English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق الزوج على الزوجة 1 / 2  -   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله ربِّ العالمين و أفضل الصلاة و أتمُّ التسليم على سيِّدنا محمَّد الصادق الوعد الأمين ، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً و أرِنا الحقَّ حقّاً و ارزقنا اتِّباعه و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنَه و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

ايُّها الأخوة المؤمنون :

                      لا زلنا في الحديث النَّبويّ الشريف ، و لا زلنا في باب حقِّ الزوج على المرأة .

       ورد في هذا الباب حديثٌ شريفٌ عن أُسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبيّ (ص) قال : ما تركت بعدي فتنةً هي أضرُّ على الرِّجال من النِّساء ، الإنسان أحياناً من أين يؤخَذ ؟ إذا كان مُستقيماً على أمر الله ، أين تزِلُّ قدمه ، من أين يؤخَذ ؟ كيف ينتكس ؟ كيف يُحجب عن الله ؟ كيف يتقهقر ؟ كيف يتراجع ؟ كيف يفقد اتجاهه إلى الله في صلاته ؟ كيف يفقد إقباله على الله ؟ كيف يشعر أنَّ عبادته تافهة ؟ لا معنى لها ،

      حينما تدخل في حياته امرأةٌ بطريقٍ غير مشروع ، العين ترني و زناها النَّظر ، الأذن تزني و زناها السَّمع ، فالإنسان قد يزني بعينه و قد يزني بلسانه و قد يزني بأذنه و قد يزني بيده ، فهذه المُخالفات هي حجابٌ بين العبد و ربِّه ، بل لو سألنا إنسانا سؤالاً آخر ، ما هي المزالق الخطيرة في طريق الإيمان ؟ يعني أغلب الظنّ أنّ عامّة المسلمين لا يشربون الخمر و لا يسرقون و لا يقتلون ، هذه الكبائر التي ذكرها الله عزَّ و جلّ في القرآن الكريم و في سنّة النبي العظيم ، هذه الكبائر يبتعد عنها مُعظم المسلمين ، و لكن هذا المسلم من أين يؤتى ؟ كيف ينتكس ؟ كيف تُصبح صلاته جوفاء ؟ كيف يُصبح صيامه لا معنى له؟ يؤتى من بابين كبيرين، من باب النّساء و من باب كسب المال ، لو تتبّعت المعاصي و تكرارها و اتّساع رُقعتها في ساحة النّفس الإنسانيّة ، لوجدتَ أن أكبر مساحةٍ يشغلها حبُّ المال و حبُّ النِّساء ، لذلك أكبر مزالق الإنسان من جهة المال و من جهة النّساء ، بل إنّ النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف يجعل المرأة أكبر خطرٍ على الإنسان ، -المرأة- بمعنى أن تعصي الله بها ، أيّة شهوةٍ أودعها الله في الإنسان ، جعل لها طريقاً مشروعاً ، جعل لها قناةً نظيفةً ، ربُّنا سبحانه و تعإلى يقول :

      قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغوِ مُعرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولاءك هم العادون ، أي مُعتدون ، عُدوانٌ أن تنظر إلى امرأةٍ لا تحِلُّ لك ، عُدوانٌ أن تُدير معها حديثاً ، عُدوانٌ أن تتلطّف في مُحادثتها ، هذا الذي يقطعُ عن الله عزّ و جلّ ، فحين تقعُ عينك على امرأةٍ لا يحِلُّ لك أن تنظر إليها وتستمرئ هذه النظرة، هنا بدأ الحِجاب، هذه هي تعليمات الصانع ، ما من جهةٍ مؤهلةٍ أن تُقدّم لك التعليمات الصحيحة الا الصّانع ، لقول الله عزّ و جلّ :

(سورة البقرة)

      أي أن التعليمات النّافعة لهذه الآلة من الصّانع ،  الحقُّ من ربّك ، و النبي عليه الصّلاة و السّلام أرسله خالقنا العظيم ليُبيِّن لنا تعليمات التّشغيل لهذه الآلة ، يقول عليه الصّلاة والسّلام: ما تركت بعدي فتنةً هي أضرّ على الرِّجال من النِّساء ، في بعض الأيام نظرةٌ ، الإنسان إذا لم يغُضّ بصره كانت النّظرة سبيلاً إلى أكبر معصية ، لذلك ربُّنا عزّ و جلّ في بعض الآيات يقول : و تلك حدود الله فلا تقربوها ، وفي آياتٍ أُخرى يقول :

 و تلك حدود الله فلا تعتدوها لمإذا مرّةً فلا تقربوها و مرةً فلا تعتدوها؟

      هناك نوعٌ من المعاصي فيها جذبٌ ، فكُلّ معصيةٍ تجذبك إليها بدافعٍ من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان ، هذه المعصية يجب أن تدع بينك و بينها هامش أمان ، لا بُدّ من أن تدع بينك و بينها هامش أمان حتّى تنجو منها،

لذلك جاءت الآية :  و تلك حدود الله فلا تقربوها ، يعني تيّار فيه ستة آلف فولت ، هذا التيّار حوله ساحة مغناطيسيّة عرضها ستّة أمتار ، فأيُ إنسان دخل إلى هذه الساحة جذبه هذا التيّار و أحرقه ، فأنت إذا علمت أن هذا التيّار خطر و أن حوله ساحة مغناطيسيّة لا تدخل إلى هذه الساحة لأنّك إذا دخلتها جذبتك هذه الساحة إلى التيّار فاحترق الإنسان .

معصية النّساء من هذا النّوع ، تحتاج إلى هامش أمان ، طريقٌ موبوء ، لا تمشِ فيه ، صديقٌ مُغرمٌ بالزنى لا تُصاحبه و لا تجلس معه و لا تستمع إليه ، قصّةٌ ماجِنة لا تقرأها ، لقاءٌ مُختلط لا تأته ، هذا هو هامش الأمان ، لأنّ الله عزّ و جلّ يقول : و لا تقربوا الزنى ، ولا تقربوا ، يعني يجب أن تدع بينك و بين الزنى هامش أمان ، نظرةٌ فابتسامةٌ فموعدٌ فلقاءُ .

        ما تركت بعدي فتنةً هي أضرّ على الرِّجال من النِّساء ، يعني ضع في ذهنك أن المرأة في الحرام لغمٌ مُتفجِّر ،ربّما أطاح بدينك ، ربّما أطاح بصلاتك ، ربّما أطاح بوجهتك إلى الله عزّ و جلّ ، ربّما أطاح بقُربك من الله عزّ و جلّ ، يعني أنت ذُقت طعم القُرب - المشكلة هنا - ، إذا ذاق المؤمن طعم القُرب حافظ على هذه الصِلة مهما بلغ الثّمن ، أمّا إذا لم يذُق طعم القُرب، ما ذاق هذا الطعم ، يرى أنّ أوامر الدّين عبئاً عليه، يرى أنّ الدين ثقيل ، يرى أنّ الدين حِرمان ، لكنّه إذا ذاق طعم القُرب من الله عزّ و جلّ فمن أجل الحِفاظ على هذا القُرب يضحي بكلّ غالٍ و رخيص و نفسٍ و نفيس ، من أجل الحِفاظ على هذا القُرب يضحي عندئذٍ المؤمن  بكلّ غالٍ و رخيص و نفسٍ و نفيس ، يعني أحياناً الإنسان يُوضع في موقِفٍ حرجٍ ، هذا الموقف يقتضي أن يُصافح ، النبي عليه الصلاة و السلام يقول : إنّي لا أُصافح النّساء ، أيُّهما أغلى عليك اتّصالك بالله أم أن تنجو من انتقاد بعض المُنتقدين ، أتخشَون النّاس

و الله أحقّ أن تخشوَه ، القضيّة قضيّة موازنة ، كلمة "الله أكبر" تعني :

أنّك إذا رأيت أنّ الله أكبر من كلّ شيء ، من كلّ هدف ، من كلّ غاية، عندئذٍ تنضبط على أمر الله ، حديثٌ يدعو إلى الوقوف و التّأنّي ،

  ما تركت بعدي فتنةً ، يعني ربّنا عزّ و جلّ ماذا قال عن المسلمين في آخر الزمان ؟ قال : فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصّلاة و اتّبعوا الشّهوات ، لماذا أضاعوا الصّلاة ؟ لأنّهم اتّبعوا الشّهوات ، لماذا اتّبعوا الشّهوات ؟ لأنّهم أضاعوا الصّلاة ، يعني هناك علاقةٌ ترابطيّة ، تارةً تكون إضاعة الصّلاة سبباً لاتّباع الشّهوات ، و تارةً يكون اتّباع الشّهوات سبباً لإضاعة الصّلاة ، و ربُّنا سبحانه و تعالى يقول : فسوف يلقون غيّا، يعني حينما يتّبعون الشهوات يُضيّعون الصّلاة ، و حينما يُضيّعون الصّلاة يتّبعون الشهوات ، هذا كلام الخالق، هذه قوانين حتميّة الحدوث ، فسوف يلقون غيا ، اتّباعٌ للشهوات ، إضاعة للصّلاة ، تحمّل البغي و العُدوان و الغيّ و الضّلال ، يعني أحياناً ندخل إلى محطّة وقود ، يوجد مكان لوضع إعلان، يُمكن كتابة كلمات عديدة في هذا الإعلان ، لو فرضنا كُتِب في هذا الإعلان : يُرجى أن تقف في الدّور ، مُمكن ، لو كُتِب في هذا الإعلان : يُرجى المُحافظة على نظافة المحطّة ، كذلك إعلان مقبول ، لكن هذا الإعلان ليس خطيراً ، أمّا إذا كُتِب على هذا الإعلان : ممنوع التدخين ، التدخين شيء مصيري قد يُحرِق المحطّة كُلّها ، فهذا إعلان من نوع خاص ، قد نكتب مكان هذا الإعلان ألف إعلان ، كلّها لا تُقدّم و لا تؤخر ، لكن إذا كتبنا في هذا الإعلان ممنوع التدخين ، فإنّ هذا الإعلان متعلّق بمصير هذه المحطّة ، و ربّنا عزّ و جلّ في القرآن حينما يقول لك : قُل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ، هذا أمر يُقدّم و يؤخّر ، أمر مصيري ، أمر يتعلّق بإقبالك على الله ، إمّا أن تُقبِل إذا طبّقتَه و إمّا أن تنقطع إذا خالفته ، فكلّ أمرٍ في القرآن و كلّ نهيٍ في القرآن أمرٌ و نهيٌ مصيريّان ، يعني يُحدّدان مصير علاقتك بالله عزّ وجلّ ، لأن الآية الكريمة تقول : ما كان لمؤمنٍ و لا مؤمنةٍ إذا قضى الله و رسوله أمراً أن يكون لهما الخيَرة من أمرهم ، يعني أنت لك الخيار في المُباحات ، بين هذا البيت و هذا البيت ، بين هذه الفتاة و هذه الفتاة ، تخطب هذه أو تلك ، بين أن تعمل بهذه الوزارة أو بهذه الوزارة ، بين أن تكون موّظفاً أو تاجراً ، بين أن تُمضي أسبوعاً في هذا المصيف أو في هذا المصيف ،هذا الخيار،لكنّك إذا عرفت الله عزّ و جلّ ليس لك خيارٌ فيما أعطى الله فيه حُكماً ،  ما كان لمؤمنٍ و لا مؤمنةٍ إذا قضى الله و رسوله أمراً أن يكون لهما الخيَرة من أمرهم ، الآن بعض أنواع اللباقة و الذوق الاجتماعي أن تُرحِب بامرأةٍ ،أن تستقبلها في البيت  و لو أنّ الزوجة غائبة ، لباقةً ، هذه أخت زوجتي ، هذه بنت عمّي ، هذه بنت خالتي ، معقول أن أرُدّها مثلاً ، هذه اللباقة و الذوق الرفيع في مُعاملة النّساء ، هذا قد ينتهي بالإنسان إلى القطيعة عن الله عزّ و جلّ ، يعني هذه مُجاملة يُروّج لها إبليس ، لكنّ المؤمن وقّافٌ عند حدود الله ، الحلال ما أحللت و الحرام ما حرّمت ، فإذا أحبّ المؤمن أن يُحافظ على هذه الصِلة بينه وبين الله ، فليحفظ حدود الله ، يعني إذا هان الله على النّاس ، هان النّاس على الله ، يقول لك الماء قليل و الأسعار مُرتفعة   و يوجد ضائقة أحياناً ، هذا كلام يُترجمه القول الشهير : هان الله عليهم فهانوا على الله ، يعني هؤلاء لا يُبالون أحياناً أن هذا الأمر يجوز ، أو لا يجوز ، أو حرام ، حلال ، مسموح ، أو غير مسموح ، فيه معصية أو ليس فيه معصية ، يقول لك " حطّ بالخرج من هون ليوم الله بيفرجها الله "،     كلام بدّو هيك مُعاملة ، قال له : يا رسول الله عظني و أوجز ، فقال (ص) : قُل آمنت بالله ثمّ استقم ، بدوي قال للنبي (ص) : عظني وأوجز ، و في قولٍ آخر أنّه قال للنبي(ص) : قُل لي في الإسلام قولاً لا أسأل أحداً بعدك ، فقال عليه الصلاة و السلام : قُل آمنت بالله ثمّ استقم ، فقال هذا الأعرابي : أريد أخفّ من ذلك -هذه ثقيلة- فقال النبي (ص) : إذا فاستعِدّ للبلاء ، أنت إذا تعاملت مع الله بقواعد واضحة ترتاح و تُريح ، ربّنا عزّ و جلّ إمّا أن تأتيه طائعاً أو أن يسوقك إليه بالسلاسل ، سلاسل المصائب ، فإمّا أن تأتيه طوعاً ، مُبادرةً ، رغبةً ، طمعاً ، شوقاً ، و إمّا أن يُأتى بك إليه على أثر مُشكلة ، على أثر مرض، على أثر ضائقة ، على أثر ضغط ، فالبطل هو الذي يأتيه طائعاً ، قالتا أتينا طائعين ، ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ، لأن الله خلقنا ليُسعدنا ، هذا كلامٌ قطعيّ ، فإمّا أن تقبل أن تسعد باختيارك ، و إمّا أن تُساق إلى هذه السعادة بشكلٍ أو بآخر ، لذلك الآية الكريمة : لله ما في السّماوات و ما في الأرض و إن تُبدو ما في أنفسكم أو تُخفوه يُحاسبكم به الله ، يعني إذا وجد مرض نفسي إن أبديته أو أخفيته تُحاسب عليه ، كيف المُحاسبة ؟ فيغفر لمن يشاء و يُعذّب من يشاء ، إن أقبلت عليه طواعيّةً يغفر لك ، وإن أدبرت عنه ، تُؤتى إليه من خلال مُضايقةٍ فعندئذٍ يُغفر لك أيضاً لكن على أثر عذابٍ لا على أثر إقبالٍ ، المغفرة : إمّا أن تكون على أثر إقبال أو على أثر عذاب ، فيغفر لمن يشاء ويُعذّب من يشاء والله على كلّ شيءٍ قدير ، يعني الطبيب يقول لك : إمّا أن تستعمل الدّواء أو أن نجري لك عملية ، الآن الدواء مُجدٍ لكن بعد فترة لا بُدّ من عملٍ جراحي ، أنت مُخيّر . فالإنسان يجب أن يقبل بالدواء قبل أن يُعالج بالجراحة ، يعني إذا انطلقت من حبّك لذاتك ، إذا انطلقت من حرصك على سلامتك ، إذا انطلقت من رغبتك في كمال وجودك ، في بقاء وجودك ، فأطع الله عزّ و جلّ ، و من يُطع الله و رسوله فقد فاز فوزاً عظيما ، انظر إلى نظر الناس الآن ، يقولون لك : هذا فلان هنيئاً له ، يعني عنده أرض ارتفع سعرها ثمانين ضِعفاً ، قيم النّاس المال ، فمن حاز المال بحجمٍ كبير و جهدٍ يسير ، النّاس يرمقونه بأبصارهم،  وإذا الإنسان اشترى بيتاً فخماً و مريحاً ، في موقعٍ ممتاز ، زيّنه تزيينات رائعة ، أيضاً الناس يهنؤ نه و يُثنون على شطارته و على ذوقه  .

        و إذا الإنسان تقلّد منصباً رفيعاً ، أيضاً يهنؤ نه ، و إذا أنجب أولاداً مُتفوّقين في مقياس الدّنيا يُهنّأ ، هذه مقاييس البشر .

لكنّ البطل هو الذي يبحث عن مقياس الله عزّ و جلّ ، مقياس الله عزّ و جلّ شرحه الله في القرآن الكريم ، قال : و من يُطع الله و رسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ، يعني هل أنت مؤمن بهذا المقياس ، مثل للتقريب:

لو أن لك صديقاً كان على مقعد الدراسة معك و عمل بعملٍ حرّ فأصبح يملك ألوف الألوف ، بل ألوف الملايين ، و هو مُتفلّت من أمر الله ، وأنت مستقيم على أمر الله و لا تملك إلا قوت يومك ، هل تشعر بأنّك محروم ؟ أو بأنّ هذا الصديق تفوّق عليك و فاز عليك ؟ إن شعرت هذا فأنت لا تعيش هذه الآية ، قد تفهمها و لكن لا تعيشها ، قد تفهم معناها و لكن لا تعقلها ، لا تعقل الآية إلا إذا عشتها ، المؤمن الحقّ : يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النّار ، المؤمن الحقّ يقول : ليس في الأرض من هو أسعد منّي إلا أن يكون أتقى منّي ، و لو كان طعامه خشناً و لباسه خشناً ، هذا الإيمان ، الإيمان أن تسعد بمعرفة الله، أن ترى أن الهدى هو كلّ شيء ، و أنّ الدنيا كلّها لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، و أنّ الله عزّ و جلّ إذا تجلّى على قلب الإنسان نسي الدّنيا وما فيها ، و لا تنس خُطبة النبي عليه الصّلاة والسّلام : إنّ هذه الدّنيا دار التواء لا دار استواء ، سبحان الله لا تستقيم لإنسان ، يأتيه المال يفقد الطّمأنينة ، تأتيه الطّمأنينة يفقد المال ، يأتيه المال و الطّمأنينة يفقد الزوجة الصّالحة ، تأتيه الزّوجة الصّالحة يفقد الأولاد الأبرار ، يأتيه أولاد أبرار ليس له دخل يكفيهم ، يأتيه دخل يكفيهم أولاده أشرار ، يعني كلّ شيءٍ على ما يُرام صحّته معلولة ، إنّ هذه الدّنيا دار التواء -هكذا النبي(ص) قال - لا دار استواء ، لا تستوي ، يعني مُحال أن تستقيم لك الأمور كلّها ، رُكّبت على النّقص ، رحمةً بنا لأنّه لو تمّت لكرهت لقاء الله عزّ و جلّ ، لركنت إليها ، لو جاءت الأمور كما تشتهي فهذه أكبر مصيبة ، يقول الله عزّ و جلّ : عبدي ، خلقت لك ما في السّماوات و الأرض و لم أعيَ بخلقهنّ ، أفيُعييني رغيفٌ أسوقه إليك كلّ حين ، و عزّتي و جلالي ، إن لم ترض بما قسمته لك ، فلأُسلّطنّ عليك الدّنيا ، الدّنيا تأتيك من كلّ جهة، فلأُسلّطنّ عليك الدّنيا تركض فيها ركض الوحش في البرّية ثمّ لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ، و كُنت عندي مذموماً، أنت تريد و أنا أريد ، فإذا سلّمت لي فيما أريد  كفيتك ما تريد ، و أن لم تسلّم لي فيما أريد ، أتعبتك فيما تريد ثمّ لا يكون إلا ما أريد ، يعني إذا الإنسان مُنحرف ، غارق في المعاصي و تأتيه الدنيا من كلّ جهة، هذه ليست نِعمة و لكنّها نَعمة ، و نَعمةٍ كانوا بها فاكهين ، هذه ليست نِعمة و لكنّها نقمة، يقول ابن عطاء الله السّكندري : " ربّما أعطاك فمنعك و ربّما منعك فأعطاك "، أحياناً يمنعك ، إذا منعك عن الدّنيا تتّجه إليه فتسعد بقربه فيكون الخلاص بالحرمان من الدّنيا ، و قد تأتي الدّنيا كما تريد فتكون حجاباً بينك و بين ربّ العزّة ، ما تركت بعدي فتنةً هي أضرّ على الرّجال من النّساء ( متّفقٌ عليه ) ، يعني هذا أوّل باب خطر ، في بعض المرّات فلان لم يعد يأتي إلى الدّرس فما هو السّبب ؟ زار أقرباه فالتقى بإحدى قريباته اللاتي لا ينبغي أن يراهُنّ ، من حديثٍ إلى حديث تعلّق بها ، قام ليُصلّي فرأى في نفسه تكاسلاً، شعر بالمُخالفة و المعصية استمرأ هذه العلاقة و ذلك التّكاسل حتى انقطع عن الله عزّ و جلّ ، حالات كثيرة جدّاً سبب انقطاع الإنسان عن الله و عن مجالس العلم أحياناً، أنّه وقع في مُخالفة متعلّقة بالنّساء ، و لو على مستوى النّظر أو مستوى الكلام أو مستوى الحديث ، حتى على هذا المستوى هذه معصية تقطع عن الله عزّ و جلّ .

بشارةٌ قالها النبي عليه الصّلاة و السّلام للنّساء كافّةً أو للنّساء المؤمنات ، عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله (ص) : أيُما امرأةٍ ماتت و زوجها عنها راضٍ دخلت الجنّة ، لأن رضاء الزّوج ربع دين المرأة ، إذا صلّت خمسها و صامت شهرها و حفظت نفسها و أطاعت زوجها دخلت جنّة ربّها ، فطاعة الزّوج و إرضاؤه فيما لا يُغضب الله عزّ وجلّ ، هذا يكفي كي تدخل المرأة الجنّة ، يعني قلّما تجد رجلاً راضياً عن زوجته كلّ الرضى، و لو تعلم المرأة حقّ الزوج ما قعدت ما لم يحضر طعامه أو غذاؤه ، لكن طبعاً الزوج المؤمن ، لأن الزوج المؤمن يعرف حقّ المرأة أيضاً ، هذا الحديث رواه الترمذي وقال حديثٌ حسن ، الحديث الأوّل مُتّفقٌ عليه و هو أعلى درجة من الصّحة ما اتّفق عليه الشّيخان الإمام البخاري و الإمام مسلم ، و هذا الحديث كأنّه ضوء أحمر خطر ، اجعل هذا الحديث بالقلم الأحمر : ما تركت بعدي فتنةً هي أضرّ على الرّجال من النّساء ، فالإنسان يستعين بغضّ البصر ، يستعين بترك الأماكن الموبوءة ، يستعين بترك رفقاء السّوء ، بترك الحفلات المُختلطة ، بترك مكان فيه امرأة لا تخشى الله عزّ و جلّ ، بقطع العلاقة مع كلّ قريبة لها تطاول من حيث الاختلاط مع الرّجال ، هذا كلّه من أجل الحفاظ على الدّين و الحمد لله ربّ العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi