English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق الآباء على الأبناء  1 / 2  -   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

أيها الإخوة المؤمنون ... لا زلنا في الحديث النبوي الشريف ، ولا زلنا في موضوع الحقوق والواجبات ، وقد مضى درسان أو أكثر في الحديث عن حقوق الزوج على زوجته ، وفي الحديث عن حقوق الزوجة على زوجها ، واليوم ننتقل إلى حقوق الآباء على الأبناء ومن ثَمَّ إن شاء الله تعالى نتحدث عن حقوق الأبناء على الآباء ، الله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة النحل : آية " 90 " )

العدلُّ قسري ، والإحسان طوعي ، أي أداء الحقوق لا بدَّ من أن تفعله أيها المؤمن ، أما أن تحسن فهذا بحسب رغبتك وإمكاناتك وطموحك في القرب من الله عزَّ وجل ، فالحديث في الحقوق والواجبات لا يتعلّق بما هو طوعي ، بل يتعلق بما هو قسري ، إلا أن المؤمن مأمور بالإحسان كما هو مأمورٌ بالعدل .

أضرب على هذا مثلاً للتوضيح ، لو أنك بعت بضاعةً وكان البيع وفق الشرع تماماً، تمَّ الإيجاب والقبول ، وعُلِم الثمن ، وعُلِمت حالة البضاعة ، وقبضت الثمن ، وسلَّمت البضاعة ، وكان الرضا ، وكان الشهود ، هذا بيعٌ شرعي بيعٌ ملزم ، لو أن أحد الطرفين امتنع عن دفع بقية الثمن ، ورفع البائع أمره إلى القاضي ، القاضي يلّزمه هذا هو العدل ، لكن هذا الشاري إذا جاءك ورجاك ، أن تلغي له هذه الصفقة وبين لك العذر ، وأنت تستطيع أن تفعل هذا من دون أن تصاب بالضرر، وفعلت هذا فهذا من قبيل الإحسان :

(سورة النحل : آية " 90 " )

لذلك القضايا فيما بين الناس ، إن لم تحلَّ ، وفق قواعد العدل حُلَّت وفق قواعد الإحسان ، ولا سيما بين الزوجين ، بين الجارين ، بين الأخوين  بين الشريكين ، إما أن تُحَكِّم قواعد العدل ، أنعم بها من قواعد ، وإما أن تحكِّم قواعد الإحسان ، وقواعد الإحسان تتسع لما ضاقت عنه قواعد العدل ، هذه الآية لو طبقها الناس لأَغلق القصر العدلي أبوابه :

إذا ضاق العدل اتسع الإحسان ، العدل قسري ، والإحسان طوعي، لكن درس اليوم والدروس التي سبقته ، والدروس التي تلّحقه إن شاء الله تعالى ، هذه متعلّقةٌ بالعدل ، حقوق ، ولا بدَّ من أداء الحقوق ، والنبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عن عمرو بن جارحة قال :

" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " *

(من سنن النسائي )

ولن يكون الطريق إلى الله سالكاً إلا إذا أعطيت كلَّ ذي حقٍ حقه، لن تشعر أن الله راضٍ عنك إلا إذا أعطيت كلَّ ذي حقٍ حقه ، فالزوجة لها حق ، والأم لها حق ، والأخ له حق ، والأخت لها حق ، والابن له حق ، والبنت لها حق ، والجار له حق ، وكلُّ من يتصل بك له حق ، وإن الله ليسأل العبد عن صحبة ساعة .

أيها الإخوة الأكارم ... الدرس حديثٌ شريف ، ولكن الموضوع متعلّقٌ بحقوق الآباء على الأبناء ، ومادام في القرآن آيةٌ كريمةٌ تتعلَّق بحقوق الآباء على الأبناء ، فلا بدَّ من أن تقدم هذه الآية ، الآية الكريمة وهي قوله تعالى :

( سورة الإسراء : آية " 23 " )

قضى .. ما معنى قضى ؟ كلمة قضى تنقلنا إلى موضوعٍ في القرآن دقيق ، أن الكلمة في القرآن الكريم قد ترد بمعاني كثيرة ، السياق وحده يحددها ، فمثلاً قال تعالى :

أي أمَرَ ، كلمة قضى في هذه الآية تعني أنه أمرَ ، أي أن الله سبحانه وتعالى أمرَ المؤمن أمر الإنسان ألا يعبد إلا الله وبالوالدين إحسانا ، آيةٌ ثانية :

( سورة فصلت : آية " 12 " )

معنى قضاهن أي خلقهن ، قضى في قوله تعالى :

بمعنى أمرَ ، و

بمعنى خلّق ..

 ( سورة طه )

حينما خاطب السحرة فرعون ، أي بمعنى اُحكم ..

(سورة يوسف )

بمعنى فرغنا منه ، أمر ، وخلّق ، وفرغنا ، والحكم .. و

 ( سورة مريم )

هنا بمعنى أراد ..

 ( سورة القصص )

إذا عهدنا ، كلمة قضى تأتي مرةً بمعنى أمرَّ ، ومرة بمعنى خَلَق ، ومرة بمعنى حكم، ومرة بمعنى فرغ ، ومرة بمعنى أراد ، ومرة بمعنى عَهِدَ ، إذاً من السذاجة أن تظن أن الكلمة القرآنية لها معنىً واحد ، فحيث ما جاءت طبقت هذا المعنى الواحد ، القرآن واسع البيان ، لكن سياق كل آية هو الذي يحدد معناها يعني :

أي أن الله سبحانه وتعالى أمر

( سورة الإسراء : آية " 23 " )

في الآية دقةٌ بالغة ، أنا ماذا أقول حينما أعطف شيئاً على شيء؟ أقول : اشتريت أرضاً وبيتاً ، اشتريت مركبةً فخمةً ومركباً في البحر ، اشتريت كتاباً ثميناً ومجلداً ، لكن ليس من طبيعة العرب أن يعطفوا شيئين متفاوتين ، هل يعقل أن تقول : اشتريت أرضاً وملعقةً ؟ غير مألوف ، اشتريت بيتاً فخماً ودفعت ثمنه مبلغاً طائلاً واشتريت معه سكيناً، لا يوجد تناسب ، لمجرد أن الله سبحانه وتعالى عطف الإحسان للوالدين على عبادة الله عزَّ وجل ، فالإحسان للوالدين شيءٌ عظيمٌ عظيمٌ عظيم ، قَرَنَه الله عزَّ وجل بعبادته :

آيةٌ ثانية ، الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة محمد )

صلاح البال ، راحة البال ، الطُمأنينة ، الرضا ، الاستسلام لله عزَّ وجل ، بيتٌ ليس فيه مشكلات ، ليس فيه منغِّصات ، فيه سلم ، فيه مودة ، فيه محبة ، صلاح البال رفعه الله إلى مستوى الهدى :

العطف يقتضي التناسب ، لمجرد أن الله سبحانه وتعالى ، عطف الإحسان إلى الوالدين ، على عبادة الله عزَّ وجل ، معنى ذلك أن الإحسان إلى الوالدين شيءٌ عظيمٌ عظيمٌ عظيم ، يرتقي إلى مستوى عبادة الله عزَّ وجل .

شيءٌ آخر ، في حقوق الآباء على الأبناء ، في آيةٍ ثانية الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة لقمان )

دائماً الأحكام تحتاج إلى ثبات ، والثبات أساسه التكرار ، لو أن الله سبحانه وتعالى في آيةٍ واحدة قرن الإحسان إلى الوالدين بعبادة الله عزَّ وجل ، هذه آيةٌ لكن لا نعلم ما إذا كانت قاعدة ، ولكن حينما تأتي آيةٌ ثانية تَقْرِن ضرورة شكر الله عزَّ وجل بضرورة شكر الوالدين في آيةٍ ثانية ، إذاً يستنبط من تكرار الآيتين أن هناك قاعدةً ثابتة ألا وهي أن برَّ الوالدين شيءٌ يرقى إلى مستوى عبادة الله عزَّ وجل :

( سورة لقمان )

 وفي صحيح البخاري

عن عبد الله قال : " سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ..." هناك أعمالٌ صالحة لا تعد ولا تحصى ، هذا السائل يريد أحب الأعمال إلى الله ، فقال عليه الصلاة والسلام :

" الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا . قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ؟ قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " *                  

         ( في صحيح البخاري )

يقول عليه الصلاة والسلام أحب الأعمال إلى الله الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا ، وبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، والْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .

من معاني بر الوالدين نأخذ بالأشد ، ألا يتعرض الإنسان لسبِّهما إطلاقاً ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

" مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟!! قَالَ : نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ " *

( من صحيح مسلم )

الكبائر مهلكة تستحق دخول النار ، فهذه الكلمات التي يعتادها السوقة من الناس في سبِّ الوالد ، إذا اعتادها الإنسان ألحق بأبيه سباباً لا يعدُّ ولا يحصى ، وهذا من الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام .

في هذه المناسبة ، أحد العلماء اسمه " أبو طالب المكي " رحمه الله تعالى أحصى الكبائر التي وردت في كتاب الله فقال :

" أربعةٌ في القلب ؛ الشرك بالله تعالى ، والإصرار على معصية الله تعالى ،  الشرك والإصرار  والقنوط من رحمة الله تعالى ، والأمن من مكر الله تعالى ( هذه كبائر القلب ) ، وأربعةٌ في اللسان ؛ شهادة الزور ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ، واليمين الغموس ، والسحر . ( هذه أربع كبائر في اللسان ) ، وثلاثةٌ في البطن ؛ شرب الخمر ، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا ، واثنتان في اليدين  وهما القتل والسرقة ، واثنتان في الفرج وهما الزنا واللواط ، وواحدةٌ في الرجل ، وهي الفرار من الزحف ، وواحدةٌ في جميع البدن وهي عقوق الوالدين " . أربعةٌ في القلب ، وأربعةٌ في اللسان ، وثلاثةٌ في البطن ، واثنتان في اليدين ، واثنتان في الفرج ، وواحدةٌ في الرجل ، وواحدةٌ في جميع البدن .

والنبي عليه الصلاة والسلام عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذُكِرَ الْكَبَائِرُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

" أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لا يَسْكُتُ " *

 

( رواه البخاري ومسلم  والترمذي )

الإشراك بالله مطلقة والمطلق على إطلاقه ، أي الشرك الخفي ، والشرك الجلي ، أن تقول : زيد وعبيد وفلان أزعجني ، وفلان أعطاني، وفلان حرمني ، وفلان وعلان ، وفلان وفلان ، هذا كلّه شرك ، قال تعالى :

( سورة الشعراء )

وعبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:

"الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ " *

( صحيح البخاري )

" وإن من أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير حقٍ ، والفرار يوم الزحف ، وعقوق الوالدين ، ورمي المحصنة ، وتعلُّم السحر ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم "                                      

       ( رواه ابن حبان في صحيحه )

يعني هذه الأحاديث كلها مفادها أن عقوق الوالدين من الكبائر ، كيف أن الله سبحانه وتعالى أمرك بالإحسان إليهما ، وقرن الإحسان إلى عبادته ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أمرك أن تشكرهما وقرن شكرهما إلى شكره ، كذلك عقوق الوالدين رفعه الله إلى مستوى الشرك ، الإشراك بالله وعقوق الوالدين . والآية التي تعرفونها جميعاً وهي قوله تعالى :

 ( سورة النساء )

و عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ " *

( رواه البخاري )

حديثٌ لطيف ، خصَّ الأمهات لعظم فضلهن على الأبناء ، ومنعاً وهات منع أداء الحقوق ، وأخذ المال بالباطال ، وقيل وقال الكلام الذي لا طائل منه ، وكثرة السؤال في المسائل التي لا حاجة لك بها " طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس " ، وإضاعة المال إنفاقه إسرافاً وتبذيراً .

وعن ابن عمر  رضي الله عنهما عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال :

" ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ..."

أي أكبر عقوبةٍ يعاقب بها الإنسان يوم القيامة أن يحرم من النظر إلى وجه الله الكريم ، والدليل قوله تعالى :

( سورة المطففين )

" ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه ، ومدمن الخمر ، والمنَّان في عطائه ، وثلاثةٌ لا يدخلون الجنة ، العاقُّ لوالديه ، والديّوث، والرجلة ".

الرجلة المرأة المسترجلة التي تقلِّد  الرجال ، الفاجرة .

الأحاديث المتعلقة بعقوق الوالدين لا تعدُّ ولا تحصى .

" أربع حق على الله تعالى ألا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها مدمن خمرٍ وآكل ربا وآكل مال اليتيم بغير الحق والعاق لوالديه ".

اعمل ما شئت ، يقال للعاق : اعمل ما شئت فلن يغفر لك .

"ثلاثةٌ لا ينفع معهن عمل ، الشرك بالله وعقوق الوالدين والفرار من الزحف ".

" وثلاثةٌ لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً عاقٌ ومنانٌ ومكذبٌ بالقتل ".

هذا كله متعلقٌ بعقوق الوالدين لعظم حقهما على الإنسان :

(سورة الإسراء: آية " 23 " )

الآن بعض التفصيلات المتعلقة ببر الوالدين ، من عقوق الوالدين أن تخالف الأبوين في أغراضهما الجائزة لهما ، كما أن من برهما أن توافقهما في أغراضهما ؛ فإذا أمرك الأب أمراً لا يتعلق بمعصية الله عزَّ وجل وجب عليك أن تنفذه ، إلا إذا كان معصية ، للقاعدة الشهيرة :

"لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق".

بعض العلماء قالوا : " إذا أمرك بالمباح يصير في حق الولد مندوباً "، ينتقل أمر الأب إلى ابنه في المباح إلى مستوى المندوب ، إذا أمرك بشيءٍ مباح أصبح في حق الولد مندوباً ، " وإذا أمرك بالمندوب ، أصبح في حق الولد تأكيداً في ندبيته ، والأبوان لا يأثمان إذا منعا ابنهما من الحج "، إذا كانا في مرضٍ عضال وفي حاجةٍ ماسةٍ إليه ومنعاه من الحج على أن يحج في العام القادم لا يأثمان ، لأن بعض العلماء يرى أن الحج على التراخي لا على الفور ، بعضهم يرى على الفور ، إذا كانا هناك مرضٌ عضال وحاجةٍ ماسة وهناك احتمالٌ كبير أن يموتا في غيبة ابنهما ، الأولى أن يبقى معهما ولا يأثمان إذا منعا ابنهما من الحج .

"لا يحل للابن أن يسافر سفراً فيه خطرٌ إلا بإذنهما السفر الذي فيه خطر لا يحق للابن أن يسافر سفراً فيه خطرٌ إلا بإذنهما ، هذا ما ورد في شرح بعض الأحاديث ،" ومما لا خطر فيه ، فيحل للابن أن يسافر من دون إذنهما ، من هذا السفر الذي لا خطر فيه ، السفر في طلب العلم ".

الآن قال بعض العلماء : " لا يجوز للمصلي إذا دعته أمه أو غيرها أن يقطع صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " .

تصلي في غرفة وأمك تناديك أو أبوك في غرفةٍ ثانية ، بعض العلماء يقول : " لا يجوز للمصلي أن يقطع صلاته إجابةً لنداء أمه ، لأن حق الله عزَّ وجل آكد من حقوق الأبوين " لكن العلماء يستحبون ، فعليه أن يخفف من صلاته فيقرأ سورة الإخلاص ، مادام أحد أبويه يناديه اقرأ سورةً قصيرة ، أما إذا شرعت في سورةٍ طويلة وتابعتها أنت الآن مخالف ، لك أن تقرأ سورةً قصيرة كي تجيب أمك أو آباك في الوقت المناسب .

عالمٌ آخر قال : " إن الصلاة إذا كانت نفلاً ، وعُلم تأذي الأب أو الأم بترك الإجابة لك أن تقطع صلاتك النافلة لتجيب أمك أو أباك إذا كان في عدم الإجابة تأذٍ لهما ".

إذا أمك مقعَدَة وتحتاج إلى أن تغير جلستها ، انتهى السيروم مثلاً، متألمة من قضية، نادتك وأنت في صلاة النفل ، بعض العلماء أجازوا أن تقطع صلاتك كي تجيب نداء أمك أو أبيك .

أما إذا ضاق الوقت وكانت الصلاة فرضاً فلا عليك ألا تجيب ، عند المالكية " إجابة الوالد في النافلة أفضل من التمادي فيها ، لكن يجب أن تدع أية صلاة ولو كانت فرضاً إجابةً إغاثةً لملهوف " ، كأن يكون الابن قريباً من المدفأة  أو الابن نائم يكاد أن يقع من فوق سرير عالي وقد يرتج دماغه في قضية خطيرة ، " يجب أن تقطع الصلاة إغاثةً لملهوف ، أو لغريق، أو لحريق ، أو إجابةً لنداء أحد الأبوين بلا استغاثة إلا في النفل " إلا في النفل لك أن تقطع الصلاة .

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

"ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين يعني من الجنة، وإن كان واحد فواحد ، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه ، قيل: وإن ظلماه ؟ قال : وإن ظلماه".

أي حتى لو أوقع الأب ظلماً بالابن ، لكن العلماء استدركوا وقالوا: " إن ظلماه في الدنيا لا في الآخرة " ، أي إذا كان الأمر متعلق بالدين ، عندئذٍ : " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " .

أما إن ظلماه في الدنيا ويحتمل هذا الظلم ، الأولى ألا يغضبهما ، هكذا قال العلماء ، الظلم في الدنيا إذا كان محتملاً الأولى أن ترضيهما.

في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :

جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال :

"يا رسول الله حق الأم يعدل ثلاثة أضعاف حق الأب"

الإمام مالك جاءه رجل وقال له : إن أبي في بلد السودان ، وقد كتب إلي أن أقدم عليه ، وأمي تمنعني من ذلك ، فماذا أفعل ؟ الإمام مالك بحسب علمه قال : " أطع أباك ولا تعصِ أمك " . ففهم من هذا القول: أن حق الأب وحق الأم سواء .

لكن أكثر العلماء على أن حق الأم يعدل ثلاثة أضعاف حق الأب.

تخاصم أبو الأسود الدؤلي مع امرأته إلى القاضي ( هذا أبو الأسود الدؤلي واضع علم النحو) ، على غلامهما منه ، أيهما أحق بحضانته ؟ فقالت المرأة : " أنا أحق بها لأنني حملته تسعة أشهرٍ ، ثم وضعته ، ثم أرضعته ، إلى أن ترعرع بين أحضاني كما تراه مراهقاً ". فقال أبو الأسود أمام القاضي : " أيها القاضي حملته قبل أن تحمله ، ووضعته قبل أن تضعه ، فإن كان بعض الحق علي فلي الحق كله أو جله " . فقال القاضي : " أجيبي أيتها المرأة عن دفاع زوجك " ، قالت : " لأن حمله خفاً ، فقد حملته ثقلاً ، وإن وضعه شهوةً فقد وضعته كرهاً " . فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له : " ادفع إلى المرأة غلامها ، ودعني من سجعك " ، يبدو أن حق الأم يزيد على حق الأب .

"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنِّي. فقَالَ عليه الصلاة والسلام:

"أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي" *                            

          (من سنن أحمد)

إذا تزوجتِ فهو أحق منك به .

العلماء قالوا : " الأم أحق بحضانة ولدها إلى سبع سنين ، إن كان ذكراً، وإلى تسعٍ إن كانت أنثى ، إلا أن يرى القاضي استمرار حضانة الأم فيزيد سنتين لكليهما " . هذا الحكم الشرعي .

مما يتعلق ببر الوالدين أن العارف بالله الشهير أبا يزيد البسطامي رحمه الله أراد أن يذهب إلى بغداد لطلب العلم وكان غلاماً يافعاً ، فأعطته أمه أربعين ديناراً هي ميراثه من أبيه، وقالت له : " ضع يدك في يدي وعاهدني على التزام الصدق فلا تكذب أبداً ، فعاهدها على ذلك وخرج مع قافلةٍ يريد بغداد لطلب العلم ، وفي أثناء الطريق خرج اللصوص ، ونهبوا كل ما في القافلة ، ورأوا البسطامي رث الثياب فقالوا: يا غلام هل معك شيء ؟ قال : معي أربعون ديناراً ، ( لأنه عاهد أمه على الصدق ) ، فسخروا منه وحسبوا أنه أبله وتركوه، وراحوا إلى الكهف الذي كان به كبيرهم ينتظر ما يأتون به ، فلما رآهم قال : هل أخذتم كلَّ ما في القافلة ؟ قالوا نعم : إلا غلاماً سألناه عما معه فقال : معي أربعون ديناراً فتركناه احتقاراً لشأنه ، ونظن أن به خبلاً في عقله ، قال : علي به ، فلما حضر بين يديه ، قال : هل معك شيء ؟ قال : نعم معي أربعون ديناراً ، قال : أين هي ؟ فأخرجها وسلمها له ، فقال كبير اللصوص : أمجنون أنت أيها الغلام ؟ كيف تخبر عن نقودك وتسلّمها باختيارك ؟ فقال له : لما أردت الخروج من بلدي ، عاهدت أمي على الصدق ، فأنا لا أنقض عهد أمي أبداً ، عندئذٍ صُعق كبير اللصوص ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، أنت أيها الغلام تخاف أن تخون أمك ونحن لا نخاف أن نخون عهد الله ، ثم أمر كبير اللصوص برد جميع ما أخذ من القافلة وقال : يا غلام أنا تائبٌ على يديك ".

فإذا كان هناك مثل هذا اللص فلا عليكم فأعطوه المصاري ، فقال من معه : " أنت كبيرنا على قطع الطريق ( كنت )، واليوم أنت كبيرنا في الطريق إلى الله ".

وعندنا قضية أخرى متعلقة ببر الوالدين ، الشيء الأساسي أن العلماء قالوا : " لا يختص بر الوالدين ، بأن يكونا مسلمين " ، يعني أحياناً شابٌ يتعلم الدين من مسجد ، ويرى أن أباه دينه قليل ، فيتهمه بألفاظ كبيرة ويسيء العلاقة مع أبيه ، استمعوا أيها الإخوة : لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين ، لو كانا مشركين فأنت ملزمٌ ببرهما ، فكيف إذا كانا مسلمين ؟ وكانا مقصرين ؟ أيحق لك أن تتهمهما في دينهما ؟ أيحق لك أن تغلظ عليهما القول؟ أيحق لك أن تكون عنيفاً معهما ؟ يقول الله عزَّ وجل :

 ( سورة الممتحنة )

إذا كان الله سبحانه وتعالى لا ينهانا عن الذين لم يقاتلونا في الدين أن نبرهم ، فلأن نبر والدينا من باب أولى .

عن أسماء أنها سألت رسول اله قالت :

"قَالَتْ أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آصِلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ)*

( من صحيح البخاري )

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : مر النبي عليه الصلاة والسلام على ابن أبي بن سلول وهو في ظل ، فقال أبي بن سلول الأب : قد غبر علينا ابن أبي كبشة ، يعني رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ، فقال ابنه عبد الله : والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لإن شئت لأتيتك برأسه ، فقال عليه الصلاة والسلام :

"لا ولكن بُرّ أباك ، وأحسن صحبته ".

ألدُّ أعداء النبي ، رأس المنافقين ، أمر النبي عليه الصلاة والسلام إبنه أن يبرَّه ، هذا هو الشرع ، هذا هو الدين ، هذا هو الإسلام .

 في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال :

"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ. فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ "* 

                     ( من صحيح المسلم )

وفي غير الصحيح أي في رواية لا ترقى إلى مستوى الصحيح  عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قال :

"    إَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ. قَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا "*                                           ( من سنن النسائي )

وفي خبرٍ آخر :

"نومك مع أبويك يضاحكانك ويلاعبانك أفضل من الجهاد معي ".

فهذا كله يؤكد بر الوالدين .

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُهُ قَالَ :

"جِئْتُ لأُبَايِعَكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ. قَالَ : فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا "*                            

       (مسند أحمد)

ترون من هذه الفقرة عظم بر الوالدين .

الآن من أبكى والديه كان عاقاً ، حدثته حديث فبكى وليس عن الله فبكى هذه ليس لها علاقة ، حدثته بقضية رفضت له طلّب ، أو ترجاك بشيء فأنت لم تستجب ، رجاك أن تكون مع أخيك فانفصلّت عنه ، أي أنه طلّب منك طلباً معقولاً ، فأنت امتنعت فبكى الأب ، فالعلماء قالوا : "بكاء الوالدين من عقوقهما ". طبعاً هذا القول مأخوذ عن النبي عليه الصلاة والسلام :

"بكاء الوالدين من العقوق"        

              ( أخرجه البخاري في الأدب المفرد )

وفي حديثٍ آخر :

"من أحزن والديه فقد عقهما".

الموضوع المتعلق ببر الوالدين ، من بر الوالدين صلة أهل ودهما، فعن ابن عمر قال : قال عليه الصلاة والسلام :

 * ( من صحيح المسلم )

بعد أن يولي الأب من أصدقائه ؟ أخواته الذكور ، أخواته الإناث، أقربائه ، أصدقائه، أصحابه .. " إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ "

والحديث الشهير الشهير الذي تسمعونه مني ، وهو أن أبا أسيد كان بدوياً قال :

"بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَبَرُّهُمَا بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ خِصَالٌ أَرْبَعَةٌ الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا رَحِمَ لَكَ إِلا مِنْ قِبَلِهِمَا فَهُوَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ بِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا "*

(من مسند أحمد)

النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي لصديقات خديجة اللحم بعد موتها براً بها ، ووفاءً لها وهي زوجته فما ظنك بالوالدين ؟ فهو حينما فتح مكة قال لأصحابه : " أنصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة "، وفاءً لها، فإذا كان هذا هو وفاء النبي لزوجته فماذا ينبغي أن يكون وفاؤنا لوالدينا؟.

عن أبي بردة رضي الله عنه قال : أتيت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، فقال: أتدري لم جئتك ؟ قلت : لا ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

"من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده ".

      عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ : فَقُلْنَا لَهُ : أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّهُمُ الأَعْرَابُ وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ !! فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ "*

(من صحيح المسلم)

الشيء المعروف عندكم جميعاً أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث :

"فعن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "*

(من صحيح البخاري)

فالولد الصالح الذي يدعُو له هذا صدقةٌ جارية ، إذاً حق الأب عظيم  أي أن الإنسان إذا ربى ابناً صالحاً ودعا له من بعده فإن كلَّ أعماله الصالحة من بعده تسجَّل في صحيفة الأب ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

"أفضل كسب الرجل ولده ".

السيوطي الشهير مصنف الأحاديث له أبيات يعدد فيها الصدقات الجارية أخذاً عن السنة النبوية المطهرة يقول :

إذا مات ابن آدم جاء يجري    عليه الأجر عـند ثـلاث عشرٍ

علومٌ بثـها ودعـاء نجـلٍ    وغرس النخل والصدقات تجري

ووارثة مصحفٍ ورباط ثغرٍ    وحفر الـبئر أو إجـراء نـهر

وبيتٌ للغريب بـناه يـؤي     إلـيه أو بــناء مـحل ذكـر

وتعليمٌ لقـرآنٍ كـريمٍ          فخـذها مـن أحاديثٍ بشعري .

عند ثلاث عشرٍ : أي ثلاثة عشرة نقطة .

سؤل أحد العلماء : " كم يدعو الإنسان لوالديه ، أفي اليوم مرة ، أم في الشهرة مرة، أم في السنة ؟ فقال : تدعو له مع كلِّ صلاة، خمسة صلوات ، أي خمس مراتٍ في اليوم .

قال بعض التابعين : " من دعا لوالديه خمس مراتٍ فقد أدى حقهما  في الدعاء لأن الله تعالى يقول :