English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق الآباء على الأبناء  2 / 2  -   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... لازلنا في الحديث عن حقوق الآباء على الابناء ، ولكن هناك ملاحظةٌ أريد أن أضعها بين أيديكم ، هو أن الآيات الكريمة المتعددة ، والأحاديث الشريفة الكثيرة ، التي تحض الأبناء على أن يكونوا بارين بآبائهم هذه الآيات والأحاديث ينبغي أن تحْمل الآباء على أن يكونوا في مستوى الأبوة المطلوب ، مادام ربنا سبحانه وتعالى ونبينا عليه الصلاة والسلام يحضُّ الأبناء على أن يكونوا بارين بآبائهم ، فالآباء يجب أن  يكونوا في المستوى المطلوب ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

"رحم الله والداً أعان ولده على بره".

"من أكل من مال ابنه فاليأكل بالمعروف".

يعني ربنا سبحانه وتعالى والنبي عليه الصلاة والسلام في آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ، يحض الآبناء على بر آبائهم ، فينتظر من الآباء أن يكونوا مثالييِّن في معاملة أبنائهم ، الآن ربنا سبحانه وتعالى في الآية التي بدأنا شرحها في الدرس الماضي يقول :

 (سورة الإسراء: آية " 23 " )

الحقيقة الأب الشاب اليقظ الواعي هو في غنى عن ابنه ، ليس في هذا شك ، ولكن متى تشتد حاجة الأب إلى ابنه ؟ إذا بلغ من الكبر عتياً، إذا تقدمت به السن ، إذا ضعف بصره، إذا انحنى ظهره ، إذا خارت قواه ، إذا ضعفت ذاكرته ، إذا كلَّت يده ، إذا أصبح عبئاً على ابنه ، يعني يكون الآب في أشد حالات الحاجة إلى ابنه إذا تقدمت به السن ، وإذا وقف كسبه ، وإذا أصبحت حاجاته كثيرة ، وأدويته كثيرة ، ومطالبه كثيرة ، وله أبناء في أوج شبابهم ، وفي عنفوان رجولتهم ، لذلك ربنا عزَّ وجل أشار في هذه الآية إلى الكبر :

 وأشار أيضاً في كلمة ، الابن أحياناً يكون أبوه قد تقدمت به السن ولكن هو يقطن عند أخيه ، يزوره من حينٍ إلى آخر يقدم له واجبات الخضوع والمحبة ويجلس قليلاً وينصرف ، أما عبء الأب على الأخ الثاني ، الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يشير إلى أن حقوق الأب تشتد ويعظم أجرها إذا بلغ من الكبر عتيا وكان عندك في البيت ، كنت أنت ترعاه.

فبعض الدول الغربية تفتخر بأن لديها مأوىً للعجزة ، أي أن هذا الإنسان إذا تقدمت به السن التحق بهذا المأوى ، قد يقدموا له كل شيء أطيب الطعام وكل الخدمات الصحية ولكن لا يستطيعون أبداً أن يقدمون له المحبة ، ولا العطف ، ربما كانت سعادة الأب أن يمتِّع نظره بأولاده، فإذا زجوه في المأوى في مأوى العجزة وتخلوا عنه وأنفقوا عليه الأموال الطائلة ، فو الله قد فعلوا في حقه جريمة لا تغتفر ، لذلك الإسلام يوجد فيه نظام التضامن الاجتماعي ، أي أن كل أُسرة متضامنة متكافلة فيما بين أفرادها لو تقدمت بالأب السن ، لو ضعف بصره ، لو خارت قِواه لو أصبح عاجزاً ، إنه بين أولاده ، بين بناته ، بين أقربائه ، هذا الذي ينسيه ألمه، فإذا زُج في مأوى العجزة ، فَقَدَ العطف ، فقَدَ الحنان ، فكيف إذا كان في مأوى العجزة ، وكيف إذا كان مأوى العجزة فيه القسوة وفيه الضرب وفيه إيذاء بالكلام ؟

سمعت قصة امرأة لها أموالٌ طائلة أكثرها غير منقول ؛ أي حوانيت وأبنية وبيوت وأراضِ ومزارع ، تقدمت بها السن وفقدت حركتها ، أولادها أودعوها في مأوى العجزة ، فإن زوجاتهم أبَيْنَ أن يخدمَّنها ، حينما رأت نفسها في مأوى العجزة وأن أولادها الذين ربتهم تخلوا عنها ، استدعت القاضي العدل ، كاتب العدل ، وكتبت للجمعيات الخيرية كل أموالها ، عقاباً لهؤلاء الأولاد الذين كفروا فضل أمهم عليهم، لذلك :

روى البخاري في كتاب بر الوالدين عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال :

"رغم أنف امرئ أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة."

"رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلاهُ الْجَنَّةَ " *

 (سنن الترمذي)

يهمنا من هذا الحديث رغم أنف أمريءٍ أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة أي أن تكون باراً بأبيك وقد تقدمت به السن ، وقد ضعُف بصره ، وقد خارت قِواه ، وقد ضعفت ذاكرته ، وقد فقد ضبط نفسه  أن يبقى عندك معززاً مكرماً مخدوماً فهذا العمل من الأعمال التي يستحق عليها الإنسان كلَّ إكرامٍ في الدنيا قبل الآخرة ، وما رأيت إنساناً موفقاً في حياته إلا بسببٍ وجيهٍ من برهِ بوالديه ، فمن كان له أبٌ حي فاليغتنم هذه الفرصة إنها فرصة العمر ، فرصةٌ لا تعوض طبعاً أبٌ أو أم ، قال:     

الأُف هذه اسم فعل مضارع ، أي أتضجر ، الكلام القذع الرديء الخفي ، يعني حتى لو رأى الابن من أبيه شيئاً لا يحتمل لا ينبغي أن يقول له : أُف ، كل ما يضجر ويستثقل ويقال له أُف لا ينبغي أن يقول له هذه الكلمة ، أن يقول الابن هذه الكلمة لأبيه ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

"لو علم الله من العقوق شيئاً أقل من أُف لذكره".

يعني أقل شيءٍ في العقوق أن تقول : أُف ، يعني زفير بصوت مسموع ، تضجر .

"لو علم الله من العقوق شيئاً أردأ من أف لذكره فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار، وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة".

هذا الحديث روي عن سيدنا علي بن أبي طالب ، لكن إياكم أن تتوهموا أن البار بوالديه لو عصى الله عزّ وجل فإنه يدخل الجنة هذا ليس مقصوداً من هذا الحديث .

كلمة أُف بالتعريف الدقيق رفض الأب ، رفض نعمته وجحود تربيته ، ردُ الوصية التي أوصانا الله بها للآباء ، وهذا معنى كلمة أُف ، طبعاً كلمة أُف من معانيها الرفض والدليل هو قول الله عزّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم حيث قال لقومه :

(سورة الأنبياء)

يعني أنا أرفضكم على كفركم،  وأرفض عبادتكم ، وأرفض موضوع عبادتكم . العلماء قالوا : " مجرد النظر إليهما بغضبٍ يعتبر عقوقاً".

إذا زور أبوه ونظر إليه هكذا ، وعن عائشة رضي الله قالت :

"ما بر أباه من حد النظر إليه".                

       (رواه البيهقي)

"وما بر أباه من شد إليه الطرف بالغضب"                 

هذا أيضاً من العقوق ، بل إن إغلاق الباب بعنفٍ هذا من العقوق وهذا يساوي أُف ، ووضع الإناء بعنف من العقوق ، أحياناً يغضب الابن فيقود سيارته برعونة ليعبر عن غضبه من أبيه هذا أيضاً من العقوق ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه:

"لم يتلُ القرآن من لم يعمل به ولم يبر والديه من أحد النظر إليهما في حال العقوق أُولئك براءٌ مني وأنا منهم بريء".

(رواه الدارقطن)


(سورة الإسراء)

النهر يعني الزجر والغلظة .

وقل لهما قولاً كريما ، يعني قولاً ليناً لطيفاً ، يا أبتاه ، يا أُماه من غير أن يسميهما ، أو يُكنيهما ، يعني لو أبوه اسمه سعيد وكنيته أبو أحمد، الأولى أن تخاطبه بأن تقول له : يا أبت ، يا أبي ، يا أبتاه وهذا الأولى من أن تقول : يا أبا أحمد .

 أنا مرة اصطحبت أحد إخوة مسجدنا لعند ابنه لقضيةٍ ، فلما دخل عليه ، ناداه بكُنيته لئلا يشعر أحدٌ أنه أبوه ، وقال : اجلس هنا يا أبا فلان " وأبوه شخصيةٌ مرموقة لكنه ما أراد أن يُعرف الناس أن هذا والده .

لذلك الأولى أن تناديه بكلمة يا أبتا ، يا أبي ، يا والدي ، من غير أن يسميهما باسمهما أو أن يناديهما بكنيتهما ، وابن المسيب يفسر قوله تعالى:

 

كما يقول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ ". أي عبد مذنب يخاطب سيداً فظاً غليظاً فإنه يتلطف يرجو  يتضرع يتحبب يتوسل ، قال : القول الكريم كما يخاطب العبد سيداً فظاً غليظاً .

من بَر الوالدين ألا يرفع الابن يديه عليهما إذا كلمهما ، أي أنه يشاور ويتكلم معه فيرفع يده ويخفضها ، حركات اليدين في أثناء الكلام استخفافٌ بالأب ، لذلك من بر الوالدين ألا يرفع الابن يديه في أثناء مخاطبته أمه أو أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : أتى رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم ومعه شيخ ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام :

"من معك ؟ قال أبي . فقال عليه الصلاة والسلام : لا تمشِ أمامه ولا تقعد قبله ولا تدعوه باسمه ولا تسبب له ".

لا تسبب له أي لا تكن سبباً في سبه ، هذا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام ، ويقول عليه الصلاة والسلام :

"من أمسى راضياً لوالديه وأصبح ، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى الجنة ، ومن أمسى وأصبح مسخطاً لوالديه أصبح وأمسى وله بابان مفتوحان إلى النار ".

إذا عق والديه فأبواب النار مفتحةٌ عليه ، وإذا بر والديه فأبواب الجنة مفتحةٌ عليه .

تروي كتب السيرة أن رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله إن أبي قد أخذ مالي ، فقال عليه الصلاة والسلام : "اذهب فأتني بأبيك ..

شيءٌ دقيق جداً إنسان شكا لك على إنسان ، مادام يتكلم وحده سيتكلم ما يحلو له ؛ سيخفي بعض الحقائق ، سيبرز بعض الحقائق ، سيبالغ ببعض الحقائق ، لكن إذا قلت له : اذهب وأتني به تكلم ، أنا أؤكد لكم أن تسعة أعشار ما كان ينوي أن يقوله سوف يسكتُ عنه ، إذا أحضرت المتخاصمين مع بعضهما أمامك فإن تسعة أعشار ما ينوي أحدهما أن يقوله في غيبة الآخر سوف يسكت عنه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا قال :

"اذهب فإتني بأبيك" ، قال له: أبي قد أخذ مالي ، والله ليس له حق أن يأخذ مالك، اسمع من الطرف الآخر قال سيدنا سليمان:

( سورة النمل )

 تريث ، استمع من الطرف الآخر ، حق الدفاع مشروع ، قال له: اذهب فأتني بأبيك

روت كتب السيرة أن سيدنا جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن الله عزّ وجل يقرئك السلام ويقول لك: إذا جاءك الشيخ فاسأله عن الشيء الذي قاله في نفسه ، وما سمعته أذناه" ، أي أن الشيخ في طريقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام يحدث نفسه ، وكل واحد منا إذا كان يوجد مشكلة ، سوف يقابل إنسان طوال الطريق يحدِّث نفسه ، هذا حديث النفس ، يبدو أن هذا الشيخ لشدة ألمه من ابنه كان يحدث نفسه شعراً ، فسيدنا جبريل جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال له : " إن ربك يقرئك السلام ويقول لك : إذا جاءك الشيخ فاسأله عن الشيء الذي قاله في نفسه ، فلما جاء الشيخ قال له النبي عليه الصلاة والسلام : ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله ؟ فقال الشيخ : سله يا رسول الله ، هل أُنفقه إلا على إحدى عماته ؟ أو على إحدى خالاته ، أو على نفسي ؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : دعنا من هذا ، أخبرني عن شيءٍ قلته في نفسك وأنت في الطريق إلي، فقال هذا الشيخ : هذه الأبيات ، حينما قالها بكى النبي عليه الصلاة والسلام وأمسك بتلاليب

( بثيابه ) ابنه وقال له : أنت ومالك لأبيك " ماذا قال هذا الشيخ ؟ قال :

غذوتك مولوداً وعِلتك يافعاً....   ...تُعل بما أجني إليك وتنهلُ 

إذا ليلةٌ نابتك بالسُقم لم أبت..   ....لسقمك إلا ساهراً أتململُ

كأني أنا المطروق دونك بالذي    طُرِقت به دوني فعيني تهمل

تخاف الردى نفسي عليك وإنها    لتعلم أن الموت وقتٌ مؤجلً

فلما بلغت السن والغاية التي..    إليها مدى ما كنت فيك أُأمل

جعلت جزائي غلظةً وفظاظةً ..    ..كأنك أنت المنعم المتفضل

فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ...   فعلت كما الجار المُجاور يفعل

فأوليتني حق الجوار ولم تكن..  ....علي بمالٍ دون مالك تبخل.

النبي بكى ، وأمسك الابن من تلابيبه وقال : أنت ومالك لأبيك ، من أنت ؟ كلك حسنة من حسنات أبيك .

 لكن بر الوالدين له حدود ، لو أن الأم أو الأب أمرك أن تكفر بالله أو أن تكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام ماذا تفعل ؟ الله سبحانه وتعالى علمنا فقال

(سورة العنكبوت: آية " 8 " )

الآن سيدنا سعد رضي الله عنه قال : " كنت باراً بأمي فأسلمت فقالت لتَدَعَنَّ دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيَّر بي ويقال لك : يا قاتل أُمه . وبقيت يوماً ويوماً لا تأكل ولا تشرب ، فقلت : يا أماه لو كانت لكِ مائة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدةً ما تركت ديني هذا ، فكلي إن شئت أو لا تأكلي " .

يعني في موضوع الإيمان بالله ، موضوع طاعة الله ، يتوقف هنا رضا الأُم والأب ، فكلي إن شئت أو لا تأكلي ، لكنها أكلت ، فلما رأت ذلك أكلت ، ونزل قوله تعالى :

 (سورة لقمان: آية " 15 " )

بعض الأحكام الشرعية المتعلقة في هذا الباب : طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب الكبيرة أو ترك الفريضة ، طاعة الوالدين هذا الحكم الشرعي المستنبط من هذه الآية ، هذا شيءٌ مقطوعٌ به ، وتلزم طاعتهما في المباحات ، الأشياء المباحة يلزمك أن تطيعهما ، ويستحسن ترك المندوبات من أجلهما ، يعني الأكل على الطاولة وأبوك عصبي والدنيا رمضان ، وتريد أن تصلي أنت وزوجتك وأولادك المغرب قبل الإفطار، والأب يحب أن تأكل مع الأذان ، وأن تصلي قبل الإفطار هذا مندوب ، فإذا تركت الصلاة  قبل الإفطار وصليتها بعد الإفطار إرضاءً لأبيك وحفاظاً على أعصابه فإن هذا مطلوبٌ منك ، أي أن ترك المندوبات في المباحات أنت ملزمٌ بطاعتهما ، في ارتكاب الكبائر أو ترك الفرائض لست ملزماً بطاعتهما ، أما إذا رأيت أن ترك بعض المندوبات مما يريحهما فلا عليك إذا فعلت هذا من أجلهما ، هذا هو الحكم الشرعي ، كذلك ترك الجهاد الكِفائي ، الجهاد الكِفائي إذا قام به البعض سقط عن الكل ، يعني إذا الإنسان تطوع في الخدمة العسكرية التطوع يحتاج إلى إذن الوالد ، أما الإلزامية ، الجهاد العيني هذا ليس بإذن من الوالد ، ترك الجهاد الكِفائي من أجلهما، أو الإقدام عليه بإذنهما .

تحدثنا في الدرس الماضي عن إجابة الأُم في الصلاة يعني إذا أمكنك أن تعيد الصلاة وكانت في حاجةٍ إليك لا عليك أن تدع الصلاة من أجلها ، في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم :

"      مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا ؟ فقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَا قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً ؟ فقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَا . قَالَ : فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا ؟ فقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَا . قَالَ: فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا ؟ فقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ "*              

                                      ( صحيح مسلم )

يعني سيدنا الصديق كان سباقاً ؛ في بر الوالدين ، وفي إطعام الطعام ، وفي رد السلام ، وفي تشيع الجنازة ، لا تنسوا أن الله عزّ وجل نوَّه بالأنبياء الكرام وبرِهم بآباءهم ، فقال متحدثاً عن سيدنا يحيى :

(سورة مريم)

وعن سيدنا عيسى :

( سورة مريم )

وعن سيدنا يوسف :

(سورة يوسف: آية " 100 " )

وعن سيدنا إسماعيل :

 (سورة الصافات)

تروي بعض الكتب من باب التفصيلات ، أن سيدنا إسماعيل عليه السلام قال : " يا أبت إذا أردت ذبحي فاشدد وثاقي لئلا يصيبك شيءٌ من دمي فينقص أجري ، وإن الموت لشديد ولا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدتُ مسه ، فاشحذ شفرتك حتى تُجهز علي ، فإذا أنت أضجعتني لتذبحني فاكببني على وجهي ، فإني أخشى إن أنت نظرت إلى وجهي أن تأخذك الرقة فتحول بينك وبين أمر ربك ، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أُمي فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فافعل ، قال إبراهيم : نعم العون يا بني أنت على أمر الله . ( ما هذا الابن )؟ نِعم العون يا بني أنت على أمر الله ، ثم إنه هم بالتنفيذ ، فتله للجبين ليذبحه فنودي :

 (سورة الصافات)

وافتُدي بكبشٍ عظيم ، وجده إبراهيم على مقربةٍ منه فذبحه .

يعني نحن جميعاً ، القضية سهلة اُفتدي بكبشٍ عظيم هذا متى عرفته أنت ؟ بعد أن اُفتدي ، أما حينما أمره الله بذبح ابنه هل كان يعلم أن هناك حل لهذه المشكلة ؟

(سورة الصافات)

النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح المتفق عليه أي اتفق عليه الشيخان ، وهذا أعلى مستوى من الأحاديث الصحيحة ، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول :

"انْطَلَقَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ فَقَالُوا: إِنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ ...."

كل واحد مننا وقع في مشكلة أو في ورطة ، أو لاح له شبح خطر ، أو لاح له شبح مصيبة ، مرض عُضال لا سمح الله ، دمار للمال فجأةً ، إذا  وقع أحد في مشكلة كبيرة جداً لا ينام لها الليل ، السُنة النبوية أن تدعو الله بصالح عملك .

حدثني رجل كان من تجار الأغنام التقيت به وكان عمره يزيد عن التسعين عاماً ، وقال لي : " إنني خرجت لِتَوي من الفحص الطبي فكانت النتيجة سليمة مائة بالمائة " ، أي أنه لا يشكو شيئاً وهو في التسعين ، وقد أقسم لي أنه لا يعرف الحرام بكل أنواعه ، وكان باراً بوالديه ، فقال لي: " كنت في البادية مرةً ، وامرأةٌ راودته عن نفسه فقال : إني أخاف الله رب العلمين ، واشترى قطيعاً من الغنم وسار به ، أدركهم العطش إلى درجةٍ أنه وأغنامه أصبحوا على وشك الموت ، ( هو وأغنامه ) فقال : يا رب إن كنت تعلم أنني عففت عن هذه المرأة خوفاً منك ففرج عنا . هذه سنة يعني إذا أحب الله عزّ وجل أن يمتحن إنساناً ، وضعه في ورطة ، أو في مشكلة الطريق انقطع ، عطش شديد ، مرض شديد ، مشكلة كبيرة ، شبح إتلاف المال كله ، يعني عليه أن يدعو الله بصالح عمله ، يا رب إن كنت تعلم أنني فعلت هذا العمل من أجلك وخالصاً لك لا أبتغي به شيئاً فأنقذني من هذه الورطة ، هذه هي السنة .

" فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكُنْتُ لا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا  (الغبوق بمعنى شرب الحليب مساءً) أَهْلا وَلا مَالا فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا (أي عدت إلى البيت فإذا هما نائمان ) فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلا أَوْ مَالا فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ ( لا يشرب قبلهما حتى فاقوا من نومهم ) فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ ( لكنها تزحزحت)

   قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقَالَ الآخَرُ : اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ ( فقرٌ شديد ) فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ : لا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلا بِحَقِّهِ فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الثَّالِثُ : اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ لا تَسْتَهْزِئُ بِي ؟! فَقُلْتُ : إِنِّي لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ

(رواه البخاري ومسلم)

يعني إذا الإنسان وقع في شدة عليه أن يدعو الله بصالح عمله ، وعن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

"ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِين عَلَى وَلَدِهِ "*      

                             ( مسند أحمد )

وعن ثوبان رضي الله عنه قال : "أربعةٌ دعوتهم مستجابة الإمام العادل والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب ودعوة المظلوم ورجلٌ يدعو لولده " .

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :

"أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ ؟ قَالَ : هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ ؟ قَالَ : لا . قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَبِرَّهَا"*

(سنن الترمذي)

وهذا حديث لطيف ، يعني إذ كان إنسان توفيت أمه وله خالة فالإحسان إلى الخالة بمثابة الإحسان إلى الأُم .

"قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَبِرَّهَا " *

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَيُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ *                                                      (مسند أحمد)

وقال عليه الصلاة والسلام :

"من برّ والديه طوبى له وزاد الله في عمره".

وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

"لا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ وَلا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ

                              ( سنن ابن ماجة )

ثلاثة أحاديث عن أن بر الوالدين يزيد في العمر وفي الرزق قال:

"إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله باراً".

هذه بشارة حتى لو أن أباً مات غاضباً على ابنه ، انظر إلى باب الرحمة ، فلو أن هذا الابن العاق دعى لوالديه واستغفر لهما وفعل الأعمال الصالحة من أجلهما ربما كتبه الله باراً ولو مات أبوه عليه غاضباً ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

"استغفار الولد لأبيه من بعد الموت من البر ، وإن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: يا ربي أنى لي هذا ؟!!فيقال : باستغفار ولدك لك " .

"من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر الله له وكُتب باراً".

بقي علينا بعض القصص المتعلقة بهذا الموضوع وينتهي الدرس، قال : كان رجل يطعم والده المُسن طعاماً في إناءٍ من الخشب ، الآن يوجد كأس من البلور وكأس من الإستالس ، فيريد الوالد كأس من الماء فيعطيه ابنه كأس الإستالس لأنها لا تنكسر ، فكان هذا الرجل يطعم والده المُسن في إناءٍ من الخشب فسأله ولده عن السبب في هذا ، أي يوجد جد وأب وابن ، الابن سأل أباه : لماذا تطعم جدي في هذا الإناء الذي هو من الخشب ؟ فقال له : لأنني إذا أطعمته في إناءٍ صينيٍ أو من الزجاج كسره ، فقال له ابنه : إذاً يا أبت سأحتفظ لك بهذا الإناء الخشبي حتى أُقدم طعامك فيه عندما تكون في سن جدي ، فعند ذلك انتبه الوالد وأدرك أن ما يفعله الآن مع والده سيفعله ابنه معه ، وتاب إلى الله من هذا الذنب .

أقل شيء أحياناً يهين الابن الأب كأن يقدم له فنجان من غير أذن خذ اشرب وخلصنا، أو كأس مدمعة فيتأثر الأب ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

"بروا آبائكم تبركم أبنائكم وعفوا تعف نسائكم والبر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت، اعمل ما شئت كما تُدين تدان".

قال إن رجلاً شكا إلى النبي عليه الصلاة والسلام سوء خلق أمه ، فقال عليه الصلاة والسلام :

"لم تكن أُمك سيئة حين أرضعتك حولين كاملين ؟ هذا عمل سيء ؟ ولم تكن سيئة الخلق حين أسهرتها الليل ، ولم تكن سيئة الخلق حين رعتك ، لقد جازيتها بهذا ؟ ".

والله أمي أخلاقها سيئة ، هذا الذي يذم والديه ليس مؤمناً .

ولد اشتكى إلى النبي عليه الصلاة والسلام أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخٌ يتوكأ على عصا فسأله فقال : إنه كان ضعيفاً وأنا قوي ، قال له : يا رسول الله إن ابني وهو صغير كان ضعيفاً وأنا قوي، وكان فقيراً وأنا غني ، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي ، واليوم أنا ضعيفٌ وهو قوي ، وأنا فقيرٌ وهو غني يبخل علي بماله ، ( هذه المفارقة الحادة) فبكى النبي عليه الصلاة والسلام وقال :

"ما من حجرٍ ولا مدرٍ يسمع هذا إلا بكى ، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك أنت ومالك لأبيك. (وهذه رواية أخرى)

قيل لعمر بن ذر : كيف كان بر ابنك ؟ " قال ما مشيت نهاراً إلا ومشى خلفي ولا ليلاً إلا مشى أمامي ، ولا رقى سطحاً وأنا تحته ".

قيل لعلي بن الحسين : " أنت من أبر الناس بأمك ، ولكن لماذا لا تأكل معها ؟ قال: والله أخاف أن تسير يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها " .

يعني يوجد قطعة من اللحم في الصحن وهي عينها على القطعة ، فأنا أكلتها فأكون قد عققتها . كانوا إلى هذا المُستوى .

أبو يزيد البسطامي رحمه الله قال : " كنت ابن عشرين سنة فدعتني أُمي لتمريضها ذات ليلة فأجبتها ، فجعلت يدي تحت رأسها والأخرى أمسِّد يدها بيدي ، وأقرأ قل هو الله أحد فخدرت يدي ،  فكدت أفقد قوة اليد ، فقلت : اليد لي وحق الوالدة لله ".

هذا من بره لأُمه . ورجل قال لسيدنا عمر : " إني أخدم أُمي كما كانت تخدمني في الصغر فهل قمت بحقها ؟ فقال : لا إنها كانت تخدمك وهي تتمنى لك الحياة ، وأنت تخدمها وأنت تتمنى لها الموت ". بعبارة أخرى أو مهذبة أن يخفف الله عنها .

"كان رجلٌ يجلس إلي فبلغني أنه نزل به الموت وإذا أُمٌ عجوز كبيرة جعلت تنظر إليه حتى غُمِّض وعُصِّبَ وسُجي فقالت: رحمك الله يا بني لقد كنت بنا باراً ، وعلينا شفوقاً ، رزقنا الله عليك الصبر ، فقد كنت تطيل القيام وتكثر الصيام ، فلا أحرَمَكَ الله ما أملت من رحمته وأحسن عنك العزاء ، ثم نظرت إليّ وقالت: لو بقي أحدٌ لأحد لبقي النبي عليه الصلاة والسلام لأمته ".

كل حالٍ يزول ، لذلك " رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ".

من خلال هذه الآيات والأحاديث والتعليقات والأحكام الفقهية والقصص يتبين لنا بر الوالدين بابٌ كبير من أبواب الجنة ، ورغم أنف امرئ أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة ، فمن كان له أب على قيد الحياة أو أم أو من كان له أب أو أم فليغتنم هذه الفرصة ، لأن الله عزّ وجل أمرنا أن نحسن إلى الوالدين وقرن هذا الأمر بعبادته .

والحمد لله رب العالمين

*  *  * 

Copyright © 2007 Nabulsi