English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق الزوجة على الزوج 1 / 2  -   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله ربِّ العالمين  و أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين و أشهد أن سيدنا محمداً عبده و رسوله ، اللهمَّ علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه و اجعلنا ممن يستمعون الخير فيتّبعون أحسنه و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

أيها الاخوة الأكارم :

                   قبل عدّة أسابيع عُقد فصلٌ في رياض الصالحين حول حقِّ الزوج على زوجته و ذكرت و قتها مجموعةً من الأحاديث الشريفة حول حقِّ الزوج على زوجته و قد وعدتكم إثر ذلك الدرس أن أتحدث في درسٍ قادم عن حقِّ الزوجة على زوجها لأن أساس نجاح الإنسان في الحياة سعادته الزوجية ، والإنسان قد ينزعج من بيته وبإمكانه أن يغيّره ، وقد ينزعج من عمله و بإمكانه أن يبدِّله ، و قد ينزعج من مركبته و في إمكانه أن يبدِّلها ، لكن الحياة الزوجية حياة مصيرية ، بمعنى أنك إذا رُزقت من هذه الزوجة أولاداً فإن الفِراق يعني تشرد الأولاد ، فلهذا كان النبي عليه الصلاة و السلام حريصاً حرصاً لا حدود له على أن يكون الوِفاق بين الزوجين تنفيذاً للمخطط الإلهي الذي يبدو من قوله تعالى :

   (سورة الروم: الآية21)

 

     إنَّ الأصل في العلاقات الزوجية المودّة والرحمة ، هذا هو التخطيط الإلهي ، هذا هو الوضع الطبيعي ، هذه هي الصحّة النفسية بين الزوجين. فلو أن بين الزوجين مشاحنةً أو بغضاء أو جفاء ، إن هذا حالةٌ مرضية تقتضي المعالجة ، فالنبي عليه الصلاة و السلام حرصاً منه و قد أنبأنا الله عز و جلّ بأنه حريصٌ علينا:

 

  (سورة التوبة : الآية 128)

 

      من حرصه صلى الله عليه و سلّم على أن يكون في كل بيتٍ من بيوتات المسلمين سعادةٌ مظللةٌ ، من حرصه هذا عليه الصلاة و السلام وجهنا توجيهاتٍ كثيرةً فيما يتعلق بحقوق الزوج على زوجته و حقوق الزوجة على زوجها .

      الحقيقة ، الأزواج دائماً يتحدّثون عن حقوق الأزواج على زوجاتهم ، هذا من قبيل أن هذه الأحاديث من مصلحتهم ، و لكن لكلَّ حقٌ واجب ، فإذا كنت تعتزّ بما قاله عليه الصلاة والسلام من حقّك على امرأتك ، فيجب أيضاً أن تُلقي أذناً صاغية ، أن تُصيخ السمع إلى الأحاديث الأخرى التي تتحدث عن حقَّ الزوجة على زوجها .

كما أنك تُبدي اهتماماً بالغاً بالأحاديث التي تتعلق بحقَّ الزوج على زوجته ، يجب أن تُلقي بالاً و أن تُصيخ السمع و أن تُلقي أذناً صاغيةً لحقوق الزوجة على زوجها . و البحث قد لا يكفيه درس واحد ، لكن نبدأ هذا الموضوع في هذا الدرس و بالله التوفيق .

النبي عليه الصلاة والسلام بيَّنَ في بعض الأحاديث الشريفة أن أوّل حقٍ للزوجة على زوجها : 

             أن يُحسِن إليها في كسوتها و طعامها -هذا الحقّ الأوّل - فقد قال عليه الصلاة والسلام : " من حقِّ الزوجة على زوجها أن يُحسِن إليها في كسوتها و في طعامها " أو كما قال ، لكن العلماء قنَّنوا أن هذا الإحسان في الكسوة و في الطعام يجب أن يكون في الحدود المُعتدلة تطبيقاً لقوله تعالى :

 (سورة الإسراء: الآية 29)

الإنفاق له حدٌّ مُعتدِل إذا زاد عن هذا الحدّ انقلب إلى الضدّ ، يعني كان الفساد في الأرض ، و في حديثٍ آخر يقول عليه الصلاة والسلام : " أن تُطعِمها إذا طعمت "، 

          في الحديث إشارةٌ خطيرةٌ جدّاً ، هؤلاء الذين يتحمَّلون معصية ربِّهم من أجل إرضاء زوجاتهم ما قرؤوا هذا الحديث ، ما كلَّفك الشرع أن تُطعِمها طعاماً لا تستطيعه  " أن تُطعِمها إذا طعمت " ، إذا طعمت فأطعِمها ، أمّا إذا لم تقدِر أن تأكل ما تشتهي فلا عليك شيء ، لذلك كانت الصحابيّات الجليلات يُخاطِبنَ أزواجهُنَّ قبل أن يُغادِر أزواجهُنَّ البيت، تقول له :

     يا فُلان ، نصبر على الجوع و لا نصبر على الحرام ، فأيُّ إنسان يقول لك أنا أفعل هذا من أجل زوجتي ، من أجل أولادي ، من أجل أن أُرضيَها يا أخي ، يجب أن أُحصِّنها ، يجب أن أُرضيَها ... لا ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " أن تُطعِمها إذا طعمت " ، يعني لا ينبغي للزوج أن يأكل ما لذَّ و طاب و أن يجعل طعام زوجته في مستوى أدنى ، أن يُطعِمها إذا طعِم ، " أن تُطعِمها إذا طعمت وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه " لأنَّ الله سبحانه و تعالى كرَّم الإنسان في وجهه ، لذلك النبي عليه الصلاة و السلام نهى عن ضرب الوجه ، فقال عليه الصلاة  و السلام : " اتَّقوا الوجه واذا ذُكِر الله فأمسكوا ". " و لا تضرب الوجه و لا تُقبِّح " ( بالكلام ) هذا من حقِّها عليك ، "  أن تُطعِمها إذا طعمت وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه و لا تُقبِّح و لا تهجر إلا في البيت " يعني يجب أن تبقى في البيت، لأنها إذا بقيت في البيت فالقضية سهلة الحلّ ، أمّا إذا انطلقت إلى بيت أهلها ، طردتها من البيت فالأمر يتفاقم و قد ينتهي الى الطلاق ، هذا هو الحديث الثاني : "  أن تُطعِمها إذا طعمت وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه و لا تُقبِّح و لا تهجر إلا في البيت " ، والله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة الطلاق : الآية 7)

      إذاً الله عز و جل أمر الزوج أن ينفق على زوجته بقدر ما أعطاه الله ، إذا وسّع الله عليه ينبغي أن يوسِّع على عياله لهذا قال عليه الصلاة والسلام : " ليس منّا من وسَّع الله عليه ثمَّ قتَّر على عياله " ، ليس منّا ، لينفق  ذو سعةٍ من سعته ومن قُدِرَ عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه الله لا يُكلِّف الله نفساً إلا ما آتاها ، وقد روى الإمام أحمد في مُسندِه عن رسول الله (ص) أنه قال :

" كفى بالمرء إثماً أن يُضيِّع من يقوت " ، - كفى بالمرء إثماً- يعني يكفيه هذا الإثم العظيم ، -أن يُضيِّع من يقوت - هؤلاء عياله من لهم ليس لهم إلا الزوج ، فإذا ضيَّع هذا الزوج من يقوت فقد ضيَّع أهله ،و قد ألجأهم إلى التّطلُّع إلى غيره ، و قد حملهم على بغضائه ، و قد حملهم على كراهيَّته ، لذلك العاقل إذا آتاه الله مالاً (لينفق ذو سعةٍ من سعته) ، من غير إسرافٍ و لا تبذيرٍ و لا مخيلةٍ .

       الإمام مسلم في صحيحه روى حديثاً عن رسول الله (ص) و هو حديثٌ قيِّم  يقول (ص) : " دينارٌ أنفقته في سبيل الله ودينارٌ أنفقته في رقبة-أي في إعتاق رقبة- و دينارٌ تصدَّقت به على مسكين -باب ثالث-و دينارٌ أنفقته على أهلك " من منكم يتوقَّع أيُ هذه الدنانير الأربعة هي أفضل عند الله ، دينارٌ أنفقته في سبيل الله ودينارٌ أنفقته في رقبة و دينارٌ تصدَّقت به على مسكين و دينارٌ أنفقته على أهلك ، قال عليه الصلاة والسلام :

" أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك " ، هذا حديثٌ صحيح رواه الإمام مسلم ، الدينار الذي أنفقته على أهلك ، السؤال لماذا ؟ لأنَّك إذا أنفقت الدينار في سبيل الله ربَّما أنفق غيرك هذا الدينار ، إن لم تُنفق أنت أنفق غيرك ، و إذا أنفقت الدينار في عتقِ رقبةٍ ربَّما أعتقها غيرك، و إذا أنفقت ديناراً على مسكين ربَّما أنفقه عليه غيرك ، و لكنَّك إذا امتنعت عن إنفاق المال على أهلك ، من يُنفق عليهم ؟ من لهم غيرك ؟

أُعيد عليكم رواية الحديث ، روى الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله (ص) أنه قال : "  دينارٌ أنفقته في سبيل الله ودينارٌ أنفقته في رقبة و دينارٌ تصدَّقت به على مسكين ودينارٌ أنفقته على أهلك ، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك " ، فهنيئاً للذي يسعى و يجِدَّ و يكِدَّ و يُنفِق على أهله ، هذه نفقةٌ عند الله أفضل من الأنواع الثلاثة وصفها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث .

        و في حديثٍ آخر رُويَ عن رسول الله (ص) أنه قال : " أوَّل ما يُوضع في ميزان العبد نفقته على أهله " ، يعني أنت يجب أن تعلم أن الزواج جُملةً و تفصيلاً شرعه الله عز وجلّ من أجل أن يكون لك فرصةً لعملٍ صالحٍ تتقرَّب به إلى الله عز و جل ، كيف أن الله عز و جلَّ خلق في الأرض معايش ، يعني أبواباً لكسب الرزق ، الحرُّ بابٌ من أبواب كسب الرزق، معامل المكيِّفات - معامل المراوح - المُرطِّبات ... ،هذا بابٌ كبير من أبواب كسب الرزق ، و البرد أيضاً بابٌ من أبواب كسب الرزق ، وطول الشعر باب من أبواب كسب الرزق ، و المرض باب من أبواب كسب الرزق ، و جُرثومةٌ تُصيب بعض النباتات بابٌ من أبواب كسب الرزق ، مهندسون  وأخِصَّائيون و أدوية ومِرَشَّات و استيراد بضاعة و تحويل ثمن البضاعة ... كلُّه بسبب هذه الجرثومة التي خلقها الله من أجل أن تُكافحها ، فربُّنا عز وجلّ جعل في الحياة أبواباً إلى الرزق لا تُعدُّ و لا تُحصى ، و في المُقابل جعل أبواباً للعمل الصالح لا تُعدُّ ولا تُحصى ، إن من أعظم هذه الأبواب موضوع الزواج والأسرة جُهدك في عملك ، كسب الرزق ، المشقّة "من بات كالاًّ في طلب الحلال بات مغفوراً له "من أجل أن تُنفق على زوجتك وعلى أولادك ، من أجل أن تجعلهم يطمئنُّون إليك ويلتفتون إليك ، هذا كلُّه من العمل الصالح ، لذلك قال عليه الصلاة و السلام : "  أوَّل ما يُوضع في ميزان العبد نفقته على أهله  " ، يعني الزوج الصالح الذي يكسب مالاً حلالاً يُنفق على أهله يُلبِّي لهم حاجاتهم ، التدفئة ، الأثاث المعقول ، الِّلباس المعقول ، الطعام المعقول ، أنا أقول "المعقول" : من دون إسرافٍ ولا تبذيرٍ و لا مخيلة ، الشيء المعقول .

النبيُّ عليه الصلاة و السلام - ولا زِلنا في الحديث عن حقوق الزوجة - يقول عليه الصلاة والسلام : " إن الرجل إذا سقى امرأته من الماء أُجِر" هذا تشجيع للزوج على أن يُقيم مودَّةً بينه و بين زوجته من خلال أن يرعاها و أن يحفظها و ما إلى ذلك ... و في حديثٍ آخر : " و أن يضع الرجل اللُقمة في فم زوجته هي له صدقة " .

و العلماء قالوا إن الزوج يجب أن يُنفق على زوجته الموسِرة ، هذا حقّ، مُوسِرة ، غنيّة ، فقيرة ، لها إرثٌ عريض ، معها أموال طائلة ، عندها حِلِّي ، هذا ليس من شأنك ، أمّا هي إذا طابت لك عن شيء فكُلْهُ هنيئاً مريئاً ،و العلماء قالوا يُسمح للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها الفقير ، لكنَّ الزوج لا يحِقُّ له أن يدفع زكاة ماله لزوجته ، لكنَّ الزوجة الموسِرة يُمكِن أن تدفع زكاة مالها لزوجها .

الإمام البخاري في صحيحه يروي عن رسول الله (ص) حديثاً شريفاً دقيقاً، يقول عليه الصلاة و السلام : " إذا أنفق المسلم نفقةً على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة "، صدقة -بكلِّ ما في هذه الكلمة من معنى-

يعني زوجته بحاجةٍ إلى معطفٍ في الشتاء ، معطفها السابق لا يليق ، يجعلها تشعر بأنها وضيعة ، فاشتريت لها معطفاً يتناسب مع دخلك و مع مستواها ، إن هذا الذي تفعله يُعدُّ عند رسول الله (ص)  في نصِّ هذا الحديث صدقةً ، و أعود و أُكرِّر: من دون إسرافٍ و لا تبذيرٍ و لا مخيلة، العلماء فرَّقوا بين الإسراف و التبذير، فالإسراف في الحلال والتبذير في الحرام ، والمخيلة هي الكِبر ، أن تُطلِع الناس على ما عندك من أجل أن تجعلهم يتصاغرون  هذا أحد أنواع الفساد .

والإمام مسلمٌ في صحيحه أيضاً يروي حديثاً عن رسول الله(ص) يتعلّق بإنفاق المال على الأهل فيقول الإمام مسلم عن رسول الله(ص): " أفضل دينارٍ يُنفقه الرجل دينارٌ ينفقه على عياله و دينارٌ يُنفقه على دابَّته في سبيل الله و دينارٌ يُنفقه على أصحابه في سبيل الله " يعني إذا كان أخوك المؤمن بحاجة إلى شيء ، هذا عمل طيِّب جدّاً ، لأنَّ المؤمن له مكانته ، له كرامته ، له مروءته ، له حياؤه ، له خجله ، فإذا لبَّيت له حاجته وحفِظت له ماء وجهه وكففته عن السؤال ، هذا عمل عظيم ، فأفضل دينارٍ يُنفقه الرجل دينارٌ ينفقه على عياله ودينارٌ يُنفقه على دابَّته في سبيل الله و دينارٌ يُنفقه على أصحابه في سبيل الله .

ألا تعلمون أن إنفاق المال على الزوجة أحد أسباب القِوامة عليها ، لقول الله عز وجلّ:

(سورة النساء : من الآية 34)

     يعني أحد أسباب القِوامة على زوجتك أنَّك تنفق عليها ، فلو أنك امتنعت من الإنفاق عليها، شعرَت أنك لا تُنفِق عليها ، وأنَّك تضِنُّ بمالك عليها و عندئذٍ تستعصي عليك و تبتعد عن تنفيذ أمرك و قد تعصي و قد تستفِزُّك لأن أحد أسباب القِوامة أن تُنفِق على زوجتك ، لذلك الزوجة التي لها دخلٌ -لا أقول مُطلقاً - في الأعمِّ الأغلب ، التي تشعر باستقلاليّتها عن زوجها كثيراً ما تُسيء مُعاملته ، تقول لك أنا أُنفِق على نفسي ، بالمناسبة أنت إذا طلبت من الله الرزق ، لا تريد أن يأتيك رزقكَ عن طريق زوجتك ، أطلب من الله أن يكون الرزق عن طريقك وحدك، هذا من فضل الله عز و جلّ ، إذا قسم الله لك رزقاً حلالاً يكفيك و يكفي أهلك كان أعْوَن لك على إدارة هذه الزوجة .

    العلماء يقولون يسقط هذا الواجب -الإنفاق على الزوجة واجب-إذا فوّتت الزوجة على زوجها الهدف من الحياة الزوجية ، يعني حينما تفوِّت الزوجة على زوجها الهدف الكبير من الحياة الزوجية ، يسقط حقُّها في الإنفاق عليها ، يعني مثلاً إذا امتنعت عنه ، هو لماذا تزوَّج ؟ من أجل أن يُحصِن نفسه ، فإذا امتنعت عنه سقط حقُّها في الإنفاق عليها ، و إذا هجرت بيته و ذهبت إلى بيت أهلها يسقط حقُّها في الإنفاق عليها ، و إذا خرجت من البيت من دون إذنِهِ يسقط حقُّها في الأنفاق عليها ، لذلك المحاكم الشرعيّة تعُدُّ هذا نشوزاً في الزوجة ، لا تستحِقُّ النفقة إلا إذا دُعيَت إلى بيت زوجها فإذا أبَتْ يسقط حقُّها في الإنفاق عليها .

   عن أبي هُريرة رضي الله عنه عن رسول الله (ص) : " أفضل الصدقة ما ترك الغنى " أي ما جعلتَ الذين تنفق عليهم في غنى ،" و ابدأ بمن تعول ، تقول المرأة لزوجها إمّا أن تطعمني و إمّا أن تطلِّقني ، و يقول العبد أطعمني و استعملني ، و يقول الابن اطعمني ، الى من تدعني ؟ "

يعني هذا الذي يبخل على زوجته أو على عبده أو على أولاده ، هذا عند الله آثمٌ إثماً كبيراً ، تقول له الزوجة أطعمني أو طلِّقني ، و يقول العبد أطعمني و استعملني ، و يقول الابن أطعمني ، إلى من تدعني ؟ هذا الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه .

      الحقيقة بعض الفقهاء استنبطوا من هذا الحديث أن المرأة يجوز لها أن تطلب الفراق من زوجها إذا لم يُنفِق عليها ، لعِلّة عدم الإنفاق ، و علماء آخرون آثروا أن تصبر المرأة على زوجها ، فلا يُعقل أن تأخذ خيره حين كان دخله كبيراً وأن تطلب الفراق منه إذا كبا به جواده أو ضعفت قواه أو قلَّ رزقه ، ليس هذا من الوفاء ، لذلك الأرجح أن تصبر المرأة على زوجها لأن هذه بتلك .

       و قد أجاز العلماء أن تستقرِض المرأة من أجل أن تأكل الأكل الأساسي الضروري على ذِمّة زوجها إذا امتنع من أن يُنفق عليها ، فإذا يسَّر الله له وفى هذا الدين ، لقول الله عزَّ و جلّ :

                    

(سورة البقرة : الآية 280)

و يقول الله عزَّ و جلّ :

 

 سيجعل الله  بعد عُسرٍ يُسرا :

                                 

(سورة الطلاق : الآية 7).

الشيء الذي أحبُّ أن أقوله لكم : الإنفاق يجب أن يكون باعتدالٍ في المسكن و الملبس و المطعم و المشرب .

بنت رسول الله(ص) فاطمة الزهراء جاءت أباها و طلبت منه خادمةً تُعينها على عمل البيت ، فما كان من رسول الله(ص) إلا أن قال لها :

 يا فاطمة أنصحكِ بالإكثار من الذِكر و التسبيح والتيقُّظ للعبادة ، فذلك خيرٌ لكِ ، يعني النبي الكريم ما أحبَّ خادمةً لابنته فاطمة ، هذا من باب الاعتدال .

الحقيقة هذا كلُّه عن الإنفاق على الزوجة ، هذا أوَّل حقٍّ من حقوق الزوجة على زوجها، أن يُحسِن إليها في مطعمها و مشربها و كسوتها وأن يُطعِمها إذا طعِم ، لكنَّ الحقَّ الثاني و الذي يبدو لي أخطر من الأوَّل لأنَّه ما من بيتٍ إلا والطعام و الشراب متوافرٌ فيه - في الأعمِّ الأغلب - و لكن المشكلة الآن في إساءة المعاملة ، الله سبحانه و تعالى في القرآن الكريم يقول في آيةٍ محكمةٍ واضحةٍ صريحةٍ لا تحتمل التأويل :

 

(سورة النساء : من الآية 19)

النبي عليه الصلاة و السلام يقول : " استوصوا بالنِّساء خيراً فإنّهنَّ عوانٌ عندكم " العوان : جمع عانة يعني ضعيف ، المرأة في الأصل ضعيفة ، استوصوا بالنِّساء خيراً فإنّهنَّ عوانٌ عندكم لستم تملكون منهنَّ شيئاً غير ذلك إلا أن يأتينَ بفاحشةٍ مبيِّنة ، فإن فعلنَ فاهجروهنَّ في المضاجع واضربوهنَّ ضرباً غير مُبرِّح ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً "يعني الأمر ما دامت هذه الزوجة لم تقترِف الفاحشة و هي تحفظ نفسها و تُطيع زوجها وتُصلّي خمسها و تصوم شهرها ، هذه زوجةٌ يجب أن ترعى حقوقها .

قال بعضهم : إنَّ المرأة التي تحبس نفسها على راحة زوجها حتى تكون لديه كالأسير، خروجها بإذنه ، كلُّ علاقاتها منضبطة بموافقته ، إذا هي كالأسيرة ، مُقابل أنها أسيرةٌ عنده ينبغي أن يغمرها بالعطف و المودّة   و الُّلطف و الإحسان ، ما دامت عندك أسيرة فيجب أن تعاملها معاملةً تُنسيها أنها أسيرة ، هذا من معاني و عاشروهنَّ بالمعروف .

العلماء فسَّروا المعروف تفسيرات كثيرة :

        من هذه التفسيرات : العفو و المُسامحة ، يعني هناك زوجٌ لا يعفو ، استُرضيَ و لم يرضَ ، اعتذَرَتْ له ، توسَّلتْ إليه ، رَجَتْهُ ، هو حقود ، إن كنتَ حقوداً ، إن لم تُسامح ، إن لم تعف ، فأنت عاصٍ لله عزَّ و جلّ في نصِّ هذه الآية .

من معاني وعاشروهنَّ بالمعروف: نسيان الهفوات و ترك تتبّع العثرات ، هذا من معاني وعاشروهنَّ بالمعروف .

      من معاني وعاشروهنَّ بالمعروف : العقوبة على قدرِ الذنب تماماً ، تأديباً لا انتقاماً ، يعني أحياناً أزواج يستخدمون سلطتهم استخداماً تعسُّفيّاً لسببٍ تافه ، لذنبٍ صغير ، لهفوةٍ يحلف عليها بالطلاق و يطردها من البيت في منتصف الليل ، لا ، لا يجوز هذا ، أساساً الحمقى لهم ردود فعلٍ عنيفة جدّاً ، ردّ الفعل عنيف لا يتناسب مع الفعل ، أمّا الموفَّقون في حياتهم الموصولون بالله ، يُلقي الله في قلبهم الحكمة ، يعني لا يُعاقب إلا بقدر الذنب ، و النبي إذا كان أعرض عن زوجاته ، يعني إذا كنت زوجاً ناجحاً جداً يجب أن يكون إعراضك عن زوجتك أكبر عقابٍ تعاقبها به ، الإعراض فقط ، أمّا السُباب و الشتائم فتتلقَّى المثيل ، ليس هذا من الحكمة و ليس من المعروف و الإحسان و لا من هذه الآيات الكريمة  والأحاديث الشريفة التي توصي الرجال بالنساء ، لكن أجمل تفسير لهذه الآية : ليست المُعاشرة بالمعروف كفُّ الأذى عنها بل احتمال الأذى منها، ليست المُعاشرة بالمعروف أن تكُفَّ الأذى عنها، لا بل أن تحتمل الأذى منها ، لذلك تروي القصص أن رجلاً عنده زوجة سيئة جداً ، فقيل له طلِّقها يا أخي ، قال : والله لا أُطلِّقها فأغُشَّ بها المسلمين ، يعني قد أُطلِّقها ويأتي إنسان يتزوَّجها ، إن فعلت هذا أغُشُّ بها المسلمين ، يعني الصبر على الزوجة أحد أبواب الجنّة ، صبر الزوجة على زوجها أو صبر الزوج على زوجته بابٌ من أبواب الجنّة ، هذه الدُّنيا دار ابتلاء لا دار استواء ، منزِلُ تَرَحٍ لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لرخاء و لم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى و جعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدُّنيا لعطاء الآخرة سبباً و جعل عطاء الآخرة من بلوى الدُّنيا عِوَضاً ، فيأخُذُ ليُعطي و يبتلي ليجزي .

إذاً ليست المعاشرة بالمعروف كفَّ الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحِلم عند طيشها وغضبها ، في بعض الأيام يختلُّ توازن الزوجة ، فتتكلَّم بكلامٍ منه ما يُسمَع و منه ما لا يُسمَع، النبي عليه الصلاة و السلام يقول :

 " غضِبَتْ أمُّكم ، غضِبَتْ أمُّكم " هو قدوتُنا ، يعني لا تصدِّق أن إنساناً لا يوجد بينه و بين زوجته بعض المشكلات ، هذه سُنَّة الله في الخلق ، ليمتحِن عفوك و حِلمك و حكمتك وصبرك و اتّزانك و ضبط نفسك ، النبي عليه الصلاة و السلام كان قدوةً لنا ، فكان يقف موقِف الحليم الرحيم من زوجاته ، لا تُصدِّق أن النبي الكريم عنده زوجات يعني و لا كلمة صار بحياته لا.. لا ، فكانت زوجاته يُراجِعنه الكلام و يهجُرنَهُ إلى الليل أحياناً ، و كان يحلُم عليهم ، هكذا ورد في السيرة .

      و كان النبي عليه الصلاة و السلام ينزل إلى مستوى زوجاته إلى مستوى عقولهنَّ و قد ذكرت لكم من قبل كيف أن النبي عليه الصلاة و السلام تسابق مع زوجته عائشة فسبقته لأنها شابّة ، بعد سنوات تسابق معها فسبقها فقال : هذه بتلك ، تعادُل ، هذه بتلك ، كان في رقّة ، والنبي عليه الصلاة و السلام إذا دخل بيته بسَّاماً ضحّاكاً ، يعني إذا كنت مرحاً وكنت لطيفاً وكنت ليّن العريكة مبتسماً ، والله شيء جميل ، هذه أخلاق النبي عليه الصلاة و السلام .

من حُسن المُعاشرة التي أمر الله بها أن تنظر إلى مزاياها إذا نظرت إلى مساوئها ، لا يوجد إنسان كامل ، و هناك أزواج يركِّزون على المساوئ فقط، بعض العيوب في شكلها، بعض العيوب في أخلاقها ، في طباعها ،

     أمّا أنها حَصَان ، عفيفة ، شريفة ، نظيفة ، مِطواعة ، يتجاهل ميِّزاتها  ويُبرز أخطاءها ، ليس هذا من حُسن المُعاشرة ، من حُسن المُعاشرة إذا نظرتَ إلى عيوبها أو إلى بعض عيوبها، انظر إلى مزاياها أيضاً ، هذا هو العدل و الأنصاف ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام : " لا يَفْرَك مؤمن مؤمنةً إن كره منها خُلقاً رضي منها خُلقاُ غيره " ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: " فإن كرهتموهنَّ فعسى أن تكرهوا شيئاً و يجعل الله فيه خيراً كثيراً ، يعني قد لا يُعجبك شكلها ، لكن قد تُنجب لك أولاد أذكياء، موفَّقين ، قد تكون طيِّعة ، قد تكون صبورة ، قد تكون متواضعة ، طلباتها معقولة ، لو أنَّك تزوَّجتها كما تريد لأتعبتْك تعباً لا حدود له ، فالله عزَّ و جلّ هو الحكيم ، هو اختارها لك ، اختياره ، ألا ترضى باختياره ؟ .

من حُسن مُعاشرة الزوجة -هذه كُلُّها معاني حُسن المُعاشرة - أن لا تُسيء الظنَّ بها ، هناك أزواج عندهم سوء ظنّ ، طبعاً سوء الظنِّ ضروري و غير ضروري ، ضروري إذا شككت بشيء ، إنسان نبَّهك : انتبه ، في منزلك حركة غير طبيعية ، لا أنا حَسَن الظنِّ بزوجتي ،  فأنت إذا أجدب ، إذا كان هناك ملاحظات ، دلائل ، ريب ، فيجب أن تُسيء الظنّ و أن تبحث . لكن عندما لا يوجد  أي دليل على وجود خطأ، و لا يوجد لفت نظر ، عندها نهانا النبي عليه الصلاة والسلام عن أن لا نُسيء الظنّ بالزوجة لأنّ إساءة الظنِّ بالزوجة يُحطِّمها ،

يُفقدها معنويَّتها ، فنهى النبي عليه الصلاة و السلام عن سوء الظنِّ بها وأن يتَّبَّع زوجها عوراتها ، مثلاً دخل إلى البيت فجأةً من دون أن يطرق الباب ، جاء من سفر فداهم البيت مُداهمةً فجأةً ، هذا يعني أنه يشُكُّ بها ؟

هذا يفعله من يُسيء الظنَّ بزوجته ، فالنبي كان إذا قَدِمَ من سفر أعلم أهله قبل أن يدخُل البيت، هكذا علَّمنا (ص) ، الآن يوجد هاتف ،أخبرهم من المطار أنك وصلت ، أمّا المُداهمة ، والمُفاجأة تعني أنَّك تشُكُّ بها ، لذلك ورد في الحديث : " نهى النبي عليه الصلاة والسلام الرجل أن يطرُق أهله ليلاً يتخوَّنهم -كأنّه يتخوَّنهم- أو يطلب عثراتهم " لأن هذا يوَفِّر الأمن للزوجة و السلام و يوَفِّر لها كرامتها و مودَّتها معك.

     كلُّ هذه المعاني مُستنبطة من آيةٍ واحدة : و عاشروهنَّ بالمعروف ، ربَّما كان هذا الحقّ أبلغ من حقِّ الطعام و الشراب ، لا يوجد بيت ليس فيه طعام و شراب ، و الزوجة تأكل طعاماً خشناً و لا تحتمل أن تُسيء الظنَّ بها ، تأكل طعاماً خشناً و لا تحتمل أن تكون قاسياً معها ، تأكل أخشن الطعام و لا تحتمل أن تهجرها ، لذلك حُسنُ العُشرة مع الزوجة ربّما كان مُقدَّماً على واجب الطعام و الشراب .

و هناك حقوق كثيرة للزوجة ، لأنه كما قُلت في بداية الدرس : الأزواج يطرَبون طرباً لا حدود له لحقوق الزوج على زوجاتهم ، يقول لك اللهم صلَّي عليه ... هكذا قال ...هكذا قال ...، اصبر ،هناك أحاديث أخرى ،

كما أن لك عليها حقّ ، لها عليك حقّ ، و الإنسان إذا عرف ما له و ما عليه و أعطى كلّ ذي حقٍّ حقَّه ، ساد السلام في البيت .

بقي علينا نماذج من مواقف النبي عليه الصلاة و السلام ، الآن ننتقل إلى السيرة المتعلِّقة بهذا الموضوع .

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها : كان الحبش يلعبون بحِرابهم ، فالنبي الكريم جعلها تنظر إليهم ، فستَرني و جعلني أنظر إليهم ، تطييباً لخاطرها،و تقول أيضاً كنت ألعب بالبنات-يعني بالدُمى-عند النبي (ص)

هناك من يتزوَّج بنتاً صغيرة ، فتقول له : أريد لعبة ، فيسُبُّها ،اجلب لها لعبة و حُلَّ المشكلة ، فالسيدة عائشة تقول : كنت ألعب بالبنات- لُعب الأطفال- عند النبي(ص) و كان لي صواحب يلعبنَ معي ، فكان النبي (ص) إذا دخل، يتمَّعنَ منه -يهرُبنَ منه- فالنبي يسمح لهُنَّ فيلعبنَ معي ، يعني بموافقته ، هذا تطييبٌ لخاطرها ، يعني إذا كانت زوجتك صغيرة وطلبت منك شوكولا مثلاً فلماذا الانزعاج ؟ حنَّت إلى طفولتها ، هكذا فعل النبي (ص) ، يُريدها في سنٍ صغيرة و عقلٍ كبير .

قال النبي الكريم للسيدة عائشة : " اني لأعلم إن كُنتِ عنّي راضيةً و إن كُنتِ عَلَيَّ غضبى  "، أنا أعلم ، يعني يبدو أنها كانت تغضب و ترضى ، فقال (ص) :" اني لأعلم إن كُنتِ عنّي راضيةً و إن كُنتِ عَلَيَّ غضبى "، فقالت : متى ؟ من أين تعرف ذلك ؟ ، فقال(ص): " أمّا اذا كُنتِ راضيةً فانّكِ تقولين لا و ربِّ مُحمّد ، و اذا كُنتِ عَلَيَّ غضبى تقولين لا و ربِّ ابراهيم " اكتشف(ص) أنها إذا قالت لا و ربِّ مُحمّد تكون عنه راضية ، أمّا إذا قالت لا و ربِّ إبراهيم تكون عليه غضبى ، قالت : أجل   والله -يعني صحيح- يا رسول الله ، ما أهجر إلا اسمك .

 ( رواه البخاري)

و بعث النبي عليه الصلاة و السلام إلى نسائه في مرضه ، فاجتمعنَ ، فقال (ص) : "إنّي لا أستطيع أن أمُرَّ عليكُنَّ فإن رأيتُنَّ أن تأذنَّ لي فأكون عند عائشة " انظر الأدب ، ما رضي أن يبقى عند عائشة إلا بعد أن جمع نساءه كُلَّهُنّ و استأذنهُنَّ في ذلك، لأنها لها حقّ .

و قد روت كتب السُّنّة أن النبي عليه الصلاة و السلام كان إذا فَرَغَ كان في خِدمة أهله - أي يُساعدهم في أعمال البيت - من دون أن يشعُر أنه مُهان ، كان في مَهنة أهله ، يعني كان يحلِبُ شاته و يكنُسُ أرضه ويخصِف نعله و كان في مَهنة أهله .

كان النبي(ص) عند بعض نسائه ، فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين بصَحْفةٍ - يعني صحن طعام - فيها طعام فضَرَبَتْ -التي النبي(ص) في بيتها- ضَرَبَتْ يد الخادم فسقط الصحن فانفلق ، لأنّ الضُّرة عملت طعاماً طيِّباً فأرسَلَتْ لسيِّدِنا رسول الله (ص) صحناً من الطعام هذا، فالسيّدة عائشة لم تتحمّل فضربت يد الخادِم فوقع الصحن من يده فانفلق (انكسر)

فجمع النبي (ص) فِلَقَ الصَحفة ، جمع القِطع ، ثمَّ جعل يجمع فيها الطعام الذي كان فيها ويقول : " غارَتْ أُمُّكم ، غارَتْ أُمُّكم " ثمَّ حبس الخادم حتى أتى بصَحفةٍ من عند التي هو في بيتها ، فدَفع الصَحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَت صَحفتها و أمسك المكسورة في بيت التي كُسِرَت فيها (رواه البخاري ) ، كذلك كان عادلاً ، تلك أرسلت صحناً جديداً فكُسر فأرسل لها صحناً بدلاً عنه .

      كان عليه الصلاة و السلام لا يسمح لزوجةٍ من أمّهات المؤمنين بأن تقول عن الأخرى من زوجاته كلمة نقص في مجلسه ، لا يسمح أبداً ، هناك شخص يسمح لزوجته الأولى أن تتكلّم عن الثانية ، يقول لها : والله معك حقّ ، ثُمَّ يذهب مساءً إلى البيت الثاني فتتكلم زوجته الثانية عن الأولى ، فيُصغي لها ، النبي عليه الصلاة و السلام لا يسمح لزوجةٍ من أمّهات المؤمنين بأن تقول عن الأخرى من زوجاته كلمة نقص في مجلسه ،

فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت للنبي(ص) حسبُك من صفيّة ، يعني كأنها تقول قصيرة ، فقال بعض الرواة : تعني قصيرة ، فقال عليه الصلاة و السلام : " يا عائشة ، لقد قُلتِ كلمةً لو مُزِجَت بماء البحر لأفسدتْه " .

قالت : و حكيتُ له انساناً ، الحكاية هنا التقليد ، فقال (ص) : " ما أحبُّ أنّي حاكيتُ انساناً و أنّ لي كذا و كذا "

  (رواه أبو داوود و الترمذي ) .

آخر شيء يقول عليه الصلاة و السلام : " استوصوا بالنِّساء خيراً ، فإنَّ المرأة خُلِقَتْ من ضِلعٍ و إن أعوج ما في الضِلع أعلاه -تكفي الإشارة - فإن ذَهَبْتَ تُقيمه كسرته و إن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنِّساء خيراً " و بعضُهم قال : دارِها تعِش بها ، العملية تحتاج إلى مُداراة ،وفي روايةٍ أُخرى في الصحيحين: " المرأة كالضِلع، إن أقَمْتَها كسرتها ، وإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها و فيها عِوَجْ " ، و في روايةٍ لمسلم :

" إنّ المرأة خُلِقتْ من ضِلعٍ و لن تستقيم لك على طريقة ، فإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وفيها عِوَجْ ، و إن ذهبتَ تُقيمها كسرتها ، و كسرُها طلاقُها " .

النبي عليه الصلاة و السلام - في خِتام هذا الدرس - يقول : " أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً وخِيارُكم خِيارُكم لنِسائهم "

  (رواه الترمذي و قال حديثٌ حسنٌ صحيح ) .

بقيت قصّةٌ قصيرة : كان أعرابيٌّ يُعاتِبُ زوجته ، فعلا صوتُها صوته ، فساءه ذلك منها وأنكره عليها ثُمَّ قال : و الله لأشكوَنَّكِ إلى أمير المؤمنين عُمَر ، و ما أن كان بباب أمير المؤمنين ينتظر خروجه حتى سمِع امرأة أمير المؤمنين تستطيل عليه و تقول له : اتَّقِ الله يا عُمَر فيما ولاّك و هو ساكتٌ لا يتكلَّم فقال الرجل في نفسه و هو يهُمُّ بالانصراف :

         إذا كان هذا هو حال أمير المؤمنين ، فكيف حالي أنا ؟ ، و فيما هو كذلك خرج عمر و لمّا رآه قال : ما حاجتك يا أخَا العرب؟ ، فقال الأعرابي : يا أمير المؤمنين ، جئتُ إليك أشكو خُلُق زوجتي و استطالتها عليّ ، فرأيت عندك ما زهّدني إذ كان ما عندك أكثر مما عندي ،فهممتُ بالرجوع و أنا أقول : إذا كان حال أمير المؤمنين مع زوجته ، فكيف حالي ؟ قال ، فتبسَّم عمر رضي الله عنه و قال : يا أخَا الإسلام ، إنّي احتملتها لحقوقٍ لها عليّ ، إنّي احتملتها ، أنا قادر أن أكون لئيماً و أن أحطِّمها ، ما أكرمهُنَّ إلا كريم و لا أهانهُنَّ إلا لئيم ، يغلِبنَ كلَّ كريم ويغلبهُنَّ لئيم ، و أنا أحبُّ أن أكون كريماً مغلوباً لا أن أكون لئيماً غالباً، قال له : يا أخا العرب ، إنّني احتملتها لحقوقٍ لها عليّ ، إنّها طبّاخةُ لطعامي ، خبّازةٌ لخُبزي ، مُرضعةُ لأولادي ، غاسلةٌ لثيابي ، و بقدر صبري عليها يكون ثوابي . ألا يكفي هذا الكلام من سيّدنا عمر ، و بقدر صبري عليها يكون ثوابي ، وللبحث بقيّة في درسٍ قادم و الحمد لله ربِّ العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi