English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الموضوع : فقه الزواج (6 /10 ) :  01 / 01 / 1995 - الآداب الإسلامية التي تفرق بين النكاح والسِفاح - لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

  Text Box: الآداب الإسلامية التي تفرق بين النكاح والسِفاح

 

أيها الإخوة الكرام ، لازلنا في دروس النكاح ، ومع الدرس السادس ، وموضوع الدرس اليوم ، الآداب الإسلامية التي تفرق بين النكاح والسِفاح .

نظراً لقدسية النكاح ، ولأن عقد الزواج من أقدس العقود التي يبرمها البشر ، لذلك في الإسلام آدابٌ كثيرة تفرق السِفاح عن النكاح ، فأول هذه الآداب :

 

1 – إعلان النكاح

 

 

إن الفرق بين  النكاح والسِفاح ، أو من الفروقات الدقيقة بين السِفاح والنكاح أن النكاح معلن ، وأن السِفاح غير معلن ، لذلك روى الإمام أحمد عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( أَعْلِنُوا النِّكَاحَ )) .                                       

( مسند أحمد )

لو أن النكاح غير معلن لاشتبه بالسِفاح ، ولاشتبه بالزنا ، والإمام مالك رحمه الله تعالى يرى أن الإعلان من فرض النكاح ، أحد فرائضه لا أحد فضائله ، يقول ابن عبد البر القرطبي : " ومن فرض النكاح عند مالك إعلانه لحفظ النسب ، ومن إعلان النكاح الولي ، والصداق ، أيضاً ، ونكاح السر لا يجوز ، ويفسخ قبل الدخول وبعده ، إلا أن يُعلن قبل أن يُعثر عليه ، وإن أسَّر النكاح ولم يُنشر ولم يُعلن به ، ثم أُعلن في حالٍ ثانية وأُظهر صح ، ولم يُفسخ ".

أرأيتم أيها الإخوة كيف أن عدم إعلان النكاح يوجب فسخه وإلغاءه ، لأنه يشتبه بالسِفاح ، يشتبه بالزنا ، لذلك أنا أُرجِّح إذا زوج أحد ابنته ، وقد لا تكون يده طليقةً في إنفاق المال ، لكن لابد من حفل ولو كان متواضعاً ، ولو كان في بيت ، لابد من حفلٍ ، وهذا الحفل أحد أسباب إعلان النكاح ،  " لقد زوجت ابنتي من فلان " ، فالفرق الدقيق بين النكاح والسِفاح هو الإعلان ، وقال الإمام ابن القيم : " وشرط الشارع الحكيم في النكاح شروطاً زائدةً عن مجرد العقد ، من هذه الشروط : إعلانه ، إما بالشهادة ـ شهود ـ أو بترك الكتمان ، أو بهما ، أو اشتراط الولي ، ومنع المرأة أن تليه وحدها ـ أن تبرمه وحدها ـ والندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة ، وأوجب فيه المهر ، ومنع المرأة أن تهب نفسها لغير النبيّ صلى الله عليه وسلم ".

هل لاحظتم أيها الإخوة الكرام أن كل هذه الآداب من أجل أن يكون هناك فرقٌ واضحٌ ، وشاسعٌ ، وبيّنٌ ، وصادقٌ ، بين النكاح والسِفاح ؟ النكاح معلن ، النكاح معه موافقة الولي ، النكاح فيه وليمة ، النكاح فيه حفل ، النكاح فيه شهود ، هذا كله من إعلان النكاح .

يقول بعض العلماء : " وسر ذلك ، أنه في ضد ذلك والإخلال به ذريعةٌ إلى وقوع السِفاح بصورة النكاح ".

يمكن أن يقع الزنا على شكل نكاح ، وما أكثر الذين يحتالون على الشرع ، فمثلاً يمكن لإنسان أن يضع أمامه في دكانه سجادة ، وهو من أكبر المرابين ، فيأتي المستقرض بالربا  فيشتري هذه السجادة بألف ليرة ، نسيئةً ، ثم يبيعها ديناً نقداً بثمانمئة ليرة ، بحسب الظاهر هذا عقد بيع ، الأول نسيئة والثاني نقد ، وفي العقدين إيجابٌ وقَبول ، لكنه الربا بعينه ، لكن بصورة بيع وشراء ، فقد اشترى السجادة بألف ديناً ، وكُتبت عليه في الدفتر ، ثم باعها للتاجر بثمانمئة ليرةٍ نقداً ، الذي حصل أنه استقرض ثمانمئة ليرة ، وكُتبت عليه ألف ليرةٍ رباً ، والشكل بيع ، إذاً ممكن أن تجري علاقات سِفاحٍ على شكل عقود نكاح ، لذلك وضع الشارع الحكيم شروطاً كثيرةً ، ودقيقةً ، وصارخةً ، للتفريق بين النكاح والسِفاح ، لذلك ورد في أن الزانية ، هي التي تزوج نفسها " ، فإذا أرادت امرأةً أن تزني ، وأرادت أن تعطي هذه الجريمة المعصية الكبيرة في الشرع طابعاً شرعياً ، تقول لمن يزني بها : زوجتك نفسي ، وتسمي هذا الذي تأخذه بعد قليل هو المهر ، فإذا انتهى ، قال : طلقتك ، وانتهى الأمر ، فهو عملياً بيت دعارة يتم السفاح فيه على شكل عقود نكاح ، لكن أين الولي ؟ أين إعلان هذا الزواج ؟ أين الوليمة ، أين الشهود ، وليمة ، وشهود ، وإعلان ، هذا كله ، يفرِّق بين النكاح والسِفاح .

 

 

 

تسجيل عقود الزواج في الدوائر الرسمية

 

 

فأنا لا أكتم إنسانا سألني قبل أشهر أنه تزوج امرأةً دون أن يُعلِم أباه ، ولا أخاه ، ولم يدري أهله ، وجاء برجل عقد العقد ، فكلما أصبح الشيء أقرب إلى السر أصبح أقرب إلى السِفاح ، لمَ لِمَ لَمْ تُعلن ؟ لِمَ لَمْ تُسجل هذا العقد في الدوائر الرسمية ؟

وأحياناً أنا أُسأل عن موضوع كتاب شيخ ، سبحان الله ! أُجيب عن هذا التساؤل : الآن أنت هل ترضى أن تشتري بيتك ، وأن تدفع ثمنه سبعة ملايين ليرة مقابل أن تأخذ مفتاحه ؟ إذا كنت ترضى أن تفعل هذا فأجرِ كتاب شيخ ، لمَ لا تدفع الثمن إلا بعد أن يُسجل في الدوائر الرسمية ؟ لأن عقود البيع الآن لا تكون ثابتةً إلا في الدوائر الرسمية ، ( أي في الطابو ) ، أما من قبل خمسين عاما ، أو قبل مئة عام كانت هناك علاقات أُخرى ، يكفي أن تدفع الثمن ، وأن تأخذ مفتاح البيت ، فقد تملَّكته ، الآن مفتاح البيت ليس له قيمة إطلاقاً .

كذلك حينما أُصغي إلى الأسباب لا أراها مقنعة ، بدعوى الاستعجال ، ولكن لا يوجد إجراء حكومي أسهل من عقد الزواج ، ليس فيه روتين أبداً ، في يوم واحد ينتهي الأمر ، لا أقبل أبداً ، ولا أرى سببا مبررا أو مسوغا بإجراء عقد خارج المحكمة ، لماذا ؟

في الحقيقة حينما وافقوا على الزواج من هذا الشاب توقعوا أن يُطلقها ، فلئلا تسجَّل عليها طلقة  أو تطليقة فقد أُجري العقد خارج المحكمة ، يا سبحان الله ! أتوقعت الطلاق قبل أن تُزوج ؟ هذا شرع الله عزّ وجل .

طبعاً أنا لا أقول ـ دققوا ـ : إن العقد خارج المحكمة باطل ، لا بل إنه ضعيف ، فهو غير موثق ، والقوانين تُحرم ذلك ، والذي يُجري العقد يُحاسب ، والعقد طبعاً مثبَّت ، لكن يُحاسب الذي يجري عقداً خارج المحكمة ، أنا أنصح إخواننا الكرام أن يتقيدوا بالأُصول الشرعية والقانونية في تثبيت عقود تزويج بناتهم .

لا أنسى مرةً كنت عند أحد أصدقائي القضاة ، قضاة التحقيق ، وكنت جالساً عنده ، وكان يُحقق في جريمة ، والجريمة خطيرة ، وأنا مستمتع بأسلوب الاستجواب ، فجأةً فُتح الباب ، وأطل شاب ، فقال له : تعالَ ، استقدمه القاضي ، وترك ما هو فيه من عمل في التحقيق في الجريمة ، وقال له : متى تزوجتها ؟ قال له : قبل كذا وكذا ، فقال له : ما اسمك يا بني ؟ وما اسمها ؟ ثم أخذ منه تصريح أملاه للكاتب ، ثم صرفه مودعاً له ، هذا القاضي خاف أن أنتقده في نفسي على هذا التصرف ، فأنت الآن تحقق في جريمة ، فما الذي جعلك تبتعد عن هذا الموضوع الخطير لترى شاباً أطل برأسه من الباب فاستقدمته ، وسألته عن اسمه وعن اسم زوجته ، وعن موضوع العقد ، وعن تاريخه ؟ فقال لي وحده مبادراً : هذا متزوج بامرأةٍ بطريقةٍ غير مشروعة ، خارج المحكمة ، فخفت أن يُهمس في أذنه أن أنكر العقد ، فاستقدمته بتلطُّف ، وأخذت منه إقراراً ، بزواجه وبتاريخ زواجه ، وباسمه وباسم زوجته ، لئلا ينكر ، لأنه إذا كان العقد خارج المحكمة فالإنكار سهل جداً ، ويمكن أن يقول : ليست زوجتي ، ولا أعرفها ، وبهذا دخلنا في متاهات القضاء ثلاث سنوات لإثبات هذا العقد ، إذا دُعي لحلف اليمين ، فقد جاء الفرج ، إذا كان الشخص غير متديِّن يقول : جاء الفرج ، أحياناً لا يكون معك إلا اليمين ، كانعدام الوثائق  ، وهذه يسمونها اليمين الحاسمة ، فإذا لم تكن هناك وثائق ، وليس هناك إلا اليمين الحاسمة  ، ودعي هذا الخصم ضعيف الإيمان الذي لا تحكمه قيم إلى حلف اليمين يحلف ، وانتهى الأمر .

فلذلك أيها الإخوة ، أرجو الله سبحانه وتعالى في موضوع الزواج ، وهو موضوع دقيق جداً ، وقد سمعت عشرات الحوادث ، أنه هكذا طلب العريس ، يريد كتابا خارجيا ، خافوا أن يطالبوه بكتاب رسمي ، فيذهب ولا يرجع ، فوافقوا على إجراء كتاب خارجي ، ثم مضى على العقد عدة سنوات ، ثم اختفى ، وبذلك دخلنا في متاهة ، فقد حدث حمل ، والشاب اختفى ، والعقد غير رسمي ، وإثباته يحتاج إلى محامٍ ، وإذا كان بين من كتب هذا الكتاب صلة أو مودة معهم يدخل السجن ، فالذي يكتب كتابا خارج النظام يُحاسب ، وقد يُسجن ، فهو خاضع للأحكام الجزائية لا المدنية ، فيقع في حرج ، إن أرادوا أن يُثبتوا هذا العقد يُقال لهم : من كتب هذا العقد ؟ أصبح القريب مسئولا .

لذلك أنا أنصح إخوتنا الكرام بالبعد عن هذه الأساليب الملتوية ، التي لا تثبت الحق ، لئلا يُظن أنني أقول : إن هذا العقد غير صحيح ، لا ، لكنه ضعيف ، ووسائل تثبيته ضعيفة ، كما لو أنك اشتريت بيتا من غير طابو ، قال لك : خذ هذا المفتاح ، واسكن فيه ، أنت وحظك ، يمكن بعد حين يقول لك : هذا البيت بيتي ، وليس لك شيء عندي ، أنت مغتصبه .

الحقيقة أنّ موضوع الشرع ـ لآن دخلنا في موضوع آخر ـ هذه الأحكام التفصيلية في الشرع هدفها أن تكون متفرغاً لعبادة الله ، لأن خبرا واحدا قد يزعج ، فإذا الإنسان أقرض قرضا ، ولم يأخذ الوصل ، وهذا الإنسان توفى فجأةً في حادث ، فهو وحظه ، إما أن يعترف الورثة له ، أو لا يعترفوا ، وإذا لم يعترفوا فليسوا مؤاخذين ، فالآن يمكن لإنسان يتوفى والده  وكل  من قال له : لي مع أبيك مليون ، فهل يعطي المليون ؟ هذا كلام غير صحيح ، فمن الممكن أن لا يعترف الوريث له بكل هذا الذي يقوله ، فلذلك القرض أسجله ، وعقد الشراكة أسجله . 

شارك أحدهم آخر في موضوع تجاري ، ورأس المال كان ثلاثين ألفا ، دفع النصف ، قال لي : في السنة الأولى أعطاني خمسة آلاف ، فقلت : نعمة فقد ربح ، وأنا دافع عشرة آلاف أعطاني خمسة ، وفي السنة الثانية أعطاني كذلك خمسة ، وفي السنة الثالثة قال له : أين الربح ؟ فقال له : أي ربح فقد أقرضْتَنا عشرة وأخذتها ، ثم أصبح قيمة المشروع ستة ملايين ، فقد كان هذا في أيام الركود الاقتصادي ، وخلال أربع أو خمس سنوات ، الأسعار اختلفت اختلاف كبيرا ، وذلك لعدم وجود عقد .

أقول لكم كلمة أبلغ من ذلك : إذا اتفق الإنسان مع إنسان بلا عقود موثقة ، وقد أغراه الشيطان أن يغتصب هذا المشروع له ، من الذي أعانه على ذلك ؟ الطرف الآخر ، ليس الطرف الآخر الذي خسر حقه في هذا المشروع بأقلَّ إثماً من الذي اغتصبه ، لماذا ؟ لأنك لو وثَّقتَ له العقود لما فكَّر أن يغتصب هذا المشروع منك .

لذلك أنا أرجو إخواننا الكرام في كل شيء تجاري ، الذي اتفقتم عليه سجلوه في عقد ، وسجلوه في محكمةٍ  البداية ، هذا العقد حصن ، لك ولشريكك ، فلا تفكر أبداً ، وتقول : لماذا محكمة البداية ؟ لأنه إذا لم يوجد توثيق في محكمة البداية كان بإمكانه أن يُنكر التوقيع ، فإذا أنكر التوقيع دخل المتنازعان في قضايا ثماني سنوات في المحاكم لإثبات التوقيع ورأي الخبرة ، ثم خبرة ثنائية ، وثلاثية ، ورباعية ، وخماسية ، ثم تصبح القضية شائكة ، أما إذا سُجل العقد أمام قاضي محكمة البداية فقد انتهى الأمر ، ولا يمكن إنكار التوقيع لوجود نسخة منه محفوظة في المحكمة .

أنا أتمنى عليكم في عقودكم ، في شرائكم ، في بيعكم ، في شراكاتكم ، أن توثقوا هذه الاتفاقات بعقود ، وأن توثقوها في السجلات الرسمية ، لأن هذا حصنٌ لك ولأخيك ، فأنت تنام مطمئن البال ، ولا تسمح للشيطان أن يغري أخاك باغتصاب حقك ، أما إذا أهملت تسجيل العقود ، وخطر على بال شريكك أن يغتصب حقك كنتَ أنت الذي أغريته بهذا ، والعوام لهم كلمات لطيفة ، يقولون لك : " المال الداشر ، يعلم الحرامي السرقة " ، فدائماً وثِّق القرض بوصلٍ .

قال لي شخص قد أخذ من إنسان ـ والقصة قديمة من اثنتي عشرة سنة ـ ستمئة ألف ، وقال له : اكتبْ لي وصلاً ، أحب أن يصرف المال ، ولم تكن الصرافة ممنوعة يومئذ ، فقال له : الآن بعد الظهر تعال وخذ المبلغ ، قال لي : وأنا قادم بعد الظهر رأيت نعوته على الجدران ، قال لي  انخلع قلبي ، وفقدت المال ، احضروا لي إنسانا يملك أن يعيش بعد ساعة ، لا أحد يملك ذلك ، لذلك توقيع الإيصال ، أو توقيع السند ، وكتابة العقد لا يعني أنك لا تثق بهذا الإنسان ، لكن هذا من أجل ألا يأتيه ملك الموت فجأةً ، عندئذٍ تصبح المشكلة مع الورثة ، والورثة قد لا يصدقون .

يقول بعض العلماء : " لو أن امرأةً قالت لرجل : أنكحتك نفسي ، أو زوجتك نفسي ، أو أبحتك مني كذا وكذا ، فلو انتفت بهذا جريمة الزنا لكان هذا من أيسر الأمور " .

فالقضية خطيرة ، زواج ، وأولاد ، وحقوق ، وميراث ، فهذا عقد زواج وبكلمتين ، أعوذ بالله ، فهو يحتاج إلى قاضٍ ، إلى مأذون ، وإلى إيجاب ، وإلى قبول ، وإلى شهود ، وإلى مهر ، وإلى إعلان ، وإلى دخل أحياناً ، وإلى خطبة ، وإلى وليمة ، هذا كله من أجل أن يفترق السِفاح عن النكاح .

 

فضل عقود القران في المساجد

 

 

ثمة شيءٌ يلفت النظر ، هو أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أرشد أُمته إلى أن يُعقد النكاح في المساجد ، فقد روى الإمام الترمذي عن عائشة رضي الله قالت : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ ، وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ )) .

لماذا ؟ لأن الناس يجتمعون جميعاً يوم الجمعة في المسجد ، ما الذي يمنع أن نقول : زوجنا فلان من فلانة ؟ وسمعت أن بعض المساجد تفعل هذا ، وهذا الشيء وفق السنة في المسجد ، إعلان تزوج فلان بفلانة ، ولو كان العقد أُجري بعد حين ، أما ما الذي يمنع أن يُنشر هذا في المسجد ؟ والآن هذه البطاقات تشبه ذلك ، ودعوة الناس إلى حفل في قاعة عامة يشبه ذلك ، أو في قاعة ملحقة بالمسجد ، والله هذا شيء جميل جداً ، على كلٍ لابد من الإعلان .

بعض العلماء يقول : " معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ ))  ، إما لأنه أدعى إلى الإعلان ، أو لحصول بركة المكان ، وينبغي أن يُراعى فيه فضيلة الزمان " .

أدعى للإعلان ، وحصول بركة المكان ، وبركة الزمان ، لأن الناس يجتمعون يوم الجمعة ، وهو يوم فضيل ، فيه ساعة مباركة ، والمساجد خير بقاع الأرض ، فالمساجد أدعى للإعلان ، وأشد تحصيلاً لفضيلة المكان ، ولفضيلة الزمان .

وقال بعضهم : " يُستحبُ مباشرة عقد النكاح في المسجد ، لكونه عبادة ، وكونه في يوم الجمعة ، وهو إما تفاؤلاً بالاجتماع ، أو توقعاً لزيادة الثواب ، أو لأنه يحصل به كمال الإعلان ".

روى الحافظ أبو بكر عبد الرزاق عن صالح مولى التوأمة قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم جماعةً في المسجد فقال :

((ما هذا ؟ قالوا : نكاح ، فقال عليه الصلاة والسلام : هذا النكاح ليس بالسفاح )) .

لأنه في مسجد ، ولأنه معلن ، وسبحان الله ! الذي يلفت النظر أنّ الإنسان إذا كان شارداً ، وأراد أن يمشي مع فتاة ، لو أنك سِرْتَ خلفه لاضطرب ، لو أن طفلاً صاح بكلمةٍ لارتعدت فرائصه ، أما حينما يخطب شاب ابنتك ، ويُعقد العقد ، ويأتي ليزوركم في البيت ، يجلس الشاب وابنتك إلى الساعة الثانية عشرة ، وأنت مطمئن ، لأنها زوجته ، فالعمل الشرعي مريح ، وفيه فخر ، وليس فيه خجل ، أو فيه شعور بالذنب ، وأقول لكم : إنّ أية شهوةٍ أودعها الله في الإنسان لها قناة مشروعة ، قال لي واحد : أجلس معها في الحديقة ، قلت له : اخطبْها ، واعقد العقد ، وأحضرها إلى بيتك ولا تحتاج إلى حديقة .

وإذا لم يكن هناك مسجدٌ في مدينةٍ أو قرية ، وإن كان المفروض أن يكون في كل تجمعٍ إسلاميٍ مسجدٌ .

كيف أن الناس بحاجة ماسة إلى الماء ، فلا يوجد قرية راقية ليس فيها مشروع ماء ، تجد مستودعًا عاليًّا ، وبئرًا ومستودعًا ، والمياه تصل إلى البيوت ، الماء حاجة أساسية ، والطعام حاجة أساسية ، أحياناً مهما كانت القرية صغيرة ففيها سمان يبيع حاجات أساسية ، فحاجة الناس إلى المسجد ليصلوا فيه ، ليتلقوا العلم فيه ، ليتعارف بعضهم على بعضٍ فيه ، ليتعاونوا فيه حاجة أساسية ، فالآن الحمد لله أصبح المسجد مركزًا إسلاميًّا ، ففيه تؤدَّى الصلوات ، وتعقد فيه مجالس الذكر، ومجالس العلم ، ويعلم فيه الصغار قراءة القرآن ، ويعلم فيه الكبار أُصول الدعوة ، وفيه مكتبة يرتادها روَّاد المسجد ، قد تُحل بعض المشكلات الحيوية في المسجد ، قد يُطبب الإنسان في المسجد ، قد يعقد الزواج في المسجد ، قد تحقق مصالحه في المسجد ، هذا المسجد مكان أساسي  في حياة المسلمين ، لذلك النبيّ الكريم حينما هاجر إلى المدينة المنورة أول شيءٍ فعله فيها أنه بنى المسجد مكانًا للاجتماع فيه .

قرأتُ في كتب الفقه في بعض المذاهب ، لا في كل المذاهب : أنه إن لم يكن في القرية مسجد ، يجوز أن يُبنَى المسجد من أموال الزكاة .

وهذه حالة نادرة جداً ، لأنه ] إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [ ، لكن للضرورة الماسة لوجود مسجدٍ في القرية ، إن لم يكن هناك مسجد ، هناك رأيٌ لا أقول : إنه قوي ، لكنه ضعيف ، لكن له معنى ، أن يُبنى المسجد في القرية بشكلٍ حتمي ، لأنه بالتعبير الحضاري هو مرفق حيوي لسلامة النفس البشرية ، لا يوجد إنسان له مسجد يؤُمه ويرتاده ، لا يوجد إنسان له منهل ينهل منه إلا وله أخلاق خاصة ، أخلاق عالية ، وفهم ، وانضباط ، وأدب ، هذه كلها من بركات المسجد ، والآن الحمد لله توجد قاعات منضبطة يعقد فيها عقود النكاح ، وهذه القاعات واسعة ، والأمور فيها مُيسَّرة ، وهذا الشيء لم يكن من قبل ، فقد كانت البيوت صغيرة ولا تسع .

 

2 – وجود الشهود في النكاح

 

 

الشيء الثاني في عقد النكاح : وجود الشهود في النكاح ، فقد روى الإمام الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا نكاح إلا بوليٍ وشاهدي عدل ، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له )) .

وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :

 (( الْبَغَايَا اللاتِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ )) .

هذا كلام دقيق ، فالتي تُنكح نفسها من غير بينة ، ومن غير شهود ، من غير ولي هي ليست بغيًّا ، لكن كأنها بغي ، تشديداً سماهن النبيّ عليه الصلاة والسلام بغايا تشديداً على الولي وشاهدي العدل .

ويقول أحد العلماء في شرح هذا الحديث : " المراد بالبينة ، إما الشاهد ، فبدونه زنا عند الشافعي ".

فالإمام الشافعي يرى أن عقد النكاح من دون الشاهد زنا ، وكذلك عند الإمام أبو حنيفة ، نكاحٌ بلا شهود يعدُّ زناً .

و يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى : " لا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين ".

كل هذا الدرس من أجل أن نفرِّق بشكلٍ بينٍ صارخٍ بين السفاح والنكاح .

ويقول صاحب الهداية : " اعلم أن الشهادة شرطٌ في باب النكاح ، لقوله صلى الله ليه وسلم :

((.... لا نِكَاحَ إِلا بِشُهُودٍ ... )) .

 

3 – خُطبة النكاح

 

 

الآن هناك شيءٌ آخر من شروط إعلان النكاح ، خُطبة النكاح ، الخِطبة غير الخُطبة ، الخِطبة أن تخطب الفتاة ، أما الخُطبة أن تلقي خطبةً ، فمن شروط إعلان النكاح  خُطبة النكاح ، لماذا ؟ هل من المعقول أن يقف إنسان في غرفة وحيداً ويخطب ؟ ليس هذا معقولا ، من لوازم الخطبة وجود جمهور ، وإلا يكون مجنونًا ، فالخطبة تقتضي وجود جمهور يحضر هذا العقد ، لذلك روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ :] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ ، ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [ ، ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [ )) .

ففي كلّ عقد قران لا بدَّ من خطبة ، والآن الحمد لله الشيء متوافر ، فلا يوجد عقد قران الآن إلا وفيه كلمة يلقيها أحد العلماء ، وهذا شيء جميل جداً ، بل إنَّ عقود القران أصبحت مجالاً للدعوة إلى الله .

هناك علماء كثيرون وأنا أحمد لهم ذلك توسعوا في موضوع الخطبة ، فجعلُّوها تعريفاً بالله عزَّ وجل ، لأن أناساً كثيرين ممن يحضرون هذه العقود قد لا يرتادون المساجد ، فصارت عقود القران مناسبة للدعوة إلى الله ، فعقد قران يحضره تقريباً خمسمئة شخص ، وفيه مديح لرسول الله عليه الصلاة والسلام ، وفيه خطبة تلقى على مسامع الناس ، فيها تعليم ، وتوجيه ، وفيها إشارة إلى العقد الذي تم في هذا المكان .

يستحب في هذه الخطبة أن تكون قبل عقد القران ، وتلاحظون أن الذي يأتي إلى مكان العقد ليسجِّل العقد ، أولاً يبدأ بخطبة ، ثم يستمع إلى إيجاب الولي ، وقبول الزوج ، ويُشهد الشاهدين ، ثم يذهب لسماع إقرار الفتاة .

وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا حضر عقد النكاح فلم يُخطَب فيه بخطبة رسول الله قام وتركهم .

فمن لوازم عقد النكاح الخطبة ، وقال بعض العلماء في بيان حكمة هذا التوجيه النبوي الكريم : " إن الخطبة مبناها على التشهير ، وجعل الشيء بمسمع ومرأى الجمهور ".

ففي بعض الأيام يقول لك : أبارك للعروسين زواجهما ، أو يقول لك : بارك الله لهما وعليهما وفيهما ، بارك اللهم بهما ، وأنجب منهم الكثير الطيب ، وجعل كلاً منهما قرة عينٍ للآخر ، واللهم ألهمهما السداد والرشاد ، اللهم بارك لهما ، وعليهما ، وفيهما ، اللهم ارزقهما الذرية الطيبة ، اللهم وفق بينهما كما وفقت بين سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وزوجاته الطاهرات .

كلام طيب ، وكل الناس سمعوا أنه هنا عقد قران ، وفلان تزوج من فلانة ، هذا الذي يبعد الموضوع عن السفاح .

شيء آخر ، إذا أحبَّ أحد أن يشتري كأسًا من العصير فهل من اللازم أن يخطب ؟ لا ، ليس من المعقول ، فهل من اللازم أن نقول له : إيجاب وقبول ، وأحضر الشهود ، كذلك هذا ليس من المعقول ، طبعاً الأئمة قالوا : " عقود الشراء إن كانت في الخسيس لا تحتاج إلى إيجاب وقبول ، تحتاج إلى المناولة ، وهي العقد ، المعاملة ، أو المناولة ، أما العقود الغالية ، كبيت بثمانية ملايين فهو يحتاج إلى عقد ، وإلى إيجاب ، وإلى قبول ، وإلى عقد مكتوب وإلى شاهدين ، فمعنى خطبة ، أي شيء مهم ، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام قد أرشدنا إلى خطبة النكاح ، معنى ذلك أن النكاح شيء مهم .

 

4 – الوليمة

 

 

ومن الأشياء التي أرشد النبي عليه صلى الله عليه وسلم إليها ليفترق النكاح عن السفاح ، هي الوليمة ، وليمة العرس ، الآن هذا التوجيه النبوي ضعف شأنه ، واستبدل بهذه الضيافة ، أما في عهد النبي e فقال : (( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ )) .

[متفق عليه عن أنس]

 وأحياناً في بعض الأعراس وفي بعض عقود القران يعقَد على وليمة ، وهذا أقرب إلى السنة .

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى ، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ ، وَأُزَوِّجُكَ ، قَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ ، فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا ، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَهْيَمْ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ ، قَالَ : مَا سُقْتَ إِلَيْهَا ؟ قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ؟ قَالَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاة )) .

[متفق عليه]

وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه ، بقوله : " الوليمة حقّ "، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف : (( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ )) .

حينما استخدم أو استنبط الحكم أن الوليمة حق في العرس كان الاحتجاج بهذا الحديث : " (( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))

وذكر الإمام أحمد عَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ : لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعُرْسِ مِنْ وَلِيمَةٍ ، قَالَ : فَقَالَ سَعْدٌ : عَلَيَّ كَبْشٌ ، وَقَالَ فُلَانٌ : عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا مِنْ ذُرَةٍ )) .

أي إنه لا بد من وليمة ، ويبدو أنه سيدنا علي كان فقيراً جداً ، فعجيب كيف زوّج النبي ابنته لعليّ وهو فقير !! دققوا في هذا الكلام ، ما كان يملك ثمن وليمة ، تزوج بنت رسول الله ، وقد قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم : (( فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي ، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي )) .

[ متفق عليه عن المسور بن مخرمة]
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ :
(( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلًّا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا ، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا … )) .
[الترمذي]

ومع ذلك زوّجها من ابن عمها الفقير الذي لا يملك ثمن وليمةٍ يولم بها ، لذلك قال سيدنا سعد : عليَّ كبشٌ ، وقال آخر : عليَّ كذا وكذا من الذرة ، حتى اجتمعت لوازم الوليمة .

يقول الإمام النووي : " اختلف العلماء في وليمة العرس ، أهي واجبةٌ أم مستحبة ، والأصح عند أصحابنا ـ في المذهب الشافعي ـ أنها سنةٌ مستحبة ، والأمر بها أمر ندبٍ لا أمر وجوب " .

قد لا يملك الإنسان ثمن الوليمة ، فالأمر للندب ، أي مستحبة ، لكن إخواننا في الريف جزاهم الله خيرًا ، هكذا لاحظت ، ما دعيت إلى عرس في ريف دمشق إلا وقالوا لي : الطعام من الظهر وحتى العاشرة ليلاً ، كل من جاء يحضر هذا العرس له طعام يأكله ، فهم أقرب إلى السنة من أبناء المدينة .

فقال بعضهم في حكمة الوليمة في العرس ، قال : " التلطف بإشاعة النكاح ".

عندما تقول : تعالَ احضر العقد ولا يوجد شيء ، فيجيبك : والله يا أخي أنا مشغول ، ولو قلت له : تعال للأكل ، واحضر عقد النكاح ، يجيبك بنعم ، سآتي ، وأين يقع البيت يا أخي ، فقد اختلف الوضع ، إذا كان الموضوع نصف دعوة فقط اعتذر ، أما للأكل فيجيب الدعوة ، فمن أجل أن تجلب الناس ، وأن تغريهم بحضور هذا العقد أولمْ .

إن التلطف بإشاعة النكاح ، والحض على حضور عقد النكاح ، وأنَّ هذا العقد مشرَّف ، بدأ بوليمة ، لئلا يبقى هذا العقد محلَّ وهم ، يا ترى فلانة أخذها فلان ؟ والله لا نعرف ، قالوا : إنه أخذها ، وهذا شيء يحير ، بعض الناس قالوا : أخذها ، والبعض قال : لم يأخذها ، فأنت لو أقمـَ عرسًا ، وأولمت ، ودعوتَ الناس صار كل من كان في شك ووهم وتردد على ي قين في هذا الزواج ، فالإعلان ، والوليمة من آداب النكاح .

ودرسنا كلُّه حول محور واحد ، الفرق الكبير ، بين النكاح والسفاح : الإعلان ، الوليمة ،  والشهود ، والولي ، والدف.

عَنْ عبدا لله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا )) .

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ )) .

[أبو داود]

هناك نقطة أيها الإخوة الكرام ، أحياناً هناك أشياء تتكرر كالجلسات الأسبوعية مع الأصدقاء ، يمكن أن ينشغل عنها الإنسان أسبوعاً فلا يحضر ، أما عقد القران فهو مرة في العمر ، لا يوجد غيره ، لذلك عندما تدعى إلى عقد قران ولا تلبي فقد فوَّت على نفسك فضيلة تلبية الدعوة التي لا تكرر ، بعد ذلك فيها جبر خاطر ، من دعاك وجب حقه عليك ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ )) .

[البخاري عن ابن عمر]

أحيانا تكون الدعوة بجوار بيتك ، فالأمر سهل عليك ، أما لو دعيت إلى منطقة بعيدة فأجبتَ فلا مانع في ذلك ، والدعوة على كأس من الشاي ، فكأس من الشاي يكفي (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ )) ، والكراع من الدابة ما دون الكعب ، انظر إلى الأدب النبوي  (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ )) .

إذا دعاك أخ ، وسألته : أين البيت ؟ في المكان الفلاني ، فيقول لك : إن شاء الله سآتي ، لا يوجد مانع ، والمكان بعيد خارج دمشق ، أخوك دعاك ، وإن لم يكن هناك شيء فأنت عليك أن تلبي ، (( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ )) .

سبحان الله ! الذي يلبي دعوة أخيه يشعره بالود ، وبالحب ، ويفتخر ، ويقول : والله دعوت إخواننا ، وكلهم جاؤوا .

والله مرة دعيت إلى عقد قران ، أنا متأخر ساعة ، لا يوجد إلا صف من الكراسي فقط مليء ، والباقي كله فارغ ، شيء صعب ، شيء مخزٍ ، لأنه لم يأتِ أحد ، هذه مخالفة شرعية كبيرة ، فيجب أن تهيئ نفسك ، توطنها على تلبية دعوة عقود القران ، لأنها من السنّة ، وأنت بهذا تحييّ سنة رسول الله .

عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ )) .

[مسلم]

قد يكون لأحدنا غذاء نظامي معيَّن ، كأن لا يناسبه الأرز ، اذهب ، ولبّ الدعوة ، ولا تأكل من الأرز ، كُل لقمة واحدة واعتذر ، ولكن لبّ الدعوة ، ولا تربط الدعوة بالأكل .. قال : ((فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ )) .

لذلك لما أمر النبي أصحابه الكرام أن يولموا ، أمر المؤمنين أن يحضروا ، فالأمر متكامل ، هناك أمر أن تولم ولو بشاة ، وهناك أمر أن تحضر الوليمة ولو كنت صائماً ، أنا صائم اليوم ، لكن سأحضر ، الأساس مجيئك ، ولو كان دقيقة ، وليس الأساس الأكل ، فالأساس أن تلبي هذه الدعوة  ، وإذا كان أحد صائماً صوم نفل فهو أمير نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر .

وجب على هؤلاء المدعوين أن يجيبوا إلى طعام الوليمة ، فإن كان صائماً ولم يطعم ، فلا بأس بذلك ، لأنها حصلت إشاعة المودة ، ولو كنت صائما ، عليك أن تلبي ، والأكمل أن تفطر إذا كان صيامك نفلا  .

 

5– ضربُ الدّفّ

 

 

ومن  شروط إعلان النكاح ضرب الدف ، فعَنْ أَبِي حَسَنٍ

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ نِكَاحَ السِّرِّ حَتَّى يُضْرَبَ بِدُفٍّ ، وَيُقَالَ :

أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ                  فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ )) .

[أحمد]

الآن يزمرون في هذه الليالي ، فلا مانع ، لأنه إعلام ، وكان عليه الصلاة والسلام يعلّم أصحابه ، أن ينشدوا هذا النشيد :

أتيناكم . .    أتيناكم       فحيونا  نحييّكم

ولولا الحبة السودا         جئنا لواديكم

أي نشيد ديني مع تلبية العقد ، هذا شيء مطلوب .

روى الإمام الترمذي ، عن محمد بن حاطب الجمحي قال : قال عليه الصلاة والسلام :

(( فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ )) .

طبعاً ليس الفرق الوحيد الدف والصوت ، لكن الذي يفرق بين النكاح والسفاح الدف والصوت .

أنا أسمع من حين إلى آخر عن عقود قران ، أو عن أعراس ، ماذا حصل ؟ يقولون :  والله ألقيت كلمة من قِبل داعية ، وسمعنا نشيداً دينياً ، والله أبقى شهرً وأنا في نشوةٍ من هذا العرس ، شيء جميل ، هذا عرس إسلامي ، لماذا الغناء الفاضح والغناء الماجن ؟ لماذا هذه المسجلة تصدح بالأغنية الفاسقة ؟ وأنت مسلم ، وبيتك مسلم  ، والمدعون مسلمون كلّهم ؟ ليس من الصعب أن تدعو امرأة لها لسان تدعو إلى الله ، فهل من الصعب تدعو أناس من النساء لهن اختصاصٌ بمديح رسول الله ، صوت منخفض ، أم هل يجب في العرس أن نخرج من جلودنا لكي نعلن فرحتنا ؟ نحن ما عندنا فرح مع الفسق أبداً ، الفرح يكون مع الطاعة .

 

خطورة تصوير عرس النساء بالفيديو

 

 

لذلك إخواننا الكرام ، أتمنى عليكم في أعراس النساء ، احرصوا حرصاً بالغاً على إلغاء الغناء ، إذا بحثتم عمن ينشد نشيداً دينياً تجدون ، وما أكثر من ينشد ابتغاء وجه الله بلا مقابل ، ابحثوا عن امرأة ٍ تقول كلمة ، تعظ هؤلاء النسوة ، كلمة حق تقال في العرس ، الخطبة ضرورية ، فكما أن عقود القران ـ والحمد لله شرعية مئة بالمئة ـ فأنا لا أعتقد بالألف عرس إلا مِن هؤلاء المترفين ، بالألف عرس من عامة الناس إلا وكلها أعراس شرعية ، بها منشدون ، وكلمة ، أو كلمات تلقى في هذا الحفل ، ودعاء ، ومديح رسول الله فقط ، عقود الرجال رائعة ، أما عقود النساء ففيها الغناء ، وأما المخالفة التي لا تغتفر والتي تعد من أكبر الكبائر فهي تصوير ( الفيديو ) ، كل النساء كاسياتٌ شبه عاريات ، نصورهن ، ونأخذ الفيلم ، هذه من ؟ هذه زوجة فلان ، هذا شيء محرَّم ، ومن أكبر الكبائر أن تطور الأعراس بهذه الأفلام ، فهي وثائق كلّها ، فكأن الإنسان يرى المرأة بأبهى زينة .

فلذلك أنا أنصح إخواننا ، إذا دعي زوجته إلى عرس فيه تصوير يجب ألا تلبي ، ومن يسمح لامرأته بالذهاب إلى عرس فيه تصوير فقد ارتكب أكبر معصية ، لأن هذا الشيء قد يتداول ، وينسخ منه نسخ كثيرة ، ويعرض في بيوت كثيرة ، قد يكون في العرس رجال فسقة غير منضبتين كشفوا عورات المسلمات ، فمن أكبر الكبائر التصوير في أعراس النساء .

فهذا ضرب الدف ، أو النشيد الإسلامي كما قلت ، والوليمة ، وخطبة النكاح ، والشهود في النكاح ، وإعلان النكاح ، وانعقاده في المسجد ، هذه هي الآداب التي ينبغي أن تراعى في عقد الزواج ، من أجل أن نفرِّق بين النكاح وبين السفاح .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi