English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس         :  3 / 4 ،  لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .

رقم الشريط    : 14 /501

تاريخ الشريط  : 27 / 12 / 1992

الموضوع      : الفقه الإسلامي : الطلاق :  التنجيز ، والتعليق ، والطلاق السني، والطلاق البدعي .

تفريغ المهندس: عبد العزيز كنج عثمان .

تنقيح أولي    :  المهندس غسان السراقبي ،  النص لم ينتهِ من التدقيق .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين  اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا  وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الأكارم ... لا زلنا في موضوع الطلاق ، وقد بينت لكم في دروسٍ سابقة أن حاجة المسلمين إلى الموضوعات الفقهية متفاوتة ، فهناك موضوعاتٌ تشتد الحاجة إليها  وكيف أشعر أنا أن هذه الموضوعات تشتد الحاجة إليها ؟ من عدد الأسئلة التي تطرح علي في الأسبوع ، فإذا طُرحت عليَّ عشرة أسئلةٍ ، فنصفها متعلقٌ بالطلاق ، وكنت أظن أن هذا يقع به الجهلة من الناس ، ولكن الشيء المؤسف هو أن رواد المساجد ، وطلاب العلم أحياناً ، في ساعة غضبٍ يحلفون بالطلاق وعندئذٍ يقعون في حرجٍ شديد ، فانطلاقي من اختيار هذا الموضوع هو أن الواقع يفرض علينا معالجته .

وفي شيء آخر سوف أوضحه إنشاء الله تعالى ، هو كيف أن الإنسان في كلِّ طورٍ من أطوار حياته هناك موضوعاتٌ يهتم بها ، فالشاب يهتم بتأمين مستقبله ، فكلُّ خواطره وكلُّ أفكاره ، واهتماماته منصبٌ على اختيار الفرع في الجامعة ، أو اختيار حرفته ، فإذا اختار حرفةً واستقر فيها ، تقفز إلى ساحة شعوره موضوع الزواج ، فإذا هو لسنواتٍ طويلة يبحث عن شروط الزوجة الصالحة ، ويبحث عن زوجةٍ صالحة ، وبعد الزواج يهتم بالأولاد ، يهتم بتعليم أولاده  وبتزويج بناته، ثم بعد ذلك يهتم بصحته كثيراً ، فهذه الآلة قد تعبت ، عندئذٍ إلى العناية بصحته وما إلى ذلك ، لماذا في كل طورٍ من أطوار حياته يهتم بموضوع ؟

أما في موضوع الدين هناك طوران ليسا متمايزين لكنهما متداخلين، طور معرفة الله وطور معرفة شرعه ، كيف ؟ إنسان في الصحراء تائه ، صحراء موحشة ، قاحلة جرداء ، لا ماء ولا نبات ولا طعام ، بل وحوش مفترسة ، أخطار ، بردٌ مميت ، حرٌ مميت ، عطشٌ مميت  وفي بهذه الصحراء واحة فيها كلُّ شيء ، فيها الماء العذب النمير ، فيها الطعام الوفير، فيها البيت المريح ، فالداعية إن رأى شخصاً تائهاً في الصحراء ليس من الحكمة أن يتحدث له عن تفاصيل القصر ، من الحكمة أن يدعوه إلى القصر ، اذهب إلى هذه الواحة ؟ فإذا دخل هذه الواحة وذاك القصر ، الآن ممكن أن تحدثه عن التفاصيل ، هذا البناء ، وعن أماكن الراحة ، وأماكن الطعام  وأماكن الاستجمام ، وأماكن اللعب ، وأماكن المطالعة ، ففي كل مرحلة هناك موضوعٌ يجب أن تهتم به .

فالإنسان قبل أن يعرف الله عزَّ وجل ، لا يعنى بدقائق التشريع ، لا يعنى بدقائق الفقه هو في وادي والفقه في وادٍ آخر ، هو شارد ، ضائع ، متحيِّر ، مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، إذاً موضوع الدعوة إلى الله في طورٍ من أطوار حياة الإنسان يجب أن يتجه إلى تعريفه بالله ، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن المؤمن إذا عرف الله ، الآن ينشأ عنده حاجة ملحة في معرفة أمره ، استقرت نفسه ، آمن بالله ، وإن كان الإيمان ليس له حدٌ ، له بداية  وليس له نهاية ، ولكن هذا المؤمن بلغ من الإيمان درجةً استقرت نفسه بها ، استقرت نفسه  ارتاحت نفسه ، عرف أنه لا إله إلا الله ، عرف وحدانية الله عزَّ وجل ، عرف كماله ، عرف وجوده ، فنحن في طور أن نبحث عن أمره ونهيه ، لذلك في البدايات النفس تتوق إلى معرفة الله بعد أن تعرف جانباً من عظمته تتوق النفس إلى أن تعرف أمره ونهيه ، فأرجو الله سبحانه تعالى أن يكون أكثركم قد تجاوز مرحلة معرفة الله عزَّ وجل، لا بمعنى أنه قد أحاط ، لا يعرف الله إلا الله، ولا طرف ولكن استقرت نفسه ، أي اطمأن بالإيمان ، إيمانه أصبح ثابتاً ، حمله إيمانه على طاعة الله عزَّ وجل ، الآن هو في مجال معرفة الأمر والنهي .

فنحن في الطلاق ، تحدثنا في الدرس الماضي عن الطلاق بالكتابة ، والطلاق عن طريق الرسول ، وطلاق الأخرس ، وعن موضوعاتٍ أخرى، وعن ألفاظ الطلاق الصريحة  وعن ألفاظ الكناية في الطلاق ، وتحدثنا عن حكم الطلاق العام والخاص ، واليوم نتحدث عن موضوعاتٍ مهمة في الطلاق ، التنجيز ، والتعليق ، والطلاق السني، والطلاق البدعي ، وهذان الموضوعان من أهم موضوعات الطلاق .

فالطلاق أيها الإخوة ... قد يقول قائل : أنا وزوجتي متفاهمان تماماً، ما شأني وهذا الموضوع ؟ أقول لكم أيها الإخوة الأكارم : يمكن أن تعرف الله من خلال خلقه ، ويمكن أن تعرفه من خلال تشريعه ، ويمكن أن تعرفه من خلال أفعاله ، أفعاله تدل عليه ، وتشريعه يدل عليه، وخلقه يدل عليه، فإن لم تستخدم هذا الموضوع ، إن لم تكن بحاجةٍ إلى أن تطلق ، فأنت بحاجةٍ إلى أن تعرف .

فهناك طلاقٌ منجز ، الصيغة المنجزة أن يقول الرجل لامرأته : أنت طالق ، هذا الطلاق ليس متعلقاً لا بزمن ولا بشرط ، هذا الطلاق المنجز ، ليس معلقاً على شرط ، وليس مضافاً إلى زمن ، بل قصد الذي لفظه أن يقع الطلاق في الحال ، كأن يقول الزوج لزوجته : أنت طالق ، وبهذا القول تكون قد طلقت ، وهذا أخطر أنواع الطلاق .

لكن الطلاق الآخر هو الطلاق المعلَّق ، أي أن الزوج جعل وقوع الطلاق معلقاً على شرط ، فإن ذهبت إلى مكان كذا فأنت طالق ، إن ذهبتِ إلى بيت أختك فلانة فأنت طالق ، إن خرجتِ من البيت قبل مضي شهرٍ فأنت طالق ، إن فعلتِ كذا فأنت طالق ، هذا طلاقٌ معلق  الطلاق المنجز يقول : أنت طالق ، لم يُعلِّق الطلاق على شرط ، ولم يضفه إلى زمن ، أما الطلاق المعلق ، هو أن يجعل وقوع الطلاق مرتبطاً بشرطٍ ، أو مضافاً إلى زمنٍ .

قال : الطلاق المعلق له شروطٌ ثلاثة ، أول شرط أن يكون الشرط الذي علَّقه به معدوماً ، إن قال لزوجته : إن طلعت الشمس فأنت طالق ، والشمس طالعة ، هذا الطلاق ليس له معنى ، يجب أن يكون الشرط معدوماً حين التلفظ بالطلاق .

لو فرضنا شخص قال لامرأته : إذا جاء رمضان فأنت طالق ونحن في رمضان  فقال بعض العلماء : هذا الطلاق لا يقع ، لأن الشرط لم يكن وقت التلفُّظ به معدوماً ، وبعضهم قال : يقع ، هو طلاقٌ منجز في صيغة طلاقٍ معلق .

ويوجد عندنا شيء آخر ، الشرط إذا كان مستحيل ، فهذا الطلاق يعد لغواً ، واحد قال : إن دخل هذا الجمل في سم الخياط فأنت طالق ، مع أن القرآن الكريم ذكر هذا الشرط :

( سورة الأعراف )

وقد حيرت هذه الآية العلماء ، والحقيقة القضية سهلة جداً ، هذه صورة رمزية ، أي أن هذا الإنسان المتكبر ، الذي هو كالجمل ، لا تُفَتَّح له أبواب السماء ، ولا يسمح الله له بالإقبال عليه ، ولا يتجلى على قلبه ، حتى يخرج من كبره ، ومن بعبعته ، ومن تطاوله ، ومن شعوره بالتفوق ، فإذا صغر وصغر وصغر ، وانكمش وصغر وصغر حتى أمكنه أن يدخل في سم الخياط عندئذٍ تفتح له أبواب السماء ، عندئذٍ يتجلى الله على قلبه ، عندئذٍ يكشف الله عن بصيرته   فنحن في الآية الكريمة هكذا فسرها المفسرون ، ليس شرطاً تعجيزياً ولكنه شرطٌ متعلقٌ بنفسية الإنسان فكلما كبرت نفسه ، ونظرت إلى نسبها أو حسبها أو غناها أو شكلها ، وكانت هذه النظرة المستعلية حجاباً بينه وبين الله عزَّ وجل .

الشرط الأول : أن يكون الشرط الذي علقت عليه الطلاق معدوماً حين إيقاع الطلاق فإن كان موجوداً ، أو كان مستحيلاً الطلاق لا يقع .

الشرط الثاني : أن تكون المرأة حين صدور العقد محلاً للطلاق بأن تكون في عصمته ، لو فرضناه قال : إن جاء رمضان فأنت طالق ، طلقها في شيء آخر جعلها تفترق عنه قبل رمضان ، إذاً يجب أن تكون محلاً للطلاق حين إيقاع الطلاق ، ويجب أن تكون محلاً للطلاق حين وقوع الشرط الزمني .

فأكثر الأسئلة التي تأتيني في الطلاق ، من الطلاق المُعلق ، لكن المنجز ، بحالات الغضب الشديد ، بحالات أن يرغب الزوج بمنع زوجته من فعلٍ ما ، أو حملها على فعلٍ ما  يستخدم الطلاق المعلق ، وفي حالات الغضب الشديد يستخدم الطلاق المنجز .

الآن التعليق قسمان ، القسم الأول يقصد به الحمل على الفعل أو الترك ، أي وكأنه يمين .

الآن أصبح الموضوع دقيق ، أحياناً تجد الإنسان يحب زوجته ويكره فراقها ، وهي تعجبه وهو يعجبها ، وهو سعيدٌ بها وسعيدةٌ به ، لكنه يكره أن تزور أختها ، لأن أختها كلما زارتها رجعت بوضعٍ لا يرضي ، رجعت متأففة_ً ، رجعت منتقدةً ، رجعت تحمل عليه ، رجعت تطالبة بما لا يطيق ، فقد تكون أخت بحالة مادية جيدة جداً ، وسيدنا عمر قال : " من دخل على الأغنياء ( طبعاً غير المؤمنين ) خرج من عندهم وهو على الله ساخط " ، فهذا الزوج والله معه حق ، كلما بعثها عند أختها ترجع متغيرة ، لم تكوني كذلك، ذهبت مبسوطة مسرورة ، ترجع تجدها حاطة العقدة ومنزعجة ، متبرمة من هذه العيشة ، لم تكوني تتكلمين بهذا الكلام  ، فالزوج انزعج ، فإذا به يحلف عليها يمين طلاق : أنك إذا ذهبت إلى بيت أختكِ فأنت طالق، هذا الذي يحصل أكثر الأسئلة بهذا الموضوع ، يكره الزوج بيتاً من البيوت، قد يكون أحد البيوت به غنى فاحش مع ضعف في الإيمان ، وفيه كبر واستعلاء ، فهذه المرأة الساذجة إذا ذهبت إلى هذا البيت تشعر أنها محرومة من كل شيء ، خرج من عندهم وهو على الله ساخط فقد ورد في سنن الترمذي :

"عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ" *

أحياناً تجد بيتاً متفلتاً من الدين ، النساء سافرات كاسيات عاريات مائلات مميلات  أجهزة لهو ، اختلاط ، لا يوجد فيه انضباط ، فهذه الزوجة تذهب إلى هذا البيت تعود متأثرة  إيمانها ضعيف ، كلمة تأخذها وكلمة تجيبها ، فهو كلما رآها ذهبت إلى هذا البيت انزعج ، لذلك وهذا من باب الإحصاء ، أكثر الأزواج يحلفون على زوجاتهم يمين طلاقٍ معلقٍ ، بألا يزرن زيداً أو عبيداً أو فلانة أو علانة أو بيت أختها ، أو بيت أمها ، إلى آخره ، لكنه يحبها وتحبه ، ويسعد بها وتسعد به ، ويكره فراقها كفراق دينه ، هذا طلاقٌ معلقٌ سماه العلماء طلاقاً قسمياً أي حينما حلف بالطلاق كأنه أقسم عليها ، ما أراد الطلاق إطلاقاً ، لكنه كأنه استخدم يميناً مغلظةً ، أي إن  فعلت كذا فأنت طالق .

ويوجد عندنا طلاق معلق من نوع آخر ، هذا الطلاق يقصد من تلفَّظ بالطلاق أن يقع الطلاق لو حصل هذا الشرط ، أي هو يضيِّق عليها حتى تبرؤه من متأخرها ، إن سامحتني في متأخرك فأنت طالق ، هذا طلاق ليس قسمياً ، إن ضبطك مع فلان ، نبهها مرة واثنين فأنت طالق إن دخل ابن عمك من دون إذنٍ مني فأنت طالق ، هذا من نوع آخر .

الطلاق المعلق ؛ طلاق قسمي ، وطلاق انجازي ، بمعنى إن وقع هذا الشرط ، فهو يريد أن يقع الطلاق .

رأي العلماء في هذين الموضوعين من الطلاق ، عند جمهور العلماء، هذان الطلاقان المعلقان الأول المقصود منه القسم ، والثاني المقصود منه الوقوع ، يقعان عند جمهور العلماء  وعند ابن حزمٍ يرى أنه لا يقع ، وعند بعض العلماء هناك تفصيلات فقال : " إن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين غير واقع ، وتجب فيه كفارة اليمين ، وهي إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " .

أما الطلاق الشرطي ، أي إن فعلتِ كذا فأنت طالق ، والزوج يريد أن يقع الطلاق إن فعلت كذا ، هذا رأي العلماء في موضوع الطلاق المعلق.

المحاكم في العالم الإسلامي أخذت بالرأي المعتدل ، وهو أن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين لا يقع ، وكفارته كفارة يمين ، وأما الطلاق الذي فيه معنى الشرط ، يقع ولو كان معلقاً ، فأصبح عندنا طلاق منجز وطلاق معلق ، الطلاق المنجز يقع فوراً ، والطلاق المعلق إن كان فيه معنى اليمين ، إن أراد بهذا الطلاق أن يحملها على فعلٍ ما ، وأن يمنعها من فعلٍ ما  وكان يكره فراقها كفراق دينه ، فإن هذا الطلاق لا يقع ، لأنه ما أراد الطلاق ، ولقول الله عزَّ وجل :

( سورة البقرة )

لكن في عندنا شيء آخر ، لو قال واحد لزوجته : إذا جاء عيد الأضحى فأنت طالق بعض العلماء قال : هذا ما فعله النبي أبداً ، فلا يوجد في السنة إطلاقاً طلاق مضاف للمستقبل  لذلك بعضهم قال : هذا لا يقع ، والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ، وهو من المتشددين جداً في موضوع الطلاق قال : يقع في الحال ، لو أضفت الطلاق إلى وقتٍ قادم، عند أبي حنيفة يقع في الحال ، وبعض العلماء قال : هذا الطلاق الذي أضيف إلى المستقبل ، يقع في وقت إضافته في المستقبل الذي يأتي ، هذا الطلاق المنجز ، والطلاق المعلق ، والمعلق نوعين ، نوع فيه معنى اليمين، ونوع فيه معنى الشرط .

الآن إلى الطلاق السني ، والطلاق البدعي ، الطلاق السني هو الطلاق الذي شرعه الله عزَّ وجل ، وبينه النبي عليه الصلاة والسلام ، فملخص الملخص ، أي أن الإنسان أحياناً يأتيه طور استثنائي ، يغضب يتألم ، يحزن ، في ساعة من ساعات الغضب لا يحب هذه الزوجة  يتمنى فراقها ، فربنا عزَّ وجل هو خالق الإنسان ، ويعرف طبيعته المتقلبة ، وطبيعته التي تنطلق في فورانٍ شديد ثم تهمد شيئاً فشيئاً ، فلئلا يذهب الأطفال ضحية هذا الأمر الذي ملكه الزوج  جعل الله سبحانه وتعالى الطلاق مرتان ، قال تعالى :

( سورة البقرة  : آية " 229 " )

فكل إنسان طلق في مرة واحدة زوجته ، ثلاثة مرات بمرة واحدة هذا طلاق بدعي  أراد الله عزَّ وجل وهو خالقنا ، في موضوع فصم هذه العلاقة الزوجية أن نتريَّث ، فأجمل آية في هذا الموضوع ، هي الآية التي يقول الله عزَّ وجل فيها :

( سورة الطلاق )

فهذه الآية لو نزعتها من سياقها ، لكتب عليها مجلدات :

أي أن من يتق الله في تجارته ، يجعل الله له مخرجاً من الأزمات الطاحنة التي تسحق التجَّار ، فقد يشتغل بعشرة أضعاف رأس ماله ، واشترى بضاعة بالدين ، وفي علاقات ربوية ، وفي مشكلات فتجده فلس ، فلو أنه اتقى الله في تجارته لما وقع في هذه الإشكال ، فالآية عجيبة ، عجيبة جداً .

واحد اتقى الله في اختيار زوجته ، اختارها من ذوات الدين ، فلا يوجد عنده مشكلة معها ، يجعل الله له مخرجاً من المآسي التي تصيب الأزواج الذين اختاروا زوجاتهم على أساسٍ آخر غير دينٍ .

إنسان اتقى أن يشرك بالله ، جعل الله له مخرجاً من خوف الشرك ، فأصبح لا يخاف فالآية عظيمة جداً يمكن أن يكتب عنها مجلدات ، لكن سبحان الله هذه الآية ، لو أعدتها إلى سياقها وهي حول الطلاق ، لو نزعتها من سياقها ، معانيها واسعةٌ جداً ، تنطبق على موضوع الشرك  والتوحيد ، والطاعة ، والمعصية ، واختيار العمل ، والزوجة ، والتوكل ، فهي واسعة جداً ، أي إيجاز غني كما يسمونه ، أما لو قرأتها في سياق آيات الطلاق ، لرأيتها متعلقةً بالطلاق ، أي ومن يتق الله في تطليق زوجته ، يجعل الله له مخرجاً إلى عودتها إليه ، طلقها طلاق سني في ساعة من ساعات الغضب ، أو أخذ قرار بتطليقها، طلقها طلاق سني طلقة واحدة ، هي في بيته ، تبقى عنده ثلاثة قروء ، غضب اليوم أعطيه رقم غضبه مئة ، فاض به الكيل ( سكَّر العداد ) غضبه ثاني يوم ( 99 ) ثالث يوم ( 98 ) بعدين ( 90 ) ، فتجده يقول: والله أنا تسرعت ، والله فهي ماشي حالها ، والله طبخها ظريف ، والله نظيفة ، والله أهلها جيدين ، فكل يوم يجد لها ميزة   أول يوم لا أريدك خلاص ، لا يريد أن يراها ، ثاني يوم وجد لها خمسة أو ستة ميزات ، تجد هذا العداد نزل ثم نزل ، كان ( مغلِّق ) بتعبير السائقين ، نزل ، أصبح ثمانين ، ستين ، خمسين  أربعين ، ثلاثين ، بعد جمعتين والله لماذا أنا فعلت هكذا بنفسي ؟ فهو طلق طلاق سني ، عال   إن قال لها: راجعتك ، انتهى الأمر ، لفظةٌ واحدة ، يا فلانة لقد راجعتك ، وفي بعض المذاهب إن وضع يده على يدها فقد راجعها ، فهو عندما طلق طلاق سني ، سهل جداً أن يسترجعها ، لا مهر ولا عقد ، سهل جداً أن يسترجعها، هذا معنى الآية :

 

لكن لو قال لها : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، أو طالقٌ بالثلاثة ، وكل ما يحللك شيخ يحرمك عشرة ، حاول أن تحلها ، لأنه خالف السنة ، فأصبح الطريق إلى إرجاعها صعباً جداً .

فلذلك الطلاق السني أنت لا تندم ، الآن قررت أن تطلقها ، لكن بعد أن  قررت خف الغضب ، العداد نزل ونزل ، بردت ، فلما ذهب عن موسى الغضب ، والله تطليقها فيه خطأ كبير عندك أولاد مثل الورد في البيت ، وهي ليس لها هذه الإساءة البالغة ، أنت طلقت طلاق سني  فهذا جيد ، راجعها حتى لو انقضت عدتها ، أول شهر ، وثاني شهر ، وثالث شهر، أو أول قرء  والثاني ، والثالث ، فإذا أرادت أن تغتسل من الحيضة الثالثة ، أول طاسة من الماء تضعها علي جسمها ، ملكت نفسها ، انتهت العدة ، فأسرع قبل أن تسكب على نفسها الطاسة الأولى ، فقد ملكت نفسها .

وأيضاً يمكن أن ترجع ، سهلة ، بعقدٍ جديد ، ومهرٍ جديد ، هذا التسلسل ، هذا السني صارت بينكما مشكلة ، حلفت عليها يمين طلاق، وقع الطلاق ، ولكن وقع طلقةٌ واحدة ، تمضي عدتها في بيتك ، ولها أن تتزين ، ولها أن تلبس ما تشاء ، ولها أن تتزين لك ، فإن لم تراجعها في هذه القروء الثلاثة ، أو في هذه الأشهر الثلاثة ، واغتسلت من الدورة الثالثة، ملكت نفسها  ومع ذلك بإمكانك أن تسترجعها بعقدٍ وبمهرٍ ، قد يكون المهر درهم من الفضة ممكن ، لكن الآن ملكت نفسها .

أيها الإخوة ... الفرق بين أن تراجعها في أيام عدتها ، وبين أن تعقد عليها عقداً جديداً بعد عدتها ، في فرق كبير جداً ، من يعرفه ؟ الفرق إذا انقضت عدتها ، العقد الذي ينعقد عليها بعد انقضاء عدتها من شروطه أن ترضى هي ، فإن لم ترض طارت من عندك وذهبت  أما إذا راجعتها قبل انقضاء عدتها ليس لها خيار ، إن طلقتها وراجعتها في أثناء العدة ، هل لها خيار في أن تقبل أو لا تقبل ؟ لا ليس لها خيار ، ولا في مهر ، ولا في عقد ، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها ، كلمة ملكت نفسها أي أن الأمر لها عائد ، إما أن توافق على أن تعود لك زوجة  وإما أن لا توافق ، فإن وافقت تأخذ مهر ، إن وافقت لا بدَّ من عقدٍ ومهر ، أما إن لم توافق ملكت نفسها وانتهى الأمر ، فهذا الكلام دقيق جداً ، فإن طلقت وهي في العدة لك أن تراجعها ، إذاً الله عزّ وجل قال :

( سورة البقرة : آية " 229 " )

فمن جعله مرة واحدة ، فهو طلاقٌ بدعي ، فالطلاق السني أي الذي تتبع فيه سنة رسول الله الطلاق مرتان ، وكيف إذاً الثالثة ؟

 

( سورة البقرة : آية " 229 " )

أما الطلاق البدعي ، ثلاث طلقات في طلقة واحدة ، في مجلس واحد، ولموضوعٍ واحد ، ولمشكلةٍ واحدة ، دقق في هذه الآيات :

المرة الأولى ، طلقت ، والعدة ، ودخلت في العدة ، وتبقى في بيتك، وتتزين لك   فإن ندمت على هذا التطليق ، لك أن تُراجعها ، فإن انقضت العدة ولم تراجعها لك أن تعيد العقد والمهر ، فإن قبلت استرجعتها ، ولك أن تُطلق مرةً ثانية ، تدخل في العدة ، ولك أن تراجعها وهي في العدة ، فإن انقضت عدتها تعقد عليها عقداً ثانياً ومهراً ثانياً وتسترجعها ، ولك أن تطلقها مرةً ثالثة ، لكن الثالثة ، ملكت نفسها ولا يحل لها أن تسترجعها حتى تنكح زوجاً آخر ، هذه هي المشكلة ، لكن سبحان الله .

في موضوع الزوج الآخر هناك حكمة رائعة جداً ، أحياناً المرأة تكون سيئة جداً  وتظن أن زوجها سيء ، فهذه لو طلقها زوجها الأول وتزوجها آخر ، والآخر كرهها إلى أن طلقها ثانيةً ، عندئذٍ توقن أنها هي السبب ، وأنها هي السيئة ، فزوجها الآخر محك للأول   وزجها الثاني إن كرهها كالأول فالعلة فيها ، وأنة أحبها فالعلة في زوجها الأول ، هذا مؤشر دقيق ، الزوج الثاني ، طلقها الأول ، وتزوجها الثاني ، إن كرهها الثاني ، فالعلة فيها ، وإن رضي بها ، فالعلة في زوجها الأول ، فأصبح زواجها الثاني مشعر يشعرك أن سبب الطلاق إن كان من الزوجة فالثاني سيطلقها ، وإن كان من الزوج فالثاني سيرضى بها .

مثل آخر : عندك في المحل موظف سيء جداً ، لكنه أوهم الناس أن معلمه ظالم ، يا أخي ليس عنده رحمة ، معاش قليل ، شغله كثير ، لا أحد يتحمله هذا المعلم ، لكن ماشي الحال  استقال ، فالموظف الذي أوهم الناس جميعاً أن الخطأ من المعلم ، هو السيئ ، هو الراتب قليل  فلما التحق بوظيفة أُخرى ، وشاهدوا أخطاءه ، وانحرافاته ، وتقصيراته ، وكسله ، صرفوه كذلك فإذا صرفته الشركة الثانية ، فالعلة في الموظف، أما إذا قبلته واستفادت منه جداً ، فالعلة في الأول .

موضوع دقيق جداً ، حكمة أنه لا يجوز أن تعود إلى زوجها الأول إلا بعد أن تنكح زوجاً آخر ، الزوج الآخر إن لم يطلقها ، فالعلة من زوجها الأول ، وينبغي ألا تعود إليه ، وإن طلقها الثاني ، فالعلة منها عندئذٍ لعلها تراجع نفسها ، وتصلح من نفسها ، الآية الثانية :

( سورة الطلاق : آية " 1 " )

يوجد عدة ، يجب أن تدخل في العدة ، أما لو قال لها : طلاق بالثلاث ، فلم يصبح هناك عدة ، لأنه في الثالثة لا يوجد عدة ، بالأولى يوجد عدة ، وبالثانية يوجد عدة ، أما بالثالثة لا يوجد عدة ، بالثالثة :

الثالثة بينونة كبرى ، أما لو أنك طلقتها أول تطليقة ، ودخلت في العدة ، وانقضت العدة ، ملكت نفسها ، فهذه بينونة صُغرى ، سميت صغرى لأنك تستعيدها من دون أن تحتاج أن تنكح زوجاً آخر ، لا بد من عقدٍ ومهرٍ جديدين ، هذه نقطة ، هذا هو نظام الطلاق السُني ، سوف نعيده بشكل مختصر .

طلق ، ودخلت في العدة ، يوجد اختيارين ، إما أن يراجعها وهي في العدة ، لا يدفع شيئاً ، ولا يعقد عقداً ، وليس لها أن ترفض ، ولا تحتاج إلى عقد ، ولا إلى مهر ، إن طلقتها في العدة بعد التطليقة الأولى، فإن انقضت العدة ملكت نفسها ، وأصبحت هي في الخيار ، فإن وافقت تعود إليك بعقدٍ ومهرٍ جديد ، الآن طلقتها تطليقةً ثانية ، ودخلت في العدة الثانية ، إن راجعتها في أثناء العدة عادت إليك بلا مهر وبلا عقد وبلا اختيار ، فإن انقضت العدة ملكت نفسها ، فإن قبلت أن تعود إليك فبعقدٍ جديد وبمهرٍ جديد، أما إن طلقتها التطليقة الثالثة ، فقد ملكت نفسها ولن تستطيع أن تسترجعها ، إلا أن تنكح زوجاً آخر ، والزوج الآخر هو الحل ، إن كانت هي السبب يطلقها الثاني ، وإن كنت أنت السبب ، الثاني لا يطلقها ، هذا الطلاق السُني ، مأخوذ من قوله تعالى :

والأريح من كل هذا ، إن كانت تعجبك جملةً مقبولة ، ماشي الحال بنت حلال ، أُم أولادك ، ألفتها وألفتك ، الأفضل أن تبتعد كلياً عن موضوع الطلاق ، الآية الثانية :

الآن مشكلتنا ، مشكلة المسلمين في الطلاق البدعي ، ما أنواع الطلاق البدعي   معنى الطلاق البدعي : أي طلاقٌ ابتدعه المسلمون خلافاً للشرع ، من هذا الطلاق ، كأن يطلقها ثلاثاً في مجلسٍ واحد ، إما ثلاث طلقات متفرقات في مجلس واحد ، أو أن يقول أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، أي رشاً ، هذا طلاقٌ بدعي .

الحالة الثانية أن يطلقها في حيض أو في نفاس ، هذا طلاق بدعي آخر ، لأن الطلاق السُني يجب أن تطلقها في طُهرٍ لم تمسها فيه بالضبط، فإن طلقتها في حيضٍ ، فهذا طلاقٌ بدعي وإن طلقتها في طُهرٍ مسستها فيه فهذا طلاقٌ بدعيٌ أيضاً .

أجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام ، أنت حينما تطلق ترتكب شيئاً محرماً  وأن فاعله آثم ، ومعنى حرام أي يُعاقب فاعله ، كل إنسان يطلق زوجته ثلاث تطليقات في آنٍ واحد فقد ارتكب حراماً ، وهو آثم وسوف يعاقب عند الله عزّ وجل .

 لكن السؤال الآن : الطلاق البدعي يقع ؟ هنا المشكلة ، حرام حرام، لا يوجد شك أنه حرام ، ولا يوجد شك أن فاعله آثم ، لكن السؤال هل يقع هذا الطلاق ؟ هذه قضيةٌ خلافية  هناك من ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع ، ثلاث تطليقات في واحدة بدعي ، طلقها في حيضٍ أو نفاسٍ بدعي ، طلقها في طهرٍ مسها فيه بدعي ، بعضهم ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع، من هؤلاء عبد الله بن معمر ، سعيد بن المسيب ، طاووس من أصحاب ابن عباس ، ابن عقيل من أئمة الحنابلة ، أئمة آل البيت ، الظاهرية ، أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد ، ابن تيمية  هؤلاء جميعاً يرون أن الطلاق البدعي لا يقع ، وبعضهم قال : يقع ولو أنه حرام .

يعني الطلاق البدعي موضوع خلافي بين العلماء ، بعضهم يوقعه ومعه أدلته  وبعضهم لا يوقعه ومعهم أدلته ، أي أنك دخلت في منطقة شك، ومنطقة قلق ، ومنطقة حيرة ، إن أردت أن تُطلق فطلق طلاقاً سُنياً ، والطلاق السني ميزته ، لك مخرجٌ أن تعيدها إليك :

( سورة الطلاق : آية " 2 " )

جمهور العلماء رأوا أن من يطلق ثلاث مرات في مجلس واحد هذا الطلاق يقع  ويرى بعضهم عدم وقوعه ، والذين رأوا وقوعه اختلفوا ، فقال بعضهم : " إنه يقع ثلاثاً مرة واحدة "، وقال بعضهم : " يقع مرةً واحدة ".

فكم اتجاه يوجد ؟ الطلاق ثلاثة في مرة واحدة ، بعضهم قال : لا يقع إطلاقاً   بعضهم قال : يقع ، والذين قالوا يقع انقسموا قسمين ، بعضهم قال : يقع ثلاث طلقات ، وبعضهم قال : يقع طلقةً واحدة .

يوجد عندنا شيء آخر ، أن هذه المرأة إن طلقها الإنسان ولم يراجعها ، لم يستعيدها فإذا طلقها تطليقةً ثانيةً قبل أن يراجعها التطليقة الثانية ، التطليقة الثانية لا تقع لأنه لم يتملكها  ليست محلاً للطلاق ، القضية دقيقة ، طلَّق أول مرة ودخلت في العدة ولم يراجعها ، الآن هي ليست زوجته ، هي زوجته في البيت ، لكن مطلقة ، مطلقة وهي في العدة ، فإن طلقها تطليقةً ثانية وهي في العدة ، قبل أن ينهي الأولى إرجاعاً أو إمضاءً ، فالطلقة الثانية لا تقع لأن الزوجة ليست محلاً للطلاق .

في رأي وهذا الرأي دقيق ، أسمعكم الآية التي اعتمد عليها أصحابها، هذا الرأي أن الطلاق يحتاج إلى شهود ، الآية الكريمة ، قال تعالى :

( سورة الطلاق : آية " 2 " )

فالأشهاد في عقد القِران وفي إنهاء العلاقة ، فإذا أضفنا إلى شرط الطلاق السُني أن يشهد عليه شاهدان ، أصبح الطلاق في المحكمة ، يعني إذا واحد من رأسه إلى رأسها في ساعة غضب يطلق ويضيع الأولاد ، يوجد رأي وهذا الرأي يراه الإمام عليُّ كرم الله وجهه ، والإمام جعفر الصادق ، قال : " من طلق بغير شهود فليس بشيء " .

هذا الرأي جيد ومنطقي ، أنه كيف تم هذا الزواج ؟ لم ينعقد العقد إلا بشاهدين   وهذا العقد لا ينفصم إلا بشاهدين ، والدليل :

إذاً لابد من أن يشهد ذوى عدلٍ على هذا الطلاق ، فالطلاق إذاً الذي لا يكون مع شاهدين طلاقٌ لا يقع ، في رأي الإمام سيدنا علي ، والإمام جعفر الباقر ، والإمام جعفر الصادق ، كل هؤلاء يرون أن هذا الطلاق لا يقع .

فالطلاق البدعي كملخص ، من يعد أنواع الطلاق البدعي ؟ ثلاث طلقات في مجلس واحد ، أو طلقها في حيضٍ أو نفاس ، أو في طُهرٍ مسها فيه ، أو طلقها ولم يراجعها ، فليست محلاً للطلاق ، أو طلقها من غير شهود ، أو اختلف مع شريكه ، قال له هذا الصوف بالمئة ثلاثين بولستر ، قاله : غلطان بالمئة ثمانين بولستر ، تشاجروا تعاركوا ، عليه بالطلاق أنه بالمئة ثلاثين بولستر ، فما ذنب الموجودة قاعدة في البيت ؟ التي عندها خمسة أولاد ، وشاطفة البيت ومنظفته ، وطابخة الطبخ ، ومرتبة نفسها ، ما ذنبها هذه ؟ قال هذا الطلاق أيضاً بدعي ، هذا يدخل في باب تأكيد الأيمان ، اختلفوا على موضوع فحلف بالطلاق .

فممكن أن نجمعهم ، ثلاث تطليقات في طلقة في مجلس واحد ، طلقها في حيضٍ أو نفاس ، طلقها في طهرٍ مسها فيه ، طلقها قبل أن يراجعها ، طلقها بلا شهود ، طلقها وهي ليست طرفاً في الموضوع ، ليس لها علاقة أبداً ، قاعدة في بيتها ، فهو قد اختلف مع شريكه ، هذه أنواع الطلاق البدعي ، هذه كلها محرمة ، وفاعلها آثم ، أما وقوعها فيه خلاف ، بعض العلماء أوقع هذا الطلاق البدعي ، وبعضه لم يوقع هذا الطلاق البدعي ، لذلك الإنسان يحتار إذا ذهب إلى بعض المفتين يصعق، هنا قال : طلقت نهائياً ، وهنا قال رجعها يا ابني ، عليك كفارة يمين  المسافة بينهما كبيرة كثير ، إن اتبعت الأول طلقت والأولاد شُرِدوا ، وإن اتبعت الثاني عليك كفارة يمين فقط ، فهذه المسافة الكبيرة في آراء العلماء في موضوع الطلاق أسبابها أن الطلاق البدعي بعضهم أوقعه ، وفي مقدمتهم الأحناف ، وهم من أشد المذاهب في موضوع الطلاق  والإمام ابن تيمية وابن قيم الجوزية هم الذين جعلوا الطلاق المعلق والطلاق البدعي لا يقع .

أصبح موضوع درسنا اليوم ، الطلاق المعلق والمنجز والبدعي والسني ، والأصح من هذا وذاك ، لا تطلق لا معلق ولا منجز ولا بدعي ولا سني ، أليس أريح هكذا ؟ يا أخي لا تتكلم معها جمعة ، عيط لا شيء عليك  ، أو أُخبط الباب ، لكن لا تطلق ، فالواحد أيام يعبر عن غضبه بأشياء كثيرة جداً ، أترك الطلاق يا أخي ، هذا الموضوع اتركه قليلاً ، لا تمر عند أهلها أنت ، حاربهم يا أخي لكن لا تطلقها ، لا تتكلم معها شهر لكن لا تطلقها ، شيء سهل ، لأنه إذا دخلت في الطلاق دخلت في الشك ، لأني أنا أُعاني هذا الشيء ، أعاني من إخواننا الكرام، يذهب من عالم إلى عالم ، يقع في تناقض عجيب ، يقول لك : كم دين يوجد ؟ هنا قال : رأساً طلقها  هنا قال : ادفع كفارة ، لا يوجد معك صوم ثلاث أيام وانتهت المشكلة ، فيه مرونة ، حتى لا تدخل في هذه المتاهة يا أخ ، لا تدخل في هذا القلق ، لا تعيش مع زوجتك ، ليكون لا تجوز لي وبالزنا قاعد معها كذلك ، أنا أرى موضوع الطلاق ، لا بدعي ولا معلق ولا سنة ولا منجز ، ولا طاء ولا لام ولا ألف ولا قاف ، ولا حرف إذا كلمة فيها كلمة طاء ابتعد عنها أريح لك وإلى هذه الدرجة ، وهذا أكمل ، إذا كانت الزوجة مقبولة جملةً ، أم أولادك وعشت معها ثلاثة عشر سنة  أعرف واحد طلق بعد سبعة وثلاثين سنة ، والله قد تأخر في ذلك .

يوجد عندنا الطلاق الرجعي والبائن ، المنجز والمعلق ، والبدعي والسني ، فالرجعي والبائن أول طلقة هذه طلقة رجعية ، ولا يعني اتجاهها رجعي أو تقدمي لا ليس بهذا المعنى  طلقة رجعية أي يمكن أن تراجعها بلا مهر وبلا عقد ، إن انقضت العدة ملكت نفسها ، إن أرادت ترجع إليك ، هي إن أرادت ، بعقدٍ ومهرٍ جديد ، هذا الطلاق الرجعي ، وتعريفه الفقهي : " هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقةً ، إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال "، إيقاع الطلاق مقابل مال ماذا يسموه هذا ؟ هذه مخالعة ، كرهته ، فقال لها النبي :

" طلقها تطليقة وردي له الحديقة " .

الآن إذا أحد مثلاً تزوج امرأة حتى وصل لها طلعت روحه ، واشترى البيت   وأسس البيت ، واعتنى وجلب لها الهدايا ، والذهب والألماس ، وملابس ، ويوم العرس قالت له  أنا أهلي جبروني إجبار أنا لا أُريدك ، كرهته إلى درجة غير معقولة ، بإمكانها أن تفتدي نفسها منه ، فتسامحه بكل شيء ، قال لها : " طلقها تطليقة وردي له الحديقة " .

فإذا إنسانة كرهت زوجها ، له الحق أن يسترد منه كل هديةٍ قدمها لها ، حتى لو كان كنزة ، هذا هو الحق ، ليس له ذنب ، إذا كرهته فهذه هي المخالعة ، قلنا لكم سابقاً : إذا كان الطلاق بسبب الزوجة هذه مخالعة ، ومن طرف الزوج هذا طلاق ، من طرف القاضي هذا تفريق، توجد دعوى تفريق ، ودعوى طلاق ، ودعوى مخالعة ، الطلاق الرجعي: هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقةً إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال . لأن الخلع ليس له مراجعة ، قال له : " طلقها تطليقة وردي له الحديقة " .

المخالعة لها أحكام خاصة ، طلقة واحدة وبينونة مع الطلقة ، ولم يكن مسبوقاً بطلقةٍ أصلاً ، لو مسبوق بطلقةٍ ، أو كان مسبوق بطلقةٍ واحدة ، إذا كان لا يوجد ولا طلقة فهو رجعي إذا يوجد طلقة واحدة فهو رجعي، طلقتين لم يعد رجعي ، أصبح بينونة ، إذاً الطلاق الرجعي  ليس مقابل مال،  ولم يسبقه ولا طلقة ، أو سبقه طلقة واحدة ، ثلاث حالات رجعي ، أما إذا كان مقابل مال أصبح مخالعة ، إن سبقه طلقتين أصبح بينونة .

 الآن البينونة أيضاً نوعين ، كبرى ، وصغرى ، الكبرى : إذا ملكت نفسها بعد تطليقتين وانقضاء عدتين دون أن يراجعها فيهما ، الصغرى : إذا انقضت عدتها من طلقةٍ رجعيةٍ ولم يراجعها فيه ، هذا بينونة صغرى .

كأن الله عزّ وجل يريد منا إذا نشب خلافٌ بيننا وبين زوجاتنا ، نظراً لقدسية هذا العقد ، ولحرمة الأولاد الصغار الذين أناط الله بالوالدين تربيتهم ، كأن الله عزّ وجل أراد أن يعطيك فرصاً إن كنت نادماً ، ومجمل الموضوع ملخصٌ في قوله تعالى :

ومن يتق الله في تطليق زوجته ، يجعل الله مخرجاً في العودة إليها . والذي أنا أراه أن أكثر المطلقين بعد مضي زمن طويل يندمون على عملهم ، فلا يوجد حكم شرعي يهتز له عرش الرحمن كالطلاق ، طفل مثل الوردة ، هذه أمه وهذا أبوه ، أمه في جهة وأبوه في جهة  إن ذهب عند أمه مشكلة ، لعند أبوه مشكلة ، لأن النبي الكريم بكى مرة عندما جاءته امرأة وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات ، قالت له : " يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة   فلما كبرت سني ، ونثر بطني ، وتفرق عني أهلي ، وذهب مالي ، قال : أنت علي كظهر أُمي  ولي منه أولاد ، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا ". تجد مع الأب لا يوجد تربية ولكن يوجد نقود ، مع الأم توجد التربية ولكن لا يوجد نقود ، فلذلك الإنسان قبل أن يلفظ يمين الطلاق ليعد للمليون ، لا يوجد شيء يؤلم الزوج والزوجة كأن يرى أولاده مشردين في الطرقات ، ولو أذكر لكم بعض ما تعامل به المرأة أولاد زوجها من القسوة والحقد أحياناً والإيقاع فيوجد أولاد يهيمون على وجوههم كرهاً بزوجات آبائهم ، فالأم لها ترتيب خاص ، الأم أودع الله فيه رحمةً وعطفاً وشفقةً بحدٍ غير معقول ، أما الخالة زوجة الأب ليست كذلك ، يوجد فرق   كبير .

فقد سمعت قصة عن رجل توفيت والدته وهو يحبها حباً جماً ، يقول هذا الرجل : أنه رآها في المنام مرَّات عديدة لكن بأحوال مزعجة ، رآها مسودة الوجه ، رآها تلتهب بالنار  ويبدوا أنه رجل صالح ، ومناماته واضحة تماماً ، كأنها إعلام ، أن أُمك في هذه الحالة ، فرآها بعد ثماني سنوات ، ورآها بحالةٍ حسنة ، هكذا وجهها منير وتلبس البياض ، قال لها : ما فعل الله بك يا أمي ؟ قالت له كأس الحليب فقط ، كان لها أولاد زوج ، فكانت تطعم أولادها حليباً كامل الدسم ، وأولاد زوجها حليباً نصفه ماء ونصفه حليب ، لأن هذا ابن زوجها تعطيه نصف ، أي خمسين بالمئة ، أما هذا ابنها تعطيه حليباً كامل الدسم ، لم تفعل غير هذا الذنب ، وهذه الرواية ظنية وغير قطعية لكن القصة لها دلالة قوية ، أنه عندما الأم ترتكب مثل هذا التفريق بين أولاد زوجها وأولادها فالله بالمرصاد ، على كلٍ نحن إذا ابتعدنا عن الطلاق ليس لنا دخل في كل هذه المتاهات وهذه المشكلات .

فالطلاق كما قلت قبل درسين أو ثلاثة ، الطلاق له أسباب جوهرية نص عليها العلماء في حالتين فقط ، شككت في سلوكها ، أي إذا شككت أن أولادك ليسوا منك مثلاً ، هذه حالات نعوذ بالله منها وهي نادرة جداً ، هذه حالة توجب الطلاق ، أو لا يمكن أن تكفك عن الحرام ، وهاتين الحالتين نادرتين ، أما الباقي الحالات كلها مقبولة ، الحقيقة " أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتمرري وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي " ، الكمال المطلق ليس في الدنيا ، الكمال المطلق في الآخرة ، لو أنه في الدنيا لأعرضت عن الآخرة ، فهذه الزوجة المثالية ، قال : واحد أراد أن يخطب ، أعطى أمه ثماني عشر شرطاً ؛ الشكل والطول واللون والنسب والحسب والذكاء والثقافة والمال والغنى إلخ ، ذهبت ودارت سنة لم تجد ، مستحيل لأن كلها شروط تعجيزية ، بحثت سنة ولم تجد شيء مناسب ، فتخلى عن شرط ، سنة ثانية تخلى عن شرط ثاني ، الثالثة عن شرط ، بعدها بقي على شرط واحد ، هو أن تقبل فيه واحدة من النساء . فهذا الكمال المطلق غير موجود يا إخواننا ، وأنت لست كاملاً ، إذا هي ليست كاملة ، أنت لست كاملاً ، كن واقعي تعيش حياة سعيدة ، عندما تكون غير واقعي هذا شيء مستحيل ، فهذه الدنيا ليست دار مقر ، بل دار ممر ، فقد أمرنا الله تعالى بأن نعاشرهن بالمعروف فقال :

( سورة النساء )

وقال :

والحمد لله رب العالمين

 

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi