English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

رقم الدرس         : 6/6 لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

رقم الشريط         : 6/501

تاريخ               : الأحد 15/05/1993

الموضوع           : الفقه الإسلامي : مناسك الحج والعمرة - زيارة المدينة المنوَّرة

تفريغ             :   عماد علان

تنقيح أولى          :

التدقيق اللغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين  اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

 

أيها الإخوة الأكارم ، بقي معنا زيارة النبي عليه الصلاة والسلام ، ومهما قيل في حُكْم الزِّيارة ، فهناك من ينْفي وُجوبها ، ومن يجْعلها من لوازم الحجّ ، مهما قيل في حكمها ، فما من حاجٍّ يحجّ البيت الحرام إلا ويزور النبي عليه الصلاة والسلام .

فالحديث عن مَشْروعِيَّة الزِّيارة ، وعن حكمتها حديثٌ دقيقٌ ومهمّ ، إلا أنَّنا نبْدأ بالأحكام الفقْهِيَّة في الزِّيارة ، وبعدها ننتقل إلى بعض الحكم التي يمكن أن تُسْتنبط من زيارة النبي عليه الصلاة والسلام .

الأحكام الفقهية للزيارة :

أوَّلاً : ما يُشاع بين الحُجاج أنَّهُ لا بدّ أنْ تُقيمَ ثمانِيَةَ أيامٍ في المدينة المنوَّرة ، لِتُصَلي أربعين فرْضًا في الحرم النبوي الشريف ، فهذا ليس من الأشياء الثابتة في الدِّين ، وهذا هو الكلام الدقيق ، فأنت بِإمكانك أن تمْكثَ في المدينة أربعة أيام ، أو خمْسة ، أوثلاثة ، وذلك بِحَسَب الاسْتِطاعة والقدْرة والتَّيْسير ، وبحسَب الظروف التي تطْرأ ، أما أن تعْتَقِد أنَّه لا بدَّ أن تُقيم ثمانية أيامٍ في المدينة المنوَّرة فهذا كلامٌ ليس له أساسٌ من الصِّحَّة ، إلا أنَّهُ كلَّما مَكَثْتَ هناك كان أفْضل أما أنْ تعدّ هذا من أحكام الدِّين ، والأحكام الشرعِيَّة فهذا ليس له أصل .

هناك نقطة دقيقة ، وهي أنَّ الله عز وجل قال :

يا ترى هذه الآية هل هي في حَياة النبي صلى الله عليه وسلم أم تنطبق بعد في وفاته صلى الله عليه وسلَّم ؟ فَهُم ظلموا أنفسهم حينما لم يُطَبِّقوا السنّة ، جاؤوك ، لماذا ؟ كأنَّهم ما صَدَّقوا النبي عليه الصلاة والسلام إذْ جاء بِهذا الوحْي العظيم ، وحينما بيَّن هذه السنَّة ، فَتَكْريماً للنَّبيّ عليه الصلاة والسلام ، وتنْويهاً بشأنه العظيم ، وتعْظيماً لِمَقامه العالي ، لا يقبل الله منك توْبَةً ولا اسْتِغفاراً ، ولا اصْطِلاحاً إلا إذا اصْطَلَحْتَ مع نبِيِّهِ ، لأنَّك حينما لم تُطَبِّق سنَّتَهُ صلى الله عليه وسلم كأنَّ لسان الحال يُكَذِّبُ هذا النبي ، فالله تعالى قال :

[ سورة النساء ]

نحن ليس عندنا إشراك بالله ، فَمِن الثوابت أنَّك إذا زُرْتَ مقام النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن تشْعر أَّنك أمام قبْر،  تشْعر أنَّك في حَضْرته ، فإذا خاطَبْته تشْعر أنَّك تُخاطبه وكأنَّهُ حيٌّ أمامك ، فتُخاطبهُ بأدَبٍ جَمٍّ ، وتقف بأدٍب رفيعٍ فتَشْعر وكأنَّهُ أمامك ، هذا من علامة المؤمن ، ولهذا كان بعض العارفين وهو الشيخ بدْر الدِّين الحَسَني لِهَيْبة مقامه الجليل وقف في أوَّل باب السلام ولم يجْرؤ أن يتخَطَّى باب السلام ، أما هؤلاء الذين ينْكَبُّون على مقام النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ويؤذون المسلمين ، ويتَمَسّحُون بالحديد الذي على النافذة ، هؤلاء أقلّ أدَباً مما ينبغي ، فيجب أن تقف أمام مقامه الشريف كما لو كان حيًّا، فالاقْتِراب الشديد ليس من الأدب .

وإليكم الآن بعض الخِبْرات الشَّخْصِيَة في موضوع الزيارة ، ماذا الذي يحْصل أيها الإخوة ؟ الذي يحْصل أنَّك مُشْتاق لِمَقامِ النبي عليه الصلاة والسلام ، وما أن تَصِل إلى المدينة حتَّى تتَوَجَّه إلى الحرم الشريف ، وغالباً ما يكون الوقْت وقْت صلوات ، فَتُصلي الفريضة  وتنْطلق إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام ، فإذا بك أمام زِحامٍ لا يُعْقَل ، ولا يُحْتَمَل ، وأمام تيارٍ من البشر تكاد تنْسَحِقُ بين أفْراده ، وكلُّهم يدْفعك نحو الأمام ، ويحْشُرُك في أضْيَقِ الأمْكِنَة  إلى أن تجد نفْسك فجْأةً في الطريق ، ففي القديم كان أمام المقام النَّبوي تنحرف نحو اليسار  وتدور حوْل المقام ، والسلطات السعودِيَّة - وأنا معهم في هذا - خافوا أن يطوف الناس حوْل مقام النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، لأنَّهُ بِدْعة ، فأغْلقوا الطريق من الجِهَة التي حول المقام ، وصار الطريق إجْباريًّا إلى خارج الحرم ، فأنت لو ذَهَبْتَ في وقْتٍ غير مناسب لزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقول لكم : تكون لك نكْسة في هذه الزِّيارة ولا أُبالغ ، فتجد نفسك مُضْطربًا ، ولم تشْعر بِحَال اتِّجاه هذا النَّبي العظيم ، ولم تدْمع عَيْناك ، وتجد نفْسك تُدْفع من كُلِّ الجهات ، إلى أن تصير خارج الحرم النَّبوي ، ماذا ينبغي أن تفْعل ؟ أنا أنصح إخواننا الكرام ، ورُؤساء الأفواج حفظهم الله تعالى الذين عندهم خبرات أن يذْهبوا إلى بيوتهم وهم في المدينة ، ويسْتريحوا ساعات  إلى أن تشْعروا أنَّكم عُدْتم إلى أعلى درجات النَّشاط ، لأنَّ أثر السَّفر أثرٌ سلبي لزيارة النبي عليه الصلاة والسلام ، فأنتم عليكم أن تسْتريحوا ، وكُلوا واخْلَعوا ثيابكم ، وبعد أن تشْعروا بالنَّشاط اغْتَسِلوا ، فهو من آداب الزِّيارة ، والْبَسوا أجْمل ثِيابكم ، ولا بدَّ من ثَوْبٍ أبيَض خاص لأوَّل زيارةٍ للنبي عليه الصلاة والسلام ، وأن تتعَطَّر ، لأنَّك أنت مُتَحَلِّل الآن ، واذْهَب إلى المقام النبوي الشريف إن تَمَكَّنْت عند صلاة الفجْر ، وصَلِّ الفجْر مع الجماعة ، وإياك أن تقْترب من المقام ! لماذا ؟ لأنَّ كُلَّ الناس بل مُعظمهم يَتَوَجّهون إلى المقام الشريف ، بازْدحام ودفع شديد ومنازعة تجْعلك لا تشْعر بأيِّ حال ، ولقد رأيْتُ أصْحاب الخِبْرات الطويلة يجْلِسون في الباحة السَّماوِيَة التي أرى منها القبَّة الخضْراء ، هذا المنظر الذي لا يُنْسى ، وهذه القبَّة التي ضَمَّت جسد النبي عليه الصلاة والسلام وحقيقته النَّبَوِيَّة ، وكنت أقرأ القرآن إلى ساعة من الزَّمن ، وبعد ساعةٍ من صلاة الفجْر تجد معظم الناس قد انْصَرَفوا إلى بُيوتهم ، لماذا ؟ لأنَّهم جاؤوا إلى مقام رسول الله مع الأذان الأوّل ، وهو قبل أذان الفجْر بِساعة ، وحينها يتسنى لك البقاء ما تشاء ، وتَوَجَّه للنبي عليه الصلاة والسلام وَسَلِّم عليه ، وقل له : أشْهد أنَّك قد بَلَّغْتَ الرِّسالة ، وأدَّيْتَ الأمانة  ونصَحت الأمّة ، وكشَفْتَ الظُّلْمة ، وجاهَدْتَ في الله حقّ الجهاد ، وهَدَيْتَ العباد إلى سبيل الرَّشاد  وأنا أنْصحك ، أيّ شيء تذْكره عند مقام النبي عليه الصلاة والسلام خاطِبْهُ به ، يا من وقفت في الطائِف ، وقلتَ كذا وكذا ، فأيّ حديث تذْكره عن رسول الله ، وأيْ قِصَّة تذْكرها قلْها ، وليس المقْصود أن تبْقى برْهة من الزَّمن ، وتذْهب بعدها ، ليست هذه هي زيارة النبي عليه الصلاة والسلام ، يجب أن تبْكي هناك ، وتجْهشَ بالبُكاء ، وأن تشْعر أنَّك في حضْرة أعْظم مخْلوقٍ في الكَوْن ، وأنَّك في حَضْرة إنسان أنْقذ البَشَرِيَّة من الضَّلال ، وفي حضْرة إنسانٍ حريصٍ على المؤمنين وغيرهم ، قال تعالى :

[ سورة التوبة ]

ويجب أن تُخاطبه وكأنَّك بين يديه ، ويجب أن تسْتغْفِرَهُ ، فالمفروض هنا أن تُسْكب العَبَرات ، ويُناجى النَّبيّ صلى الله عليه وسلَّم ، ولا بدّ أن تبْقى ساعة أو ساعة ونِصْف ، فإذا تعِبْتَ اجْلِسْ ، فلك أن تُصَلي وأن تُواجه النبي عليه الصلاة والسلام ، ولك أن تدْعو ، افْعَل هذا كُلَّ يوم وأنت في المدينة ، وهذا أنْسب وقْت ، ولو سألتَ الخُبراء الذين حَجُّوا ثلاثين حَجَّةً أفضل الوقْت بعد صلاة الفجْر بِسَاعة ، تقريباً خمْسون بالمئة أو سبعون ينْصَرِفون إلى بيوتهم وبإمكانك أن تقف الوَقْفة الطويلة والجَلْسة المُتأنِّيَة ، وأن تُناجيه المناجاة الحارَّة ، وأن تعْتَذِرَ إليه ، فحالك بين أن تُصلي للقبلة إذْ هي عكْس المقام ، وبين أن تقرأ القرآن ، وبين أن تكون واقفاً ، أو أن تكون جالساً ، سوْفَ تَرَوْن في هذه الزِّيارة أنّ أعْظم مَشْروع تَكْييف في العالم ، هو عند النبي عليه الصلاة والسلام ، فالناس قديماً كانوا يزورون ويعودون إلى بيوتهم حيث المُكَيِّفات ، أما الآن فقد انتهى هذا الأمر ، التَّكْييف أرقى في الحرم المدني ، وأنت مُتَّجِهٌ إلى باب الحرم النبوي الشريف قبل خمْسين متْرًا تهُبّ عليك نسَمات عليلة من التَّكْييف الشديد ، لأنَّ مساحة المُكَيِّفات مئتان وسبعون ألف متْر مربَّع ، والتَّبْريد مُساق بأنابيب ماءٍ بارد ، ثمَّ مُحَوَّلة إلى ماءٍ بارِدٍ في أسْفل الأعْمِدَة ، والأعمدة أعتقد أنها ألفان وأربعمئة عمود بالحرم النَّبوي ، فَيُصْبح البيت لا طعْم له إطْلاقاً ، البيت للطعام والنَّوْم ، وهي نصيحة لِوَجْه الله ، وإذا أراد الواحد منكم أن يُطالع فَلْيَتَوَجَّه إلى مكْتبة الحرم النَّبوي الشَّريف ، سَيَجِد مكْتبة مُتواضعة ، فإذا كان لك الوقْت يمكنك أن تتعَرَّف على معالم المدينة ، هنا حينما كان حَيًّا كان مسْجده بِهذا الحجْم ، فالأعمِدَة لها لون خاص  وكانت فسْحته السَّماوِيَة إلى هذا الحجْم ، ثُمَّ مُدِّدَ وتَوَسَّع إلى هذا الحجْم ، فهذا قبْر النبي وهذا مُصَلاه ، وهذا منْبره ، ولديْك الرَّوْضة الشريفة ، "ما بين منبري وقبري روْضة من رياض الجنَّة"  أشْواقك وأحْوالك تظْهر بهذا المكان ، فالمُكوث في البيت غير مُجْدي ، ولا طعْم له ، هي المدينة لا طعْم لها دون الحرم النَّبوي ، وواللهِ كنتُ أُشاهد أناساً أتألَّم من أعْماقي ، يصلون الصبح في البيت وكذا باقي الصلوات ، ماالذي جاء بك إلى هذا المكان إذا آثَرْتَ البيْت على مقام النبي عليه الصلاة والسلام ، فَعُذْر الحرّ انْتفى الآن ، فالحرم مُكَيَّف بأعلى طرق التَّكْييف ، فكما قلتُ أنا أنْصَحُكَ أن تبْقى في الحرم المدني ، عدا الطعام والراحة والنَّوْم .

فلو أنَّ أحدكم زار المكْتبة سيأخذ منها معْلومات قَيِّمَةً ، وأذْكر في السَّنة الماضِيَة ذهبْتُ لِمَكْتبة الحرم المدني وسألْتُ أين كتب معالم المدينة ؟ فَدَلَّني أحدهم ، وأمْضَيْتُ ساعات لم أجِدْ أمْتَعَ منها ، ثمَّ هناك بالمدينة زيارة المعالم الأثَرِيَّة ؛ جبل أُحد ، وموْقعة الخَنْدق ، وقباء  والقبلتين ، وكُلّ النخْل الموجود هو الذي كان في عَهْد النبي عليه الصلاة والسلام ، فالنَّخْلة عُمْرها ستَّة آلاف عام ! فهذا الذي تَرَوْنَهُ هو النَّخْل نفْسه الذي كان على عَهْد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، شَهِدَ الله تعالى أنَّني وَقَفْتُ في ساحَةٍ في قباء ، حالتْ مِنِّي الْتِفاتَةٌ فرأيْتُ في وسط هذه الساحة عموداً ، وفي نِهاية العمود كرة مُضاءة ، وكُتِبَ على هذه الكُرة : طلع البدْر علينا ، ووالله الذي لا إله إلا هو يمكن أنَّ هذا النَّشيد سَمِعْتُهُ في حياتي عَشَرات ألوف المَّرات ، ما أعْرِفُ أنَّني اقْشَعَرَّ جلْدي ، واضْطَرَبْتُ وبكيتُ إلا ذلك الوقْت الذي كان مُؤَشِّراً أنّ الصحابة اسْتَقْبلوا النبي عليه الصلاة والسلام ، وهناك البقيع ، هذه كُلُّها معالم ينبغي أن تزورها ، وتقرأ عنها ، هناك كتاب لمحمّد حُسين هيْكل اسمه معالم التنزيل ، لو أنَّ رؤساء الأفواج أخذوه معهم ، وطالعتُم فيه كي تكونوا على عِلْم ، فأنا أحبّ أن تكون الزِّيارات فيها عُمْق ، كما أنَّني آسف أشَدَّ الأسف على المسئولين في السَّعودِيَّة على إلْغائِهم جميع المعالم ، بيت النبي أين هو ؟ كُلَّه مُلْغى ، فرُؤساء الأفواج كلَّما اطَّلعوا على معالم المدينة ، وأطْلعوا الحجاج عليها يكون لهم الأجر ، إذاً الجَلْسة بالمدينة جلْسة روحانِيَّة ، فأنت بِمَكَّة تشْعر بالجلال ، لكِنَّك في المدينة تشْعر بالجمال ، لذلك الآيات الكريمة المُتَعَلِّقة بذات الله تعالى ، تقْرؤها في مَكَّة المكرَّمة فَيَقْشَعِرّ جلدك ، لكن بالمدينة أنْصحك أن تقْرأ الآيات المُتَعَلِّقَة بالنبي عليه الصلاة والسلام ، كَسُورة المزَّمل والمدّثر والجنّ والمنافقون و التوبة والحجرات ، فهذه السور لو قرأتها أمام النبي صلى الله عليه وسلَّم لا تسْتطيع أن تتَحَمَّل .

وأنت مُتَّجِهٌ إلى المدينة تقرأ كتاباً عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وأنا فعلْتُها فكانت أجْمل رحْلة في حياتي ، وما أنْساها أبداً ، لأنَّ في المدينة هناك ما يُحَرِّكُكَ ، فأنت أمام النبي عليه الصلاة والسلام ، فَيَلْزَمُكَ كتاب عن أخْلاق النبي ، وعن شمائِلِه ، فهي تُفيد في الطريق إلى المدينة ، والطريق إلى المدينة أربعمئة وخمسون كيلومتر !

ويُسْتَحَبُّ للزائر أن يُكْثِرَ في طريقه إلى طيبة من الصلاة على الحبيب ، ولا سيَّما إذا بدتْ له معالم المدينة ، وأشْجارها ، وأبْنِيَتُها ، وما شَعَرْتُ بِمَديح النبي حق الشعور إلا هناك  وتشْعر بِشُعور لا تشْعره في بلدك إطْلاقاً .

وأنت ذاهب إلى روْضة من رياض الجنَّة ! لي أخٌ مُقيم بالمدينة فلما أخذني إلى موقعة بدر ، والطريق طويل ومُعَقَّد ، ويبعد حوالي مئة وسِتُّين كيلو متر من المدينة ، فالجبال التي كنا نمرّ عليها قلتُ في نفْسي سبحان الله ! هذه الجبال التي أراها الآن هي التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ! أصْبح هناك قاسم مشْترك في الرؤْية ، فعلى الزِّيارة أن تكون ممْتِعَة ومُسْعِدة وروحانِيَّة وعِلْمِيَّة ، فالأكل والشرْب ضَعْهُ على جنب ، والْتَفِتوا إلى طاعة الله عز وجل .

ويُسْتَحَبُّ للزائر أن يُكْثِرَ في طريقه إلى طيبة من الصلاة على الحبيب ولا سيَّما إذا بدتْ له معالم المدينة وأشْجارها وأبْنِيَتُها ، وأن يسأل الله تعالى أن ينفعه بِزِيارته ، وأن يتقَبَّلها منه  ويُسْتَحَبّ الاغْتِسال قبل الدُّخول إلى مسْجِدِه صلى الله عليه وسلَّم ، وأن يُنَظِّفَ نفْسه ، وأن يلْبس أحْسن الثِّياب ، ويتطَيَّب ، وعلى المرْء أن يسْتشْعر في نفْسه أنَّهُ على أشْرف بِقاع الأرض ، لما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام قال : اللهمّ خرجْتُ مِن أحَبِّ الدِّيار إليّ - من مكَّة - فأسْكِنِّي أحبَّ الدِّيار إليك ، فالعلماء اسْتنْبطوا أنَّ المدينة المُنَوَّرة أحبُّ البلاد إلى الله تعالى ، وأنت تشْعر بِهذا ، هدوءٌ تام ، لا خِناق ولا جدال ، وسلام تامّ ، لأنَّ أكثر المَدَنِيِّين المُجاوِرين جاؤوا حُبًّا لِرَسول الله ، وتجد تعاملهم لطيفًا ، وأكثر شيء يدْعوك للتَّعَجُّب ، أنَّ هؤلاء ما رأوْهُ وما سَمِعوا كلامه ، ولا أخذوا من عطائِه ، لماذا يبْكون ؟! ما الداعي للبكاء ؟ هذا من سرِّ النُّبُوَّة ، كما يُسْتَحَبّ أن يقول عند دُخول المسْجد النَّبَوي ما ذَكَرْناهُ عند دُخول المسْجد الحرام ، وأن يدْخل مُقَدِّماً رجْله اليُمْنى ، ثمَّ يقْصِد الرَّوْضة الشريفة ، فهذه الرَّوْضة صلى فيها أبوبكر وعمر بن الخطاب ، وكبار الصَّحابة ، فيَجوز أن تُصلي في مكانٍ صلى فيه هؤلاء الخيرة ، فإذا أتيح لك أن تُصلي في مِحْراب النبي الذي صلى بأصْحابه فيه تشْعر حقيقةً أنَّك في رَوْضة ، ووالله إنَّ هذا الكلام ليس فيه مُبالغة إطْلاقاً ، وأنت في الروضة تشْعر أنّك في رياض الجنَّة .

أُسْطوانة الوُفود ، أحد الصحابة ارْتَكَب خطأً فَرَبَط نفْسه بأُسْطوانة اسمها أُسْطوانة التوبة ، وهي عبارة عن عمود ، ثمَّ إنَّ الألوان مختلفة فالبيْضاء للرَّوْضة ، والحمْراء خارجها  وهناك مُؤَشِّرات مكتوبة في الأولى:  أنَّ هذه حدود المسجد النبوي في عهْده ، وهذه في عهْد عمر  فهذه العلامات لها أثر بالغ في نفْسِكَ المُنيبة إلى الله تعالى .

والرَّوْضة هي ما بين المِنْبر والقبْر الشَّريف ، المُحاط بالحُجْرة الشَّريفة ، وهي مُتَمَيِّزة بِسِواريها ذات الرُّخام الأبْيَض ، ويُصلى في الرَّوْضة سُنَّة تَحِيَّة المَسْجد ، فبِالحَرَم المكي الطواف هو التَّحِيَّة ، ويشْكر الله تعالى على النِّعْمة ، ويسْأله القبول ، ثمَّ يأتي القبْرَ الشريف حيث مثوى نبِيُّنا محمد صلى الله عليه وسلَّم ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلاً القَبْر ، والقِبْلة خلْفهُ ، ففي الدعاء اِتَّجِه نحو القبلة ، ولا تتَّجِه نحو القبْر ، وإخواننا السَّعوديِّين يظنون أنَّك تتَوَسَّل بالنبي عليه الصلاة والسلام  ناظِراً إلى أسْفل المُواجهة الشريفة ، غاضًّا الطَّرْف ممتلىء القلب هَيْبَةً وإجْلالاً ، لِمَنْزلة مَن أنت في حَضْرته ، ثمَّ تُسَلِّمُ بِصَوْتٍ مُعْتَدِل قائِلاً : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا نَبِيَّ الله  السلام عليك يا خيرة خلْق الله ، السلام عليك يا حبيب الله ، السلام عليك يا نذير ، السلام عليك يا بشير ، السلام عليك يا طُهْر السلام ، السلام عليك يا نبِيَّ الرحمة ، السلام عليك يا نبِيَّ الأمة  السلام عليك يا أبا القاسم ، السلام عليك يا رسول ربِّ العالمين ، السلام عليك يا سيِّد المرسلين  ويا خاتم النَبِيِّين ، السلام عليك يا خير الخلائق أجْمعين ، السلام عليك يا قائِد الغرّ الميامين  السلام عليك وعلى آل بيْتك وأزواجك وذُرِّيَّتِك وأصْحابك أجْمعين ، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين ، وإن لم يحْفظ هذا الدُّعاء فلا مانع ، جزاك الله يا رسول الله أفضل ما جزى نبِيًّا عن أُمَّتِه ، وصلى الله عليك وسلَّم كلَّما ذَكَرَك ذاكر ، وغفل عن ذِكْرك غافل  أفْضل وأطْيَبُ من صلى على أحد من الخلْق أجْمعين ، أشْهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له  وأشْهد أنَّك عبدك ورسوله ، وخيرته من خلقه ، وأشْهد أنَّك قد بَلَّغْتَ الرِّسالة وأدَّيْت الأمانة  ونصحْتَ الأمَّة ، وجاهَدْتَ في الله حق جهاده ، اللهمّ آته الوسيلة والفضيلة ، وابْعَثْهُ مقاماً مَحْموداً الذي وَعَدْتَه ، وآته نهاية ما ينْبغي أن يسأله السائِل ، اللهمّ صلِّ على سيِّدنا محمدٍ عبْدك ورسولك ونبِيِّك ، النبِيّ الأميّ وعلى آل سيّدنا محمّد ، وأزواجه وذُرِّيَّتِه كما صَلَّيْتَ على سيِّدنا إبراهيم وعلى آل سيّدنا إبراهيم ، وبارك على سيِّدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ، كما باركت على سيّدنا إبراهيم وعلى آل سيّدنا إبراهيم في العالمين إنَّك أنت الحميد المجيد .

وهذه الصِّيغة مُسْتَحَبَّة ، وللزائر أن يقْتَصِرَ على بعْضِ ما يحْفظه ، وأنا لا أُفضِّل أن تفْتح كتاباً ، فالكتاب يُذْهب الحال ، فأن تقرأ ربعها وتبكي ، أحسن من أن تقرأ كلّ الكتاب وعينك جامدة ! فالقصْدُ الشُّعورُ بالقرب ، لا أن تقرأ الدعاء .

ويُبَلِّغُ سلاَم من أوْصاهُ بالسلام ، على النبي صلى الله عليه وسلّم ، السلام عليك يا رسول الله من فلان ابن فلان .

ويتأخَّر من اليمين فَيُسَلِّم على سيِّدنا الصِّديق ، يا خليفة رسول الله ، ويا من قال النبي في حقِّه ما ساءني قطّ ، وزوَّجني ابنته ، ويا من قال النبي في حقِّه : ما طلعتْ شمْس على رجل بعد نبِيٍّ أفْضل من أبي بكْر "، كل شيء تحْفظه عن هذا الصِّديق العظيم ناجه به ، وتَذَكَّر أقواله ، وأفعاله ، ومَحَبَّته للنبي عليه الصلاة والسلام .

الخطاب ، ويُثني عليه بما هو أهله ، ثمَّ يعود إلى مواجهة النبي صلى الله عليه وسلّم حيث وقف أوَّل مرَّة فيتَوَسَّل به ويتشَفَّع به إلى الله عز وجل ، سائِلاً الله تعالى المَغْفرة والهُدى  والصلاح والتَّقْوى ، وحُسْن الخِتام ، ويدْعو لنفْسه ولِوالِدَيه والمُسْلمين أجْمعين .

مَكْتوبٌ على المقام :

يا خير من دُفِنَتْ بالقـاع أعْظمه         فطاب من طيبِهِنَّ القاع و الأكــمُ

نفسي الفداء لِقَبْر أنـت ساكنـه         فيه العفاف وفيه الجود و الكــرم

أنت الشَّفيعُ الذي تُرْجى شفاعته         على الصِّراط إذا ما زَلَّت القـــدمُ

وصاحِباك فلا أنْساهما أبـــداً         مِنِّي السلام عليكم ما  جرى القلـم

فإذا انتهى تأخَّر ، فوقف مُسْتَقْبِلاً القبلة حيث أمْكنه من الرَّوْضة ، والأفضل إنْ تَيَسَّر بين القبر والسارِية ، فَيَحْمَدُ الله تعالى ، ويُمَجِّدُه ويدْعو لنفْسِهِ ، ولوالديه ، وإخوانه المؤمنين  ولْيَحْرَص على الصلاة في الرَّوْضة الشَّريفة ، فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ *

[ رواه البخاري ]

ولا يجوز الطواف بالقبر النبوي الشريف ، ويُكْرَهُ التَّمَسُّحُ به أو بالمُواجهة الشريفة والتَّقْبيل ، بل الأدب أن يبْتعد كما لو حضر أمامه في حياته ، كما ينبغي أن يحرص على الصلوات كلِّها في مسْجد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وأن ينْوِيَ الاعْتِكاف فيه .

ويُسَنُّ الخروج إلى البقيع كُلَّ يوم ، ولا سيما يوم الجمعة ، وذلك بعد أن يُسَلِّم على النبي صلى الله عليه وسلَّم ، ويقول عندما يَصل إلى البقيع : السلام عليكم دار قوْمٍ مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحِقون ، اللهمّ اغْفر لأهل البقيع ، اللهم اغْفِر لنا ولهم ، وحبَّذاَ لو صَحِبَ إلى البقيع عالماً ثِقَةً ، ويُسْتحبّ زيارة شهداء أحد ، ويبْدأ بحمزة عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم .

ويُسْتحبّ اسْتِحباباً مؤَّكداً أن يأتي مسْجد قباء ، والأوْلى أن يأتِيَهُ يوم السّبت ، روى الترمذي بإسنادٍ صحيح عن أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ *

[ رواه الترمذي ]

ويُسَنّ أن يأتي بئر أريس ، ويشرب من مائه ، ويتوضَّأ منه ، ولا بدّ أن يتخَلَّق في المدينة بالأدب ، والخلق الرفيع ، ويُسَنُّ أن يُكْثِرَ التَصَدُّق على الفقراء .

ويُحْرَمُ صَيْدُ المدينة ، وقطع شَجَرها ، قال النبي : ما بين لابتيها حرام ..." واللابتان هما الحرَّتان ؛ منطقة بُرْكانِيَّة .

وإذا أراد العوْدة إلى وطنه يُسْتَحَبُّ الصلاة في مسْجده النبوي الشريف ركْعتين  ويدعو بهما لِمَن أحَبَّ ، ثمَّ يأتي قبْر النبي عليه الصلاة والسلام ، ويُعيد السلام على النَّحْو الذي فعله في قُدومه ، ويقول : اللهمّ لا تجْعل هذا العهْد آخره بِرَسولك ، ويَسِّر لي العودة إلى الحرمين سبيلاً سَهْلاً وارزُقني العفْو والعافِيَة في الدنيا والآخرة ، ورُدَّنا سالمين غانمين .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi