن تعتني بزوجها ، وأن تهيئ لزوجها اللباس والطعام والشراب ، وكل ما يؤمِّن له راحته ، هو خارج البيت يكسب الرزق ، وهي داخل البيت تعتني بشؤون زوجها وأولادها ، أما إذا نُصَّ هذا في العقد فقد صار عقد خدمةٍ ، وعقد الزواج أشرف من هذا بكثير ، إنه أقدس عقد بين إنسانين على الإطلاق .

 

( سورة النساء )

إذاً : شُرِعَ المهر في الأصل تكريماً للمرأة ، وتعبيراً عن مكانتها ، وعن كرامتها ، أما أن يكون المهر عقبةً يمنع زواجها فهذا ما أراده الشارع الحكيم ، ولا قضت به السنة النبوية الشريفة ، إنه من انحراف المسلمين في عصور تخلُّفهم ، ومن جعل الفتاة سلعة يُبتز بها الرجال .

  Text Box: أفضل الصداق أيْسره

 

الآن ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ؟ أخرج أبو داود والحاكم وصححه ، وقد ورد هذا الحديث في نيل الأوطار ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( خير الصداق أيسره )) .

[أبو داود بلفظ : خير النكاح أيسره]

الصداق هو المهر ، وقال عليه الصلاة والسلام للرجل الذي قد طلب منه أن يزوجه بامرأة قد وهبت نفسها للنبي e قال له :

(( اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ )) .

[متفق عليه عن سهل بن سعد]

من منكم يستطيع أن يعرب خاتماً ، كان ، فل ماض ناقص ، فما الذي حذف إذاً ؟ حذفت كان واسمها وبقي خبرها ، أي اذهب والتمس ، ولو كان الملتمس خاتماً من حديد .

إذاً الفكرة الأولى : إن أفضل الصداق أيسره ، هذا الكلام موجَّه إلى أولياء الفتيات .

  Text Box: أوهام منتشرة والرد عليها

 

الأول : عِظَم المهر يحول دون الطلاق

 

بالمناسبة ، إذا كنت أيها الأخ الكريم ولياً ، كنت أو زوجاً أو أباً ، إذا توهمت أن عِظَم المهر يحول دون طلق المرأة فأنت واهم ، لأن الزوج بإمكانه أن يكاره زوجته مكارهةً لا تحتمل حتى تطلب الخلع ، وأن تهب له كل شيء ، لا يمكن أن تقوم سعادة زوجية على ضمانات مالية أبداً ، لا يمكن أن يكون الزواج الناجح مبنيًّا على ضمانات مالية ، السعادة الزوجية أساسها حسن الاختيار والثقة المتبادلة بين الزوجين ، فهذا الذي تسمح له أن يتزوج ابنتك إن كنت واثقاً من أخلاقه ، ومن دينه ، ومن أمانته ، إياك أن تحاسبه يسيرا ، وإياك أن تعُدَّ المال ضمانة لنجاح الزواج ، أما إذا لم يكن موضع ثقة ، لو كتب لها خمسة ملايين فلا يكفي هذا ضماناً لسعادتها .

إذاً المهر شرع تحقيقاً لكرامة المرأة ، ولم يشرَّع عقبة يحول بينها وبين الزواج وإذا توهم الإنسان أن المهر يحول بين الزوج والطلاق ، فالذي يعتقد هذا واهم ، لأن الزوج بإمكانه أن يكاره زوجته حتى تطلب المخالعة ، ومعلومٌ عندكم أن التي تطلب المخالعة ليس لها شيء .

 

الوهم الثاني : ارتفاع المهر يضمن مستقبل الفتاة

 

عندنا اعتقاد خاطئ آخر ، أن ارتفاع المهر يضمن للفتاة مستقبلها ، ماذا قال الله عزَّ وجل ؟

 

 ( سورة الكهف )

بعضهم قال : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، إذا قلنا لأن ثمة  تفسيرًا لهذا ، فالإنسان إذا سبَّح الله ، وحمده ، وكبره ، ووحده فقد عرفه ، وإذا عرفه سار على منهجه ، وإذا سار على منهجه سعد في الدنيا والآخرة .

هناك تفسير آخر وجيه :

أي الأعمال الصالحة ، لكن أدق ما في الآية :

أي إذا كنت تتأمل أن المال يسعد فأنت واهم ، عملك الصالح وتطبيق السنة ، هو ضمان نجاح هذا الزواج ، فنجاح الزواج لا يكون بالمال أو البيت ، فأحياناً الأهل يقولون لك : بيت بالحي الفلاني بالمساحة الفلانية بالفرش الفلاني بالحلي الفلانية ، بتحديد قيم الحلي ونوع الحلي ، ثم العمل ، فالعمل يجب أن يكون لك اسم في الشركة ، فلا نقبل العمل عند أبيك ، يتوهم الآباء أن هذه الضمانات تضمن لفتاتهم السعادة الزوجية ، وهي في الحقيقة لا تضمن ، العمل الصالح وتطبيق منهج الله عزَّ وجل هو الضمان ، ] خَيْرٌ أَمَلاً [ ، أي : لا تعقد الأمل لا على المال ، اعقده على توفيق الله عزَّ وجل ، اعقده على حفظ الله ، لأن الله  سبحانه وتعالى يقول :

( سورة الأنفال )

( سورة البقرة )

( سورة البقرة : آية رقم " 153 " )

هذه المعية معيةٌ خاصة ، فالله عزَّ وجل مع المؤمنين بالتأييد والنصر ، والتوفيق والحفظ ، هذه معية خاصة ، ولكن إذا قال الله عزَّ وجل :

( سورة الحديد : آية رقم " 4 " )

فهذه معيةٌ عامة مع كل الخلق ، معهم بعلمه ، لكنه مع المؤمنين بحفظهم وتأييدهم ، ونصرهم وتوفيقهم ، وهذه المعية الخاصة لها ثمن ، وقال الله :

( سورة المائدة : رقم الآية " 12 " )

لذلك الاعتقاد الخاطئ أن المهر الغالي أو أن المغالاة في المهر تضمن مستقبل الفتاة ، هذا وهمٌ كبير ، لا يضمن مستقبل الفتاة إلا أن تكون في طاعة الله ، وإلا أن يكون زوجها ، وأهل زوجها صالحين ، فالله سبحانه وتعالى يتجلى على كل بيتٍ تقام فيه شعائر الله ، وفي هذا البيت يقام فيه الإسلام .

يقول عملاق الإسلام عمر رضي الله عنه : << ألا وإن أحدكم ليغالي بصداق امرأته حتى يبقى له في نفسه عداوة >> .

أحياناً يُضغَط على الزوج ضغطًا مع ضغط مع ضغط مع تعنت ، نريد كذا ، حفلة فلانية ، ضيافة فلانية ، الحلي الفلانية ، البيت الفلاني ، وهو متعلِّق بهذه الفتاة ، لكن مع تتالي الضغوط ينشأ الحقد ، لذلك حينما تأتي هذه الفتاة إلى البيت ينتقم منها أشد الانتقام ، يقمعها قمعاً شديداً ، يمارس عليها كلَّ ألوان الشدَّة ، ويحدث الحقد ، فالضغط الشديد على الخاطب من أجل الظهور بمظهر فخم أمام الأسر وأمام الناس ، هذا من شأنه أن يولَّد الحقد في نفوس الخاطبين ، << ألا وإن أحدكم ليغالي بصداق امرأته حتى يبقى له في نفسه عداوة >> .

ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده :

(( إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً )) .

هذا الاعتقاد الثاني أيضاً خاطئ .

 

الوهم الثالث : عِظَم المهر يحول دون الطلاق

 

الاعتقاد الثالث : أن المغالاة في المهور مظهرٌ للافتخار والمباهاة والشرف ، وهو عكس ذلك ، لكن مِن أين يأتيك الشرف ؟ من البذل لا من الأخذ ، الأخذ اسمه ابتزاز ، وهو خُلق دنيء ، فإذا أردت أن ترفع ثمن البضاعة ، وأن تستغل حاجة الشاري إليها ، وأن تستغل أن هذه البضاعة مفقودة ، وليست موجودة في السوق ، وهي عندك وحدك ، وأن الذي يطلبها في أشد الحاجة إليها ، إذا رفعت السعر عليه أضعافاً مضاعفة ألا تشعر بالدناءة ؟ هذا هو الابتزاز ، فالشرف ليس في الأخذ ، الشرف في العطاء ، في البذل ، الأخذ ابتزاز ، أما العطاء فهو الشرف ، فكل من يتوهم أننا لو فرضنا على الخاطب مئتي ألف ، ومئتي ألف ، ونصف مليون ، ونصف مليون ، وهناك في العملة الصعبة ضمان للتضخم النقدي ، فإن أكثر الآباء يحسب حساب طلاق ابنته قبل أن يزوجها ، وكأن الأصل هو الطلاق ، لذلك إذا قال : أريد مئتي ألف بالعملة الصعبة ، ويحسبها على العملة الصعبة أو على الذهب ، استبدله بالعملات الأخرى ، فهذا ليس فخراً ، وليس شرفاً ، الشرف في البذل وفي التساهل .

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ ، وَإِذَا اشْتَرَى ، وَإِذَا اقْتَضَى )) .

[البخاري]

فطبعاً هذا ليس بيعًا وشراء ، لكن يقاس عليه التعامل مع الخاطب .

يقول سيدنا عمر رضي الله عنه ، يقول : << ألا لا تغالوا في مهور النساء ، فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا ، وتقوى عند الله عزَّ وجل ، لكان أولاكم بها نبي الله ، ما علمت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم نكح شيئاً من نسائه ، ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية >> .

أي ألف وخمسمئة ليرة ، فلا تزوج بمهر أعلى ، ولا زوج بناته بمهر أعلى ، والآن هناك مهر المثل ، وإخواننا القضاة الشرعيون جزاهم الله عنا خيراً يعرفون مهر المثل ، فكل فتاة بحسب مستواها ، ومستوى أبيها لها مهر ، هذا المهر مقبول ، أما إذا رفعنا المهر بلا سبب ، أو إذا ألغيناه ، وبالمناسبة إلغاء المهر يجعل العقد فاسداً ، لا أقول : باطلاً ، يجعله فاسداً ، لذلك هذا العقد الفاسد ، يصحح بمهر المثل ، فالمهر تعبيرٌ عن كرامة المرأة .

هناك أولياء أمور وآباء يسعون إلى التكسُّب عن طريق تزويج بناتهم ، لذلك هذا الولي ليس من شأنه أن يقبل خاطباً فقيراً ، لا يقبل إلا خاطباً غنياً يحل مشكلات الأسرة ، وفي الأعم الأغلب أن الولي الفقير لا يأتيه خاطبٌ غني ، فالناس يميلون دائماً إلى المشابه لأحوالهم حين زواجهم ، فغالباً الذي يطلب المهر الغالي ليغتني عن طريق ابنته لا يأتيه هذا الخاطب ، ما الذي يحصل ؟ هذه الفتاة  يفوتها قطار الزواج ، والحقيقة في آية قرآنية ذكرتها لكم كثيراً حار فيها العلماء ، حينما قال الله عزَّ وجل :

( سورة النور : آية " 33 " )

فأنا لا أصدق أن في الأرض كلها أدنى المؤمنين إيماناً يمكن أن يجبر فتاته ، أي ابنته ، أو جاريته ، كما يقول بعض المفسرين ، لا يمكن أن يجبر فتاته على الزنا من أجل أن يكتسب منها ، لكن بعض المفسرين قالوا : " إن عضل الفتاة وعدم تزويجها ، ربما قوَّى فيها ، دافع الشهوة " ، ربما قوى فيها دافع الخروج من البيت .

أعرف قصصاً كثيرة أن آباء متعنتين غالوا في مهور فتياتهم ، وضعوا الشروط التعجيزية لخاطبين فتياتهم ، حتى انتهى به الأمر إلى أنه استيقظ فلم يجد ابنته في البيت ، هربت مع فتى أحلامها ، ما الذي قوى فيها دافع الشهوة ؟ تعنته ووضعه الشروط القاسية ، هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

 

 

عادة سيئة : أخذ الولي من مهر الفتاة

 

شيء آخر ، في عادات سيئة جداً في بعض المناطق في البلاد الإسلامية ، أن المهر هو للأب ، يقبض الأب مهر ابنته كاملاً ، ويضعه في جيبه ، وانتهى الأمر ، لذلك قال الله عزَّ وجل :

( سورة النساء ، آية " 4 " )

المهر تستحقه المرأة ، المرأة التي تزوجت المهر لها وحدها ، قال بعض المفسرين : أضاف الله سبحانه وتعالى صدقاتهن ، أي المهور ، إضافة ملك ، أحياناً الإضافة تكون إضافة تشريف ، الدليل :

( سورة الطلاق : آية " 1 " )

البيت لزوجها ، وفي السجلات باسم زوجها ، لكن الله أضافه إليها لا إضافة ملك ، ولكن إضافة إشراف ، فالزوجة بيتها مملكتها ، هي الآمرة الناهية في البيت ، وفي شؤون البيت ، وهذا مما يؤكد شخصيتها ، ويثبت أنوثتها .

شيء آخر ، هذه الآية نزلت في مناسبة ، أنَّ بعضاً ممن كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ مهرّ ابنته ، فجاءت الآية لتنهى عن أن تُؤخذ المهور ، بل أن تدفع إلى الزوجات ، لأن المهر في الأصل تمليكٌ لها .

لقد قضى سيدنا عمر بن الخطاب في وليّ زواج امرأةٍ ، واشترط على زوجها شيئاً لنفسه ، و قد يكون وليّ المرأة عمها ، قد يكون أخاها ، قد يكون أبعد من ذلك ، فلما جاءها الخاطب قال له : هذه المرأة مهرها مئة ألف ، وخمسين ألف لي ، هذا هو الشرط ، فرفعت هذه القضية لسيدنا عمر ، بماذا حكم ، ذكر الأوزاعي أن سيدنا عمر قضى أن هذا المبلغ الذي دفع إلى ولي الزوجة ، وقبضه هو للزوجة ، وأعاده إليه " ، فالمهر كلُّه للزوجة .

ورجل آخر زوج ابنته على ألف دينار ، وشرط على الخاطب ألف دينارٍ أخرى ، فقضى عمر بن عبد العزيز للمرأة بألفين .

إذاً تأتي النصوص والأحكام لتؤكِّد أن المهر للمرأة .

لكن كما قال الله تعالى عزَّ وجل :

( سورة النساء : آية " 4 " )

المهر للمرأة .

جواز أخذ الأب خاصة من مهر الفتاة

 

 

لكن إذا كان أبوها فقيرا فدفعت له جزءاً منه هذا موضوع ثانٍ ، لأن العبد عندما يسامح الشرع لا يتدخل ، لو أنها وهبت أباها بعض مهرها فهذا شيء آخر ، لو أنها أعطت زوجها بعضاً من مهرها فهذا شيء آخر أيضًا .

لكن بعض الأئمة ذكر أن الأب وحده يمكن أن يأخذ جزءاً من مهر ابنته ، ولأسبابٍ ، وهي مقبولة عند الله عزَّ وجل ، أما العم ، أو الأخ ، أو ولي الزوجة ، هؤلاء جميعاً لا يمكن أن يأخذوا شيئاً ، لكن الأب جاز أن يأخذ .

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلا قَالَ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي مَالا وَوَلَدًا ، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي ، فَقَالَ : أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ )) .

[ابن ماجه]

أحياناً هناك ضرورة ، والفتاة تأذن وتهب ، أصبح هذا موضوعاً آخر ، على ألا يجحف بهذا الأخذ ، إن كانت هي في أشد الحاجة إليه ، ينبغي ألا يظلمها في هذا الأخذ  ، والحديث معروف :

(( من أكل من مال ابنه شيئاً فليأكل بمعروف )) .

[ورد في الأثر]

 

الأثر السيئ في المغالاة في المهور

 

حينما نغالي في المهور تكسد سوق الزواج ، وتنشأ سوق السفاح ، دائماً وأبداً ، إما نكاحٌ أو سفاح ، إذا وضعنا العراقيل ، والسدود ، والمثبطات أمام سبيل الزواج ، فالبديل هو السفاح ، وإن لم يكن السفاح يصبح الناس أَيامى ، معنى أيامى أي لا أزواج لهم ، ولا أزواج لهن ، وهذا شعور بالحرمان ، شعور بالوحشة ، ثم إن هذه المهور إذا غلت أنفقت إسرافاً وتبذيراً ، وهذا منهيٌ عنه .

وحينما يرفع المهر ، ماذا يفعل الأب حينما يرفع مهر ابنته ؟ كأنه يغشها بوضع العراقيل أمام زواجها ، لأنه قد ينفر الخاطب ، قد يعود خائباً ، قد لا يستجيب ، قد يشعر بالابتزاز فيرفض ، فأحد أسباب عضل الفتاة ، وعدم تزويجها المغالاة في مهرها .

والله أنا أقول لكم : إن عشرات القصص ، وأعرف أن زواجاً ناجحاً موفقاً لشاب مؤمن ، مكتفٍ ، ولطلبات أهل الزوجة غير المعقولة ، انصرف عن هذا البيت ، وانصرف خاطبٌ ثانٍ وثالثُ ورابع ، وأصبحت الفتاة كاسدةً فاتها قطار الزواج .

ومرةً ثانية ، وثالثة أقول : إن أقوى دافعٍ على الإطلاق في الجنس البشري دافع الأمومة ، والذي يحرم ابنته حقها في الزواج ، وحقها في أن تكون أماً فقد أساء إليها أبلغ إساءة .

فبعض الآباء السذج يقول : يا بنيتي ، صدر البيت لك ، هذا كلام ليس له معنى أبداً ، إنه يطعمها ، والأكل موجود .

 

الإسراف في تجهيز البيت وتأثيثه

 

ثم إن عقبةً ثانيةً ترد في موضوع الفقر المفتعل ، هو الإسراف في تجهيز البيت وأثاثه ، والحقيقة كلَّما بالغنا في المظاهر سدَّ طريق الزواج ، وكلكم يعلّم أن غرفة الضيوف أحياناً لا تستخدم إلا مرةٌ أو مرتين في العام ، غرفة في البيت ثمنها مليونان ، ثمن الغرفة خمسمئة ألف ، غرفة جلوس جيدة تصلّح لاستقبال الضيوف ، غرفتين كانطلاق للزواج جيد ، غرفة نوم ، وغرفة جلوس تصلح لاستقبال الضيوف ، ممكن ، لكن تجميد غرفة لاستعمالها في العام يوم أو يومين أو خمسة أيام بملايين الليرات هذا لا يجوز ، لذلك المغالاة في المساحات و المغالاة في الفرش ، والأساس ، و المغالاة في غرف الطعام ، في غرف طعام ، بمئات الألوف ، والزوج بخيل ، ما دعا شخصا لتناول الطعام ، لا يوجد داعٍ ، مادام ليس هناك نية لإقامة ولائم مثلاً فلمن هذه الغرفة إذاً ؟ .

سيدنا علي رضي الله عنه ، يقول : <<في آخر الزمان قيمة المرء متاعه  >> .

فالإنسان لضعف إيمانه ، ولانحرافه عن الطريق السوي ، ولضعف دينه ، وقلّة أعماله الصالحة يستنبط مكانته من مساحة بيته ، ومن أثاث بيته ، ومن نوع مركبته ، ومن موقع بيته ، فقيمة المرء متاعه ، لكن قيمة المرء في الحقيقة هي إيمانه وعمله الصالح .

النبي عليه الصلاة والسلام جهز فاطمة الزهراء فلذة كبده وريحانة فؤاده ،  جهزها في خميلةٍ وقُربةٍ ووسادةٍ ، الخميلة من نوع المخمل ، خميلة ، وقربة ووسادة ، وقال :

((إنما فاطمة بضعةٌ مني ، يؤذيها ما يؤذيني )) .

كان النبي e قدوة ، ولما طلبت السيدة فاطمة خادماً قال لها كلمة لو عرفنا أبعادها لسعدنا ، قال :

((والله يا فاطمة لا أوثركِ على فقراء المسلمين )) .

[ورد في الأثر]

ما عدَّ نفسه وأسرته فئة والناس فئة ثانية ، بل عدَّ النبي الكريم نفسه وأسرته والمسلمين أسرة واحدة ، فأن يخص ابنته بخادمة لعل هذا على حساب فقراء المسلمين ، قال لها :

 ((والله يا فاطمة لا أؤثركِ على فقراء المسلمين )) .

ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو داود :

((أَحَقُّ مَا يُكْرَمُ الرَّجُلُ بِهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ )) .

  Text Box: إكرام أهل الزوجة من إكرامها

 

أي أن إكرام الفتاة وإكرام الأخت كما فسر العلماء هذا الحديث بإكرام أهل زوجها ، فالعلاقات الطيبة مع أهل الزوجة ، فقد تجد أسرّ كثيرة لا يوجد أي علاقة بين أهل الزوج وأهل الزوجة ، فبينهم عداوة ، و بغضاء ، وهذه العداوة لا بدَّ أن تنتقل إلى الفتاة ، لذلك إكرام أهل الزوجة ، والعناية بهم ، والترحيب بهم ، وزيارتهم ، هذا من إكرام الفتاة .

فمن عنده بنت زوجها فإن أحد أكبر أبواب إكرامها إكرام أهل زوجها ، يدعوهم ، يزورهم ، تستأنس ، أحياناً لا ينتبه الإنسان إلى هذه النقطة ، الزوج يقسو على زوجته في شتم أهلها ، وفي بيان نقائصهم ، تتمزق الفتاة ، هم أهلها ، أمها وأبوها ، وزوجها يكرههم .

إخواننا الكرام ، نصيحةٌ لوجه الله ، الزوج العاقل الذي يريد ولاء زوجته له  أحد أسباب ولاء الزوجة إكرام أهلها ، لو لم تكن قانعاً بمواقفهم ، يوجد عندنا قاعدة رائعة جداً ، " أدِ الذي عليك ، واطلب من الله الذي لك " ، فأنت كنْ كاملاً ، هذه أمها ، وهذا أبوها ، وهذا أخوها ، فإذا أكرمتهم فإكرامهم ليس لهم ، إنما إكرامهم لزوجتك ، فلذلك من إكرام الزوجة أن تكرم أهلها ، يوجد أزواج و أصهار يحاسبون أهل زوجاتهم حساباً عسيراً ، قناص للكلمات ، كل غلطة بكفرة ، هكذا أبوك قال لي ، هذه لم تناسبني ، لن أدخل إلى بيته بعد الآن ، ولأتفه سبب ، وضعوا الخبز ، ولم يكن ساخناً ، هذا إهمال ، فيتخذ حجة واهية جداً في الضيافة ، أو في الزيارة ، ويقطع العلاقة نهائياً ، الزوج من عدم حكمته عندما قطع العلاقة مزَّق زوجته  ، الأب أب ، والأم أم ، وغضب الزوج من أهل زوجته لا يحيل هذه العلاقة مقطوعة .

لذلك أيها الإخوة إن من إكرام المرأة إكرام أهلها ، إكرام أهلها إكراماً لها ، وإكرام أهلها يعود خيره على الزوج ، فتطمئن الزوجة ، أما الذي أظنه أن أسعد زوجةٍ في الأرض هي التي تشعر أن أهلها وأهل زوجها على وفاق ،  ترتاح ، لأن هذا زوجها ، وهؤلاء أهلها ، ومن الصعب جداً أن تميل بجانبٍ على جانبٍ آخر .

  Text Box: من عقبات الفقر المفتعل : بذل الأموال الطائلة في الولائم

 

الآن العقبة الثالثة من عقبات الفقر المفتعل ، بذل الأموال الطائلة بمناسبة الولائم  .

الحقيقة أني أشعر بوجود ظاهرة الآن ليست وسام فخر ، البذخ والإسراف الشديد في ولائم الأعراس ، وفي الاحتفالات ، لدرجة أن نفقة عرسٍ واحد ، أو عقد قرانٍ واحد مع الإسراف والتبذير ، يكفي لتزويج عشرة رجال ، أو مئة أحياناً ، ومرة خمسمئة ، شاب يحتاجون أشدَّ الحاجة إلى غرفةٍ تؤويهم ، وإلى زوجةٍ تكفيهم ، فلا يجدون ، وعرس واحد في فندق فخم تزيد نفقته على تزويج مئة شاب . إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ

لذلك إخواننا الكرام ، ] إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [ ، أي أن إنفاق الأموال كأن تحضر الزهور بالطائرة من هولندا ، والثياب من فرنسا ، والطعام من مكان كذا والعرس مختلط ، ووزعت فيه الخمور ، وجلبت الراقصات ، وعلى بطاقة الدعوة : الطيبون للطيبات .

( سورة الإسراء )

الآن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح الذي أورده الترمذي يقول عليه الصلاة والسلام :

((  طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ )) . 

فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يريدنا أن ننزلق إلى إطعام الطعام من أجل التفاخر ، وليمة العرس سنة ، أن تدعو الناس إلى طعامٍ بمناسبة الزواج هذا سنة ، والآن بعد الطعام الاحتفال ، عقد قران تتلى فيه المدائح النبي e ، تلقى كلمات توجيهية ، يوزَّع نوع من الحلوى في الصيف ، وفي الشتاء نوع آخر ، فإطعام الطعام من السنة ، والاحتفال من السنة ، وأنا أفضل ألف مرة أن يكون هناك حفل عقد قران ، أولاً ما الفرق بين النكاح والسفاح ؟ النكاح إعلان ، حينما تدعو مئتي رجل لحضور عقد قران ، وتتلى في هذا العقد قصة المولد ، وتتلى مدائح النبي عليه الصلاة والسلام ، تلقى كلماتٌ توجيهية ، هذا اسمه إعلان ، فالإعلان من لوازم النكاح ، لكن من دون إسرافٍ ولا مخيلة ، والآن في هناك تقليد والله أنا أشجعه كثيراً ، يوزع كتاب قيم ، وما من بيت ما فيه مصحف بل  فيه عشرون مصحفا  ، خمسين ، مع أنه أعظم الكتب على الإطلاق ، لكن لما توزع مصحفا ما أضفت شيئاً جديداً ، البيت فيه مصاحف ، لكنك إذا وزعت كتاباً في الحديث الشريف ، كتاباً في الفقه ، اسأل أهل العلم في اختيار هذا الكتاب ، أحياناً كتاب قيم جداً ، هذا الكتاب إذا وزع مع مضي الزمن تتشكل مكتبات إسلامية في البيوت ، الآن تتشكل مكتبات كلها صحون ، فلو وزع كتاب قيم بثمن الهدية تتشكل مكتبات في البيوت جميعاً ، شيء جميل جداً ، وأنا أفضل إذا كان أحب أخ أن يوزع كتابا يسأل أهل العلم عن أي كتاب يشتري ، كتابا في الأدعية ، كتابا في الأحاديث ، كتابا بالفقه مختصر ، كتابا ملخص إحياء علوم الدين ، الآن له ملخصات جيدة ، كتاب قيم جداً يوزع هدية .

وقد أعجبني جداً تقليداً آخر ، فقد حضرت عقد قران لم يوزع شيء ، العادة توزع الهدية مع بطاقة الدعوة ، والذين يدعون إلى هذا العقد من أغنياء البلد ، لم يوزعوا شيئا ففوجئت وقلت : لعل التوزيع في أثناء الحفل ، وفي الحفل لم يوزعوا شيئا ، لكن خطيباً قام يخطب وقال : "أصحاب الدعوة توقعوا أن يكون ثمن هذه الهدايا قريباً من سبعمئة ألف ليرة ، والحاضرون يبلغون ألف شخص ، وكل شخص هديته ثمنها سبعمئة ليرة ، فالمبلغ سبعمئة ألف ، أودعت عند رجل موضع ثقةٍ ، ليزوج بها الشباب المسلمين " .

حضرت أربع عقود مثل هذا العقد ، المبلغ تسعمئة ، أو ألف ، أو مليون تقريباً كل عقد   ، هذا المبلغ هو ثمن الهدايا ، رصد لتزويج الشباب المسلم ، هذا أيضاً تقليد ، إلى متى نحن نتباهى بهذه العلب ، وهذه الصحون ، ونشتريها من بلادٍ بعيدة ، ويذهب ثمنها من إنتاجنا ومن قوتنا ؟ إما أن تقدم كتاباً يسهم في تشكيل مكتبة في بيوت المسلمين ، أو أن تسهم بتزويج شابٍ .

لذلك المتباريان ، من هما المتباريان ؟ اللذان يصنعان الولائم للتباهي وللتنافس ، المتباريان لا يجابان ، ولا يؤكل طعامهما .

روى أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه ، بِمُدَّيْنِ من شعير ، ويروي لنا أنسٌ رضي الله عنه قصة وليمة أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أقام النبي عليه الصلاة والسلام بين خيبر والمدينة  ثلاثاً يبني عليه لصفية بنت حييّ ، فدعوت المسلمين إلى وليمته ، ما  كان فيها إلا خبزاً ولحماً .

إنه طعام طيب ، لكنه معقول ، أحياناً ترى شيئًا يدمي القلب ، أربعة أخماس الطعام ألقي في القمامة ، طعام نفيس جداً ، وسمعت الآن خبرا سارا ، أن جمعيةً تعمم على كل المحتفلين بأعراسهم ، وإقامة الولائم في بيوتهم ، أو في بعض الصالات ، يخبرونها ، فتأتي عند انتهاء الوليمة ، فتأخذ كلّ ما على الطاولات ، وبأساليب جيدة جداً توضع في أطباق ، وفي أكياس محكمة ، وتوزع على بيوتاتٍ فقيرةٍ فوراً .

مرة حضرت دعوة عقد قران مع طعام عشاء ، دهشت أن هذا الطعام كثير جداً ، والضيوف لم يأكلوا خمسه ، بقي في نفسي تساؤل ، في اليوم التالي سألت أحد المقربين من الداعي ، قال لي كلمةً والله أثلجت قلبي ، قال لي : والله ما ضاع من هذا الطعام حبة رزٍ ، كلِّ هذا الطعام وضع في علب ، وفي أطباق ، وذهب به إلى بعض المياتم ، وأكل هؤلاء الأيتام ، أطيب الطعام ، أسبوعاً بأكملّه . 

فإذا أحب إنسان أن يقيم وليمة ، وحفظ الباقي من الطعام في عناية فائقة ، يوزع على بيوتات فقيرة فلا مانع ، بل هذا شيء جميل جداً ، القصد أن تُحفَظ هذه النعمة ، دققوا في قول النبي عليه والسلام :

((يا عائشة ، أكرمي مجاورة نعم الله ، فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود )) .

والله أيها الإخوة ، أعرف أشخاصاً كانوا يلقون الطعام في القمامة ، والله وصل بهم الفقر إلى أنهم ينقبوا في القمامة ، فإتلاف الطعام ، إلقاء الطعام في القمامة ، الترفُّع عن بقايا الطعام هذا لا ينبغي .

( سورة الأعراف : آية " 31 " )

قال : ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيءٍ من نسائه ما أولم على زينب ، أولم بشاة .

ويا أيها الإخوة ، لا زلنا في مبحث الفقر المصطنع الذي يضعه أولياء الفتيات أمام خاطبي فتياتهم ، بحيث تغدو هذه الطلبات تعجيزية ، وبحيث تجعل الزواج شبه مستحيل ، عندئذٍ ينحرف الشباب ، كما هو موجودٌ في واقعنا .

الموضوع الذي سنأخذه في الدرس القادم موضوعٌ مهمٌ جداً ، كيف أن أولياء الفتيات يكونون عقبةً أمام زواج فتياتهن ؟ وما حكم الشرع حينما يغدو الولي عقبةً كأداء أمام زواج الفتات ؟ كيف أن القاضي هو ولي من لا ولي له ، أو ولي من كان وليه متعنتاً ، موضوعٌ دقيق جداً نحاول أن نأخذه في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi