English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس         : 4 / 5  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

رقم الشريط    : 10/ 501

تاريخ الشريط  : 29 / 11 / 1992

الموضوع      : عورة المرأة بالنسبة للمرأة .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .  

 

مقدمة :

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه   واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... لا زلنا في موضوعٍ ، وجدتم أنتم ، أننا جميعاً في أمس الحاجة إليه ، ألا وهو موضوع العورات ، وقد بينت لكم في درسين سابقين ؛ قبل الحديث عن أحكام العورة ، وأقسامها ، بينت لكم أن الشيء الذي أمر الله به ، أو نهى عنه ، هذا الشيء يعد مصيرياً، في حياة الإنسان ، فإما أن يقوده إلى سعادةٍ ، وإما أن يقوده إلى شقاءٍ أبدي .

وفي الشرع كما تعلمون ، شيءٌ أمر الله به ، وشيءٌ نهى الله عنه ، وشيءٌ سكت عنه ، فالذي سكت عنه ، هناك حكمةٌ بالغةٌ جداً ، لا تقلُّ عن حكمة الذي أمر به ، وعن حكمة الذي نهى عنه ، أما الذي أمر به ، تقوم عليه سلامتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة ؛ والذي نهى عنه ، سببٌ أساسيٌ لهلاكنا في الدنيا والآخرة ، والذي سكت عنه ، لا يتعلّق لا إيجاباً ولا سلباً ، بحياتنا الدنيا ، بسعادتنا ، في الدنيا والآخرة ، إنما هو نوعٌ ، من ألوان الحياة ، الخشنة أو المترفة ، كل عصرٍ وكل قطرٍ ، وكل بيئةٍ ، وكل مستوىً يحدد ملامح الحياة ، التي لا علاقة لها ، لا إيجاباً ولا سلباً ، بأُمور الذين .

 

الشهوة والميل :

هناك سؤال كثيراً ما يطرق بال الناس ، لماذا أودع الله فينا الشهوات ؟ ما ذنبي أنا ، ركَّب الله في كياني ، الميل للمرأة ، وركب في كيان المرأة ، الميل للرجل ، فإذا عبَّر الإنسان عن ميلٍ فطريٍ فيه ، أيكون عاصياً ؟ يعني كيف ، يحاسبنا ربنا ، وقد أودع فينا هذه الشهوات، هذا سؤال ، يطرحه كثيرٌ من الشباب ، وقد يجيبون عنه ، في غيبة الشرع ، هذه حاجة فطرية ، إن لم نفعل هكذا نتعقَّد .

والشيء المؤسف أن معظم الأطباء النفسيين ، قد يوجِّهون الشباب إلى شيءٍ لا يرضي الله عزَّ وجل ، ولا يحلُّ لهم في الشرع ، لأنهم تعلموا في بلاد الغرب ، أن هذه حاجة أساسية في الإنسان ، فإذا رواها بطريقةٍ أو بأخرى ، فقد توازن ، وإن لم يروها ، فقد اختل توازنه ، هذا كلام أهل الكفر .

نوَّهت في درسٍ سابق ، إلى أن الإنسان إذا أثير ، ولم يلبِّي هذه الإثارة ، يقع الكبت ، لكن عظمة الدين ، أنه أبعدنا عن كل المثيرات ، حينما قال :

 

( سورة الإسراء : أية " 32 " )

 

أبعدنا عن هذه الحالة ، غير الطبيعية ، أن تعيش في جو من الإثارة ، وأن تكبت هذه العواطف ، هذه حالة مرضية ، ليس فيها توازن، فلذلك ، غض البصر ، وعدم صحبة الأراذل ، وعدم ارتياد الأماكن المشبوهة ، كل ما من شأنه أن يقرِّبك من المعصية ، فهو معصية ، وهذه قاعدة :

" ما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب ، وما كان طريقاً إلى المعصية فهو معصية ".

فالبطولة ، أن الإنسان يبتعد عن أسباب المعصية ، لا عن المعصية ، ابتعاده عن المعصية بعد أن دخل في أسبابها ، شيءٌ فيه مغامرةٌ ، ومقامرة ، إذا نجا واحد ، فالأكثرون يهلكون ، إذا دخلت في أبواب المعصية ، ثم واجهت لبَّ المعصية ، وجوهر المعصية ، قد ينجو ، واحد ويهلك الآخرون ، لكنك إذا امتنعت ، من الولوج في أبواب المعصية ، في الأصل ، فإن هذا الامتناع ، يضعك في حصنٍ حصين .

 

الجواب الأول :

أن الإنسان خلق ، ليسعده الله إلى الأبد ، هناك فرقٌ ، بين أن يعطي الله المخلوق شيئاً ، وبين أن يستحقَّ المخلوق شيئاً ، أنت إذا أردت أن تعطي نبتةً صغيرةً ماءً وفيراً ، قد تميتها ، يا ترى الماء الذي تعطيه لهذه النبتة الصغيرة ، يجب أن يتناسب مع كرمك ، أم مع طاقة احتمالها ، يجب أن يتناسب لا مع كرمك ، ولكن مع طاقة احتمالها .

الإنسان هو المخلوق ، الأول ، والمكرَّم ، الذي أعدَّه الله لسعادةٍ لا نهاية لها   مادام الإنسان قد أعدَّ ، لسعادةٍ لا نهاية لها .

الحيوان سعادته محصورة ، محدودة ، غير مكلَّف الحيوان ، يكفي أن يأكل هذا الحشيش الأخضر ، هذه كل سعادته ، وانتهى الأمر ، تنتهي سعادته بتلبية شهواته ، لا يحاسب عن شيء ، لكن لا يرقى إلى مستوى الإنسان .

الملك يسبح ، عقلٌ كله ، ولكن لا ترتقي سعادته ، إلى مستوى الإنسان ، لأنه ليس هناك شهوات يصارعها ، وليس هناك صراعات ، وليس هناك خيارات ، خُلق ليسبِّح الله عزَّ وجل ، ركِّب من عقلٍ فقط ، يسعد بتسبيحه ، والحيوان يسعد بشهواته ، وكلاهما غير مسؤولين ، وغير مكلَّفين ، ولا يرقيان أبداً لمستوى الإنسان .

فموضوع الشهوات ، وموضوع العورات ، موضوع متداخل ، وخير معالجةٍ للموضوعات ، ما ربطنا الجزئيات ، بالكليِّات ، ما ربطنا النتائج بالمقدمات .

سؤال : أنا ما ذنبي ؟ أودع الله في هذه الشهوة ، فلماذا أمرني بغض البصر ؟ لماذا قال لي هذا حرام ، وهذا حرام ، وهذا حرام ؟ يا رب كنت في الأصل انزع منا هذه الشهوات وانتهى الأمر ، هذا منطق ساذج .

الله جلَّ جلاله خلقنا ، الإنسان مخلوق وحيد ، مكرَّم ، المخلوق أول ، قال الله عزَّ وجل :

 

( سورة الأحقاف : آية " 33 " )

 

ولكن خلق الإنسان من أجل أن يسعد بالله عزَّ وجل ، كل مخلوقٍ يسعدُ بشيءٍ مما سِوى الله ، إلا أن الإنسان يسعَدُ ، بالله عزَّ وجل ، فلكي يحتمل التجليات الإلهية في الآخرة  لكي يحتمل هذه السعادة التي لا حُدُودَ لها ، أرسله إلى الدُنيا ، ليستعد لهذه السعادة ، ليُحصِّل موجِبات رحمة الله ، أرسله إلى الدُنيأ ، ليُقوِّي طاقة احتماله ، أرسله إلى الدُنيا ، ليؤهِّل نفسه لهذه السعادة ، التي ينفرد بها الإنس والجن ، من بين سائر المخلوقات ، إذن الشهوة في ظاهرها ، توريط ، لكن في حقيقتها ، دفعٌ إلى الله عزَّ وجل ،.

التقرب إلى الله عزَّ وجل :

يعني هذا المخلوق ، كيف يستطيع هذا المخلوق ، أن يتقرَّب إلى الله ؟ لو أنه لا يُحِبُ شيئاً ، ولا يكره شيء ، لا يُحبُ النساء ، ولا يحب المال ، ولا يحب العُلو في الأرض  ولا يكره الجوع ، ولا يكره الخوف ، ولا يكره الذل ، ما دام بالإنسان في شهوات ، إذن في شيء يسعده ، وشيء يُزعجه ، هذه البنية ، بنية مخلوق ، يسعد بأشياء ، ويتألَّم بأشياء ، الآن جاء التكليف ، أودع فيه حُب النساء ، وأمره أن يغُض الطرف ، الإنسان بهذه الطريقة يرقى إلى الله ، أودع فيه حُب المال ، وجعل الله طُرُقاً عديدة لِكسب المال ، لكن طُرُق كسب المال المشروع ، طرقٌ قد تكون صعبةً أحياناً ، أما الطرق السهلة ، الحرام ، قد تكون سهلةً   ليرقى بترك الحرام ، وأكل الحلال ، يعني بشكلٍ مُلخَّص ، أقول هذا الكلام كثيراً :

أودع الله فينا الشهوات ، لنرقى بها مرتين ، مرةً صابرين ، ومرةً شاكرين ، إلى الله عزَّ وجل ، يعني يمكن أن أقول : إن الشهوة قوةٌ مُحرِّكة ، قوةٌ دافعةٌ نافعة ، يوم القيامة  حينما يستحقُّ المؤمنون الجنة ، يقولون :

 

( سورة الزمر )

 لو لا أن الله عزَّ وجل ، خلقنا في الأرض ، وأودع فينا الشهوات ، وكلَّفنا  وأمرنا أن نفعل ، وأن لا نفعل ، لولا أن هناك شهوات ، حينما خالفناها ، ارتقينا إلى الله  ولولا أن هناك شهوات حينما رويناها ، وفق منهج الله ، ارتقينا إلى الله ، لما كُنا في الجنة .

لا تستغرِبوا أن يأتي عليكم جميعاً إن شاء الله ، وأنتم ترفُلون في حُلل الجنة ، إن شاء الله ، الجنة رجاءنا ، على الحتم ما في ، في عشر أشخاص استحقوها يقيناً ، هم العشرة المُبشرون بالجنة ، وما سِوى هؤلاء ، نرجو الله عزَّ وجل ، أن نكون من هؤلاء ، لكن لا تستغربوا أن تُدرِكوا في لحظةٍ من لحظات الجنة ، أنه لولا الشهوات ، التي أودعها الله فينا  لما كُنا في الجنة ، قد يقول المؤمن ، وهذا معنى قوله تعالى :

 

( سورة الزمر )

 

لأنه كيف تتقربُ إلى الله ؟ ما في طريق ، إلا أن تُحب شيئاً ، أن تتمنى أن تقترب منه ، والأمرُ يمنعك عنه ، فتقول : إني أخاف الله رب العالمين .

 

الزواج وغض البصر :

يعني من باب بيان فضل الله علينا ، أنت تُصلي في اليوم خمس مرات ، بل هل تعلم أنه كلما رأيت في الطريق امرأة ، وغضضت عنها بصرك ، تُصلي ؟ أراد الله عزَّ وجل أن تكون المناسبات ، للاتصال به كثيرةً ، فأمرك بغض البصر ، ولئلا تكون محروماً ، سمح لك بالزواج ، فالزواج يمنع عنك الحرمان ، وغض البصر ، يرقى بك إلى الواحد الدّيان .

فلسفة الأُمور مُريحةٌ جداً ، الإنسان إذا أخذ أوامر الشرع ، هكذا، في نهاياتها في حيثياتها ، دون أن يربطها بكلِّيات العقيدة ، بفلسفة الوجود ، بحقيقة الكون ، بحقيقة الحياة  بجوهر الإنسان ، يقع في متاهات ، تنشأ معه آلاف الأسئلة ، ولا يدري لها جواباً ، حينما تمشي في الطريق يجب أن تعلم ، أن الله هو الذي أودع فيك حب النساء ، هوْ هو ، وهو الذي أمرك بغض البصر ، من أجل أن يكون غضُّ البصرِ ، طريقاً إلى الإقبال عليه ، دائماً  ولاسيما وهذا ما أكدّته لكم كثيراً ، قد تتفق الشرائع مع القوانين .

 

اتفاق الشرائع مع القوانين وافتراقهما :

السرقة محرمة في الشرع ، ومحرمة في القانون ، فمن ترك السرقة ، ممكن تقول : يخاف من السجن ، والمسؤولية ، ولك أن تقول : يخاف من الله ، ما الحقيقة ؟ الله أعلم ، لكن الذي يغضُّ بصره عن محارم الله ، يقيناً يخاف من الله ، لأنه ليس في الأرض كلها تشريعٌ أو قانونٌ ، يأمرُ بغض البصر ، إذن هنا افترقت الشريعة عن القانون .

الصيام ، بإمكانك أن تدخل البيت في أيام الصيف الحارة ، وأن تدخل الحمام بعيداً عن نظر أولادك وزوجتك ، وأن تشرب الماء النمير البارد ، من العداد رأساً ، ولا يدري بك أحد ، إذن الصيام عبادة الإخلاص ، ما دمت تمتنع عن أن تشرب قطرة ماء ، إذن أنت تُراقب الله عزَّ وجل .

يعني حكم العِبادات أحياناً ، من أجل أن تعلم أنك تحب الله ، من أجل أن تعلم أنك تعلم أن الله يُراقبك ، من أجل أن ترتفع معنوياتك ، من أجل أن تُحس أنك في رضي الله عزَّ وجل ، إذن لا تستغرب ، أنه يا أخي ما هذه الحياة ، كلها صراع ، نفسي تميل ، وفي الطريق نساءٌ كاسياتٌ عاريات ، والله يأمرني أن أغض بصري ، وضع غير طبيعي ، لا هذا هو الطبيعي ، لأنه خلقك للجنة ، وثمن الجنة ضبط الشهوات ، لأنه خلقكَ لحياةٍ أبدية لا تنتهي  وأن ثمن هذه الجنة :

 

( سورة النازعات )

 

فأنا أتمنى دائماً أن أوضح لإخواننا الشباب ، كما أنه ليس في الإسلام حرمان  ليس فيه تفلُّت ، الله قال :

 

( سورة الحديد : آية " 27 " )

 

هم كتبوها على أنفسهم ، هم اجتهدوا فأخطئوا ، والدليل أنهم أخطئوا :

( سورة الحديد : آية " 27 " )

 

لم يتمكنوا ، لأنها خلاف الفطرة ، الترهُّب ، الرهبنة ، خلاف فطرة الإنسان   لذلك القصص التي تروى ، عن الرهبان في انحرافاتهم الجنسية ، لا تعدُّ ولا تحصى ، لأنهم ألزموا أنفسهم ، ما لا ينبغي أن يكون ، ما كتبناها علينا ، والدليل أنهم :

( سورة الحديد : آية " 27 " )

 

فالإسلام دين الفطرة ، فكما أن الإسلام ، ما كلفك ما لا تطيق ، كذلك ما أطلقك  إلى حيث تريد ، في منهج ، يعني تقريباً ، طريق ، الطريق عريض ، لك حرية الحركة في حدود هذا الطريق ، لكن بعد الطريق هناك ممنوعات .

فأجمل حياة يعيشها ، حياة القيم ، حياة المنهج ، حياة الدستور ، أنظر إلى السيارة أروع ما تكون وهي على الطريق المعبَّد ، لأن هذا الطريق صنع لهم ، وهي صنعت له ، فإذا سارت على الطريق المعبدَّ ، تجدها كلها مرتاحة ، لا يوجد أصوات أبداً ، أما إذا نزلت إلى الطريق الوعر ، تحس أن هذه الطريق ليست لهذه السيارة ، وهذه المركبة ليست لهذا   الطريق .

أردت من هذه المقدمة ، أن نربط الجزئيات بالكليات ، لا أن نبقى في هذه حرام  لماذا حرام ؟ أنت تعيش في مجتمع ، هناك أناس ليس لديهم وازع ديني إطلاقاً ، أما آتاهم الله منطقاً ، عندهم عقل ، فإذا ملكت الحجَّة ، بالمناسبة :

" ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ، لو اتخذه لعلمه ".

 

( سورة الأنعام : أية " 83 " )

 

يعني يوجد قوة للمؤمن ، قد تكون غير مادَّية ، قد يكون مؤمن ، يعني  من أقل المراتب في المجتمع ، قد يكون موظف ، صغير جداً ، ضارب آلة كاتبة ، حاجب قد يكون  لكن قوته نابعةٌ من حجته ، لما ربنا قال :

 

( سورة الأنعام : أية " 83 " )

 

لكل مؤمنٍ من هذه الآية نصيب ، قوةٌ ، يجوز حاجب في دائرة ، يناقش المدير العام المتفلت ، الذي عقيدته فاسدة ، هذا الحاجب ، أقوى منه في المناقشة ، المؤمن ، يعلّم لماذا يغضُّ بصره ؟ يعلَّم لماذا يصوم ؟ يعلّم لماذا يصدق ؟ يعلّم لماذا يتكلَّم بالحق ؟ فنحن نريد مؤمن متمكِّن ، لا أريد مؤمن يطبِّق الإسلام إلى حين ، لو أنَّك عرفت الأمر الشرعي  من دون حيثيات ، من دون أن تربطه بالكلّيات ، من دون عقيدة صحيحة ، يمكن _أن تنطبق الأمرّ ، لكن مقاومتك هشة ، هشة ، يعني أدنى ضغط ، أو أدنى إغراء ، تجد مقاومتك قد انهارت ، لذلك كلّ إنسان يربي ، كل إنسان يبني إخوانه بناء ، إذا بنى النفوس بناء صحيح  بناء علمي ، بناء منطقي ، على أساس من العقيدة الصحيحة ، تجد هذا الأخ قوياً ، أي قوي في دينه ، أينما ذهب مستقيم ، الملاحظ لما ينبني إنسان بناء هش ، أو يبنى بناء نصِّي غير تعليلي .

يعني أنت عندما تعرف أن هذا الأمر مربوط ، بهذه العقيدة الصحيحة ، مربوط بهذه الكلِّية ، أي أنت مؤمن بخالق الكون ، أنت مخلوق للجنّة ، والجنّة ثمنها ، ضبط الشهوات الشهوات أودعت فيك لترقى بها إلى الله ، أودعت فيك ، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً للكل .

 

قوة الشهوة والوقوف أمامها :

كل إنسان بيتبرم بالشهوات ، يقول : يا أخي ليس بيدي ، لكن الله أودعها فيك  وقوية ، هذه الشهوات ، أي مثلاً ، تصوَّر طن من الحديد ألقيناه من عشر ألاف متر ، هذا يتسارع ، ماذا يقف في وجهه ؟ طبق ورق ؟ أعوذ بالله ، قماش ؟ مستحيل ، سقف بيحطمه  كذلك الشهوات، قوة اندفاع شديدة ، لا يقف أمام الشهوات إلا يقين ، إلا إيمان قوي ، إلا عقيدة صحيحة ، إلا اتصال بالله ، حينما تستقيم ، وتتصل ، تصبح كالجبل قويّ ، بتحس أنه يوجد عندك مقاومة كبيرةً جداً ، لذلك المؤمن الصادق ، لا يضعف لا أمام أقوى المغريات ، ولا أمام أقوى الضغوط ، لا الضغط يؤثر فيه ، ولا الإغراء يؤثر فيه ، التِبْر عنده كالتراب  والحياة والموت سواء ، قال له :

 

( سورة طه )

 

الحقيقة نحن لا نقدر أن نستعيد مجد أمتنا ، ولا نرجع كما كنا ، قادة للأمم ، النّبي الكريم ، جاء إلى قومٍ ، هم رعاةٌ للغنم ، فجعلَّهم قادةً للأمم ، من رعاة غنّم لقادة أمم ، بعقيدة صحيحة ، وبالتزام صحيح ، أصعب شيءٍ في مجتمعاتنا إسلامية ، أن يظنَّ المسلمون أنَّ الدين صوم وصلاة ، الدين منهج ، منهج طويل عريض ، فيه كل شيء ، فيه تفصيلات لكلّ شيء ، فهذا المنهج .

مرة قرأت كتاب : الإسلام إما أن تأخذه كلُّه ، أو فدعه كلُّه ، أنا لا أوافق على هذا العنوان ، أوافق على الشق الأول ، خذه كلَّه ، ولن تقطف ثماره ، إلا إذا أخذته كلّه ، هذا أصح ، خذه كلُه ، بأدق تفاصيله .

 

إذن ملخص المقدمة :

أن الله أودع فينا الشهوات ، لنرقى بها ، صابرين بغض البصر ، وشاكرين بنعمة الزواج ، إلى رب الأرض والسماوات ، أودع فينا الشهوات ، المال ، لنرقى بحب المال  صابرين ، بإنفاقه ، شاكرين بكسبه ، أودع فينا حب العلو في الأرض ، لنرقى بها ، صابرين بترك معاونة الظلام ، عرضوا عليك عظيم جداً ، لكن فيه معاونة ، ولنرقى شاكرين بخدمة الضعيف ، وهكذا ، كلُّ الشهوات ، يمكن أن توظَّف ، في الحق .

أخ كريم .. استوقفني في الدرس الماضي ، وقال لي ، أنا والله أعجبني ورعه  وأعجبني غيرته على دينه ، قال لي :

أنا محامي ، قلت له : أنعم وأكرم ، قال لي : لماذا بعض العلماء يذمّون هذه المهنة ؟ قلت له : والله أنا ما فعلتها في حياتي ، لأنني أعتقد، أنَّ أية مهنةٍ ، لا تستعصي على الالتزام بالدين ، والمحامي المؤمن ، الذي يضع كلَّ علمه ، وكلَّ ذكائه ، وكلَّ طلاقة لسانه  وكلَّ ثقافته القانونية الواسعة في خدمة الضعيف ، ويأخذ أجره حلالاً جُعالةً ، هذا يرقى إلى الله ، قد يرقى المحامي ، قد يستحق دخول الجنّة لأنه محامي ، اعتقد يجب أن توظِّف كلَّ شيء في الحق .

الآن حتى الذين آتاهم الله أصواتاً عذبة ، أليس من الممكن أن يقرؤوا القرآن ؟ وأن تصبح أصواتهم خالدةً إلى آلاف السنوات ؟ مرة أنا سمعت آذان لمؤذن ، أعتقد أنه مات قبل خمسين سنة ، بمصر ، قلت : هذا الصوت بقي مستمراً ، الصوت الحسن ، يمكن أن يوظَّف في الحق ، في تلاوة القرآن ، في الآذان ، في مدح النبي عليه الصلاة والسلام ، كلُّ ما أودعه الله في الإنسان ، يمكن أن يوظف في الحق وفي الباطل ، في الخير ، وفي الشر .

إذن من أجل أن تربط ، غضَّ البصر ، وحفظ العورة ، عدم إبداء العورة ، وعدم إطلاق البصر إلى العورة ، من أجل أن تربط هذا الحكم الجزئي الصغير ، بكليةٍ كبرى في الدين ، اعتقد دائماً أن الله جلَّ جلاله، خلقك للجنّة ، وهذه الدنيا ، دار دفع الثمن ، كيف العام الدراسي ، الآن الطالب الجامعي ، مقاعد الجامعة مريحة ؟ لا والله ، مقعد خشبي عرضه اعتقد خمسة وعشرين سانتيمتر ، وقائم ، إذا كان هكذا أريح ، لا في سفنج ، ولا في جلد  وتدفئة أقل من الوسط ، على طول بردانين ، وبعض البللور مكسَّر دائماً ، في أيام البرد ، لا في تدفئة جيدة ، ولا في مقعد مريح ، ولا في أثناء الدرس بعض من الموالح ، أو قليل من العصير مثلاً ، ولا في مجلتين ثلاثة تقرأهم ، ما في ، لا يوجد إلا محاضر أمامك ، ما في غير كلام الصراحة .

لكن سنة سنتين ، ثلاثة ، أربعة ، بهذه الجامعة ، أصبح طبيب ، مثلاً ، طبيب  صار مهندس ، وقت كان لهذه المهن الراقية دخل كبير ، فبعد ما أخذ الشهادة ، وأصبح له مكانة اجتماعية ، وركَّز وضعه بالتعبير التجاري ، واشترى بيت ، وجاءه دخل كبير ، لولا هذه السنوات التي قضاها في الجامعة ، إثنا عشر ساعة باليوم ، بلا غداء يتم ، أكثر الأيام بلا غداء ، إثنا عشر ساعة ، وكل محاضر له طبع خاص ، وظائف ، حلقات بحث ، ومفاجئات بالامتحانات ، ومعركة بين الأستاذ والطلاب ، هم يتوقعون قسم ، فيفاجئهم بقسم ، وسلم صعب ، ولا يمكن أن تراجع ورقتك ، لولا هذه المتاعب ، خلال ست سبع سنوات ، لا يقال لك : الدكتور فلان تفضل ، يقول لك : إيكو خمسمئة ليرة ، هذا غير تخطيط ، ما في سوى أجهزة عند الطبيب ، تحتاج لإيكو ، وتخطيط ، وكذا ، لولا هذه المتعب ما كنت في هذا المستوى ، طبعاً أنا أضرب أمثلة من واقع الحياة .

ولولا أنك جئت إلى الدنيا ، ووضعت فيك الشهوات ، حب المال، حب النساء  حب العلو في الأرض ، وجاء الشرع ، غضْ بصرك ، ولا تصافح ، ولا تخلو بأجنبية ، وهذه حرام ، وهذه حلال ، وهنا غض بصرك ، والفخذ عورة ، وهذه ، منهج طويل عريض تفصيلي ، وهذا الكسب حرام ، وهذه شبهة الربا ، وسألت ، وجلست بمسجد ، وعلى ركبك جلست ، وساعة ونصف الدرس ، ما كنت ترقى إلى هذا المستوى هذا .

فلذلك هذا الدرس ، جزئيته صغيرة ، أما كليته كبيرة ، أنت حينما تطبِّق منهج الله عزَّ وجل ، من أجل أن تكون في عداد السعداء في الآخرة .

 

عورة المرأة بالنسبة للمرأة

 

الآن ، درسنا هذا اليوم ، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة ، أي أكثر الناس بيظنوا أنه لا يوجد عورة بين النسوة ، امرأةٌ على امرأة ، يعني نحن ، وهذا ما أعتقده ، اعتقاداً جازماً ، هو أنَّ مجتمعنا الحمد لله ، المجتمع المسلم مجتمع نظيف .....

..... المجتمع المسلم مجتمع نظيف ، المجتمع المؤمن مجتمع أرقى ، مجتمع روَّاد المساجد الملتزمين ، هذا مجتمع أرقى وأرقى ، لذلك الانحرافات الأخلاقية ، إذا ذكرناها لا أعتقد أن من بين الحاضرين من هو واقع بها ، لأنه شيء بعيد جداً .

شخص داخل جامعة ، فتسأله : هل تقرأ وتكتب ؟ تنظر إليه ؟ أنا معي بكلوريا  ماذا أقرأ وأكتب ؟ كلام فاضي هذا ، ما وصل إلى الجامعة حتى أخذ البكلوريا ، فنقول لأحد  أخي توجد انحرافات ، هذا أغلب الظن ، بعيدة جداً عن رواد المساجد ، عن مجتمع المؤمنين الصادقين ، ولكن ، في انحراف بين النساء ، سببه التكشُّف ، وفي انحراف بين الجنس الواحد  اللواط معروف ، والسِحاق معروف ، فالانحرافات الجنسية ، في الجنس الواحد ، سببها عدم التقيُّد بأوامر الله عزَّ وجل .

فالدرس اليوم ، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة ، الناظرة إما أنها قريبة ، وإما أنها أجنبية ، ما معنى أجنبية ، يعني معها جواز سفر ؟ لا ولكنها ليست قريبة ، أو فاجرة ، أو كافرة ، أربع نساء ، قريبة ، أجنبية، فاجرة ، كافرة .

الفاجرة قد يكون هويتها مسلمة ، في الأصل ، ولكن هذا الانتماء التاريخي ، لا قيمة له إطلاقاً ، إطلاقاً ، انتماء تاريخي ، أما هي فاجرة ، ليست منضبطة ، هذه لها حكم .

والكافرة الكتابية ، هذه لها حكم ، والقريبة ، والأجنبية ، الأجنبية، ليست قريبة  جارتنا ، أما القريبة ، أخت أم ، عمة ، خالة ، بنت أخ ، بنت أخت .

فالقريبة ، والأجنبية ، لمَّا جمعنا بين القريبة والأجنبية ، معناها القرب النسبي لا قيمة له في هذا الموضوع ، القريبة ، أو الأجنبية ، كلاهما واحد ، لا يوجد فرق بين جارتي  وبين عمتي ، فيما بين المرأة والمرأة ، فقط ، درسنا اليوم ، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة  قال :

 فلهما لكلا المرأتين ، النظر من المرأة إلى المرأة ، إلى سرتها فما فوق ، وإلى ما تحت ركبتيها .

لأن عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة ، ما دون سرتها ، إلى مادون ركبتها .

فالسرة ليست من العورة ، والركبة من العورة ، أي أن عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة ، كعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل .

وقد اتفق العلماء على أن الأحاديث التي حددت عورة الرجل مع الرجل ، هي نفسها بيانٌ ، لعورة المرأة مع المرأة ، قال صلى الله علية وسلَّم :

 

" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ ......"

( حديث رواه مسلم : رقم " 512 " وأبو داود والترمذي )

 

طبعاً هذه القريبة ، والأجنبية ، الحاصل :

أنه لا يجوز ، للأُم أن ترى من بنتها ، ولا للبنت أن ترى من أُمها ، ولا للأُختِ أن ترى من أُختها ، ولا للمرأة أن ترى من عمتها ، أو خالتها ، أو بنت أُختها ، أو بنت أخيها  أو إحدى النساء ، قريباتٍ كنّ أو أجنبيات ، شيئاً مما بين السرة والركبة ، لا في الحمام   ولا في غير الحمام ، ولا وقت خلع الثياب ، ولا في الاستقبالات ، والاحتفالات ، ولا في عمل المنزل ، ولا في تنظيفه .. هذا الحكم الشرعي .

فإذا كشفت إحداهن ، شيئاً من عورتها ، وأثمت بهذا الكشف ، لا يحلُّ للباقيات  النظر إليها أبداً ، بل يجب عليهن الإنكار عليها ، ويجب عليهن ، منعها من إبداء شيءٍ من عورتها ، وإن أصرت إحداهن ، على كشفها ، لا يجوز الجلوس وهي كاشفةٌ عورتها ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الناظر والمنظور إليه .

نحن نتمنى أن يلتزم الفريقان ، الناظر والمنظور ، فإذا أخلَّ المنظور ، على الناظر أن يغُض البصر ، عليه أن ينصح ، عليه أن يغُضَّ البصر .

مرة ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، هذه الأحكام للأسوياء ، للإنسان الطبيعي ، أما لو أنه خُشيت الفتنة ، من نظر امرأةٍ مريضةٍ ، أو منحرفةٍ، أو فاسقةٍ ، أو فاجرةٍ ، إلى امرأةٍ  سوى ما بين السرة والركبة، لا يجوز ، الوضع الطبيعي ، المألوف ، المرأة السوية ، التي تمثِّل الخط العريض في المجتمع ، هذا هو الحكم ، أما في عدد قليل ،  نسب قليلة ، منحرفة  المزاج منحرف ، الاتجاه غير سليم ، هذه المرأة لا يجوز لها أن تبدي ، حتى لمرأةٍ أُخرى قريبةٍ أو غير قريبةٍ ، ما سوى العورة ، يعني ما فوق السرة ، وما تحت الركبة .

والحكم الذي قلته لكم سابقاً ، ما حلَّ للمرأة النظر إليه حلَّ مسُّه ؟ يعني ممكن بنت تنظف بنتها فيما سوى العورة ، في الحمام ، ممكن الشيء المسموح النظر إليه ، مسموح مسَّه بلا شهوة ، فإذا خُشيت الشهوة ، حُرِم مسه ، وحُرِم النظر إليه ، مع وجود الشهوة ، مع خوف الفتنة ، هناك أحكام أُخرى ، ويقول عليه الصلاة والسلام ، فيما رواه مسلمٌ وأبو داود والترمذي :

 

....وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ...

( صحيح مسلم : رقم " 512 " )

كما أنه لا يجوز أن يتلامس الجسدانِ للذكور ، لا يجوز أن يتلامس الجسدان للإناث ، الحكم نفسه ، لأن فيما بين الذكور انحراف معروف ، وفيما بين الإناث انحراف معروف ..

يوجد عندنا حكم مهم جداً ، هو أن المرأة إذا رأت امرأةً ، الآن أنظر ، أكثر الأُسر الإسلامية ، أين كنتم ؟ في بيت فلان ، ماذا صار ، الزوج عنده فضول ، احكوا لنا  شو شفتوا ، والله عندهم بنت ، ما شاء الله  ( حولها ) ، أُوصفييها لنا  ، قال مسلمة قال .

لا يجوز لمرأةٍ أن تصف امرأةً لزوجها ، إطلاقاً ، طبعاً يوجد معها دليل ، يقول عليه الصلاة والسلام ، فيما ورد في الصحيحين ، البخاري ومسلم :

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :

 

لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا *

( صحيح البخاري : رقم "4839" )

 

أنا أقول لكم : لو أن امرأةً وصفت امرأةً لزوجها ، لذهب خيال الزوج ، إلى صفاتٍ أعلى بكثير ، مما وصفت .

الإنسان ينزع نحو الكمال دائماً ، لذلك النبيّ عليه الصلاة والسلام، حينما رأى زيد الخيل ، وهذا رجل كان من أصحاب المُروءة في الجاهلية ، النبيّ أُعجب به ، قال له : من أنت ؟ قال له أنا زيد الخيل، قال له : بل أنت زيد الخير ، لله درُّك يا زيد ، ما وصف لي شيءٌ فرأيته ، إلا رأيته دون ما وصف ، إلا أنت يا زيد .

هذه قاعدة ، يقول لك : قعدنا في مكان يطيِّر العقل ، وإذا رأيته فتقول له : والله ليس بهذه الدرجة ، لم يطر عقلنا ، الوصف دائماً أكبر بكثير من الواقع ، لأن هذا من عجز اللغة ، اللغة لماذا هي عاجزة ؟ تقول كبير ، ما معنى كبير ، بالنسبة للمتكلم ؟ يعني إذا واحد دخله كثير محدود ، يقول لك : فلان غني ، يجوز هذا الغني مع الغني الحقيقي فقير، لكن كلمة غني من واحد فقير ، في حجم عنده ، نقلها لواحد أغنى، فتصوَّر أنه أغنى منه ، وقد طلع أمامه فقير جداً ، فمن عجز اللغة أنها لا تُعطي الحجوم حقيقتها .

لذلك حينما تصفُ امرأةً ، الأصل محرم ، لكن لو أنها وصفت ، لا يقف الزوج في تصوِّره ، عند حدود الواقع ، بل قد يشتط خياله ، إلى أبعد من الواقع ، هذا الذي حرَّمه الشرع ، إذن لا يجوز ، قال :

إذا جاز للمرأة ، أن تنظر إلى امرأةٍ أُخرى ، قريبةٍ أو أجنبية ، في تلك الحدود الضيِّقة ، التي سمح بها الشرع ، إذا جاز لها ذلك ، فلا يجوز لها أن تصف ، ما رأت لزوجها أو قريبها أو لأجنبيّ ، إطلاقاً .

لذلك أكثر الأُسر ، يحضروا أعراس ، يتكلموا بعد العرس ، فلانة، يعني لهم النساء كلمات خاصة بهم ، لو أنهنّ تكلمنّ على مسمعٍ الزوج ، فهذا حرام ، حرامٌ حرمةً قطعيةً ، أن تصف امرأةٌ ، امرأةً لزوجها ، فكأنه ينظر إليها .

يوجد عندنا استثناء واحد ، من يعرف هذا الاستثناء ؟ الخاطب ، أن الخاطب له حق أن يشوفها ، أن يراها مباشرةً ، فإذا وصفت له ، أقل من الرؤيا ، الخاطب من حقه أن يراها ، لذلك إذا ذهبت امرأة ، لتخطب لابنها ، ووصفت له مخطوبته ، الأمر مشروع لا شيء عليه ، لكن لا يجوز أن تصف له هذه الفتاة أمام أخيه المتزوج ، ليس له علاقة ، هذه دقة الشرع ، تصف الأُم لابنها ، مخطوبته ، دون أن ينتقل هذا الوصف إلى آخرين ، قال : أما الفاجرة ، الفاجرة قد تكون بالهوية مسلمة ، لكنها فاجرة ، فاسقة ، قد تكون زانية ، قد تكون متفلِّتة من كل الشرائع ، تقريباً ، قال :

هذه الفاجرة ، لا يحل للمرأة أن تبدي أمامها زينتها ، لا يحل للمرأة المسلمة ، أن تبدي زينتها ، للمرأة الفاجرة .

لأن الفاجرة ليس عندها قاعدة ، المسلمة إذا رأت مسلمة ، مسلمة لها زوج ، و زوجها معلمها ، وأبوها معلمها ، وأمها علمتها ، يعني المسلم يغلب عليه الورع ، يغلب عليه الانصياع لله عزَّ وجل ، فحينما تبدو امرأة أمام امرأة ، أغلب الظن ، أنها لن تصفها للآخرين  لكن هذه المرأة الفاجرة ، إذا نظرت إلى زينة امرأة مسلمة ، رُبما وصفتها للأجانب ، تصور إمرأة ماشية بالطريق وهي محجَّبة ، وقد وصفت عضوا عضواً للأجانب ، ما قيمة هذا الحجاب ؟ يعرفونها من الداخل هم حسب الوصف ، إذن ما قيمة حجاب المرأة ؟ إذا رأتها فاجرةٌ ، ووصفتها للأجانب .

الفاجرة ، لا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي ، أمامها زينتها ، لأنها تصفها عند الرجال ، فلا تضع جلبابها ولا خِمارها عندها ، لذلك أنا والله أستمع ، إلى أخوات مؤمنات  يحضرنّ أعراساً ، ويرتدين ثيابهنّ الخارجية تماماً ، هذا موقف سليم ، لماذا ؟ قد يكون في هذا العرس إمرأة فاجرة ، القصد حضرن ، ولبين الدعوة ، أما تبقى المرأة المسلمة في ثيابها المُحتشمة ، في الأعراس ، أما هذا التقليد ، أن تخلع ثيابها الخارجية ، وأن تبدو في أبهى زينة ولا تعلم من هنّ المدعوَّات ، فإن كان من بين المدعوات فاجرة ، الهوية مسلمة لكن فاجرة  هذه الفاجرة من طبيعتها ، لأن الشيطان يؤزها أزاً ، الشيطان ، لأنها مع الشيطان ، والشيطان يُغري بكل معصية ، أنا الذي أتمناه أنه حتى في الاحتفالات ، يعني يكون المدعون ، قد انتقاهم الداعي انتقاء جيداً ، فإذا الانتقاء عشوائي ، يجب أن تبقى المرأة المسلمة ، في الحدود التي لا تبدو زينتها أمام الفاجرات ، الآن الدليل ، قال تعالى :

 

( سورة النساء )

 

أين بيت القصيد ، أين الشاهد ؟ أو نسائهن ،  ورد في رد المحتار في تفسير قوله تعالى أو نسائهن :

" أي الحرائر المسلمات ، لأن ليس للمؤمنة أن تتجرد ، أي أن تخلع ثيابها   بين يدي مشركةٍ أو كتابية ، هذه معنى أو نسائهن " .

 

والشيخ النابلسي ورد هنا ، له كتاب اسمه هدية ابن العماد ، يقول:

" لا يحل للمسلمة ، أن تتكشف ، بين يدي يهوديةٍ ، أو نصرانيةٍ ، أو مشركةٍ  أبداً ، هذا تفسير قوله تعالى أو نسائهن " .

وقال ابن كثير :

" أو نسائهن ، يعني أن تظهر بزينتها أيضاً للنساء المسلمات ، دون نساء أهل الذمة ، أي الكتابيات ، لئلا تصفهن لرجالهن ، وذلك وإن كان محذوراً في جميع النساء ، إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد ".

فيغلب الظن، أن المرأة المسلمة ، لا تصف المرأة المسلمة لزوجها ، أما الكافرة، والفاجرة ، تصِفُها لزوجها ، إذن يجوز للمرأةِ المُسلِمة المؤمنة ، أن تُظهر زينتها ، لمن ؟ لامرأةٍ مسلمةٍ مثلها ، أما لغير المُسلمة ، لا يجوز ، الكافرة ، لا يجوز ، الفاجرة ، لا يجوز  والحديث الشريف :

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَال قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا *

( صحيح البخاري : رقم "4839" )

 

سيدنا عمر ابن الخطاب ، كتب إلى أبي عُبيدة ابن الجراح ،والشيخ النابلسي ورد هنا ، له كتاب اسمه هدية ابن العماد ، يقول:

" لا يحل للمسلمة ، أن تتكشف ، بين يدي يهوديةٍ ، أو نصرانيةٍ ، أو مشركةٍ  أبداً ، هذا تفسير قوله تعالى أو نسائهن " .

وقال ابن كثير :

" أو نسائهن ، يعني أن تظهر بزينتها أيضاً للنساء المسلمات ، دون نساء أهل الذمة ، أي الكتابيات ، لئلا تصفهن لرجالهن ، وذلك وإن كان محذوراً في جميع النساء ، إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد ".

فيغلب الظن، أن المرأة المسلمة ، لا تصف المرأة المسلمة لزوجها ، أما الكافرة، والفاجرة ، تصِفُها لزوجها ، إذن يجوز للمرأةِ المُسلِمة المؤمنة ، أن تُظهر زينتها ، لمن ؟ لامرأةٍ مسلمةٍ مثلها ، أما لغير المُسلمة ، لا يجوز ، الكافرة ، لا يجوز ، الفاجرة ، لا يجوز  والحديث الشريف :

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا *

( صحيح البخاري : رقم "4839" )

 

سيدنا عمر ابن الخطاب ، كتب إلى أبي عُبيدة ابن الجراح ، وقد بلغه أن في الشام حمامات عامة ، قديماً ، هذه القصة قديمة جداً ، من عند سيدنا عُمر ، قال له :

 

" أما بعد ، فإنه بلغني ، أن نساءً من نساء المُسلمين ، يدخُلن الحمامات مع نساء أهل الشرك ، فإنه من قبلك ، لا يحل لمرأةٌ تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملَّتها " .

هذا كلام سيدنا عمر ، لأبي عبيدة ابن الجراح .

 

وقال الإمام مُجاهد في تفسير قوله تعالى أو نسائهن :

 

" نسائهن ، المسلمات ، ليس المشركات من نسائِهن ، وليس للمرأة المسلمة أن تتكشف بين يدي مشركة ، ولا يحل لمرأةٍ غير مُسلمةٍ ، أن ترى ، من المرأة المُسلمة زينتها ، أو مكان الزينة " .

 

وروي عن الجاهدٍ أيضاً قال :

" لا تضع المُسلمة خِمارها عند مشركة ، لأن الله تعالى يقول : أو نسائهن  فليست المُشركة من نسائهن " .

 

كم دليل أصبحوا ؟ سبعة أدلة تقريباً ، وفي تفسير الخازن :

" أو نسائهن ، أي المؤمنات ، من أهل دينهن ، أراد به أنه يجوز للمرأة أن تنظر ، إلى بدن المرأة ، إلا ما بين السرة والركبة ، ولا يجوز للمرأة المؤمنة ، أن تتجرد من ثيابها عند الذمية ، أو الكافرة  ، لأن الله تعالى قال : أو نسائهن ، والذمية ، أو الكافرة ليست من نسائنا ، ولأنها أجنبية في الدين ، فكانت أبعد من الرجل الأجنبي  " .

 

هذا الموضوع ، الذي هو في الترتيب الثالث ، عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة  وكُنا قد أخذنا في الدرس الماضي ، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل .

والدرس الأول عورة الرجل بالنسبة إلى المرأة ، بقي الموضوع الأخير ، وهو عورة المرأة بالنسبة إلى الرجُل ، هذا في الدرس القادم إن شاء الله .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi