English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : فقه الزواج (4 /10 ) : 18 / 12 / 1994 – الولاية في الزواج : أحكامها وآثارها – تدابير تمتين العلاقة الزوجية قبل الزواج - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

وبعد فنحن مع الدرس الرابع من الدروس المتعلقة بشأن الزواج ، وقد ذكرنا في درسٍ سابق أنَّ هناك فقراً حقيقياً ينبغي أن يعالج  ، والفقر كما تعلمون عقبةٌ كؤود في سبيل الزواج ، وتحدثت عن الفقر المصطنع ، حينما يغالى بالمهور ، وحينما يكلّف الخاطب ما لا يطيق ، يصبح فقيراً لا لأنه فقير ، بل لأن الطلبات تفوق إمكاناته .

 Text Box: الولاية في الزواج

 

وننتقل اليوم ، إلى موضوع الأولياء ، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل واضحةٍ جداً جعلَّ صحة عقد الزواج منوطةً بموافقة الولي ، فقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه :

(( لا نكاح إلا بولي )) .

[الترمذي عن أبي موسى ]

وجود الولي شرطٌ لعقد النكاح ، لماذا ؟ لأنه في أغلّب الأحيان لا تعرف الفتاة الرجال ، قد يعجبها شكله ، ولكن لا تستطيع أن تختبره ، بينما الولي لديه خبراتٌ متراكمة تزيد على خمسين عاماً أو عن أربعين عاماً ، هذه الخبرات في معرفة الرجال ، لذلك لئلا تقع الفتاة في شرِّ عملِّها ، أو لئلا تخدع ، أو لئلا يستغل طيبها ، وسذاجتها أحياناً ، أو عدم معرفتها بالرجال ، فلا بدِّ من ضمانةٍ في نجاح الزواج ، هذه الضمانة هي موافقة الولي .

  Text Box: من هو الولي ؟

 

من هو الولي ؟ أبوها أقرب الناس إليها ، أكثر الناس حباً لها ، أشدُّ الناس حرصاً عليها ، أي لا يوجد علاقة في الأرض تفوق علاقة الأب بابنه ، أو الأم بابنتها ، فلذلك الشرع الحكيم جعل موافقة الولي شرطاً لصحة العقد .

حينما تأيَّمت حفصة بنت سيدنا عمر من خنيس بن حذافة السهمي ، وكان من أصحاب رسول الله e ، فتوفي بالمدينة ، فقال عمر رضي الله عنه :

<< أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة ، فقال : سأنظر في أمري ، فلبثت ليالي ، ثم لقيني فقال : قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا ، قال عمر : فلقيت أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه ، فقلت : إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر ، فصمت أبو بكرٍ رضي الله عنه فلم يرجع إليَّ شيئاً ، فلبثت ليالي ، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنكحتها إياه >> .

  Text Box: وجوب تزويج الولي ابنته أو مَن في حُكمها

 

ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ حب سيدنا عمر الشديد على تزويج ابنته ، وأيما أخٍ مؤمن يحرصُّ حرصاً بالغاً ، ويتحرك ، ويسعى ، ويأخذ بالأسباب ليزوج ابنته ، فهذا موقفٌ نبيل ، فإن زوجها من شابٍ مؤمن حفظ لها دينها ، وحفظ لها دنياها ، وأعطاها حقها الطبيعي في أن تكون أمًّا ، وإذا رأيت أباً لا يعبأ بتزويج بناته ، فيتكبر على الخطَّاب ، ويضع الشروط التعجيزية ، ولا يبالي ، بل إن بعض الجهلّة يقولون : " هذه الفتاة تركتها لشيخوختي " ، لقد أخطأ في حقها خطأً لا يغفر ، هذه تركتها لشيخوختي ، لا يحب أن يزوجها .

قد تكون إحدى الفتيات على علاقةٍ طيبةٍ جداً بأبيها ، تخدمه خدمةً فائقة ، فهذا الأب بعقله الباطن لا يتمنى أن يزوجها ، إنه سعيدٌ بخدمتها ، هذا الذي يؤْثر مصلحته وحظوظه من خلال ابنته ، ومن خلال خدمة ابنته له ، على صالح ابنته ، فحينما يغيب هذا الأب عن الحياة ، فهو أبٌ اقترف ذنباً لا يغفر .

لذلك عرض سيدنا عمر ابنته على حفصة سيدنا عثمان ، ثم عرضها على سيدنا الصديق ، ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام فخطبها ، فأنكحها إياه.

فهذه المقدمة تعني أن على ولي الأمر أن يسعى جاهداً لتزويج ابنته ، أحياناً يسلِّكها طريقاً بعيداً عن أنوثتها ، لذلك عندئذٍ لا يُقدم عليها أحد ، ولا ترضى بأحد ، بعد حين يفوتها قطار الزواج ، بعد حين تتألم أشدَّ الألم ، تتعقد أحياناً ، عندئذٍ تندب حظها وتنحِّي باللائمة على أبيها ، فلذلك أردت من هذه المقدمة أن أبين لكم أن الأب المؤمن ينبغي أن يكون حريصاً حرصاً لا حدود له على تزويج بناته ، طبعاً ليس الأمر بيده مطلقاً ، عليه أن يسعى وعلى الله الباقي ، فالسعي مطلوب .

إخواننا الكرام ، فهنا نقطة دقيقة جداً .

عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ : الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) .

( سنن أبي داود )

هذا الحديث لو فهمناه فهماً دقيقاً ، ففهمنا أبعاده لكان المسلمون اليوم بحالٍ غير هذا الحال ، الاستسلام والضعف واليأس والقنوط لماذا ؟ فتحرك ، واسعَ ، ألم يقل سيدنا شعيب لسيدنا موسى :

( القصص )

فإذا كان الأب يكبر عليه أن يعرض بناته ، فلا بدَّ من وسيط قريب من العائلة يسعى لتزويج الفتيات ، وقد ذكرت لكم هذا في دروسٍ سابقة ، فأفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح ، حينما تخطب الفتاة من شابٍ مؤمن ، تعمُّ الفرحة في بيت أبيها ، فقد اطمأن على دينها وعلى دنياها ، عليه أن يقدِّم ما يستطيع ، أن يتساهل ، إذا كان يملّك يقدم إذا لا يملك يتساهل ، أما لا يملك ولا يقدم ولا يتساهل ، هذا إنسان أحمق ، إما أن يقدِّم ، وإما أن يتساهل .

  Text Box: السلطان وليُّ مَن لا ولي له

 

الآن هذا الولي الذي جُعلَّ عقد النكاح موقوفاً صحته على موافقته ، لو أنه غير موجود ، فلو أنه كان مسافراً ، أو لو أنه غائب ، لو أنه في السجن ، كيف نعمل ؟ العلماء قالوا : " الولي إما أن لا يكون موجوداً حقيقةً أو حكماً " .

 معنى : موجودا حقيقةً : ليس لها أب ، كأن يكون الأب متوفى .

ومعنى : حكماً كأن يكون مسافرًا ، أو مسجونًا أو غائبًا أو مفقودًا ، أو مصابًا بصفة تمنعه أن يحكم في أمر ابنته .

الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يروي عن ابن عباسٍ رضي الله عنه ، طبعاً إذا قلنا عن أحد التابعين ، أو عن أحد العلماء العاملين والفقهاء والمحدثين : رضي الله عنه ، كما تعلمون هذه العبارة دعائية ، أما إذا قلنا : عن أصحاب رسول الله رضي الله عنه ، فهذه تقريرية ، والفرق كبير بين أن تكون غنياً فيقال لكَ : " لقد أغناك الله ، وبين أن تكون فقيراً فيقال لك : أغناك الله " ، الأولى دعاء ، والثانية تقرير، وإذا قلت عن التابعين ، وعن العلماء العاملين وعن الفقهاء  والمحدثين : رحمه الله تعالى ، هذه تنفي الإشكال ، أما لو قلت : رضي الله عنه لإنسان من التابعين أو العلماء المتأخرين ، هذه دعائية ، أما إذا ذكرت صحابياً ، وترضَّيت عنه هذه تقريرية ، والفرق بينهما كبير .

فسيدنا بن عباس رضي الله عنه ، أو رضي الله عنهما لأنه وأبوه صحابيان .

عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لا نِكَاحَ إِلا  بِوَلِيٍّ )) .

قالوا : " والسلطان وليُ من لا وليَ له ، والقاضي ينوب عن السلطان، في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها ".

هذه أول قضية حُلّت ، فلو فتاةٌ ليس لها ولي وجاءها خاطب والعقد معلق على موافقة الولي ، هنا السلطان وليُ من لا وليَ لها ، والقاضي الشرعي ينوب عن السلطان في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها ، ولكن ماذا نعني بالسلطان ؟ يقول بعض العلماء : " نائب الحاكم ولي ، أمير الأعراب ولي ، رئيس القرية ولي " .

فالقرية لها مختار ، وهؤلاء الأعراب لهم شيخ قبيلة ، وفي المدينة القاضي الشرعي ، فأي شخص من عِلية القوم من بيده أمرّ هذه الجماعة ، هذا يعدُّ نائباً للسلطان في تزويج من لا ولي لها .

بعض العلماء يقول : " إذا كان ولّيها غائباً في موضعٍ لا يصل إليه الكتاب ، أو يصلُّ فلا يجيب عنه ، زوَّجها من هو أبعد منه من عصبتها ، فإن لم يكن فالسلطان ".

يوجد عندنا حل آخر ، الأب ولي ، وهو غائب لا نعلَّم أين هو ، أو نعلم أين هو ، لكن لا نستطيع أن نصلّ إليه ، فإذا وصلّنا إليه قد لا يجيب لسبب أو لآخر ، إذاً هناك وليٌ من الدرجة الثانية ، أخوها فالأخ ولي ، وعمها وخالها ، وهكذا ، فإن لم يكن هناك وليٌ من قرابتها ، كان السلطان أو نائب السلطان ولياً في تزويجها .

إذا غاب الولي غيبةً طويلةً انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد ، وهكذا ، إلى أن نصل إلى السلطان أو نائبه في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها .

هناك سؤال : أيهما أفضل إذا غاب وليها ، أن يزوجها وليها الأبعد ، أم السلطان أكثر ؟ الفقهاء على أن وليها الأبعد أولى من السلطان في تزويجها .

النقطة الثانية : أية مدةٍ إذا غاب عنها الولي فقد ولايته ، وانتقلت الولاية إلى غيره ، أو إلى من هو أبعد منه ، وهذه بحسب الأعراف والعادات ، فكلّ بلدة أو كلّ مجتمع له عرف ، فإذا سافر الإنسان إلى المحافظات أسبوعا ، أو يسافر إلى بلد نفطي مثلاً شهر يسافر إلى بلد أبعد ، فهناك سفر معقول ضمن العمل ، لكن إذا انقطعت الأخبار ، وطالت المدة ، وفي عرف هذه البلدة أنه لن يعود ، فلعلَّ هذا الوقت هو الذي يعدُّ مبرراً لأن يتولى الولي الآخر أمر زواجها .

أحياناً الرق والصبي ، والمجنون والمختل ، والهرم ومن أصابه خبل ، هذه صفات تخلع عن الولي حقه في الولاية ، عندئذٍ يعين الأبعد أو نائب السلطان .

  Text Box: حكم تعدد الأولياء في الزواج تنازعهم في الولاية

 

أحياناً يأتي خاطب ، فيتشاجر الأولياء على تفاوتهم ، فالأم تريد ، والأب لا يريد ، الأب يريد ، والأم لا تريد ، والأخ يحلّف أيماناً معظمة إذا زوِّجت أخته لهذا الشاب لقتلّه ، فرضاً ، إذا وقعت منازعةٌ بين الأولياء على تفاوت درجتهم ، عندئذٍ السلطان أو من ينوب عنه يزوج هذه الفتاة .

وردَّ في حديث شريف رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى اله عليه وسلّم :

((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ  )) .

إذا كان الأولياء في التعددِّ سواء ، لها خمسة إخوة ، وأبوها متوفَّى ، فإذا قلت : المتوفِّي غلط ، المتوفِّي هو الله جلَّ جلاله ، توفَّى ، يتوفَّى ، المتوفِّي ، الصواب متوفَّى ، الإنسان متوفَّى ، فإذا تعدد الأولياء وكانوا في مستوى واحد ، نأخذ برأي أفضلّهم أو أكبرهم سناً .

أحياناً يرفض الولي تزويج ابنته ، إما أن هذا الرفض معقول ، وإما أنه غير معقول ، فأحياناً تكون الفتاة مريضة مرضا عضالا ، ولحكمةٍ أرادها أبوها لم يعلِّمها بهذا المرض ، والزواج لا يناسبها أبداً ، فإذا رفض التزويج ليس مضطراً أن يُنبئ ابنته بالسبب إن رفعت أمرها إلى القاضي ، لأن القاضي الشرعي ولي من لا ولي له ، القاضي عليه أن يستدعي الأب ليسأله عن سبب رفضه ، فإما أن يقنع القاضي فينضم إلى الولي ، وإما أن لا يقنع فيزوجها القاضي .

روى الإمام البخاري عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال :

((زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا ، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا ، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ ، وَفَرَشْتُكَ ، وَأَكْرَمْتُكَ ، فَطَلَّقْتَهَا ، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا ، لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا ، وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ : ] فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [ ، فَقُلْتُ : الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ )) .

أحيانًا تأخذ الإنسانَ حميّةٌ ، يريد أن يؤدِّب هذا الرجل ، فيقول له : والله لا أزوجك أبداً ، فمن الضحية ؟ الفتاة ، هذا اسمه عضل ، والعضل لا يجوز ، فإذا كنت في خصومة مع شخص أو في مشكلّة أو قضية فالأولى أن تجمدها ، وأن تلتفت إلى صالح الفتاة .

فقد تنشأ مشكلّة في أثناء الخطوبة ، أو قبل عقد القران ، فيتألم الأب أحياناً ، أو يتألم الأخ ، أو أن الأب يريد أن يؤدِّب هذا الخاطب ، أو أن يؤدب هذا الطالب ، فيمنعه من الزواج من هذه الفتاة لا لشيء إلا ليأخذ بثأره ، أو ليثبت شخصيته قال : هذا لا يجوز ، إذا كان الخاطب جيداً ، وكانت الفتاة ترضى به ، فالأولى أن نجمِّد مشكلتنا مع هذا الخاطب ، وأن نحكِّم مصلحة الفتاة في هذا الموضوع ، الآية الكريمة :

( سورة البقرة : آية " 232 " )

الإمام الطبري ، يفسر هذه الآية فيقول : " والصواب من القول في هذه الآية أن يقال : أن الله تعالى ذكره أنزلها دلالةً على تحريمه على أولياء النساء ، مضارة من كان له أولياء من النساء ، يعضلهن عمن أردن النكاح من أزواجٍ كانوا لهن ، فبن منهنَّ بما تبين به المرأة من زوجها من طلاقٍ أو فسخ نكاح " .

أي بانت بينونة صغرى ، ثم جاء يخطبها مرةً ثانية ، أما البينونة الكبرى حتى تنكح زوجاً غيره ، لكن لو أن إنسان طلَّق زوجته طلقة واحدة ، وانقضت عدتها ثلاثة قروء ملكت نفسها ، بإمكانها أن ترفض ، وبإمكان وليها أن يرفض ، لأن عقد النكاح لا ينعقد إلا بالولي ، فإذا طلَّقها تطليقةً واحدةً ، وبانت منه بينونة صغرى ، ثم ندم على فعلته ، وجاء يخطبها مرةً ثانية ، ليس للولي الحق أن يعضل فتاته أو ابنته ، عن أن تتزوج زوجها التي بانت منه قبل قليل .

بالمناسبة ، الإنسان إذا طلق زوجته تطليقة واحدة ، تبقى في بيته ثلاثة قروء ، في هذه المدة بإمكانه أن يراجعها من دون عقد ، ولا مهر ، ولا ولي ، ولا أي شيء ، مراجعة قولية أو فعلية ، لو وضع يده على يدها فقد راجعها ، لو قال لها : لقد راجعتك ، فقد رجعت إليه ، لكن حُسبت طلقة ، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها ، يمكن أن تعقد عليها عقداً جديداً ، وأن تعود إليه من دون أن تضطر أن تتزوج رجلاً آخر ، هذه البينونة الصغرى .

يوجد عندنا حكم شرعي دقيق ، أن الولي إذا عضل أي رفض تزويج ابنته ، من زوجها الذي طلَّقها وبانّت منه بينونة صغرى ، لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل ، فإن أجاب فذاك ، وإن أصرَّ ، زوج عليه الحاكم والله أعلّم .

المفروض نائب السلطان القاضي الشرعي ، يرى في رأي الولي ، لعل هناك مشكلة لا يعلّمها ، لعل هناك عقبة كؤود ، لعل هناك مفسدة كبيرة من عودتها إليه ، لا بدَّ من التشاور .

عندنا حالة يؤسف لها كثيراً ، أنَّ ولي الفتاة ينتظر خاطباً غنياً ، فيعضل ابنته لعلّة الغنى ، أي يتمنى خاطباً غنياً ، فكلّما جاء خاطبٌ فقير رفض ، هذا عضل   وبإمكان الفتاة التي يرفض أبوها تزويجها لهذه العلة أن ترفع أمرها إلى القاضي .

شيء آخر ، أحياناً يكون للفتاة دخل أو لها إرث كبير ، فيريد الأب أن تبقى في حوزته حتى يتصرف في أملاكها ، يخشى أن يأتي زوج ، فيأخذها منه ، ويأخذ معها ما تملك ، هذا أيضاً الدافع مادي ، وعندنا قاعدة أساسية ، إذا ابتغى الإنسان مرضاة الله عزَّ وجل جاءته الدنيا وهي راغمة ، أما إذا أراد الدنيا ، خسر الدنيا والآخر .

لدي كلمات أقرأُها لكم :

" إذا رضيت الفتاة رجلاً ، وكان كُفئاً لها ، وجب على وليها ، كالأب أو الأخ أو العم ، أن يزوجها به ، فإن عضلّها أي امتنع ، زوجها الولي الأبعد منه ، أو الحاكم أو نائب الحاكم ، وأقصد به القاضي الشرعي ، بغير إذنه ، باتفاق العلماء ، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه ، وليس له أن يعضلها عن نكاح من ترضاه ، إذا كان كفئاً في اتفاق الأمة ، وإنما يجبرها ، ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة ، الذين يزوجون نساءهم بمن يختارون لغرضٍ لا لمصلحة المرأة ، ويكرهونها على ذلك ".

وأحياناً هناك نوع من الإكراه هو الإخجال ، أي كلام فيه استعطاف ، فيه إثارة عاطفة البنوة نحو أبيها ، هذا الشيء كان بالحياء فهو حرام ، كان عليه الصلاة والسلام إذا خطبت ابنته يعطيها ظهره ، ويقول :

((يا بنيتي ، إن فلانا قد ذكرك ، لك الخيار)) .

[ورد في الأثر]

فقضية التزويج وهذه نصيحة إلى إخواننا الكرام ، أنت ترى أن هذا الإنسان جيد جداً ، لكن لم يرق لابنتك ، فإذا رفضت ينبغي أن ترفض ، لك أن تقول لها : فلان أخلاقه عالية ، لكن كما أنك مُكلّف أن تختار لها الأصلح ، هي مسموح لها أن تختار من تعتزُّ به ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما ، جاءت امرأة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تطلب الطلاق من زوجها فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ ، قَالَتْ : فَلا حَاجَةَ لِي فِيهِ )) .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً )) .

[البخاري]

هذه هي المخالعة ، فالأب يجب أن يحترم رغبة ابنته ، قد تكره هذا النموذج ، قد تكره هذا الشخص ، لا بدَّ من موافقة الولي ، وموافقة الفتاة معاً ، فبعض الصناديق يكون لها مفتاحان ، لو ملكت مفتاحا واحدا لا يفتح ، لا بدَّ من استخدام المفتاحين معاً .

الحقيقة أنّ هذا الموضوع واضح ، لحرص الإسلام على إحصان الفتيات ، وعلى تأسيس الأسر الإسلامية ، النبي عليه الصلاة والسلام ، لا ينطق عن الهوى ، شرَّع لنا أن الولي فإذا كان مفقوداً حقيقةً ، أو مفقوداً حكماً ، أو كان حجر عثرةٍ ، تولى السلطان تزويج هذه الفتاة التي لا ولي لها أو لها وليٌ مفقود ، أو وليها يعضلّها عن الزواج ، عندئذٍ يتولى الأبعد ، أو نائب السلطان ، وهو القاضي الشرعي ، تزويج هذه الفتاة ، وأحياناً الإنسان يصل إلى الدرجة من الاعتداد بالنفس ومن أجل أن ينفذ كلمته يضحي بمستقبل بناته .

  Text Box: إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية

 

ننتقل إلى فصلٍ جديد في هذا الموضوع ، وهو إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية ، هناك تدابير ينبغي أن يفعلّها الإنسان قبل الزواج ، من أجل أن تشيع المحبة بعد الزواج ، كيف أن الابن له حقٌ عليك قبل أن يلد ، ما حقه عليك ؟ أن تحسن اختيار أمه ، هناك أساليب ينبغي أن تفعلها قبل الزواج ، من أجل أن تشيع المحبة بينك وبين زوجتك بعد الزواج ، فمن هذه التدابير :

  Text Box: استحباب النظر إلى المخطوبة والخاطب

 

استحباب النظر إلى المخطوبة ، الآن دققوا : فمن فضل الله علينا أنا لا أعتقد أن في ألف ولي وليا واحدا لا يريد لابنته أفضل زوج ، في الأعمّ الأغلب في مجتمع المؤمنين الولي عنده رحمة بالغة وحرص شديد على تزويج ابنته ، إلا الحالات الشاذة ، لذلك القسم الأول من هذا الدرس يتعلَّق بفتاة ليس لها ولي حقيقةً ، أو لها وليٌ غائبٌ ، فهو كالمفقود حكماً ، أو لها وليٌ يعاني من مشكلة فيعضلها ، عندئذٍ هناك من يزوجها ، إما وليٌ آخر أو القاضي .

لكن الآن دخلنا في صميم الموضوع ، هناك مشكلات ، تنشأ بين الزوجين أسبابها أنه لم ينظر إليها ، أو أنه نظرَّ إليها ، ولكنه رجَّح مصلحةً غير مصلحة أنها في طموحه ، فإذا تزوج الإنسان فتاة دون طموحه بكثير ، ورضيها ، وأحسن إليها ، فلا يوجد مانع ، فهي بطولة ، أما إذا قبلها بادئ الأمر ، ثم بالغ في إهانتها ، لأنها لم تكن في طموحه ، فقد أجرم بحقها ، الفتاة عند أهلها معززةٌ مكرمةٌ ، وتعيش في أجواء أخرى ، ثم دخلت أجواء الزواج وأجواء علاقتها بالرجال ، تعيش حياة طهر واستقامة وصفاء ، لها أبٌ يحبها ، ولها أمٌ تعطف عليها فأنت قلت : " أنا أختارها زوجة لي ، ولا يعنيني الجمال إطلاقاً "، فلا مانع من ذلك ، وهي بطولة منك ، لكن حينما تأتي إليك فتنكد عيشها ، وتمتهن كرامتها ، لأنها ليست في طموحك ، هذه جريمةٌ بحقها ، لذلك إذا أردت أن تكون من عامة المؤمنين انظر إليها .

النبي عليه الصلاة والسلام من توجيهاته الكريمة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه خطب امرأةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام :

((انْظُرْ إِلَيْهَا ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا )) .

ومعنى أن يؤدم بينكما ، أي أن تدوم المودة بينهما ، فأحد أسباب المودة بين الزوجين ، أنه نظر إليها ، ولم يغرر بها ، ولم يدلس له عليها ورضيها ، وأعجبته ، وخطبها عن قناعةٍ ، وعن رغبةٍ  ، وعن شوقٍ عندئذٍ لا يندم على الزواج منها ، هذا مما يعين عن المودة فيما بين الزوجين .

بعض العلماء قال :  " معنى أن يؤدم بينكما ، يكون بينكما الألفة والمحبة ، لأن الزواج منها كان بعد معرفةٍ ، فلا يكون بعدها ندامةٌ غالباً ".

أي إذا نظرت ، وأعجبتك وكانت ضمن الطموح الذي تريده ، انتهى موضوع الندامة ، وموضوع اللوم ، كأن تقول : " لولا أنت لما تزوجتها ، لولا أن أمي ضغطت علي لما تزوجتها "، فهذه القضية قضية عمر مديد .

فمن هذه الأمور التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام : استحباب النظر إلى المخطوبة ، واستحباب النظر إلى الخاطب ، ولهنَّ مثل الذي عليهنّ ، ووجوب استشارة البنت وتأكيد استشارة الأم ، أربع أشياء ، أن تنظر إليها ، وأن تنظر إليك ، وأن تستشار البنت في الزواج ، وأن تستشار أمها ، فإذا جاءت الموافقات بالأربع ، في الأعم الأغلب ستكون المودة والمحبة بين الزوجين .

لكن الحكم الشرعي هو الاستحباب لا الوجوب ، فهناك حالات كأن يتزوج الإنسان بنت إنسان عظيم ، لعله ينال شرفاً رفيعاً بهذا الزواج ، لذلك لا يمكن أن يعلِّق أهميةً على الأمور الثانية ، فهو إذا رفض النظر هذا تخلى عن حقه ، ولكن الزواج صحيح ، فالتوجيه النبوي على سبيل الاستحباب ، لا على سبيل الوجوب ، لو أن الولي لم يوافق فالزواج باطل ، ولو أن العقد بلا مهر فالزواج فاسد يصحح ، أما لو الزواج تم ، ولم ينظر الخاطب إلى مخطوبته فالزواج صحيح ، لكن لن يتخلَّى عن حقٍ له مشروع ، والأولى أن تمارس حقك الذي شرعه لك النبي عليه الصلاة والسلام .

وهناك حديث آخر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ )) .

( من سنن أبي داود : رقم " 1783 " )

المعنى واضح ، ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها ، أي أن تكون على الصفة الفلانية ، هكذا طموحه ، فإذا نظرت إليها ، ورأيت فيها ما يدعوك إلى نكاحها ، هذا من علامات التوفيق ، ومن العلامات المودة والرحمة بين الزوجين .

عَنْ أَبِي حُمَيْدَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ )) .

( مسند أحمد  )

عندنا حكم فرعي ، وحكم لطيف جداً ، أحياناً يأتي الخاطب الأول فلا يعود ، ويأتي الخاطب الثاني فلا يعود ، والخاطب الثالث فلا يعود ، والأب حريص حرصاً بالغاً على معنويات ابنته ، وعلى شأنها وعلى مكانتها ، قد تكون فتاة مؤمنة ، حافظة لكتاب الله ، فهذه قلامة ظفرها تعدل عند الله ألف فتاة غير متدينة ، بل مليون ، فإذا كان أول خاطب لم يعد ، والثاني لم يعد ، وخاف الأب على مشاعر ابنته أن تجرح ، وعلى معنوياتها أن تهبط  يحق للأب أن يسمح للخاطب الثالث أن يراها دون أن تدري ، ومن الممكن ذلك ، وهنا الحكمة أن يراها دون أن تدري .

أما إلى ماذا ينظر ؟ لقد شرح الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث الشريف الذي ورد فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى المخطوبة فقال : " وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها إلى الوجه ، وهو مذهبنا ، ومذهب مالكٍ وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد ، وجماهير العلماء أن ينظر إلى وجهها وكفِّها ".

بعضهم علقَّ هذا التعليق : " يستدلُّ بالوجه على الجمال ، أو جلده ، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمه " الوجه مجمع الجمال ، قال : " ولا يباح النظر ، إلى ما لا يظهر عادةً ".

في العادة هذه الفتاة في بيت أهلها ، هناك أشياء لا تظهر عادةً منها فلا يباح النظر إلى مالا يظهر عادةً .

بعض العلماء قال : " للخاطب أن ينظر إلى أكثر مما ذكر " ، ولكن الإمام النووي يقول : نرى ألا ينظر إلى ما عدا الوجه والكفين ، وذلك لسببين : أن الوجه  مجمع المحاسن ، ويكفي في الإخبار عن حسن صاحب الوجه ، والكفان كما يقول النووي ينبئان عن خصوبة الجسد وصلابته ، فلا ينبغي تجاوز الوجه والكفين إلى غيرهما ".

ويرجِّح الإمام النووي أن ينظر الخاطب إلى الوجه والكفين فقط .

هنا تعليق لطيف ، لو أراد هذا الخاطب أن يستزيد من صفات المرأة ، فله أن يرسل إحدى قريباته فتعطيه الزائدة ، هذا من الممكن يرجح وهذا مباح ، يقول الإمام النووي : " إذا لم يمكنه النظر ، استحب له أن يبعث امرأةً يثق بها ، تنظر إليه وتخبره ".

وهناك نقطة مهمة جداً في الخطبة ، أحياناً يكلّف الإنسان امرأة ليست ثقة ، ليست متديِّنة ، فلو كلَّفها أو لو كلَّف مثلاَ زوجة أخيه أن تخطب له ، هذه الزوجة لا تسمح أن تأتي من تنافسها في الجمال ، فإذا أرسلَّها إلى فتاةٍ تحقق طموحه فستعطيه صفات مخالفة ، فإذا أرسل الإنسان امرأة لكي تخطب له فينبغي أن تكون ثقةً ، ورعةً ، لا تكذب ، لا تغير الصفات لا تبدِّل ، فأنا أعرف عشرات بل مئات الفتيات ، اللاتي رفضن وهنّ في أعلى مستوى لغيرةٍ أصابت الخاطبة أو لحسدٍ ، أو لمشكلةٍ ، أو لعداوةٍ ، أو لمنافسةٍ ، فالابن أو الأخ بسيط  فإن قيل له : الفتاة لا تناسبك ، فبهذا القضية انتهت ، أو أنها تعرج عرجةً خفيفة ، وقد تكون غير ذلك ، فأحياناً هذه الخاطبة التي ليست ثقةً ربما شوَّهت الحقيقة .

الحقيقة أن الحياة تحتاج إلى ورع ، المؤمن الصادق يتعامل مع المؤمنين ، وبالإيمان حد أدنى ، المؤمن لا يكذب ، يطبع المؤمن على الخلال كلِّها ، إلا الكذب والخيانة ، أقول لكم هذا الكلام الدقيق : مؤمن يكذب ؟ يتكلّم كلامًا غير صحيح ؟ يفتري ؟ يبالغ ؟ يطمس المعالم ويشوِّه ؟ هذا ليس مؤمناً ، يجب أن تنقل الواقع بأمانة .

طبعاً في موضوع إرسال النساء للخطبة هذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام ، بعث امرأةً تنظر إلى من خطبها النبي عليه الصلاة والسلام .

والأولى عندنا قاعدة في الحديث ، وهي أن الحديث المتواتر ، يستحيل الكذب فيه ، فقد رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير يستحيل التواطؤ على الكذب ، فإذا كان الإنسان حريصًا على أن يخطب هذه الفتاة ، وكان معه عنها معلومات جيدة جداً ، فإذا أنبأته امرأةٌ ليس من صالحها أن تخطبها له بصفات مناقضة لما يعلَم ، له أن يرسل امرأةً أخرى ، فإذا جاء التواتر موافقاً ، فيرسل امرأة ثالثة ، فإذا جاءت الأوصاف متشابهة ، معناها كلهنَّ صادقات ، أما إذا كان هناك تناقض في الصفات ، معنى ذلك أن إحداهن ليس لها مصلحة في هذا الزواج ، فكنْ عاقلاً ولا تكون ألعوبة بيد الأخريات ، كنْ عاقلاً فلا تحكم إلا بعد التثبت والتحقق .

بقي علينا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نظر المخطوبة إلى الخاطب ، واستشارة الفتاة ، واستشارة أمها ، هذه من التصرفات التي تحقق المودة بين الزوجين .

Text Box: أسئلة متعلقة بالخِطبة

 

 

هناك أسئلة متعلّقة بهذا الموضوع لعلّها مهمةٌ ومفيدة :

السؤال الأول :

متى يسمح للخاطب بالنظر إلى الفتاة ؟ قبل الخوض في التفاصيل الأخرى أم بعدها ؟

الجواب :

والله الأولى والأصوب ، والأكمل والشيء الشرعي أكثر ، أن ينظر إليها بعد أن يتفق الفريقان على كلِّ شيء ، وتبقى الرؤية الحاسمة ، أما هناك أكثر من سبب لعدم تحقق هذا الزواج ، فما الفائدة من النظر إليها ؟ فمثلاً أهل الفتاة لا يزوجون خارج بلدهم ، والخاطب مقيم بدولة خليجية ، ويريد أن يراها ، فلا داعي أن تراها ما دام إرسالها إلى هذا البلد مرفوض ، أو لا يزوجون إلا في بيت مستقل ، والخاطب لا يوجد عنده بيت مستقل ، فلماذا تريد أن تراها ؟ أكثر الناس أول المرحلة الرؤية ، فلا داعي لذلك ، فلك أنت ظروف  ولهم شروط ، فإذا توافقت ظروفك مع شروطهم ، اطلب أن تنظر إليها ، أما أن يكون التناقض بين ظروفك وبين شروطهم فليس هناك حاجة أن تنظر إليها .

السؤال الثاني :

سألني أخ سؤالا : ما رأيك بتعدد الزوجات أسوةً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟

الجواب :

ألم يعجبك منه غير التعدد اللهم صلِّ عليه ؟ التعدد مباح وليس واجباً ، والأصل ما دام الله عزَّ وجل خلّق تقريباً النسبة بين الرجال والنساء خمسين بخمسين ، فالأصل زوجة واحدة ، أما حينما تكون المرأةٌ عاقرًا ، هل الأولى أن نطلقها ، وأن نلقيها في الطريق ، أم أن نسمح لهذا الزوج المحروم من الولد بالزواج من ثانية ؟ نسمح له بالزواج من الثانية .

امرأةٌ مريضة ، الأولى أن نطلقها ، ونلقيها في الطريق ، أم أن نسمح لزوجها المحروم منها لعلة مرضها أن يتزوج ثانية ؟ نقول له : تزوج ثانية .

رجلٌ له حالةٌ خاصة ، لا تكفيه امرأةٌ واحدة ، أنسمح له بالزنا أم بالخليلات ، أم بزوجة ثانية ؟ بزوجة ثانية .

عقب الحروب ، مليون قتيل في بعض الحروب التي وقعت بين بلدين إسلاميين ودامت ثماني سنوات فقد فيها مليون قتيل ، فماذا نفعل ببقية النساء ؟ ندفعهن للانحراف ، أم نسمح بالتعدد ؟ نسمح بالتعدد .

إذاً التعدد مباح وليس واجباً ، وتتضح إباحته جليًّا في هذه الظروف ، كامرأةٌ لا تنجب ، أو امرأة مريضة ، أو امرأة لا تحصن زوجها ، ويخشى عليه أن يلتفت إلى غيرها ، أو أن الرجل لا تكفيه امرأةٌ واحدة ، أو عقب الحروب والنكبات ، في هذه ظروف إذا سمحنا بالتعدد في هذه الظروف ، لا بدَّ من العدل التام لا المطلق ، فالمطلق يشمل ، ميل القلب :

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ :

(( اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ )) .

أما التام ، السكنى ، أي أن البيتين في مستوى واحد ، الإنفاق اليومي ، المبيت أو الوقت ، فإذا كان هناك حاجة ، وكان هناك قدرة ، وكان هناك عدل تام ، فالتعدد مباحاً وهو رأي الشرع .

السؤال الثالث :

إذا خطب رجلٌ فتاةً ثم تزوجها ، وبعد الزواج اكتشف فيها عيباً لم يعرفه قبل الزواج ، فما هو رأي الشرع بذلك ؟ وهل من حق الخاطب أن ينظر إلى مفاتنها المخفية عن الأنظار ؟

الجواب :

مثلما تكلمنا سابقاً له أن ينظر إلى الوجه والكفين ، وهناك رأيٍ ضعيف ، لم يجمع عليه العلماء ، أن ينظر إلى أكثر من ذلك ، أي  للشعر ، لكن أن ينظر إلى ما ينبغي أن لا ينظر إليه ، لا يجوز هذا وهو خلاف الفطرة ، أما إذا اكتشف فيها عيباً ، العلماء في كتب الفقه نصوا على العيوب التي تجيز للزوج أن يفسخ العقد ، فليس كل عيب ، كأن يكون عندها ثلاث أسنان محشوة ، خير إن شاء الله ، فأنت لك عشرة أسنان ، لديك محشوة ، فهناك عيوب لا تقدِّم ولا تؤخر ، وليس هناك إنسان خالٍ من العيوب ، أو سليماً مئة بالمئة ، لكن هناك عيوب العلماء نصوا عليها تمنع تحقيق مصلحة الزواج ، هذه تعالج في درسٍ قادم إن شاء الله .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi