English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس         :  2 / 4 ،  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

رقم الشريط    : 13 /501

تاريخ الشريط  : 20 / 12 / 1992

الموضوع      : الفقه الإسلامي : الطلاق : طلاق المكره ، السكران ، الغضبان ، الهازل والمخطئ ، المدهوش

                                    صيغ الطلاق الصريحة والكنايات .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تنقيح أولي    :  المهندس غسان السراقبي ، النص لم ينتهِ من التدقيق .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الأكارم ... قلت لكم من درسين سابقين ، إن الموضوعات التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها هي التي أختارها لكم بفضل الله عزّ وجل ، ولماذا اخترت موضوع الطلاق  لأن كل خمسة سائلين ، أربعةٌ منهم أو ثلاثةٌ منهم ، سؤالهم متعلقٌ بالطلاق ، ولأنني أُفاجأ أحياناً أن أخاً كريماً مؤمناً من طلاب العلم الشرعي ، يتورَّط ويحلف يمين طلاق ، ولشدة ما أرى من معاناة المطلقين ، وضياعهم  بين المفتين ، وقلقهم ، وحيرتهم ، وطمأنينتهم تارةً إلى بعض الفتاوى ، وقلقهم من بعض الفتاوى ، فاخترت هذا الموضوع .

شيءٌ آخر ، هو أن الإنسان ينجح في حياته العامة ، كل واحد له مهنة ، له حرفة   له وظيفة ، له صنعة ، له اختصاص ، قد تنجح نجاحاً باهراً في حياتك العملية ، وقد تُخفِق إخفاقاً ذريعاً في زواجك ، وكما تعلمون الزواج والعمل شيئان لا صقان بحياة الإنسان ، فإذا نجحتم في أعمالكم ، أو في تجارتكم ، أو في صنعاتكم ، أو في اختصاصكم ، أو في دراساتكم ، أو في وظائفكم ، لا بد من أن تكملوا هذا النجاح بنجاحكم في بيوتكم ، بل إني لا أُبالغ إذا قلت : إذا نجح الإنسان في بيته ، انعكس نجاحه في بيته على عمله ، طمأنينته ، وراحة باله ، والله سبحانه وتعالى رفع صلاح البال إلى مستوى الهدى حينما عطف صلاح البال على الهدى ، والمتعاطفان من لوازهما التجانس ، سيهديهم ويصلح بالهم ، وهل من صلاح بالٍ أعظم من سعادة الإنسان في بيته ؟

هذا الكلام لا يعني أن الإنسان لا يعاني من بعض المشكلات ، العوام تقول في اللغة الدارجة : " الله خلق أخين ولم يخلق طبعين "، فمن الطبيعي جداً أن يتباين طباع الزوج والزوجة التباين مقبول بحدود معينة ، في حدود عشرة بالمئة مقبول ، أما إذا اختار المؤمن امرأة لدينها فالتباين يقل ، الخلاف يقل ، على كلٍ لم أطرح هذا الموضوع على أسماعكم إلا لاعتقادي ويقيني أننا في أمس الحاجة إليه ، قد يقول شاب : أنا لم أتزوج بعد ، وقاية ، لكنك إذا أقدمت على الزواج توجد عندك ذخيرة ، ومعلومات دقيقة جداً فقهية متعلقة بشأن الزواج والطلاق ، وقد يقول الناجح في حياته الزوجية : أنا لست بحاجةٍ إلى هذه الموضوعات ، نقول له : الشرع الإسلامي إن لم تكن بحاجةٍ إليه ، يمكن أن تهتدي إلى الله من خلاله ، فالشرع له وظيفتان ، وظيفةٌ نفعيةٌ تطبيقية ، ووظيفةٌ إرشاديةٌ دلالية ، وإذا إنسان واقع في مشكلة فالحل موجود ، على كلٍ يؤلمني أشد الألم أن أرى المسلم طالب العلم الشرعي الذي يرتاد المساجد، يعاني من مشكلاتٍ مشابهةٍ مما يعاني عامة الناس ، فأين إيمانك ؟ وأين فضل إيمانك ؟ فهل الإسلام يا ترى صلاة وصوم فقط  عبادات ، وفيما سوى العبادات نحن سواء ، يعني يا ترى الفاجر في بيته كالمسلم في بيته ؟ علاقة تارك الصلاة بأهله كعلاقة المُصلي ؟ بيت المسلم كبيت غير المسلم ؟ شيء غير معقول إطلاقاً أن تلاقي تشابه بين مسلم وغير مسلم ، إذا فيه تشابهاً فالإسلام ليس له فائدة ، الإسلام أصبح عبء على الإنسان ، أصبح المسلم عليه أن يُصلي ، وعليه أن يصوم ، وعليه أن يُزكي ، وحياته الخاصة الداخلية ، وعمله ، وتجارته، وبيعه وشرائه ، وسُكناه ، مشابهة لغير المسلم ، يعاني ما يعاني أي إنسان ، يعني إن لم يكن هناك فرقٌ جوهري بين حياة المسلم وحياة غير المسلم ، بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن ، بين حياة الملتزم وحياة غير الملتزم ، فهذا الدين عندئذٍ لا جدوى منه ، والإنسان وقته ثمين جداً ، لكن نحن حين نرتاد المساجد ونطلب العلم الشرعي ، من أجل ماذا ؟ من أجل أن نعيش حياةً كما أرادها الله ، من أجل أن نربي أولادنا كما أراد الله ، من أجل أن نحقق ذواتنا ، من أجل أن نكون على الصراط المستقيم الذي أراده الله عزّ وجل .

فأنا قناعتي أن المؤمن أهم ما يميزه عن غير المؤمن أنه يبحث عن أمر الله ، يبحث عن الأمر والنهي ، يبحث عن الحكم ، فالله عزّ وجل في هذا الموضوع ماذا يريد ؟ يعني في كل بيت يوجد ملايين المشكلات ، يا ترى إذا دخلت إلى البيت وجدت مشكلة ، كيف تتصرف ؟ وفق ما يمليه الهوى ؟ وفق ما يمليه المزاج العصبي ، وفق عاداتٍ باليةٍ أخذتها عن أُمك وأبيك ؟ وفق نزوات الجاهلية ؟ وفق آراء أصدقائك ؟ لكن تتصرف وفق ما يمليه الشرع عليك ؟ هذا الذي أتمنى عليك .

يعني أنا والله أسعد أيها الإخوة جداً حينما يبلغني أن أحدكم سعيدٌ في بيته ، ونحن أُسرة واحدة ، لا أظن أن أحدكم قد يكون شقي في بيته ومزعوج في بيته وأنا أكون مرتاح ، لأنه سوف يقول لي : هكذا صار معي ومزعوج ، هكذا تفعل معي ، ماذا أفعل أُطلقها أبقيها ؟ فعندما يكون أخ ناجح في زواجه ، سعيد في بيته ، أنا أعدُّ هذا دليلاً على صحة إيمانه، دليلاً أنه متمثِّل لأوامر الشرع .

فالنبي عليه الصلاة والسلام ، جاء ليعلمنا كيف نعيش ؟ كيف نتزوج؟ كيف نحافظ على زوجاتنا ؟ لذلك الموضوعات التي وردت في الدرس الماضي ، والتي سوف ترد في هذا الدرس ، هي موضوعاتٌ في أمس الحاجة إليها .

في الدرس الماضي بيَّنت لكم أن الطلاق منه ما هو واجب ، ومنه ما هو مباح   ومنه ما هو مندوب ، ومنه ما هو حرام ، والطلاق لا ينبغي أن يكون إلا لحالاتٍ قاهرة ، كأن تشك في سلوكها ، كأن تشك أن أولادك ليس منك ، هذه حالة الارتياب بسلوك الزوجة ، كما ورد في الحديث الشريف :

" لا تطلق النساء إلا من ريبة " .

أو أن لا تستطيع أن تكون الزوجة مُحصنةٍ لك ، هذه حالة ثانية ، وما سوى ذلك فالطلاق مكروه كراهة تحريم ، لأن فيه إتلاف للمال ، وفيه إيذاء للمرأة ، وفيه ضياع للأولاد  وأتمنى على كل أخ كريم قبل أن يفكر في الطلاق أن يتصور أولاده عند امرأة غريبة لا تحبهم  ولا ترعى شأنهم، وتفعل كل شيءٍ بحيث تؤذيهم ، أو تبعدهم عن أبيهم .

أكثر شيء ورد في الموضوع ، طلاق المكره ، وطلاق السكران، وطلاق الغضبان  وطلاق الهازل والمخطئ ، وطلاق المدهوش .

فالمكره ، طلاق المكره لا يقع ، لماذا ؟ قال : لأن المُكره ليس له إرادة ، ليس له حرية ، والإرادة أساس التكليف ، ما لم تكن حراً فلست مكلفاً ، فإذا انتفت عنك حرية الإرادة    إذاً كل شيءٍ يترتب على إكراهك باطل ، أنت مسلوب الإرادة ، فقد ورد في سنن ابن ماجة عن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال :

" إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "*

لو أن أحداً أجبرك على كلمة الكفر ، لا تكفر ، لقوله تعالى :

 

( سورة النحل : أية " 106 " )

إذاً إنتبه الآن إلى حكم دقيق ، هو أن كل عملٍ يقع منك اختياراً ، بمحض اختيارك  بإرادتك ، برضاك ، دون ضغط ، أو دون إكراه ، فهذا العمل مسئول عنه مسؤوليةٌ تامة ، أما إذا نُفيت الإرادة ، فصار هناك إكراه، وأصبح في ضغط ، عندئذٍ سُلبت إرادتك ، وبالتالي لا يقع منك نتائج هذا التصرُّف ، لكن الإمام أبا حنيفة وحده قال : " طلاق المكره واقع ". ويبدو أن الأئمة الثلاث حجتهم أقوى ، عند الأحناف طلاق المُكره واقع .

يعني أحدكم لا يستغرب لو سأل أول شيخ ، وثاني شيخ ، وثالث شيخ ، ورابع شيخ  دون أن يعلم خلفيات هؤلاء المشايخ ، ومذاهبهم الفقهية، وطريقتهم في معالجة هذه الأسئلة ، إذا لم يعلم الخلفيات يُصعق من اختلافهم في الفتوى ، أي لو سألت مُفتياً حنفياً متشدداً في حنفيتة ، أو متعصباً لها ، لأعطاك فتوى في الطلاق تختلف عن مفتيٍ آخر ليس متعصباً لحنفيته ، أو أفتى لك على مذهبٍ آخر ، فالأحناف وحدهم يرون أن طلاق المُكره يقع ، ويقول بعض العلماء : " ولا حجة لهم فيما ذهبوا إليه ، فضلاً عن أنهم خالفوا جمهور الصحابة ، المُكره لو كفر ، لا يكفر  لو نطق بالكفر لا يكفر ، الكفر أهم من الطلاق أليس كذلك ؟ وفي آية كريمة :

( سورة النحل : آية " 106 " )

النبيّ الكريم قال له : " وإن عادوا فعد ولا شيء عليك  " .

إذا كان المكره لا يوآخذ بكلمة الكفر ، فأن لا يوآخذ بيمين الطلاق من باب أولى   هذا موضوع طلاق المكره ، ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه .

أما طلاق السكران ، الآن اختلف الأمر ، ذهب جمهور الفقهاء إلى أن طلاق السكران يقع ، فلماذا ؟ نريد الدليل ، العقل مغذي ، يغذي الإنسان.

مرة أخ قال لي كلمة ، روى لي حديث شريف ، والحديث معروف وصحيح أنه :

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ "*                                                ( صحيح مسلم )

أي أن  لو قال الإنسان : لو أن الله عزَّ وجل تكرم علينا وخلاهم متكلبشين طول السنة ألا يريحنا بذلك ، طول السنة يا سيدي ودخلنا كلنا إلى الجنة ، وارتحنا من الوساوس ، ومن المعاصي والذنوب والآثام ، فلماذا فك قيدهم في شوال ؟ يا ربي خليهم مربطين ، هؤلاء الشياطين قد أهلكونا !! في شوال أفلتهم علينا ، إحدى عشر شهر فلتانين علينا وربطهم في شهر واحد  والحديث صحيح ، في فرق كبير بين أن تفسر حديث تفسير غير معقول ، وبين أن تفسر حديث تفسير معقول ، ما معنى إذا جاء رمضان صفدت الشياطين أي قيدت ؟

وقد ضربت مثالاً لذلك : إذ كان هناك محل لبيع الخمور ، ضمن حي فيه مئة شاب  وهؤلاء المئة شاب تابوا كلهم هذا المحل ألا يسكر هذا المحل ؟ فأنت حينما تتوب إلى الله   وحينما تغض البصر ، وحينما تؤدي زكاة مالك ، وحينما تقرأ القرآن ، وحينما ترضي الله  الشيطان لغيت له عمله ، وكأنك قيدته ، فيمكن أن يفسر الحديث تفسيراً غير معقول ، فترى أعداء الدين تخرمشوا وقالوا : كفى سخافة ، ولو قلت لهم: حديث صحيح ، يقولون : كيف هو  صحيح لا افهم فقد كانوا مربطين ، فيتركهم كما هم . معني الحديث أن الإنسان إذا تاب إلي الله عزَّ وجل قيَّد الشيطان حكماً . الآن أنت يمكن أن تذهب إلى بائع وتقول له : أغلق دكانك ، أو كأن تمسك الغلق وتنزله ، ويمكنك أن تمنع أحد أن يقف أمامه ، أول مرة أغلقته قهراً ، الثاني أغلقته حكماً  أليس كذلك ؟ إذا منعت أي إنسان أن يدخل إلى هذا المحل ، وعملت حرس على منافذ المحل التجاري ، فكأنك أغلقته حكماً  .

إذاً السكران لماذا يقع طلاقه ؟  لأنه سكر باختياره ، المكره ليس باختياره ، المكره واجه شخص معه سلاح قال له : احلف على زوجتك بالطلاق ، فحلف ونجي بحياته ، نقول طلاقه لا يقع على رأي جمهور الصحابة وعلى رأي الأئمة الثلاثة ، لكن طلاق السكران لماذا يقع لأن السكران اختار السُكر باختياره ، هو الذي اختاره ، لكن انظر لدقة العلماء .

بالمناسبة أي موضوع تسأل عنه مفتي ، أو عالم ، أو طالب علم، أحياناً أنا أبدأ بكلمة واحدة ، يسألني أحد سؤال ، فأقول له : هذا الموضوع خلافي ، ما معنى خلافي ؟ يعني يوجد علماء أجازوا ، ويوجد علماء منعوا، لهؤلاء أدلة ، ولهؤلاء أدلة ، فهذا الموضوع خِلافي ، وكل موضوع خِلافي، فيه بحبوحة ، أي إذا أخذت بالذين أجازوا ، معك الدليل ، وإذا أخذت بالذين منعوا ، معك الدليل ، وأية عبادةٍ ، أو أي سلوكٍ يغطيه أحد المذهب الأُصولية فهو صحيح عن علمٍ أو عن غير علم، إذاً حينما تسأل طالب علمٍ ، ويقول لك : هذا الموضوع خِلافي ، فانتبه ، إذا قال لك : خِلافي ، معناه فيه بحبوحة ، لهذا قيل : " الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ، إجتماعهم حُجةٌ قاطعة " ، يعني أحياناً في كتب الفقه يقول لك : " ما اتفق عليه الأئمة الأربعة " ، وهذا شيء خطير جداً ، أربع علماء اتفقوا على شيء ، وأحياناً يقول لك : " في الموضوع خلافٌ على تفصيل المذهب " ، إذاً صار هذا موضوع خِلافي ، طلاق السكران الجمهور ، ليس جمهور الناس بل جمهور الفقهاء ، لأن الله عزّ وجل قال :

    

( سورة الأنعام : آية " 116 " )

هذا يقول لك أنا مع الناس ، معناه على ضلال ، مرة عالم كان بحضرة خليفة  والخليفة مختلف مع عالم آخر على قضية ، فجاء بهذا العالم الثاني وجعله حكماً ، وقال له : ما قولك ؟ هنا خليفة ، وهنا عالم ، قال له : الأكثرون مع رأيك يا سيدي ، لم ينتبه وفرح الخليفة أنه على حق، فلما خرج قال له : يعني على باطل ، قال له كيف ؟ قال له ألم يقل الله عزّ وجل :

الأكثرية معك يا سيدي ، معناه ليس على حق ، على كلٍ ، طلاق السكران   الجمهور على أن طلاق السكران يقع ، لأنه تسبب بإدخال الفساد على عقله  بإرادته ، فأحياناً الإنسان يفعل الشيء بإرادته ، الآن كل شيء نتج عن هذه الإرادة يتحملها ، لو فرضنا قال لك : ابق هذا الجهاز مشتعلاً طوال الليل ، اختار ، نصحوه ، قال له : لا ، أصبح  في البيت حريق وهو المسئول ، نتج حريقاً لإبقاء الجهاز مشتعل ، الحريق من نتائج اختياره ، يا أخي : أنا اخترت إبقاءه فقط مشتعل ، لا ، وعليك أن تتحمل نتائج اختيارك ، فطلاق السكران جمهور الفقهاء على أنه يقع، قال : " وقال قومٌ لا يقع ، لأنه لهوٌ لا عبرة به ، لأن السكران والمجنون سواء، إذ أن كلٍ منهما فاقد العقل الذي هو مناط التكليف ، ولأنه سبحانه يقول :

( سورة النساء : آية " 43 " )

معناها السكران لا يعلم ما يقول " ، الآن سؤال وهو محرج : السكران لا يعلم ما يقول ، إذاً الذي يصلي ولا يعلم ما يقول ؟ في حكم السكران ، السكران الذي لا يعلم ما يقول  والذي لا يعلم ما يقول ولا يشرب الخمر ، فهو في حكم السكران ، لذلك :

( سورة الماعون )

قال أحد العلماء : " إن الله تفضل علينا بهذه الآية ، لو قال : والذين هم في صلاتهم ساهون ، لهلكنا جميعاً " .

أُنظر بين كلمة في ، وعن ، عن صلاتهم ساهون ، يوجد لوم كبير ، أما لو قال : في صلاتهم ساهون ، معناها أن الصلاة لا تقبل إلا لو كنت حاضر القلب مع الله ، وبعض الأئمة المتشددين قالول : "الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها ، لقوله تعالى :

( سورة المؤمنون )

يوجد رأي أنا رأيته وجيه ، يوجد عندنا مبدأ في القوانين ، أن الإنسان لا يُعاقب مرتين لذنبٍ واحد ، بينما السكران إذا ضبط متلبساً بالسُكر ، يُعاقب بأن يُجلد ثمانين جلدة ، أليس كذلك ؟ نعاقبه مرتين ، مرةً بجلده ثمانين جلدة ، ومرةً بأن يقع طلاق امرأته منه ، يكون قد عاقبناه مرتين ، لأنه وهو ينطق يمين الطلاق سكران ، لا يعلم ما يقول ، نحن سوف نعاقبه على سُكره بثمانين جلدة ، وفوق ذلك نعاقبه مرةً ثانية بتطليق امرأته منه ؟! هذا رأي آخر .

لاحظتم كيف أن طلاق السكران موضوع خِلافي ، ما معنى خِلافي؟ يعني يوجد علماء قالوا بشيء ومعهم أدلتهم ، وعلماء قالوا بشيء ومعهم أدلتهم ، إذاً هو موضوع خِلافي  ومعنى موضوع خِلافي ، نحن في بحبوحة، لنا أن نقلد هذا العالم فنوقع طلاق السكران ، ولنا ألا نقلد ، نقلد هذا العالم مع أدلته فلا يقع طلاقه ، أحياناً نستأنس بالقوانين النافذة في الأحوال الشخصية ، قانون الأحوال الشخصية مستنبط من الفقه ، أساساً القانون المدني ، أساسه من الفقه.

وأزيد عليكم ، أن القانون الفرنسي مأخوذٌ من الفقه الحنفي ، عندما كان نابليون في مصر وجد موسوعات فقهية كبيرة جداً كلها ترجمت ، هناك قوانين يُعمل بها في بلاد الغرب أساسها إسلامي ، وهم لا يدرون عن ذلك شيئاً ، لأن هذا تشريع إلهي فيه دقة بالغة ، بقانون الأحوال الشخصية لا يقع طلاق السكران والمُكره .

وأنا أنصح كل إخواننا الكرام إذا سُئِلوا ، إفتى لنفسك بأشد الفتاوى ، وافتي للآخرين بأيسرها ، العكس لا يليق بالمؤمن ، فيوجد أشخاص يعطون لأنفسهم كل الرُّخص ، ويلزمون الناس بكل العزائم ، الأكمل أن تلزم نفسك بكل العزائم ، وأن تعطي الناس الرخص تيسيراً لهم  الآن لو سألت مئة شخص ، يقولون له : لماذا يا أخي لا تديرها حنبلية ، لماذا فهل كان المذهب الحنبلي صعباً ؟ الآن أصبح حنبلي يقول لك ، لا تديرها حنبلية ، يا ترى هذا الكلام ما أصله   هل تصدقون أن أهون مذهب هو الحنبلي ؟ إذاً من أين جاء هذا الكلام ؟ قال : لأن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان يأخذ نفسه بالعزائم ، يعني كان شديداً على نفسه فقط ، أما في الفتاوى كان ييسر ولا يُعسر ، يسدد ويقارب ، يبشِّر ولا يُنفر ، أحياناً الإنسان يكون المفتي بحاجة إلى حكمة بالغة ، أحياناً يجيء لك سؤال ، السائل لا يقصد الزواج ، يقصد شيء آخر ، ففي مفتي وفي مرشد ، وفي حكيم ، وفي مربي .

طبعاً طلاق السكران قلما يأتيني هذا الموضوع ، والمُكره هذه حالة نادرة الآن ، أن يجيئوا بشخص ، ويكتفوه ويأمروه : طلق زوجتك، والله لم أسمعها ، هذه قليلة يعني ، لكن أكثر سؤال كان يجيء لي ، أكثر سؤال يكاد يكون بالمئة مئة ، طلاق الغضبان ، والغضبان مثل المطاطة، لم أسمع أحد طلق امرأته إلا وقال : كنت غضبان ، أرجوك أي غضب هذا  ؟ طلاق الغضبان موضوع دقيق جداً ، وله تفصيلات كثيرة جداً قد لا يتسع هذا الدرس لها وحدها .

أولاً الغضبان الذي لا يقع طلاقه هو إنسان لا يدري ما يقول ، ولا يدري ما يصدر عنه ، مثل هذا الغضبان لا يقع طلاقه لأنه مسلوب الإرادة، وقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال :

" لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ " *

كأن الغضب يُغلق على الإنسان فكره ، يقول لك : " إنعمى قلبي ، لم أعرف ماذا حكيت ، لم أرى بعيوني " ، هذه كلمات العوام ، العلماء زخرفوها ، قالوا : " الغضبان الذي لا يقع طلاقه ، هو لا يعرف السماء من الأرض ، ولا الطول من العرض "

تقول له : أين السماء ؟ يقول لك : هذه السماء ، لكن يوجد واحد حزين وواعي  يقول : هذه السماء . حتى يقع طلاقه ، أما هو فعلاً يعرف أين السماء ، الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض . هذا هو الغضبان الذي لا يقع طلاقه ، بل إن كل عملٍ يفعله الغضبان إذا كان القانون يحاسبه عليه ، فطلاقه يقع . قال : " وحقيقة الإغلاق أن يُغلق على الرجل قلبه ، فلا يقصد الكلام ولا يعلم به ، كأنه إنغلق عليه قصده وإرادته " ، هذا الإنسان   بهذه الظروف ، نقول له : أنت غضبان ، وغضبك لا يقع ، وقد انطبق عليك قول النبي عليه الصلاة والسلام : " لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ " *

الآن إذا كان الغضب سبباً في أن يزول العقل كليةً فلا يشعر صاحبه بما قال ، هذا لا يقع طلاقه بإجماع العلماء ، ليس فيه خلاف ، أما إذا كان في أوائل الغضب ، قال : هذا يعرف الغضبان في أوائل الغضب ماذا يقول، ويعرف مؤدَّى كلامه ، قال : " هذا يقع طلاقه بلا نزاع أيضاً " أين الخِلاف إذاً ؟ أين العلماء اختلفوا ؟ قال : " هو الذي يغضب ، ويستحكم به الغضب  ويشتد به الغضب ، لكن لا يزول عقله كليةً ، لكن يحول بينه وبين نيته ، بحيث يندم على ما فرَّط ، إذا زاد فهذا محل نظر " ، في البدايات وأنت واعي ، العلماء اتفقوا على أن الطلاق يقع  وفي النهايات ، العلماء اتفقوا على أن الطلاق لا يقع ، لكن إذا اشتد بك الغضب ، وندمت على ما فعلت ، وفي أثناء الغضب ما نويت على الذي وقع منك ، فهذه الحالة والوسطى ، هذه محل نزاعٍ وخلافٍ بين العلماء .

الأفضل من هذا كله ألا تغضب ، وألا تُطلِّق ، والله من أعماقي أقول لكم ، إخواننا كلهم المؤمنون الطيبين ، موضوع الطلاق يجب ألا يرِد إطلاقاً ما دام هناك ثقة في الزوجة ، وما دام الزوجة جملةً مقبولة ، فكل شيء مقبول جملةً لا تفصيلاً ، فلا يوجد امرأة كاملة ، ولا يوجد زوج كامل، والنبيّ الكريم قال :

" لا يفرك مؤمن مؤمنةً ، إذا كره خلقاً رضي منها خلقاً آخر "

لكن حينما تكون المرأة مقبولةً جملةً لا تفصيلاً ، انتهى الأمر ، يجب أن تنزع من نفسك موضوع الطلاق كلياً .

الآن طلاق الهازل والمُخطيء ، قال : " يرى جمهور الفقهاء أن طلاق الهازل يقع كما أن نِكاحه يصح " ، فقد روى الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي والحاكم ، عن أبي هريرة   أن النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول:

" ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ " *

فالبعض أحياناً يمزح ويقول : والله أنا ناوي أن أتزوج فلانة ، قاعد واحد فحكى إلى أُخته ، الأخت حكت إلى أُمها ، الأُم حكت للجارة ، الجارة حكت لبيت عمتها ، عمتها حكت لها بعد أسبوع ، فقالت لها : فلان يريد أن يأخذك ، وهي أجابت قائلة " والله على سلامته هذا الشاب والله معقول أن يأخذني ، أنا أقبل فيه والله ، لم يجيئها نوم أول ليلة من فرحها ، حكت إلى أُمها  فقالت لها الأم : والله جيد يا ابنتي ، والله نحن نتمنى ، والأم حكت إلى أبوها ، فقال الأب : عنده بيت ؟ والرجل كان يمزح ، النبي الكريم نهى عن أن يكون المِزاح في موضوع الزواج، فيه كسر خاطر ، فيه إساءة ، فيه إحباط شديد جداً ، والذي نبَّه عليه النبي عليه الصلاة والسلام " أن أخفوا الخِطبة "، لعل هذه الخِطبة لم تتم، أخفوا الخِطبة ، وأعلنوا النكاح ، النكاح معلن ، أما الخطبة  لكن الشيء الواقع الآن تلاقي كلمة إنحكت ، لم يبقى إنسان إلا وعرف أن فلان خاطب فلانة  الآن إذا كان الخِطبة لم تتم لماذا ؟ ماذا سمع عنها يا ترى؟ لماذا لم تعجبه ؟ يا ترى أخلاقها ليست جيدة؟ والناس يريدون أن يتسلوا ، ناقصهم معلومات ،  الآن يعتبوا لماذا لم تبلغونا أن خاطبين فلانة ؟ أنتم عرفتم دون أن نبلغكم ، كيف إذا بلغناكم ؟ فالسنة أن تُخفى الخِطبة ، وأن يُعلن النِكاح ، النكاح لو زمروا لا شيء عليهم ، لكن مخالفة للقوانين ، هذا بدلاً من الطبل والزمر :

   أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا

                               الحبة السوداء لم نأتي نناديكم

هكذا النبي علمهم ماذا يقولون ، معناها هذه العراضة ، وهذا التزمير ، هذه من السنة فلا شيء فيها ، زواج .

أنا مرة قلت لكم أن لي صديق قال لي : طرق باب بيتي الساعة الرابعة والنصف فجراً ، فاستغربت ، ففتحت لم أرى أحد ، فحانت مني نظرة نحو الأسفل فوجدت سك ، أعوذ بالله فتحه ، مولودٌ ولِدَ حديثاً ، عرفوا أنه صاحب دين ، هذا الطفل أغلب الظن أنه إبن زنا   وضعوه بهذه الحقيبة ، ووضعوه أمام بيته ، قفز إلى ذهني فجأةً ، أنه لو إنسان تزوج زواج شرعي  وزوجته حامل ، تجد أن الكل يهنئها ، ويخبرونها إن شاء الله تطلعي بصبي منه ، وتجدهم قد هيئوا الغرفة ، وهيئوا الأدوات ، وملابس المولود أحضروها " الديارة " ، والأُسرة كلها انشغلت والزوج فرح ، وبعد ذلك عندما ولدت ، صار الفرح ، والمباركة ، وجهزوا الكراوية ، وقدمت الهدايا ، وعملت مباركة للنساء ، ومباركة لهؤلاء ، شيء جميل جداً ، لأن هذا طريق مشروع .

أحياناً الواحد يذهب مع زوجته ومعه ابنه الصغير ، لا يستحي أمام الناس ، فهذه زوجته وهذا ابنه ، يفتخر ، بالعكس كثير يوجد أماكن إذا كان مع زوجتك أكمل ، يعدوا أنك إنسان محترم ، أنت مع زوجتك ، أما إذا امرأة ليست زوجته ، تجد قلبه مقطوع وهبط من الداخل لو أحد مشي وراءه شخص بصوت عالي تجدهم انتبهوا ، لأنها شغلة تهريب ، أما الأولى نظامية مثل المهرب نفس الشيء .

فطلاق الهازل ، وطلاق المُخطيء ، قال : هذا طلاقٌ يقع ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

" ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ " *

الرجعة ، إذا راجعها زوجها المُطلق ، وتوجد رواية : والعِتاق أي عتق العبد .

أنا أنصح إخواننا الكرام ، إذا كان شيء يترتب عليه نتائج خطيرة، لا يمزح فيه أبداً مثلاً عنده صانع فيقول له : أريد أن أُشاركك في المستقبل ، يظن أنه بذلك أنه يطيب له خاطره  فهذا الصانع ذكر ذلك إلى والده ، فالأب قال له : والله معقول يا ابني ، هذا الرجل آدمي، إذا كان دخلك شريك معه فهذا ممتاز ، الأب مشي في هذا الاتجاه ، وتكلم إلى زوجته وانبسطوا ، ابننا الحمد لله فلان سوف يشاركه ، لكن يا ترى بالجهد فقط أم بالمال يا ترى هل يريد مال ، نسأله أي شيء يحب ؟ المعلم فكره أنه يمزح مع هذا الصانع بأن قال له : أريد أن أعملك شريك بالمستقبل فكل أمر خطير ممنوع أن تمزح فيه إطلاقاً ، أولا إذا لم يكن عندك استعداد أن تنفذ ، أصبح وعداً عليك له ، ووعد الحر دين ، وإن لم تنفذ ، عملت له إحباط ، عملت له صدمة ، الآن كثير من الأمراض النفسية أساسها صدمة شديدة ، لم يتحمل ، يصبح الإنسان معه انفصام في الشخصية الآن أكثر مرض شائع هو انفصام الشخصية ، قال واحد ذهب إلى طبيب نفسي ، قال له : تعمل لي انفصام شخصية ، قال له : لماذا ؟ والله ضايق خلقي لوحدي ، لكن هو أخطر مرض   فانفصام الشخصية أساسه صدمة ، أي منِّيته بشيء ولم يتحقق ، جعلته يطمع بشركة ولم تتحقق  أو بشراء بيت ولم تأمنه له .

الآن بعضهم قال : " وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وقوع طلاق الهازل "  وهؤلاء بالطبع قلة ، لقوله :

                                         

( سورة البقرة )

فعزم الطلاق ، يعني فكر ، وجمع ، وطرح ، وقسَّم ، وقال لازم أطلقها لم أعد أتحملها ، وما هو متأخرها ، أدِّبر نفسي ، أي كله دخل في نفسه ، فكر بمتأخِرها ، وفكر بالنتائج ، والمضاعفات ، وأخذ قرار بالطلاق قال :

يوجد أحاديث لطيفة جداً ، روى إبن عباس فيما رواه البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

" ... الطَّلاقُ عَنْ وَطَرٍ ... " *

إذاً طلاق الهازل يقع ، لأنه ينطبق عليه قول النبيّ :

" ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ " *

طلاق المخطيء ، الإنسان أحياناً يقول : زيد ويقصد عُبيد ، أحياناً الأم يكون ابنها اسمه أحمد ، تقول له : سعيد تعالى إلى هنا ، وتكون عينها على عينه ، ما حكم هذا ؟ خطأ هذا  هي أرادت أحمد وأخطأت باسمه ، فبعضهم قال : "طلاق المخطيء يقع " . وبعضهم قال : "إنه يقع قضاءً ولا يقع ديانةً ".

كيف هذه ، فهي دقيقة ؟ لو أردنا أحد من الناس لك معه مئة ألف، جاء إليك ودفعها لك ، وكاتب لك سند ، قال لك : أين السند ؟ والله ليس تحت يدي الآن ، يا أخي خلاص نحن قبضناهم منك ، فهل سنأكلهم عليك ، فاستحى وذهب ، توفى هذا الشخص ، حتى لا نسيء الظن فيه ، فتحوا أولاده خزانته فوجدوا سنداً بمئة ألف ، ذهبوا فأقاموا دعوة على هذا المدين ، يا أخي أنا دفعتهم لأبوكم ، نحن ليس لدينا علم بدفعهم ، نحن وجدنا سند بمئة ألف ، فقال : هذا عند الله بريء ، لكن القضاء يدينه أحياناً ، القضاء يجعله يدفعهم ، فنقول : هذا السند وقع قضاءً ولم يقع ديانةً ، فهو عند الله بريء .

قال : طلاق المخطيء وقع قضاءً ، وعند الله هذه زوجته وهي حلالٌ له ، أما لو عرضت الأمر على قاضي ، أو على مفتي ، وقع الطلاق لوجود اللفظ ، وهناك شيء يشبهه  واحد ذهب إلى أوربا قال : والله أنا آخذ لي واحدة لفترة سنتين أو ثلاثة بدلاً من أكون وحيداً   أخذ لي واحدة وهذا الأمر هنا سهل ، فكلهم يعرضون أنفسهم ، وأنا سأتزوجها زواج شرعي ، أنا لا أريد أن أرتكب الحرام ، أقوم بعمل زواج ثلاث سنوات أثناء دراستي ، ذهب إلى المركز الإسلامي وجد فيه  فقيه وعالم وخطيب ، هذا العمل حرام في الإسلام  ولكنه لم يقل : زواج موقَّت ، بل قال : أنا أريد أن أتزوج زواج إسلامي ، وجرت مراسم الزواج ، إيجاب ، وقبول  ومهر ، وشاهدا عدل ، ماذا يقول له الخطيب أو الإمام أو الشيخ ، ليس عنده غير الظاهر ، ليس عنده إمكانية أن يعرف بواطن هذا الشاب ، بالظاهر أنه اختارها زوجةٌ لها ، وهي وافقت ، أجاب وقبلت ، وأجابت وقبل ، ولها ولي وأتي معها أبوها ، والمهر مسمى ،  معجل ومؤجل ، وفي شاهدان وأخذ توقيعهم وهوياتهم ، هذا الزواج وقع قضاءً ولا شيء عليه ، لكن ديانةً ؟ يا لطيف  هذا ديانةً باطل لأنه نوى التوقيت ، والزواج على التأبيد ، في رأي جمهور العلماء، فأحياناً تفرق بين ما وقع قضاءً وما وقع ديانةً ، أنت قد تكون بريء أمام الله ، ولكنك لست بريئاً أمام الناس  لذلك العاقل والموفق يبحث عن براءته عند الله وعند الناس معاً ، هل عندكم شاهد من السيرة

النبي كان يمشي مع زوجته ، فقال له : " هذه زوجتي فلانة لأحد الصحابة ، فقال له أفيك نشك ؟ قال له : لئلا يدخل الشيطان بينكم ، هذه زوجتي ". هنا النبي جمع بين براءته أمام الله ، وبراءته أمام الناس.

إذاً لا يكفي أن تكون عند الله بريء ، الآن لاحظ أن أكثر إخواننا يكون هو صافي النية مع الله مستقيم ، لكن أهمل مظاهر ، هذه المظاهر جعلته مداناً عند الناس ، لهذا يقول الإمام علي كرم الله وجهه : " من دخل مداخل التهم فلا يلومنَّ إلا نفسه " .

جلست عند رفيقك ، عنده محل قال لك : سوف أصلي العصر وأرجع ، خليك في المحل جالس ، قلت له : حاضر ، وفتحت الدرج فوجدت أوراق نقدية ذات الخمسمئة والمئة  وأنت تتسلى ، والله أنا معي خمسمائة سأصرف هذه الخمسمائة ، فسحبت عدداً من الأوراق ذات الخمسمئة ، وعديتهم ، ووضعتهم في جيبتك ، أو بالعكس أكمل ، طلعت الخمسمئة وضعتها في الدرج ، وسحبت خمسمئة خمس قطع ، ودخل صديقك ، أنت عند الله بريء ، لكن عنده أصبحت غير بريئاً ، لذلك إجهد أن تكون عند الله وعند الناس بريئاً ، فكلمة النبي : هذه زوجتي والله أيها الإخوة ، هذا الموقف لرسول الله ، يحمل عليه مئة مئة ألف حالة .

عليك دين ، فتقول : " أخي طلعنا خلاص " لست بريء عنده ، عند الله بريء   طلعت معه خلاص ؟ لكنه شك ، فقال في نفسه : لي معه ثلاثة آلاف ، وكل هذا العمل تكلف ألف ليرة  فكيف تقول خلاص ؟ الرجل أسعاره من عشر سنوات ولا يعرف ، أحياناً شخص يكون معمر بيت من عشرين سنة ، بعيد عن جو السوق ، هذه يكفي فقط دفع خمسة ليرات فيها   وتكون أصبحت سعرها خمسمئة ليرة ، تعتقد أن هذه سعرها خمسة آلاف ، ويكون ثمنها أصبح ثمانية آلاف ، فإذا شخص بعيد عن جو الأسعار ، أخي: أنا لي عنده مبلغ فقال لي : طلعنا خلاص ، أنت عند الله بريء ، لكن عنده لست بريء قال :

" رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه " .

فأنت لو كنت بريء هذا لا يكفي ، فالعوام يقولون : " انطر قفاك " أما باللغة النبوية    " رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه "

مرة قال لي أخ : في بياع أحذية في سوق مغلق ، وفي آخره في سينما ، وهو مدرس ، وأن هذا البائع متقن جداً ، فلا يوجد حذاء مثل صنعته ، فقال له كلمة أنا والله أعجبتني : مهما كان متقن ، مهما كان رخيص ، دخولي لهذا المكان أمام طلابي فيه مظنة أن يقولوا : أستاذنا دخل إلى سينما ، أنما هو دخل إلى محل لكي يشتري حذاء ، لكن هذا المدخل فيه شبهة  لهذا لا تضع نفسك موضوع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك ، هذه قاعدة في الحياة مأخوذة من هذه زوجتي .

قال : ما يقع به الطلاق ، في عندنا طلاق باللفظ ، فالعلماء اجتمعوا على ثلاث ألفاظ للطلاق : الطلاق ، والفراق ، والسراح ، إذا قال : فارقتك ، أو طلقتك ، أو سرَّحتك سراحاً جميلاً ، هذا الطلاق وقع، ولا يلتفت إلى نية المطلِّق ، أما أي لفظ آخر يحتاج إلى نية .

مثلاً ، من كنايات الطلاق ، لو قال لها : أمرك بيدك ، قالت له : ماذا نطبخ اليوم ؟ قال لها : أمرك بيدك ، معنى ذلك أنها لم تطلق زوجتك ، أنت قاصد أنها هي حرة في اختيار نوع الطبخة ، الثلاجة كلها يوجد في الفريز كل شيء ولحمة عندك ، أمرك بيدك ، أما لو قال لها هذه الكلمة وفي نيته أن يُطلقها أصبحت طالق ، إذاً الكناية تحتاج إلى نية، أما كلمة طلقتك ، وكلمة سرحتك ، وكلمة فارقتك ، هذه الكلمات الثلاث تقع بلا نية ، هذه أمرك بيدك ، لو قال لها : أنت عليّ حرام ، تحتمل أنه طلاق ، أو أنه حرامٌ إيذائها ، أي إن شاء الله حرام أُؤذيك ، أنت عليّ حرام تعني أنه طلاق بالكناية يحتاج إلى نية ، قالت له : والله إن أبي مريض ، قال لها : إلحقي بأهلك . هذا ليس طلاق ، أما لو أراد من هذا طلاق فهو طلاق ، الحقي بأهلك ، أمرك بيدك   أنت عليّ حرام ، هذه كلها كناياتٌ لا يقع بها طلاقٌ إلا إذا توافرت لها نية التطليق، أما طلاق  وفِراق ، وتسريح ، هذه كلماتٌ صريحةٌ فلو تلفظ بها الإنسان وقع الطلاق ، لا تعلق مع المفتين  ابعد عن الطلاق ، وعن كلمة فراق، وعن كلمة سراح ، وعن كلمة طلاق ، أفضل .

من باب الطرفة كنت أقول لواحد يسألني عن الطلاق أقول له : يعني أنت تريدها  يقول لي : نعم والله . إذاً فلان يفتيها لك ، وإذا لا تريدها اذهب لفلان يقول لك طلقت . فكثيراً يوجد اتجاهات متعددة ، فأنت أريح لك مادام جملةً مقبولة ، فعليك أن تبتعد عن هذا كله .

سؤال : النبيّ طلق ؟ طلَّق امرأة واحدة ، لأنها ضعيفة التفكير إلى درجة غير معقولة إخوتها نصحوها أنها حينما تلتقي بالنبي ، قيل لها : قولي له أعوذ بالله منك ، فلما قالت للنبي هذا الكلام ، قال : عُذتِ بعظيم إلحقي بأهلك . فستصبح مبلغة للدين ، وليس موضوع مزاجي ،  فهو موضوع خطير جداً ، هذه أُم المؤمنين ، يقول لك مثلاً : روى فلان عن أُم المؤمنين ابنة الجول اسمها ، مادام تفكيرها ضعيف إلى درجة أنها لم تفكر فيما قيل لها ، والنبيّ سيد العالمين ، أعوذ بالله منك ، قال لها : إلحقي بأهلك لقد عُذتِ بعظيم ، معك حق لكن إلحقي بأهلك ، ليس لي معك شغل ، ليس لك عندي نصيب إطلاقاً ، هذا طلاق بالكناية لكن النبيّ ماذا قصد به ؟ قصد الفِراق .

وسيدنا كعب بن مالك عندما النبيّ الكريم أمر امرأته أن تعتزله فقال: أُطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها فلا تقربنها ، فقال لامرأته: إلحقي بأهلك ، فهل طلقها يا ترى ؟ لم يطلقها سيدنا كعب لأنه قال لها : اذهبي إلى بيت أهلك .

فأحياناً إخواننا أسمع منهم قصة غريبة ، كأن يكون أعصابه متوترة كثيراً ، والأمر متفجر فيقول لزوجته : غيبي يومين عند أهلك ولا شيء عليك ، زيارة أنا بعد يومين بروق ، لا ترضى ، تظل مصممة حتى يُطلقها، هذه القصة أسمعها كثير ، يعني إذا كان الجو توتر الإنسان إذا غضب يجلس ، إذا غضب يتوضأ ، إذا غضب يسكت ، إذا غضب يخرج من البيت ، فأحياناً يكون الجو متوتر متفجر ، فإذا الإنسان ركب رأسه ، وأصر على ما هو عليه ، قد يودي الأمر إلى وضع لا تُحمد عُقباه .

والأحناف يرون أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق بالنية ، وأنه يقع بها أيضاً بدلالة الحال ، فأشد المذاهب بالطلاق الأحناف ، فإذا كان أحد وقع في مشكلة ، وذهب إلى بعض المُفتين المتشددين والمتعصبين لحنفيتهم ، الجواب معروف قبل إن يذهب إليهم ، أي حتى لو دلالة الحال فإذا كان بينهم شِجار وقال لها : إلحقي بأهلك ، هذا طلاق عند الأحناف ، مادام على أثر شِجار  قال لها : إلحقي بأهلك ، نحن نقول له ماذا نويت ؟ لعله نوى أن تكف مغيب يومين ، لا يريد أن يطلقها ، أما عند الأحناف مادام يوجد شِجار وقال لها : إلحقي بأهلك ، أصبحت طالقة منه   ونحن أحناف طبعاً ، لكن يوجد الأحناف المتعصبين لحنفيتهم الذين يرفضون أي اجتهاد آخر .

والله يوجد موضوعات مهمة جداً ، إن شاء الله نتابع الحديث في درسٍ آخر ، وآخر موضوع صغير الطلاق بالكتابة ، الطلاق يقع بالكتابة ، لكن لا يقع إلا في حالتين ، إذا نُصب الطلاق إلى زوجة المطلق ، ووجهت رسالة إليها ، إلى زوجتي فلانة : طلقتك بالثلاث ، هذا الطلاق يقع لأنه كتابةً ، أي مكتوب والزوجة مضافة للزوج ، والرسالة موجهة إلى الزوجة  والآن هذا يفعله بعضهم ، قال الأخرس أحياناً يقع طلاقه بالإشارة ، أحياناً الخُرسان لهم لغة خاصة ، قال : إلا أن الأخرس إذا كان يُحسن الكتابة وهو قادرٌ عليها طلاقه بالإشارة لا يقع لقدرته على أن يكتب كتابة ، والإشارة لغة غير واضحة ، أما الكتابة أوضح ، وأحياناً يقع الطلاق عن طريق الرسول ، أي يبعث واحد أي شخص إلى زوجته ، بلغ فلانة أنها طالق ، هذا الطلاق يقع أيضاً ، فإذا كنت تمزح  قول لها طالقة ، لا أريدها ، غضبان وطالع خُلقك قول لها : طلقتك لأخوها ، ذهب وقال لها : طلقك زوجك ، وقع الطلاق ، الطلاق وقع عن طريق رسول ، ويقع وكالةًُ ، إذا أحد عمل وكالة عامة فرضاً ، أحياناً يسأل اعمل وكالة عامة أريح لك ، عمل وكالة عامة ، لقى المحامي الزوجة معها خمسة ملايين ، يطلقها منه إذا أراد ، الوكالة العامة تطلق بها الزوجة ، فالوكالة العامة خطيرة أيضاً ، عن طريق الرسول تطلق المرأة ، وعن طريق الإشارة تطلق ، وعن طريق الكتابة تطلق ، وعن طريق الوكالة أيضاً تطلق .

توجد موضوعات نحن في حاجة إليها وسنتابعها في الدرس القادم، وكما قلت في أول الدرس ، الشباب يأخذوا احتياط ، والذين لم يتزوجوا الأمر دقيق جداً ، والمتزوجين وسعداء مع زوجاتهم هذه وقاية ، والغير سعداء علاج ، وإذا واحد ليس له علاقة بالموضوع إطلاقاً يتعرف إلى الله من خلال تشريعه .

 

والحمد لله رب العالمين

 

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi