English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

رقم الدرس 5     : لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي

رقم الشريط    :22/512

التاريخ         : 24/7/88

الموضوع      : الفقه الإسلامي : مناسك الحج ، أحكام العمرة .

تفريغ          :السيد أحمد مالك

مراجعة النص مع الشريط :

تدقيق لغوي :

تنقيح نهائي :

التدقيق اللغوي مع التنزيل : أحمد مالك .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين  اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا  وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً  وارْزقنا اتِّباعه ،  وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

 

          أيها الإخوة المؤمنون ؛ بقي علينا من موضوع الحجِّ وهو الدرسُ الأخير من دروس الحجِّ أحكامُ العمرة ، لأنَّ الحجَّ كما تعلمون على أنواع ثلاثة ؛ إمَّا أن تحجَّ مفردًا ، وإما أن تحجَّ قارنًا ، وإما أن تحجَّ متمتِّعًا .

          والحجُّ المفرِد أن تنوي الحجَّ فقط ، أما النوعُ الثاني من الحجِّ أن تنويَ الحجّ و العمرة مقترنين ، و أما التمتُّع فهو أن تعتمر ، ثم تتحلَّل من ثياب الإحرام ، إلى أن يأتيَ اليومُ الثامن من ذي الحجَّة ، وعندئذٍ تحرم من مكة ، وتتابع الحجَّ ، و كما قلتُ لكم من قبلُ : إن المفرِد لا يجب عليه الهديُ ، ولكنَّ الهديَ في حقِّه سنة ، بينما القارن والمتمتِّع فعليهما هديٌ ، أي عليهما ذبحُ شاةٍ والهديُ للمتمتِّع هديُ جبرٍ ، و للقارن هديُ شكرٍ.

تعريف العمرة :

          أما العمرةُ التي نحن في صددها ، فمعناها في اللغة الزيارةُ أو القصدُ ، قال تعالى :

[سورة التوبة]

          إنما يقصد مساجد الله ، و أما معناها في الشرع فهي زيارة بيت الله الحرام على وجه مخصوص .

أفعالُ العمرة :

        وأفعال العمرة ؛ إحرامٌ وطواف و سعيٌ و حلقٌ أو تقصير ، والعمرة ُتعتبرالحجَّ الأصغر أي هناك حجٌّ أصغر هو العمرة ، وهناك الحجُّ الأكبر هو الحجُّ ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ

[رواه الترمذي]

         لأنه لا بدَّ للعمرة من نفقات ، و داوني بالتي كانت هي الداء ، و ما شكا إليه أحدٌ ضيقَ ذات اليد إلا قال له : اذهبْ فتزوَّج ، وهو لا يتمكَّن من الإنفاق على نفسه وحده ، فتأتيه النصيحةُ النبوية الشريفة : اذهب فتزوَّجْ  و العمرة كما قال عليه الصلاة و السلام و الحج ينفيان الفقر و الذنوب معًا ، كما ينفي الكِيرُ خبث الحديد ، و ليس للحجة المبرورة ثوابٌ إلا الجنة ، أي الصغير أو الكبير ، الحجُّ الأصغر هو العمرة ، والأكبر وهو الحجُّ .

حكمُ العمرة :

          سنةٌ مؤكَّدة في العمر مرةً واحدة ، وعلى موضوع السنَّة ، إن شاء اللهُ هناك موضوع قصير ولطيفٌ ، في تعريف الفرض والواجب و السنة المؤكدة ، والسنة غير المؤكدة ، والمباح  والمكروه تنزيها ، و المكروه تحريما ، ثم الحرام ، هذه أحكامٌ دقيقة جدًّا يجب أن نُلِمَّ بها فحكمُ العمرة سُنَّة مؤكَّدة في العمر مرة واحدة ، لمن استطاع إليها سبيلاً ، هذا في مذهب الأحناف ، و عند بعض علماء الحنفية هي واجبة كصدقة الفطر و الأضحية ، وصلاة الوتر ، والأضحية تتراوح بين المذاهب بين أن تكون واجبا ، وبين أن تكون سنة مؤكدة ، بين أن تكون سنة ، وبين أن تكون سنة مؤكدة .

     وقت العمرة :

          أمَّا وقتُ العمرة فجميع أيام السَّنة ، إلا أنها تُكرَه تحريما في خمسة أيام ، في يوم عرفة و في الأيام الأربعة بعدها ، و يُزاد على هذه الكراهة فعلُها في أشهر الحج ، هناك سؤال ؛ فما بالُ القارن يعتمر و المتمتِّع يعتمر ؟ أن تأتيَ بعمرة فقط من دون الحج في أشهر الحج ، لذلك لا تمنح الجهاتُ المسؤولةُ عن الديار المقدسة تأشيرات الدخول للعمرة في أشهر الحج لأنه يُكره أن تُؤتى العمرةُ في يوم عرفة ، وفي الأيام الأربعة من بعده ، و تُكره أن تُؤتى في أشهر الحج ، و أشهر الحج كما تعلمون شوال و ذو القعدة وذو الحجة ، و عند الشافعية لا يُكره فعلُها في وقتٍ من الأوقات من جميع أيام السَّنة ، هذا عند الشافعية ، لكنْ يقولون : إن العمرةَ في يوم عرفة ، وفي يوم العيد ، وأيام التشريق ليس فضلُها كفضلها في أيام أخرى ، أي أقلُّ ثوابًا في هذه الأيام ، لأن الناس جميعا في عرفات ، و الناس جميعا في منى ،و هم جميعا في مناسك الحج ، و تأتي وحدَك أيها المسلم لتعتمر ، فهذا خروجٌ عن إجماع المسلمين .

          ويُندب فعلُ العمرة في رمضان ، لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً 

[رواه الترمذي عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ]

          وفي رواية أخرى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ قَالَتْ أَبُو فُلَانٍ تَعْنِي زَوْجَهَا كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ ؛ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا ، قَالَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي

[رواه البخاري]

        أي مع رسول الله صلى اللهُ عليه و سلم .

        شروط التكليبف بالعمرة هي شروط التكليف بالحج نفسها ، لا تنقص و لا تزيد ، و شرطُها الوحيد - و كما تعلمون الشرط هو الفرض الذي يسبق الأركان - طهارة الثوب ، والبدن والمكان ، واستقبال القبلة ، ودخول الوقت ، هذه من شروط الصلاة فيجب أن تستمر مع الصلاة  أما الركن فينقضي ، تقوم وتركع وتسجد ، فالقيام والركوع والسجود من أركان الصلاة ، والركن ينقضي ، لكنَّ الشرط لا ينقضي ، فمن شروط العمرة الإحرام ، و الإحرام بالعمرة كالإحرام بالحج تماما ، فإحرام العمرة هو إحرام الحج نفسه .

          أما ركن العمرة فمعظمُ الطواف حول البيت ، أي أربعة أشواطٍ ، وأما واجبات طواف العمرة فهي نفسُها واجبات طواف الحج ، كالهرولة والاضطباع ، وما شاكل ذلك ، سبعة أشواط  لكن الاتِّصالَ بالمرأة قبل الطواف مفسِد للعمرة ، ويجب عليه عمرةٌ أخرى وذبحُ شاةٍ ، أي إذا لم ينتبِخ الشخصُ و كان في زيارة أقربائه وأحرم بالعمرة ، وبعدئذٍ أحجم عن العمرة ، وبقي في البيت ، وحصل بينهما اتِّصالٌ زوجي فعليه ذبح شاة ، وأن يقضيَ هذه العمرة بدلاً عنها .

واجبات العمرة :

          وأما واجباتُ العمرة فالإحرامُ من الميقاتِ لمَن كان خارجَ المواقيت ، و الميقاتُ المكان والذي هو خارج المواقيت يُسمَّى الآفاقي ،  ومن الحِلِّ ، الحِلُّ الحرم المكِّي له حدود تزيد عنه عشرات الكيلومترات ، هذه الحدود محدَّدة من جميع الطرق المؤدِّية إلى الحرم ، فمن طريق المدينة المنوَّرة هناك التنعيم أو مسجد السيدة عائشة ، فمن كان آفاقيّا فميقاتُ العمرة هو ميقاتُ الحج ، أهلُ الشام لهم ميقاتٌ و أهلُ نجدٍ لهم ميقاتٌ ، و العراقيون لهم ميقاتٌ ، و اليمنيُّون لهم ميقاتٌ ، و هكذا ، و من كان بيتُه بعد الميقات فميقاتُ العمرة بالنسبة إليه هو الحّلُّ ، أي حدود الحرم ، وليس حدود مكة .

        و من واجبات العمرة ، الإحرام من الميقات لمن كان خارج المواقيت ، و من الحِلِّ ، و يُفضَّل التنعيم لمن كان في داخلها ، و السعيُ لها بين الصفا و المروة ،  السعيُ للعمرة بين الصفا والمروة كسعيِ الصفا و المروة في الحج تمامًا ، والحلقُ أو التقصيرُ ، والحلقُ أفضلُ للرجل ، و يتعيَّن التقصيرُ على المرأة كما مرَّ بنا من قبل .

سنن العمرة :

          أما سنن العمرة فالإكثارُ من التلبية ، و الاضطباعُ في الطواف ، و الَّرمَلُ فيه والهرولة بين الميلين الأخضرين للرجل .

          وأمَّا طريقةُ أدائها فهو أن يُحرِم لها من كان خارج المواقيت الآفاقية من المواقيت ، و أما بالنسبة لمن وُجِد بمكة فميقاته للإحرام بها منطقة الحلِّ ، و ذلك ليتحقَّق نوعٌ من السفر يركب الآن الحاجُّ في سيارة عامَّةٍ من باب الحرم تنقله إلى مسجد التنعيم ، و هناك يحرم بالعمرة ، و يعود إلى الحرم فيطوف ، ويسعى ، ويصلِّي ركعتين ، و يحلق أو يقصِّر ، ثم يتحلَّل ، وأفضل أمكنة الحلِّ للإحرام بها التنعيم ثم الجِعْرانة .

          وأحكام الإحرام بالعمرة كأحكام الإحرام بالحج ، وكذا فرائضُها ، وواجباتها ، وسننها  ومحرَّماتها ، ومفسداتها ، ومكروهاتها ، وبحثُ الإحرام هو نفسُه بكلِّ دقائقه وتفصيلاته ينطبق على العمرة ، لكنْ أحكامُ العمرة تختلف عن أحكام الحج في بعض الأمور منها :

أنها ليست بفرض ، والحجُّ فرضٌ ، قال تعالى:

[سورة آل عمران]

        فمن أنكر الحجَّ فقد كفر ، أما العمرةُ فتختلف عن الحج في أمور ؛ منها أنها ليست بفرض وليس لها وقتٌ معيَّنٌ ، وليس لها وقوف في عرفات ، و لا بمزدلفة ، و ليس فيها رميُ الجمارِ و ليس فيها جمعُ الصلوات ، و ليس فيها خطبة و لا طواف قدوم ، ولا طواف وداع ، و لا تجب البدنةُ بإفسادها بالجماع قبل الطواف لها ، أو بطوافها جنُبًا ، بل تجب شاةٌ .

           وميقاتها للمكِّي وغيره الحلُّ بخلاف الحج ، ميقاتُ الحج للمكِّي بيتُه أو المسجد الحرام  لكن ميقاتُ العمرة للمكِّيِّ ولمن هو بعد المواقيت من التنعيم ، من منطقة الحلِّ ، والمعتمر يقطع التلبيةَ عند الشروع بطواف العمرة ، لبيك اللهم لبيك منذ أنْ تُحرِم من الميقات ، أو من التنعيم إلى أن تدخل البيتَ الحرامَ ، وتشرع في الطواف ، وعندها تقطع التلبيةَ ، و لكنْ في الحج متى نقطع التلبية ؟ عند أول جمرةٍ نلقيها بعد الوقوف بمزدلفة ، رميُ جمرة العقبة في يوم العيد ، عندها تُقطَع التلبيةُ ، ويحلُّ محلّها التكبيرُ .

         وهكذا من أراد أن يعتمر عليه أن يتنظَّف و يتطهَّر بأن يغتسل إن تيسَّر و إن لم يتيسَّر يتوضَّأ ، و يلبس الرجُلُ إزارًا و رداءًا ، و يصلِّي ركعتين ثم يقول بعدهما : اللهم إني أريد العمرةَ فيسِّرْها لي و تقبَّلها مني .

        هنا سؤال يطرح نفسه ؛ لو أن مسلمًا ذهب إلى الحج مُفرِدًا ، فليس عليه عمرة ، لأن القارنِ عليه عمرة وحجّ متَّصلان ، وعلى المتمتِّعُ عمرة وحجُّ منفصلان ، وعلى المُفرِد حجٌّ فقط  لكنْ يُستحبُّ أن يأتيَ بالعمرة بعد أيام الحجِّ ، أي بعد اليوم الرابع من أيام العيد ،  على المذهب الشافعي ، أو بعد اليوم الثالث من أيام العيد ، على المذهب الحنفي ، فله أن يأتيَ بعمرة بعد   الحج .

          فإذا دخل مكةَ طاف بالكعبة سبعًا ، ويّسنُّ الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى  والاضطباعُ للرجُل ، ويصلِّي ركعتين ، ويسعى بعدهما بين الصفا و المروة سبعًا ، ويهروِل بين الميلين الأخضرين ، ثم يحلق أو يقصِّر ، والقصرُ أفضلُ ، وبهذا تتِمُّ عمرتُه ، وتفعل المرأةُ ذلك إلا أنها تبقى بثيابها وحجابها ، وتكتفي بالتقصير من دون الحلق ، ولا ترمَل ، ولاتضطبع ، ولا تهروِل في السعيِ ، ولا ترفع صوتَها بالتلبية ، قال تعالى :

    

[سورة البقرة]

        إذاً العمرةُ واجبةٌ .

         هذا ما يتعلَّق بالعمرة ، و بهذا تنتهي أحكام الحج و العمرة بشكلٍ موجزٍ ، أما من أراد الحجَّ أو العمرةَ فعليه أن يُلِمَّ بتفصيلاتٍ أكثر ، و قد قلتُ لكم قبل أسبوعين : إنني خصَّصتُ درسًا في السبت الماضي لمن نوى الحجَّ من الإخوة الكرام ، و جلستُ معهم و تحدَّثنا في بعض التفصيلات .

          الآن عندنا بحثٌ في الفقه يجب أن يُلمَّ به كلُّ مسلم ، ألا وهو هذه الأحكامُ السبعة التي تدور على ألسنة المسلمين ، مثلاً ، الصلاة فرضٌ ، الوترُ واجب ، و صلاة الجنازة واجبة و صلاة العيدين واجبة ، و الأضحيةُ واجبةٌ ، وهناك فرقٌ بين الفرض والواجب ، الآن سنراه ، و هذه سُنة ، و من ترك السنة فلا شيءَ عليه ، و هذه مستحبٌّ ، و هذا حرامٌ ، وهذا مكروه تحريما وهذا مكروه تنزيها ، وهذا مباح ، هذه الأحكام السبعة ، بين فرض وواجب و سنة و مستحب و حرام و مكروه تحريما و مكروه تنزيها و مباح ، ثمانية أحكام ، ما تفصيلاتها ؟ و ما تعريفاتها ؟ و ما حدودها ؟

          قالوا : الفرضُ ما طلَب الشرعُ فعلَه طلبًا جازمًا ، وثبت الطَّلبُ بدليل قطعي ، ونحن عندنا دليل قطعي ، ودليل ظنِّي ، فإذا قال الله عزوجل :

[سورة البقرة]

        وثمَّة أشياء كثيرة  تثبت بالدليل الظنِّي ، وسنرى بعد قليل مثلَ هذه الأمثلة ، والدليل القطعي ليس له تفسير آخر ، أي إذا قلتَ مثلاً :

[سورة الواقعة]

        بعض العلماء استنبط بطريقة الظن أنَّ الأَولى أن تأكل الفاكهةَ قبل الطعام  مثلا ، فهذا استنباط ظنِّيٌّ ، وليس استنباطًا قطعيًا ، وعلماء الأصول وصفوا القرآن الكريم بأنه قطعيُّ الثُّبوت أن يكون هذا الكتابُ من عند اللهِ قطعيٌّ مائةً في المائةِ ، لكنَّ مدلولات آياته بعضها قطعية الدلالة و بعضها ظنِّية الدلالة ، فالفرض ما طلب الشرعُ فعلَه طلبًا جازما ، و ثبت الطَّلبُ بدليل قطعي لا شبهة فيه ، ومن الأدلة القطعية القرآن الكريم ، و السُّنة المتواترة ، وأعلى درجة في الحديث الشريف هو الحديث المتواتر ، أو الإجماع ، إجماع الأمة ، ويجب أن تكون الدلالة قطعيةً و هي أعلى مراتب التكليف الشرعي ، كالأمر بالصلاة و الصيام ، و من أنكر الفرضَ فقد كفر و خرج من الإسلام ، أما من تركه من غير إنكار فقد ارتكب حراما ، وعليه العقابُ من الله تعالى  فالفرضُ ما طلبَ الشرعُ فعلَه طلبًا جازمًا بدليل قطعي ، ومن أنكره كفر ، ومن تركه يُعاقبُ عليه من  قِبَل الله عزوجل .

        حكمُ الفرض ، لزومُ فعلِه مع الثواب و العقوبةُ على تركه .

        والواجب ما طلب الشرعُ فعلَه طلبًا جازما ولكنه دون مرتبة الفرض ، لأنه ثبت بدليل ظنِّي ، كصلاة الوتر ، فهذا واجب ، ودليلها ظنِّي ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام في أحاديث تحدَّث عن صلاة الوتر ، ومن أنكرالواجب لا يُعتبَر كافرًا ، ومن ترك الواجبَ دون أن ينكره فهو فاسق آثمٌ .

          هناك بعضُ الملاحظات حول الفروض والواجبات ، فالفرض و الواجب كلاهما لازِمُ الفعل ، لكنّ الفرقَ بينهما أنّ الفرضَ يكفَّر منكرُه ، فمن أنكر الوقوف بعرفة ، أو أنكر حجاب المرأة فقد كفر ، لأنه أنكر أمرًا ثبت عن الشارع  بدليل قطعي لا شبهةَ فيه ، أما من أنكر السعيَ بين الصفا و المروة فإنه لا يكفر ، لأن السعي من الواجبات .

          أما حكمُ الواجب فهو لزومُ فعله أيضًا مع الثواب ، و العقاب على الترك كالفرض تماما هذا التقسيم و التفريق بين الفرض و الواجب عند السادة الأحناف ، أما عند السادة الشافعية فلا فرق عندهم بين الفرض و الواجب ، الفرض و الواجب في مرتبة واحدة .

          وأما السُّنة ، فيقال : هذه سنة ، وهي دون مرتبة الفرض و  الواجب ، وهي ما طلبَ الشرعُ فعلَه طلبًا غيرَ لازمٍ ، الفرْضُ و السُّنة ، و الفرض و الواجب طلبٌ لازمٌ بدليل قطعي ، و الإنكارُ معه كفرٌ ، و التركُ فيه عقابٌ ، أما السنة ما طلبَ الشرعُ فعلَه طلبًا غيرَ لازمٍ ، و حكمُها أنه يُثابُ فاعلُها ، ولا يُعاقَب تاركُها ، لكنَّه يُعاتب من قِبل النبيِّ عليه الصلاة و السلام ، فإذا كنتَ تحبُّ النبيَّ عليه الصلاة و السلام فإيَّاك أن يعاتبك ، و من ترَك السنة لا يُعاقَب و لكنَّه يُعاتب ، و الفقهاءُ قسَموا السَّنة قسمين ؛ السنن المؤكدة ، وهي ما واظب عليها النبيُّ عليه الصلاة و السلام على فعلها ، ونبَّه على عدم فرضيتها ، أو تركها أحيانا قليلة ، كصلاة ركعتين قبل الفجر مثلا ، هذه سنة مؤكدة ، بل إن العلماء يلزمون الإنسانَ إذا ترك هذا السنة أن يقضيها بعد شروق الشمس هذه سنة مؤكدة ، والنبيُّ واظب عليها ، ونبَّه إلى عدم فرضيتها ، أو تركها أحيانا ، و الأذان سنة مؤكدة ، فإذا صلَّيتَ بغير أذان فقد أدَّيتَ الفريضةَ ، و لكنَّك تركتَ سنةً مؤكَّدة ، والإقامةُ سنة مؤكدة ، وصلاة الجماعة في المسجد سنة مؤكدة ، من تركها يعاتبه النبيُّ عليه الصلاة و السلام .

          وأما السنة غير المؤكدة ، وهي التي لم يواظب عليها النبيُّ على فعلها ، بل تركها في بعض الأحيان ، كصلاة أربع ركعات قبل العصر ، فهذه سنة غيرُ مؤكدة ، وقبل العشاء سنة غير مؤكدة ، فالسنة يُثاب على فعلها ، ولا يُعاقب من تركها ، ولكنه يُعاتب ،  هي نوعان ؛ مؤكدة  واظب عليها النبيُّ عليه الصلاة والسلام ، ولم يتركها إلا قليلا ، وأما غير المؤكدة فعَلها النبيُّ أحيانا .

          والمستحبُّ دون السنة المؤكدة و غير المؤكدة ، يُثاب فاعله،  و لا يُعاتَب تاركُه ومثاله تعجيلُ الإفطار، أذَّن المغربُ يُستحبُّ أن تعجِّل الفطورَ ، أخّرت إلى العشاء تركتَ المستحبَّ  وليس واجبا ، تأخيرُ السُّحور إلى الساعة الثانية عشر ، تركتَ المستحبَّ لكنك لا تعاتَب ، و المستحبُّ يُعدُّ من نوع الاقتداء بالنبيِّ عليه الصلاة و السلام ، النبيُّ الكريم عليه أتمُّ الصلاة و التَّسليم كان بعد العشاء لا يسهر أبدا إلا في موضوعٍ ديني ، سهرة في غير مجلس علمٍ لا يسهر  أما إذا كان فيها دعوةٌ إلى الله ، أو مجلس علم ، أو في حَّلِّ قضية ، أو في إصلاح بين فريقين أو في إصلاح ذات البين ، فهذا مُستثنى ، أما سهرةٌ في كلام فارغ كلام ليس منه جدوى ، إلى الساعة الثانية عشر ، أو الثانية ليلاً ، فهذا غيرُ مقبول ، لكن إذا خشي المسلمُ أن تفوته صلاة الفجر فما أدَّى إلى ذلك فحرام ، والاقتداءُ الكاملُ للنبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم من الأمور المستحسنة  لأن الأخذَ بها من قبيل الأخذ بأحسن الأساليب و أصحِّ الطرق ، ومن قبيل المحبَّة الكاملة و التكوين الصَّحيح ، وأن هذا الإنسانَ الذي يفعل المستحبَّاتِ لا يستحقُّ العقابَ ولا الملام ولا الذَّم  والعلماءُ قالوا : هذه المستحبَّاتِ والسنن بمنزلة الحرس للفرائض والواجبات ، فمن ترك المستحبات و السنن أوشك أن يترك الفرائض ، و من حافظ على المستحبَّات و السنن فهو على الفرائض أحفظُ ، فكأنها حارسٌ .

          أمّا الحرامُ فما طلبَ الشرعُ تركَه طلبًا جازما ، و ثبت هذا الطلبُ بدليل قطعيٍّ لا شبهة فيه ، مثالُه قتلُ النفس ، قال تعالى:

[سورة الفرقان]

دليل قطعي ، آيةٌ قرآنية ، وفي شربِ الخمرِ ، قال تعالى :

[سورة المائدة]

        "فاجتنبوه" فعلُ أمرٍ ، أي هذا حرام ، وإلحاقُ الأذى بالآخرين ، قال عليه الصلاة السلام : اثنان لا تقربهما ؛ الإشراك بالله و الإضرار بالناس .

            حكمُ الحرام ، وجوبُ اجتنابه ، والعقوبة على فعله ، بخلاف الفرض ، الفرض وجوبُ فعله ، والعقوبة على تركه .

          وعندنا مرتبة اسمها المكروه كراهة تحريم ، وهو ما طلب الشرع تركه طلبًا جازما  ولكن ثبت طلبُ الترك بدليل ظنِّي ، مثاله ، لُبسُ الحرير ، والتَّختُّم بالذهب بالنسبة للرجال ، هذا مكروه كراهة تحريمية ، لأن الدليل ظنِّي ، أما الحرام فبدليل قطعي .

          حكم هذا المكروه كراهة التحريم الثَّوابُ على تركه ، والعقاب على فعله ، أي إنه قريب من المحرَّم بعض الدرجة ، والمقياس دقيق ، فرَض ، واجب ، حرام ، ومكروه كراهة تحريم  ومن أنكر الحرامَ فقد كفر ، و ارتدَّ عن الإسلام ، أمَّا من أنكر المكروهَ تحريمًا فإنه لا يُكفَّر ، بل يُفسَّق و يَأثم ، و هذا التقسيم بين الحرام و المكروه تحريما انفرد به الأحنافُ ، كما انفردوا في تقسيم الأفعال إلى فرض وواجب ، فرض ، واجب ، حرام ، مكروه تحريمًا ، هذا التزم به الأحنافُ ، أما السادةُ الشافعية وبقيَّةُ المذاهب عندهم الفرضُ كالواجب ، والحرام كالمكروه  تحريمًا .

          وعندنا المكروه كراهة تنزيه ، وهو ما طلَبَ الشرعُ تركَه طلبًا غيرَ جازمٍ ، و من غير إشعارٍ بالعقوبة ، بل يُرجَّح جانبُ الترك على جانب الفعل من غير إلزام ، وهذا المقابل للسنة والمستحبِّ ، فما دلَّ على أنه سنة أو مستحبٌّ فتركُه مكروهٌ تنزيهًا ، و كما تتفاوت درجاتُ السنَّة تتفاوت درجاتُ الكراهة  .

          وحكمُ المكروه ، يُثاب تاركُه و يُلامُ فاعلُه ، هذا تفسير المباح ، واحد طبخ فاصولياء لا ثواب له و لا عقاب عليه ، هذا طبخ فاصولياء ، و هذا طبخ بطاطا ، هذا جلس في غرفة القعود ، و هذا نام على الفراش ، هذه أشياء كلُّها مباحة ، فالمباحُ ما لا يكون مطلوبًا فعلُه و لا تركُه ، فلك أن تنام على سرير ، أو على الأرض ، ولك أن ترتديَ ثيابًا بيضاء ، أو سوداء ، أو ملوَّنة ، ولك أن تجلس على كرسيٍّ أو على الأرض ، ولك أن تأكل هذا الطعامَ ، أو ذاك الطعامَ ، هذه كلُّها مباحات ،فليس مطلوبًا فعلُه و لا تركُه ، قد يكون الإنسانُ فيه مخيَّرًا  بين الفعل و الترك كاختيار نوع من الطعام و الشراب ، و قد عرَّف العلماءُ المباحَ بأنه الفعلُ الذي لا يترتَّب عليه ثوابٌ و لا عقابٌ و لا عتابٌ ، إلا في حالة واحدة ، إذا قصد المسلمُ بالمباح أن يتقوَّى به على طاعة الله  انقلب المباحُ عبادةً ، كَمَنْ نوى أن يأكلَ ليتقوَّى على طاعة الله ، نوى أن يرتدِيَ هذه الثيابَ ليدفع عن نفسه انتقادَ الآخرين ، لأنه يمثِّل الدينَ ، إذا فعلتَ المباحَ  نويت بهذا الفعلِ أن تصُدَّ عن الإسلام الانتقادات ، أو أن تتقوَّى على طاعة اللهِ ، فهذا المباحُ يثابُ فاعلُه .

          هذه المعلومات عن الفرض و الواجب و السُّنة و المستحبِّ و الحرام والمكروه كراهة تحريم و كراهة تنزيه و المباح ، كلُّها أحكامٌ لا يحسُنُ أن تفعل فعلاً فيِ حياتك كلِّها ، إلا وأن يُوصفَ ببعض هذه الأحكام .

***

          والآن إلى قصَّةٍ من قصص الصالحين ، حدَّث رجلٌ من مشيخة بلْخٍ ممن أدرك الأشياخَ و المعمَّرين قال : كان أبي رحمه اللهُ يحبُّ الصالحين ، و يعجبه شأنُهم ، فكان ممَّا حدَّثنا من أحاديثه عنهم قصة رؤيا رآها في بلخٍ ، قال كان في بلخٍ منذ نَيِّفٍ وثلاثين عامًا أبو محمَّد سعيد بن إبراهيم اللَّخْمي البغدادي  المحدِّث الزاهد الذي كان يُلقَّب بحكيم هذه الأمة ، لِما أوتيَ من الحكمة و فصل الخطاب ، فلكأنه يُلقَّى علمَ النورِ ، وشواهدَ الحكمة الإلهية ، وطرائف الفتح اللَّدُنِّي و كان رحمه اللهُ ؛ هذا العلم الجليل ؛ قِمَّةً في إهابِ رجُل ، نسيجَ وحدِه ، فلا تجده إلا صائمًا قائمًا تاليًا لكتاب اللهِ عزوجل ، معلِّمًا للناس بحاله و مقالِه ، رُزِق همَّةً دونها ههمُ الشباب ، فهو لا يفتر طيلةَ ليله ، و سحابة نهاره عن الدرس والتدريس ، والذكر وتلاوة القرآن ، حتى كأن اللهَ عزوجل مدَّ له في نهاره ، ونسأَ له في ليله ، فَلَيْسَا من نهار الناس ، ولا ليلهم ، وهو يعمل في اليوم الواحد عملَ غيره في سنة ، فيه بركة ، أحيانا - سبحان الله - تُنزَع البركةُ من وقت الإنسان ، فلا يوجد إنجازٌ أبدًا ، و يُستهلَك الوقتُ استهلاكا رخيصا ، استهلاكا مُتعِبا ، استهلاكا مزعجًا ، و هناك إنسانٌ يبارك اللهُ له في وقته ، و بعضُ الأحاديث تقول : من أخّر الصلاة عن وقتها أذهب اللهُ البركة من عمره

          قال أبي رحمه اللهُ : و كان من شأن الشيخ أن أهلَ بلخٍ كانوا مُجمِعين على جلالته  وكِبِر شأنه لِما يُشاهدونه من أحواله في خلواته وجلواته ، و مع حاله مع الخلق ، أما شأنُه مع الحقِّ تبارك و تعالى فكان أمرًا عجيبا ، كان يتلو كتاب الله عزوجل فلا ترقأُ له دمعةٌ ، و لا يجِفُّ له جفْنٌ ، و لا يهدأ له شجنٌ ، و كان رحمه اللهُ يقوم الليلَ فيُسمَع لصدره أزيزٌ كأزيز المِرْجل  بعيدًا عمَّا يسخِط اللهَ ، قريبًا ممَّا يرضيه ، و كان في حياته بسيطًا بساطة الزاهدين متوضعًا تواضع العارفين ، منكسِرا انكسار الوجِلين الخائفين ، فما كان الشيخُ رجلا من أبناء الدنيا ، بل كأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أحبَّ أن يجعله حُجَّةً على عباده ، فأقام شيخَنا في هذا المقام ، مقام الملوك و كان الشيخ أبو محمد رحمه اللهُ تعالى ممَّن صحِب الحكماءَ ، ورأى أحوالَهم ، فكان لا يكاد يعجبه كثيرٌ من أحوال أبناء زمانه ، و كان على جلالة قدره لا تكاد تجد عنده شيئا من نعيم الدنيا و لاغِياثها ، فالدنيا كلُّها لا تساوي عنده خَرْدلةً ، و لكأنه رجلٌ لم يُخلَق لزمانه ، فهو بقيَّةٌ من السَّلف الصالح رضوان اللهِ عليهم ، أطلَّ على أهل هذا الزمان من وراء سجاد الغيث .

          قال أبي رحمه اللهُ : و في ليلةٍ قمراءَ من ليالي الصيف النَدية ، تداعى القوم إلى ندِيِّهم في باحةٍ قوراءَ من دون إخوان الشيخ ومحبِّيه ، فلما اكتمل الأصحابُ ، وسلَّم كلٌّ على الآخر  وأخذ مجلسَه من الشيخ ، انطلق أحدُ إخوانهم يقول للشيخ : يا أبا محمَّد حدِّثْنا عن أوَّل أمرك  كيف اهتديتَ إلى الله ، و كيف صحِبتَ علماء زمانك ؟ ومن هو الشيخُ الذي تحدِّثنا عنه كثيرا في مجالسك ؟ تقول : قال شيخُنا ، وقال شيخُنا ، من هو شيخُك ؟ و ما إلى ذلك ، وأنت قد أدركتَ بحمد اللهِ عليَّةَ العلماء و صحبتَهم ، فحدِّثنا عنهم ، ولقد واللهِ تتنزَّل الرحمةُ بذكرهم ، و إن ذكرَ أحوالهم ليحيي القلوبَ الميِّتةَ كما تحيا الأرضُ العطشى بوابل السماء .

        قال الشيخُ : - هذه القصة اخترتُها لكم لتمزَّقوا حظوظَ اليأس ، و استمعوا إلى ماضي هذا الشيخ - قال الشيخُ : كنتُ في بداية أمري صافرًا ، أي مخادعا ، عيَّارًا ، رجلَ سوءٍ ، لا يكاد ينجو مني بيتٌ من بيوت بغداد ، و كنتُ إلى ذلك مُدمِنا على الخمر ، منقطِعًا إلى المعاصي و الموبقاتِ ، غارقًا فيها ، لا أكاد أفيق من سُكْرٍ حتى أرجع إليه ، ولا أكاد أترك كبيرةً من الكبائر حتى أقع في أكبرَ منها ، ونفذ المالُ من جيبي في يوم جمعة قائضٍ من أيام رمضان ، و حدَّثتني نفسي المعصية و لكن لا سبيلَ إليها ، فالشهرُ مباركٌ ، وقد هلَّ هلالُه ، والناسُ منصرفون إلى العبادة و الذِّكرِ و تلاوة القرآن ، و حان وقتُ صلاة الجمعة ، ولا مفرَّ من دخول المسجد الجامع لأداء الفريضة ، فالعصاة يتوبون إلى الله في مثل هذا الشهر ، و ينصرفون عمَّا هم فيه إلى طاعة الله عزوجل ، و لا يبقى في الطريق وقتَ صلاة الجمعة في مثل هذا الشهر إلا ذمِّيٌّ كافرٌ أو زنديقٌ مارقٌ أو صاحبٌ عذرٍ مشروع ، كسفر أو مرض شديد ، و لستُ من هؤلاء و لا من هؤلاء ، و ذهبتُ إلى داري فاغتسلتُ ثم دخلتُ الجامعَ ، وتهيَّأتُ للصلاة ، وجلستُ مُنصِتًا حتى انتهى الخطيبُ من الخطبة ، فقمتُ إلى الصلاة ، وأنا لا أكاد أفقه شيئًا ممَّا قال ، ولما انتهت الصلاةُ و أزمعْتُ الانصرافَ لا ألوِي على شيءٍ ، و أنا أفكِّر في حيلةٍ أستحوذ بها المالَ من أصحابه ، فما راعني إلا ضجيجٌ يملاُ المسجدَ ، فالتفتُّ فإذا جموعُ المصلِّين تتحلَّق حولَ ساريةٍ من سواري المسجد ، يزحم بعضُهم بعضًا ، حتى كادت الرِّقابُ تتخطَّفُ من شدَّة الزِّحام ، و تكاثر القوم لهولِ الموقف ، و امتدَّت الأعناقُ إلى السارية فوقفتُ أنظرُ ، وكان جانبي رجلٌ مُسِنٌّ وقورٌ ، تظهر عليه سِيمَ الصلاح والتقوى ، فقلت له على استحياءٍ :يا سيِّدي على مَن يتحلَّق القومُ ؟ و يزحم بعضُهم بعضًا ، و قبل أن يجيب الرجلُ حانتْ مني التفاتةٌ فإذا أنا بشيخٍ مجيدٍ جليلٍ تعلو مُحيَّاهُ مَسحةٌ من النور ، تخطَّى القومَ بتواضع جمٍّ ، و لطفٍ بالغٍ حتى وصل إلى السارية فقام فصلى ركعتين ثم استوى قائمًا أمام القوم ، فلكأنه حين وقف إليها خبرٌ طلع على الناس بليل  فارتفعت أصواتُ القوم بالتكبير و التَّهليل ، و الشيخُ يبتسم عن ثغرٍ كأنه ثنايا اللؤلؤ ، و هدأ القومُ والتفت الرجلُ الجالسُ بجنبي إليَّ ، وقد امتلأتْ نفسي من الشيخ ، و شُغِلتُ به ، فلم يعُد فيها أثرٌ من باطلٍ ، بل غسله الشيخُ بأنواره غسلاً ، و أفاض عليها من بركات علمه ما حيَّرني و سمّرَني في مكاني ، حتى و كأن الشيخَ كائنٌ روحاني هبط إلينا من الملإ الأعلى ليغسل نفوسنا من أدرانها و يملأها بأنوار الحقِّ ، بعد أن امتلأت بظلمة الباطل ، و التفت الرجلُ إليَّ قائلا : يرحمك اللهُ يا أخي أمَا تعرف الشيخَ ؟ إنه إمامُ المسلمين اليوم سفيانُ الثورِي ، الفقيهُ المحدّثُ الزَّاهدُ ، ووقع كلامُ الرجل في قلبي موقعَ الماء البارد من الظمإ ، و زادني اسمُ الشيخ  له حُبًّا و تعظيماً ، فلقد كنتُ أسمع في مدارس بغدادَ عن كمال معرفته و سَعة علمه و ورعه و زهده ، فلمَّا رأيتُه تضاءل عندي ما سمعته عنه أمام ما ما رأيتُه عنه ، و لقد كان شيخُنا سفيان الثوري قد رأى علِيَّةَ العلماء و أكابرَ الفقهاء و المحدِّثين ، و سالفَ الصالحين ، و سمع منهم و أخذ عنهم ، فقال الشيخُ أبو محمَّدٍ : و نفضَ الشيخُ القومَ بنظره ، و أجال فيهم بصرَه ، ثم حمِد اللهَ ، وأثنى عليه ، وبدأ في شرح قوله عليه الصلاة و السلام : الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

[رواه أحمد عَنْ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيد]

          قال : هذا الحديثُ يُعدُّ من جواهر السُّنة ، ودلائل النبُوَّة ، فليس الجهادُ محصورًا في قتال الكفَّار ، بل في محاربة الشيطان في النفس الإنسانية ، فحينما يخالف المرءُ هوى نفسه لطاعة ربِّه ، فيكبح جماحَها عن بعض المباح كي لا تطالبَّه ببعض المشبوه أو الحرام ، يورث اللهُ له في قلبه حلاوةً ما ذاق عبدٌ أطيبَ منها في الدنيا .

          فإذا تركتَ المباحَ خوفًا من الله عزوجل تذوقتَ في قلبك حلاوةً لا تذوق أطيب منها في الدنيا ، حيث تتصاغر أمامها كلُّ حلاوة ، و تروم اتِّجاهها كلُّ لذَّةٍ ، فمن ترك شيئا لله عز وجل عوَّضه اللهُ خيرًا منه ، و حسبُ العبدِ حين يفعل ذلك أن يجعل اللهُ تبارك و تعالى في لسانه نورًا و فرقانًا ، و في قلبه علمًا و حكمةً ، يتفجَّران من قلبه على لسانه ، و ترى لكلامه صولةً في النفوس ، ولنظراته دولةً في القلوب ، لا تكادُ تجدها لغيره من الناس ممَّن لا يزالون يتعبون أنفسهم في تنميق الكلام و ترصيفه ، و ما يزيدون على أنهم يجهدون في تحويل تمثالِ من الجِصِّ إلى عروسٍ عن طريق وضع الزينة عليها ، الأطراف في أذُنها ، و العقدُ في صدرها و ثيابُ العرس على بدنها ، فهل هذا كلُّه يصنع من هذا التمثال عروسًا تنطق و تعقِل ؟

         فمهما بيَّنتَ لي التمثالَ ، فإنه يبقى تمثالاً ، فالكلامُ دون قلبٍ ، و دون حالٍ ، ومن دون إخلاص وتأثُّرٍ ، والتزامٍ و إقبالٍ لا يؤثِّر ، لهذا و أمثاله كان الزُّهادُ هم ملوكُ الدار الآخرة ، لا تخضع ملوكُ الدنيا إلاّ لهم ، و لا تسمع إلا منهم ، ولا تلين إلا معهم ، بل إن عظمة الملِك لتذوب أمام عظمة الزُّهاد ، وإن للزهَّادِ دولةً أين منها دولة الملوك .

          قال الشيخُ : بلغنا أن محمد بن واثق رحمه اللهُ - وقد مرَّ معنا في سير من التابعين - دخل على بلال بن أبي بردة الأمير في يومٍ حارٍ ، و بلالٌ في ظلٍّ ظليلٍ و عنده الثلجُ ، الآن يدخل الرجل إلى بيته المُكيَّف ، و خارج البيت تسعة وثلاثون درجة ، فيجد الجوَّ ثمانية عشر  مُريحًا ، فقال هذا الأميرُ لهذا الشيخ الزاهد : كيف ترى بيتَنا هذا ، إن شاء اللهُ سُرِرتَ ؟ فقال : إن بيتَك لطيِّبٌ ، والجنةُ أطيبُ منه ، وذكرُ النار يُلهِي عنه ، قال : ما تقول في القدَر أيها الشيخُ ؟ فقال: جيرانك أهلُ القبور ، ففكِّر فيهم ، فإن فيهم شُغلاً عن القدَر ، هذه الموضوعات لا تُجدي  هؤلاء الذين دُفِنوا هم في شُغلٍ عن هذه الموضوعات ، قال: اُدْعُ لي ، قال : و ما تصنع بدعائي  و على بابك ألفٌ من الخلق يقولون : إنك ظلمتَهم ، فيُرفع دعاءُهم قبل دعائي ، لا تظلم فتحتاج إلى دعائي ، هذا موقف عالمٍ زاهدٍ .

        قال أبو محمد : و نظرتُ إلى الناس و قد أجهشوا بالبكاءِ ، ورفعتُ عينيَّ إلى الشيخِ فإذا عيناه مُغْرَورِقتان بالدموع ، يمسحهما بيده وهو يقول :

[سورة السجدة]

        باب الجنة مفتوح لكلِّ الناس ، ولكلِّ عاصٍ ، مفتوح لكلِّ من ارتكب الكبائرَ ، ولا بدَّ أن تتوب ، قال تعالى :

[سورة الزمر]

و الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi