English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : فقه الزواج (5 /10 ) 25 / 12 / 1994 - تدابير تمتين العلاقة بعد الزواج - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الخامس من دروس الزواج ، وقد ترون معي أن هذا الموضوع من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعالج في هذا الوقت ، وقد وصلنا في الدرس الماضي ، إلى نظر المخطوبة إلى الخاطب ، وتحدثنا أن هناك تصرفاتٍ يمكن أن تمتِّن العلاقة الزوجية ، هناك تصرفاتٌ قبل الزواج ، تمتن هذه العلاقة ، وأخرى بعد الزواج تمتن هذه العلاقة ، فأما التي قبل الزواج فنظر الخاطب إلى مخطوبته ، وقد تحدثنا عن هذا في الدرس الماضي .

  Text Box: نظر المخطوبة إلى الخاطب

 

وأما الإجراء الثاني أو التصرف الثاني ، نظر المخطوبة إلى الخاطب ، فيسن للمرأة أن تنظر إلى الرجل إذا أرادت أن تتزوجه ، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها ، ولها أن تستوصف الرجل أي أن تسأل عن بعض صفاته ، هذا من حقها ، كما مر في بحث أن الزوج له أن يستوصف زوجته .

يقول أحد العلماء يذكر قصةً وهي : " أن المغيرة بن شعبة وفتىً من العرب خطبا امرأةً ، وكان الفتى جميلاً ، فأرسلت إليهما المرأة وقالت : لا بد من أن أراكما ، وأن أسمع كلامكما ، فاحضرا إن شئتما ، فعلم المغيرة أنها تؤثر عليه الفتى ، فقال للفتى : لقد أوتيت حسناً وجمالاً وبياناً ، فهل عندك سوى ذلك ، قال : نعم ، فعدد عليه محاسنه ثم سكت ، فقال المغيرة : فكيف حسابك ، قال : لا يسقط علي منه شيء ، وإني لأستدرك منه أقل من الخردلة ، فقال المغيرة : لكني أضع البدرة في زاوية البيت ، فينفقها أهل بيتي على ما يريدون ، فما أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها ، فقالت المرأة : والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني ، أحب إلي من الذي يحصي علي أدنى من الخردلة ، فتزوجت المغيرة " .

طبعاً هذه قصة ، لكن قد يؤخذ منها أن المرأة من حقها أن ترى الخاطب ، كما أنه من حقه أن يرى مخطوبته ، ولها أن تستوصفه ، أي أن تطلب أوصافه ، كما له أن يطب أوصافها ، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها ، وأصل هذا الكلام .

( سورة البقرة : آية " 228 " )

إذاً المرأة مساويةٌ للرجل في هذا ، لكن هذه الرؤية سواء كانت من قِبل الفتاة إلى خاطبها ، أو إن كانت من قِبل الخاطب إلى مخطوبته ، هذه الرؤية تتم مرةً أو مرتين ، أما أن يفعل الخاطبان كما يفعلُ بعضهم من دون قيود ، ومن دون حدود ، أشهر ، بضعة أشهر  زيارات ، سهرات ، خروج خارج المنزل ، هذه إباحيةٌ لا يقبلها الإسلام .

على كلٍ ، إن كانت هذه الخطبة بهذه الطريقة التي لا يرضاها الإسلام ، آتت أكلها ، فلنصغِ قليلاً إلى الإحصاءات :

إنّ نسب الطلاق في ألمانيا خمسة وثلاثين بالمئة ، أي أن من كل مئة زواج خمسة وثلاثين بالمئة من هذه الزيجات تنتهي إلى الطلاق ، ونسبة الطلاق في أمريكا اثنان وستون بالمئة ، أي أن من كل مئة زواج اثنين وستين بالمئة من هذه الزيجات تنتهي إلى الطلاق ، أما عندنا في سوريا فالقاضي الشرعي الأول يقول : ثلاثة بالألف ، ففي ألمانيا خمسة وثلاثون ، واثنان وستون في أمريكا ، وثلاثة بالألف في بلاد المسلمين ، هذا هو الشرع الحكيم .

شيءٌ آخر ، وهي دراسة لطيفة أسوقها لكم ، وزير الهاتف الفرنسي أصدر قرارًا بالسماح لمن يطلب أن يراقب خطه الهاتفي ، وأن يعطى مَن المتكلِّم ، ويعطى تسجيلاً للمكالمات الطويلة التي تتم في غيبته ، إلا أن رئيس الجمهورية جسكار ديستان ألغى هذا القرار حفاظاً على أسرار البيوت ، لأن نصف نساء فرنسا يخُنَّ أزواجهن ، لذلك الجمعيات النسائية أثنت على قرار إيقاف هذا الإجراء الذي يسمح للأزواج بطلب معرفة رقم هاتف من يتصل بزوجاتهن في غيبتهن ، لأن الخيانة الزوجية في بعض الإحصاءات بلغتْ ثلاثين بالمئة ، وفي بعض الإحصاءات بلغت خمسين بالمئة ، وهذه الأرقام كلها قديمة قبل عشر سنوات ، ويبدو الآن أنها تزيد على السبعين أو الثمانين بالمئة ، فهذه الخطبة المطولة التي لا قيود فيها ولا فيها حدود لم تؤتِ ثمارها ، بل بالعكس أدت إلى طلاقٍ مخيف ، وأدت إلى خياناتٍ زوجية ، فيما لو بقي الزوجان على عهدهما أو مع بعضهما بعضاً .

  Text Box: استئذان البنت في الزواج وعدم إكراهها

 

الذي يلفت النظر في الشرع الحكيم أن البنت ينبغي أن تُستأمر ، فقد روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت :

سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لا ؟ فَقَالَ : لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لَهُ : فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ )) .

أي أن سكوتها إذنها .

وقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :

 (( لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ ، وَإِذْنُهَا الصُّمُوتُ )) .

لكن هناك شيء يلفت النظر في المذهب الظاهري ، هذا المذهب يأخذ بظاهر النص ، يقول أصحابه : " لو أنك استأمرت فتاةً في زواجها ، أي استأذنتها وقالت : أنا أريد هذا الزوج  وأنا أرحب به ، وأنا موافقٌ عليه ، فالزواج باطل ، لماذا ؟ لأن أذنها صمتها ، وهي تكلَّمت )) .

وهذا من باب الطرفة ، فبعض المذاهب الظاهرية ترفض أن تتكلَّم الفتاة إذا استُئْمِرت ، لأن إذنها صمتها ، والكلام أبلغ من الصمت .

وقد روى الإمام الترمذي كما قلت قبل قليل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ ، وَإِذْنُهَا الصُّمُوتُ )) .

اختلف العلماء فيما إذا كان استئذانها مستحبٌ أو واجب ، إلا أن الأغلب والصحيح أن استئمارها أو استئذانها واجب .

يقول بعض العلماء : " لا يجوز أن يحكم الأولياء فقط ، لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من نفسها " .

الآن هناك موضوع آخر في سياق هذا الموضوع ، لا يجوز إجبار البنت على الزواج ، فقد ثبت في الصحيح أنه قال :

(( لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ ، قَالُوا : كَيْفَ إِذْنُهَا  قَالَ : أَنْ تَسْكُتَ )) .

( صحيح البخاري)

وفي صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا )) .

الحكم إذاً : لا يجوز أن تجبر البكر على النكاح ، ولا أن تزوج إلا برضاها .

وكلكم أيها الإخوة الكرام ، لا شك أنكم حضرتم عقود قران ، وحضرتم جانباً من هذه العقود ، كيف أن الموظف الموكَّل بكتابة العقد ، بعد أن يسمع الإجابة والقبول من الزوج ومن والد الفتاة ، ينهض ليسمع بإذنه موافقة الفتاة من وراء الحجاب ، هذا من شرعنا الحنيف .

يقول بعض العلماء : " تزويج الفتاة مع كراهتها للنكاح مخالفٌ للأصول والعقول ، والله لم يسوِّغ لوليها أن يكرهها على بيعٍ أو إجارةٍ إلا بإذنها ، ولا على طعامٍ أو شرابٍ إلا بإذنها ، فكيف يكرهها على مباضعة من تكره مباضعةً ومعاشرةً ، والله قد جعل بين الزوجين مودةً ورحمة ، فإذا كان هذا لا يحصل إلا مع بغضها له ونُفورها منه ، فأية مودةٍ وأية رحمةٍ تكون بين الزوجين ؟! ".

إذاً أن يجبر الولي ابنته على الزواج من شخصٍ ما وهي رافضة ولا تريد ، هذا مما نهى عنه الشرع الحنيف .

أما من تزوجت بغير رضاها فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ

(( أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا ، وَهْيَ ثَيِّبٌ ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ )) .

إذاً ردُّ النكاح إذا كانت ثيباً ، ولم تكن راضيةً به ، من الأحكام الشرعية التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .

وروى الإمام ابن ماجة عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ : جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ :

(( إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ ، قَالَ : فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ : قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ )) .

إنه ما لم توافق الفتاة فالزواج ليس مشروعاً ، لأنها هي الزوجة ، وهي التي تعيش مع هذا الزوج طوال حياتها ، فإن لم تكن راضية ففي الأعم الأغلب يكون الشقاق والخصام بين الزوجين .

الخلاصة .. ألاّ تزوج المرأة بكراً كانت أو ثيباً إلا بموافقتها ، ولو تزوجت بالإجبار ، كان لها طلب فسخ النكاح .

فالذي يرِد في هذا الدرس من أحكام شرعية فيها أحكام خلافية ، هناك أحكام أُخرى ، فهناك أحكام تُجيز ، وهناك أحكام تمنع ، القصد أن نعرف عظمة هذا الشرع الحنيف .

  Text Box: استشارة الأم في زواج ابنتها

 

وهناك تدبير آخر قبل الزواج ، مما يمتِّن العلاقة الزوجية ، هذا التدبير أن تُستأمر ، أو أن تُستشار أُمّ الفتاة بزوج ابنتها ، الولي يوافق ، والفتاة توافق ، وينبغي أن تُستأذن ، أو تُستشار أُم الفتاة بذلك ، لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال عليه الصلاة والسلام :

(( آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ )) .

( سنن أبي داود )

يقول بعض العلماء في شرح هذا الحديث ، وهذا الحكم : " يُستحب استئذان المرأة في تزويج ابنتها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ " ، ولأنها تشاركه في النظر لابنتها ، وتحصيل المصلحة لها لشفقتها عليها ، وفي استئذان الأم تطييبٌ لقلبها ، وإرضاءٌ لها ، فتكون أولى ، وربما كان من مزايا استشارة الأم في تزويج ابنتها ، أن البنت قد لا تفصح عما يدور في صدرها من التردد والاضطراب إلا لأمها  ، فاستشارة الأم إذاً هي الطريقة المفيدة لمعرفة رأي البنت ، والله أعلم .

إذاً : استشارة الأم في تزويج ابنتها ، لأن الأم إن استشرتها طيَّبت قلبها ، وإن استشرتها جعلتها شريكة حياتك ، وإن استشرتها فهي تشفق على ابنتها ، وتريد لها الخير   وإن استشرتها ، ربما باحت البنت لأمها ما لم تبح لأبيها ، فكأنك إذا استشرت الأم ، عرفت رأي البنت الحقيقي في هذا الزواج ، إذاً : الأم تُستأذن .

  Text Box: حكم إكراه البنت على الزواج

 

ومن تزوجت بغير رضاها ، ثيباً كانت أو بكراً فلها أن تفسخ عقد الزواج ، ولا يجوز إجبار الفتاة على التزوج ممن لا تريد ، وإن رفضت فليست عاقةً لوالديها ، ولا علاقة للعقوق بهذا الموضوع ، ويجب استئمار البنت ، كما قلت في أول الدرس ، لأن البنت هي الزوجة ، وإذنها صبها ، وللبنت أن ترى خاطبها ، وهذا من حقها ، لقوله تعالى :

( سورة البقرة : آية " 228 " )

ولقد يُعجبها منه ما يُعجبه منها ، ولها أن تستوصفه ، أن تسأل عن بعض صفاته الخاصة ، كل هذه التدابير ، ينبغي أن تتم قبل الزواج ، لأنها من شأنها أن تمتِّن الزواج .

الحقيقة أن للإنسان أن يتزوج ، وله أن يطلق ، لكن البطولة أن تتزوج ، وأن لا تطلق ، فكيف لا تطلق ؟ إذا اتبعت منهج الله في الزواج ، إذا اخترت الفتاة المؤمنة ، لأنه من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ، والمقصود بجمالها فقط ، الجمال مطلوب ، أما لجمالها فقط أذله الله ، ومن تزوجه لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً ، فعليك بذات الدين تربت يداك .

إذاً : أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته ، وأن تنظر المخطوبة إلى خاطبها ، وأن تُستأمر البنت ، في خاطبها ، وأن تُستأذن أُمها ، وألا تُكره على الزواج ممن لا تحب ، وبيان حكم الشرع ، في من أُكرهت على الزواج ممن لا تحب ، هذه بعض التدابير التي ينبغي أن تكون قبل الزواج ، من حيث أنها تمتِّن العلاقة بين الزوجين ، وربما تعصم الزواج من أن ينفسخ بعد أمدٍ قريب .

Text Box: حكم إكراه البنت على الزواج

 

 

الآن ننتقل إلى موضوعٍ آخر ، وهو التدابير التي ينبغي أن تكون بعد الزواج  والتي من شأنها أن تمكن العلاقة بين الزوجين ، ولعلي أضع يدي على جراح يعانيها كثيرٌ من الأزواج ، وهذا الكلام يجب أن يصل إلى الزوجات .

 

1 – ظهور المرأة بمظهر لائق أمام الزوج

 

من التدابير التي تمتِّن العلاقة بين الزوجين أن تظهر المرأة أمام زوجها ، بمظهرٍ لائق ، لأن المؤمن لا ينبغي أن يعرف غير زوجته إطلاقاً ، فإذا أهملت مظهرها قوَّت في نفسه دافع التطلع إلى غيرها ، هي التي تقوي دافع التطلع إلى غيرها إذا أهملت مظهرها ، والأخطر من ذلك أن تعتني بمظهرها في الحفلات النسائية ، وفي كل المناسبات ، بينما الاعتناء بمظهرها ينبغي أن يكون في الدرجة الأولى لزوجها ، لأن الزواج حِصنٌ للزوج .

عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْه فَقَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

(( مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ )) .

[متفق عليه]

إنه لا ينبغي أن يكون الزوج محروماً من أناقة زوجته ، ومن مظهرها الحسن ، هذا يعينه على العفاف ، ويعينه على أن يقنع بها ، ويعينه على عدم التطلع إلى غيرها ، هذا كلام وإليكم الأدلة :

إن الإنسان أحياناً يعاني من مشكلة في البيت ، ويظل ساكتاً ، والزوجة بريئة ، ولا تعلم ، أحياناً يكاد هذا الزواج ينفصل ، وينتهي بالطلاق ، هو ساكت ، وهي ساكتة ، هو لا يدري ماذا يقول لها ، وهي لا تعلم ماذا ينبغي أن يُقال لها ، فالجهل أحياناً يكون سبباً لفصم هذه العلاقة الزوجية ،  فلذلك الزوج المؤمن يوضِّح ، ويبين ، ويذكر لزوجته ما قاله النبيّ عليه الصلاة والسلام ، وقد يقول الزوج : أنا والله أستحي أن أقول لزوجتي : عليك أن تتزيني أمامي ، طيب يا أخي عليك أن تُسمعها هذا الشريط ، هذا موضوع الدرس الماضي .

" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ )) .

(سنن النسائي )

تسره إذا نظر ، فهل غابت عنه صلَّى الله عليه وسلم أن يقول : (( إليها )) ؟ فالنبي حكمته  في إلغاء كلمة ( إليها ) .

(( تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ )) ، إليها وإلى أشياء في البيت ، إذا نظر إليها تسره ، وإذا نظر إلى أولادها تسره ، وإذا نظر إلى غرفتها تسره ، وإذا نظر إلى غرفة الجلوس تسره ، وإذا نظر إلى المطبخ تسره ، وإذا نظر إلى المائدة كلها صحون ، وعليها أكل من يومين ، خذ كل تفضل ، لم يُسَرّ بهذا ، فالطعام يجب أن يكون في صحون جديدة ، والطعام جيد وساخن ، تسره إذا نظر إلى المائدة ، وإلى غرفة النوم ، وإلى غرفة الاستقبال ، وإلى غرفة الجلوس ، وإلى نظافة الجدران ، والبلور والنوافذ والستائر .

(( وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ )) ، لأن أكثر شيء يدعو إلى العجب في ساعة غضب يحلف الزوج يمين طلاق على زوجته ألا تذهبي إلى بيت أختك ، سبحان الله ! لا يحلو للمرأة إلا أن تكسر يمينه بحماقة ، فلا تحلو لها إلا أن تخرج من بيتها إلى بيت أختها  وعندئذٍ تقع المشكلة ، وفي حيص بيص كما يقولون ، ثم نقف على أبواب المشايخ نستفتيهم ، فشيخ يقول لك : طلقت ، يا بني أخرج ، وشيخٌ آخر يعطيك فتوى قد لا تطمئن إليها ، وقد كنت في غنىً عن كل هذا ، لذلك المرأة الصالحة تسره إن نظر ، وتطيعه إن أمر ، وكذلك إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يستطاع ، فعدم حكمة الزوج أن يعطي أوامر غير معقولة ، لما تحرمها من أمها ؟ هي عليها أن تطيع ، وأنت أيها الزوج الكريم عليك أن تعطي أمراً معقولاً .

روى الإمام البخاري رضي الله عنه عن جابرٍ قال :

(( كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ ، فَلَمَّا قَفَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ قَطُوفٍ ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا يُعْجِلُكَ ؟ قُلْتُ : إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ ، قَالَ : فَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا ؟ قُلْتُ : بَلْ ثَيِّبًا ، قَالَ : فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ ؟ قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ : أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلا ، أَيْ عِشَاءً ، لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ )) .

أي انتظروا حتى تتهيَّأ زوجاتكم لكم ، حيث إن المطلوب إذا كان الزوج مسافرًا أن تتهيأ الزوجة كما ينبغي في أعلى درجة لتستقبل زوجها .

يقول الإمام النووي رضي الله عنه : " هذا الحديث الشريف الذي فيه هذا التوجيه مما يمتِّن العلاقة بين الزوجين " ، هذا هو الحق ، لكن المشكلة أن كل الزينة ، وكل العناية ، وكل الأناقة ، وكل الهندام الحسن ، لغير الزوج ، هذه من مشكلات بيوت المسلمين ، أية امرأةٍ تهمل مظهرها أمام زوجها تقوي في نفس زوجها رغبة النظر إلى غيرها ، فإذا نظر إلى غيرها فهي آثمة وربِّ الكعبة ، وجزءٌ من عبادتها أن تحصِّن زوجها ، جزءٌ من عبادتها أن تجعل زوجها قانعاً بها .

وروى الإمام البخاري عن جابرٍ رضي الله عنه أيضاً قال : قال عليه الصلاة والسلام :

(( إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلا )) .

سأقرأ لكم ما جاء في فتح الباري في شرح أحاديث البخاري عن هذا الحديث ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلا )) ، قال : " لأن طول الغيبة مظنة الأمن من القدوم ، فيقع الذي يقدم بعد طول الغيبة غالباً على ما يكره " ، فإذا غاب الإنسان طويلاً عن بيته ، ودخل فجأةً ، في الأعم الأغلب يقع على ما يكره ، " فقد يجد أهله على غير أُهبةٍ من التنظُّف والتزين المطلوب من المرأة ، فيكون ذلك سبباً في النفور منها " .

وفي الحديث أيضاً إشارةٌ أخرى إلى أن المرأة كما قلت قبل قليل ، عليها أن تكون مستعدة لاستقبال زوجها دائماً ، أما إذا طالت غيبته فقد أمِنت أن يأتيها فجأةً ، أما إذا جاء فعليه ألا يأتيها فجأةً ، بل أن يعلمها قبل أن يأتي ، والنبي الكريم كان يدخل المسجد ، ويصلي ، ويرسل لأهله خبراً أنه قَدِم ، والآن بالهاتف ، ونحن في المطار ، وبعد ساعتين نكون في البيت ، مثلاً .

وهناك قصة ، روى الإمام البخاري والإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت :

(( كانت امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنها تخضب وتطيِّب ـ أي تخضب شعرها وتعطِّر نفسها ـ فتركته ـ أي أهملت شعرها وتطييب بدنها ـ فدخلت علي ، فقلت لها متعجِّبةً : أشاهدٌ زوجك أم غائب ؟ )) .

النبي عليه الصلاة والسلام مشرع ، وأصحابه طبقوا منهجه ، فما فعله الصحابة الكرام فعلوه تنفيذاً لأمر النبيّ e ، وهذا دليلٌ على وجوب ما سأقوله لكم ، فقالت عائشة : أشاهدٌ زوجك أم غائب ؟ قالت : بل هو شاهد ، قالت : فما هذا ؟!! لماذا أنت تهملين نفسك ، قالت : عثمان لا يريد الدنيا ، ولا يريد النساء ، انصرف عنها إلى عبادته ، وإلى قيامه ، وصيامه فأهملت نفسها ، والقصة لها تتمة ، النبي عليه الصلاة والسلام استدعى عثمان ، وقال :

(( يا عثمان ، أليس لك بي أُسوة ؟ ألست قدوةُ لك ؟ أعطاه توجيهاً كي يهتم بزوجته ، وكي يجلس معها ، وكي يعطيها حقها ، لأنها محبوسةٌ له في الشرع ، بعد حين جاءت امرأة عثمان ابن مضعون ، قالت عائشة : نضرةً عطرة ، فسألتها عن حالها ، فقالت : أصابنا ما أصاب الناس ، يعني أصبحت زوجة كبقية الزوجات ، رضي الله عنهم .

إن هذا كلام مهذب جداً ، تحتار أين درسوا ؟ يعبرون عن أدق المعاني بأجمل الألفاظ ، يعبرون عن المعاني المحرجة بكلمات لطيفة جداً ، أصابنا ما أصاب الناس ، لماذا أنت هكذا ؟ إن زوجي صوامٌ قوام ، قائم الليل ، صائم النهار .

يقول الإمام الشوكاني : " استنكار عائشة رضي الله عنها بترك زينتها وزوجها شاهد حكمٌ شرعي "

السيدة عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام استنكرت فعل امرأة عثمان بن مظعون من إهمال نفسها وزوجها شاهد ، هذا حكم شرعي ، والمعنى أنه يجب على الزوجة أن تعتني بهندامها ومظهرها لزوجها قبل كل شيء .

والله مرة سمعت من امرأةٍ قريبةٍ لي متقدمةٍ في السن ، قالت لي : " حرام ، حسب فهْمها ، أن ترتدي المرأة الثوب أول مرة لغير زوجها حرام " ، يعني إذا اشترت ثوباً جديداً لا يجوز أن ترتدي الثوب أول مرةٍ إلا لزوجها ، والآن قد لا يرى الزوج إطلاقاً الثوب الجديد .

بعد الزواج ربما كان أحد أكبر ما يمتن العلاقة بين الزوجين ، ويديم المحبة والمودة ، أن تبدو الزوجة دائماً بالمظهر اللائق الحسن أمام زوجها ، من أجل أن تعينه على غض بصره ، من أجل أن تعينه على تحصين نفسه ، من أجل ألا تقوي في نفسه الرغبة في غيرها ، إذا فعلت المرأة هذا  فهي عابدة لله .

والله قد تفهمون مني شيئاً لا أريده ، لكن والله إن المرأة التي تسهم في إعفاف زوجها ، وفي إحصانه ، وتجعله يقنع بها وحدها ، عن طريق ما تبذل من عنايةٍ فائقةٍ بمظهرها وهندامها ، ربما كانت وهي تفعل هذا في أعلى درجات عبوديتها لله عزّ وجل ، لأنها تقوم بالمهمة التي أناطها الله بها ، طبعاً هي تصلي ، وتصوم ، وتقوم الليل ، وتقرأ القرآن ، ولكن من دون أن يشغلها ذلك عن وظيفتها الأساسية ، لأن الصحابيات الجليليات رضوان الله تعالى عليهن كانت الواحدة منهن على أشد الشوق إلى قيام الليل ، وعلى أشد الشوق إلى الصلاة ، لا تقوم إلى الصلاة إلا بعد أن تسأل زوجها : ألك بي حاجة ؟ فإن قال : لا ، ذهبت إلى مصلاها ، هذه المرأة المؤمنة .

أما هذه التي تبالغ في العبادة ، وزوجها يغلي غضباً ، وضجراً ، وتأففاً ، هذه لا تعبد الله ، هذه تعبد الله على مزاجها ، لا وفق ما أراد الله عزّ وجل ، هذا الحق ، فكلما طبقنا هذه الناحية صار الوئام ، والوفاق ، والمحبة والمودة .

 

2 – اهتمام الرجل بمظهره أمام زوجته

 

البند الثاني ، أو التدبير الثاني الذي يمتن العلاقة بين الزوجين بعد الزواج : أن يهتم الرجل بمظهره أمام زوجته ، انطلاقاً من قوله تعالى :

( سورة البقرة )

فأنت ترى ، وهي لا ترى ؟ أنت تريد هنداماً حسناً ، ومظهراً أنيقاً ، ونظافةً أنيقة ، وعطراً ، وهي ليس لها نظر ؟ ليس لها شم ؟ هي عمياء ، ولا تشم ؟ لا هي مثلك ، لذلك قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : << إني لأحب أن أتزيَّن للمرأة كما أحب أن تتزيَّن لي ، لأن الله تعالى يقول :

هنا حديث لطيف للإمام القرطبي ، فأحياناً كل سن له زينة ، وكل عمر من أعمار الرجال له زينة تناسبه ، فإذا تجاهل أحد سنه ، وتزين بزينة لا تليق به أصبح مبعثًا للضحك ، امرأةً كانت أو رجلاً ، المفروض أن تراعي الزوجة وضعها العام ، ويراعي الزوج وضعه العام .

وبالمناسبة ، هذه المرأة التي قدَّمت لأبنتها وصيةً يوم زفافها ، قالت : " يا بنيتي خذي عني عشر خصال تكن لكي زخراً وأجراً ،  الصحبة بالقناعة ، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة ، والتفقُّد لموضع عينه ، والتعهُّد لموضع أنفه ، فلا تقع عينه منك على قبيح ، ولا يشم منك إلا أطيب ريح ، والكحل أحسن الحُسْن الموجود ، والماء أطيب الطيب المفقود " .

ثبت أن للجلد البشري رائحةً عطرة ، فإذا لم يكن مع الجل ثمن عطور أبداً ، وكانت غالية ، فقد يبلغ ثمنها خمسة آلاف ليرة ، أو ثلاثة آلاف ، فعندنا روائح رخيصة نستعملها ، فإذا تنظف الإنسان ، وجلده له رائحةٌ عطرة ، والماء أطيب الطيب المفقود ، والكحل أحسن الحسن الموجود ،  هذه وصية امرأةٍ توصي بها ابنتها ليلة زفافها ، قال :

 

3 – إجابة المرأة زوجها إذا دعاها

 

وعلى المرأة أن تجيب زوجها إذا دعاها ، فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما روى الإمام الترمذي ، قال : قال عليه الصلاة والسلام : :

(( إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ )) .

وقد أكدت الشريعة الإسلامية أن عدم إجابة المرأة لطلب زوجها معصيةٌ كبيرةٌ موجبةٌ لغضب الله تعالى ، ولعنة الملائكة ، ولا تقبل صلاتها حتى ترجع ، وذلك لأنها تسدُّ على زوجها طريق الحلال ، وتدفعه إن كان ضعيف الإيمان إلى اختيار السبل المحرمة ، فقد روى الإمام مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ـ وهو الله جلَّ جلاله ـ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا )) .

وأما لعن الملائكة الزوجة بسبب عدم استجابتها فقد روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال :

(( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ )) .

إذا كان الزمنُ شتاء كان الليل طويلا ، وطول الليل تلعنها الملائكة ، وفي رواية  أخرى :

(( إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ )) .

الشيء الذي يلفت النظر حديث جابر رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ثلاثةٌ لا تقبل لهم صلاةٌ ، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة ، العبد الآبق حتى يرجع ، والسكران حتى يصحو ، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى )) .

[الجامع الصغير بسند فيه ضعف]

وهل تصدقون أن المرأة إذا صلت خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت نفسها ، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها ، نصف دينها أن تحفظ نفسها عن غير زوجها ، وأن ترضي زوجها ، معنى ذلك أن نصف دينها زوجها ، بالضبط  ، إذا صلت خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت نفسها أي كانت عفيفة وورعة ، وأطاعت زوجها فيما يريد ، دخلت جنة ربها .

دين الرجل فيه ألف بند ، أو خمسة آلاف ، أو مئة ألف بند ، ففي البيوع أربعمئة حالة ، فإذا كان الإنسان تاجرًا فعنده مزالق كثيرة جداً ، دين الرجل يحتاج إلى دقة بالغة ، في كسب المال ، في إنفاق المال ، أما هي في البيت .

 

4 – لا يجوز للمرأة الاشتغال بالعبادات عن زوجها في غير الفريضة

 

عندنا حكم شرعي دقيق جداً ، هذا الحكم هو أنه : " لا يجوز للمرأة أن تشتغل في العبادات بغير الفريضة ، مهملةً حق زوجها عليها ، فقد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ألا تطيل صلاتها النافلة ، إذا تضرر زوجها بها ".

قد يحضر الزوج إلى بيته جائعًا وغضبان ، ويغلي من الداخل ، وهي تصلي صلاة النفل عشرين ركعة ، فيخرج من جلده ، وتكرّهه في الصلاة ، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر ألا تصوم المرأة صوم النفل وزوجها شاهد ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ … )) .

[البخاري]

فقد تحب أن تصوم بعض الأيام غير الواجبة ، أما إذا سافر زوجها وصامت فلا مانع ، أما أن تصوم وزوجها شاهد فلا بد من إذن ، فهي تحتاج إلى إذنه ، وإلا تعتدي عليه بهذا الصيام ، هكذا ورد عن النبي عليه صلى الله عليه وسلم .

روى الإمام أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال :

(( جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ ، وَيُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ ، وَلا يُصَلِّي صَلاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، قَالَ : وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ ، قَالَ : فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَّا قَوْلُهَا يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ ، فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ ، وَقَدْ نَهَيْتُهَا ، قَالَ : فَقَالَ : لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ ، وَأَمَّا قَوْلُهَا : يُفَطِّرُنِي ، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلا أَصْبِرُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ : لا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ... )) .

أرأيتم إلى الشرع الحكيم ؟ من أجل أن يكون البيت جنة يتحمل الإنسان متاعب كثيرةً في الحياة ، أما إذا كان في البيت منزعجًا فالقضية كبيرة جداً ، فقد يتحمل كسب الرزق ، ويتحمل تعقيد الحياة ، ويتحمل مشقة العمل ، ويتحمل المنافسة في كسب المال ، أما إذا جاء إلى البيت أيضاً في البيت انزعاج ونفور ومشاكسة وإهمال ، عندئذٍ يغدو البيت جحيماً لا يطاق .

روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ )) .

أما في شهر رمضان فمستحيل ، فالفرض لا تحتاج فيه إلى إذن ، وكذا صلاة الفرض لا تحتاج لإذن ، ولا استئذان ، ولا لشيء ، فالحديث عن النفل فقط .

وأيضاً هناك حق للزوجة ، كما أن عليها ألا تتردد في تنفيذ طلبه وتلبية حاجته ، ولو كانت على التنور ، هو عليه أن يقوم بوظيفته الزوجية ، أما أن يهملها ، أما أن ينسى هذا الموضوع ، أما أن ينشغل بشيء آخر ، وهي محبوسةٌ له ، وهي لها حقٌ عليه فلا يليق ، لذلك قال بعض المفسرين ، في قوله تعالى :

( سورة النساء : آية " 129 " )

أي لا فارغة فتتزوج ، ولا ذات زوج بالمعنى الحقيقي ، لا هي متزوجة كغيرها من الزوجات ، ولا هي غير متزوجة فتتزوج ، فهذه المعلقة التي أهملها زوجها .

وهناك قصة تعرفونها فيما أذكر ، أن امرأةً جاءت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالت : << يا أمير المؤمنين ، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل ، وأنا أكره أن أشكوه ، وهو يعمل بطاعة الله ـ ما هذا الأدب ؟ ـ فقال : نِعْمَ الزوج زوجك ـ سيدنا عمر يظهر أنه كان مشغولاً ، فأجابها بهذا القول ، وجعلت تكرر عليه القول ، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل ، وأنا أكره أن أشكوه ، لأنه في طاعة ربه ، فقال : نعم الزوج زوجك ، وقد كان عنده صحابي اسمه كعب الأسدي ، قال : يا أمير المؤمنين ، هذه امرأةٌ تشكو زوجها ، وليست تثني عليك ، أديبة كثير ، ومهذبة ، رقيقة تشكو زوجها ، إنها لا تثني عليه ، وأنت تقول لها : بارك الله لك في زوجك ، هي تشكو زوجها ، فقال عمر : هكذا فهمت من كلامها ؟ إذاً فاقضِ بينهما ، فقال كعبٌ : عليّ بزوجها ، فأوتي به فقال له : إن امرأتك هذه تشكوك ، قال : أفي طعامٍ ؟ البراد مليء ، هي لا تريد البراد ، تريدك أنت ، أفي طعامٍ ؟ أم في شرابٍ ؟ قال لا ، قالت :

ألهى  خليلي عن فراشي مسجده        زهَّده في مضجعي تعبده

فاقض القضا كعباً ولا تــردده       نهاره وليله ما يــرقده

فلست في أمر النساء أحمده

فقال الزوج : أنا زهدني في فرشها وفي الحجل ، أني امرؤٌ أذهلني ما قد نزل .

فقد دهش من القرآن الكريم ، يتلوه آناء الليل وأطراف النهار ، صلى فاتصل بالله عزَّ وجل ، فأهمل زوجته .

وفي سورة النحل وفي السبع الطول    وفي كتاب الله تخويفٌ جلل

فقال كعب :

إن لها عليك حقاً يا رجل   نصيبها في أربعٍ لمن عقل

لو أن عندك أربع نساء لها حق في يوم ، فأنت ليس عندك إلا واحدة ، يوم لها وثلاثة لربك ، فكان حكم هذا القاضي كعب الأسدي أنه حكم لها أن يتفرَّغ لها يوماً في الأربعة أيام ، كما لو كان زوجاً لأربعة نساء ، لها يوم ، سيدنا عمر رضي الله عنه ، قال :

" والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟ أمن فهمك أمرها ، أم في حكمك بينهما ، اذهب فقد ولَّيتك قضاء البصرة " .

جعله قاضياً لفهمه الدقيق جداً ، ولحكمه الدقيق جداً ، فهم أنها تشكوه ، وأما عذره فلم يقبله ، إذا كنت هائماً بربك ، لها عليك حق ، كما لو أنك على أربع نسوة ، للواحدة عليك حق في يومٍ من هذه الأيام الأربعة .

أيها الإخوة الكرام ، إن شاء الله نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم ، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الأحكام الشرعية إلى واقع ، والله الذي لا إله إلا هو ، إن مما يرضي الله عزَّ وجل ، أن تكون بيوتات المسلمين جنة ، ولا تكون بيوتات المسلمين جنة إلا إذا طبِّق فيها شرع الله عزَّ وجل ، ولا تنسوا هذه الآية :

( سورة الأنفال : آية " 33 " )

معنى : ] وَأَنْتَ فِيهِمْ [ ، أي وسنتك مطبقةً في بيوتهم ، وسنتك مطبقةً في أعمالهم ، وفي تجارتهم ، وفي وظائفهم ، وفي مداخلهم ، وفي مخارجهم ، وفي نزهاتهم ، وفي أفراحهم ، وفي أتراحهم ، وفي حلهم ، وفي حضرهم ، وفي سفرهم .

فنحن في درسنا اليوم عندنا أربعة تدابير قبل الزواج تمتن العلاقة ، وأربع تدابير بعد الزواج تمتن العلاقة ، والتي قبل الزواج :

أن تنظر إلى مخطوبتك ، فذلك أحرى أن يؤدم بينكما .

 

وأن تنظر هي إليه ، لها مثل الذي عليه ، أو عليها مثل الذي له .

 

وأن تستأمر البنت في زواجها .

 

وألا تكره على رجلٍ لا تحبه .

 

 وأن تستأمر أمها في ذلك .

 هذه الإجراءات التي قبل الزواج .

بعد الزواج :

أن تظهر بمظهر لائق .

 

وأن يظهر هو كذلك .

 

وأن لا تمتنع عنه  .

 

وأن يؤدي وظيفته تجاهها .