English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق الأبناء على الآباء  1 / 4  - حسن اختيار أمه ـ التعوذ من الشيطان ـ اختيار اسم الابن ، تربيته  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ... في الدرس الماضي أنهينا بفضل الله عزَّ وجل حقوق الآباء على الأبناء ، وها نحن أولاء في هذا الدرس ننتقل إلى موضوعٍ آخر متمَّمٍ للأول ألا وهو حقوق الأبناء على الآباء ، لأن كل حقٍ يقابله واجب ، وكل واجبٍ يقابله حق ، فما دام للآباء حقوقٌ على الأبناء ، لابدَّ من أن يكون للأبناء حقوقٌ على الآباء ، والحديث الشريف الذي تعرفونه جميعاً :

"                                  رحم الله والداً أعان ولده على برِّه"

      موضوع حقوق الزوج على الزوجة ، وحقوق الزوجة على الزوج ، وموضوع حقوق الآباء على الأبناء ، وحقوق الأبناء على الآباء ، هذه موضوعاتٌ دقيقةٌ جداً ، لأنه ما من واحدٍ من الإخوة الحاضرين إلا وتمسُّه هذه الموضوعات ، فإذا أدَّيت ما عليك من حقوق صار الطريق إلى الله سالكاً ، وإذا كان هناك تقصيرٌ ، أو مجاوزةٌ ، أو جنوحٌ ، أو مخالفةٌ ، أو إساءةٌ كانت هذه الأعمال حجاباً بين العبد وبين ربه ، والحديث الذي تعرفونه أيضاً جميعاً هو أن الإنسان قد يستحق النار يوم القيامة فيقف بين يدي الله عزَّ وجل ويقول :

"يا رب لا أدخل النار حتى أًُدخِل أبي قبلي "

       وهذا الطفل الذي شبَّ على الانحراف ، وشجَّعته أمه الجاهلة على ذلك ، وكبر وارتكب جريمةً استحقَّ عليها الإعدام ، قُبَيْلَ إعدامه طلب أن يلتقي أمه ـ هكذا الصحيح ـ  أكثرهم يقول : أن يلتقي بأمه ، فلما جئ له بأمه قال : مدي لسانك كي أقبِّله . مدَّت لسانها فعضَّه وقطعه ، وقال : لو لم يكن هذا اللسان مشجِّعاً لي على الجرائم ما فقدت حياتي ..

إهمال تربية البنينَ جنايةٌ    عادت على الآباءِ بالويلاتِ

*  *  *

       إذاً الحديث النبوي الشريف :

"                                       رحم الله والداً أعان ولده على برِّه"

      هو عنوان هذا الموضوع : حقوق الأبناء على الآباء .

      يا أيها الإخوة الأكارم ... جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، يشكو إليه عقوق ابنه ، فأحضر سيدنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ابنه وأنَّبه على عقوقه لأبيه . فقال الابن : " يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوقٌ على أبيه ؟ " . قال : " بلى " . فقال " فما هي يا أمير المؤمنين ؟ " . قال : " أن ينتقي أمه ، وأن يحسن اسمه ، وأن يعلِّمه الكتاب ـ القرآن ـ " . فقال الابن : " يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئاً من ذلك ، أما أمي فإنها زنجيةٌ كانت لمجوسي ، وقد سماني جُعْلاً ـ أي خنفساء ـ ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً " . فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل وقال له : " أجئت تشكو عقوق ابنك ، لقد عققته قبل أن يعقَّك، وأسئت إليه قبل أن يسئ إليك؟ " .

       هذا النص أن ينتقي أمه ، وأن يحسن اسمه ، وأن يعلِّمه القرآن ، فإذا أهمل الأب هذه الأشياء يكون قد عَقَّ ابنه قبل أن يعقَّه ابنه ، ويكون الأب قد أساء إليه قبل أن يسئ الابن إلى أبيه .

       فأول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء أن يحسن الأب اختيار الزوجة، إن هذا الواجب يسبق وجود الولد ، الواجب الأول بل هو أخطر واجب إنه يسبق وجود الولد ، وهو أن يحسن اختيار أمه .

      النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

"         خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة صالحة تسره إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها"

من كنز العمال : عن " يحيى بن جعدة مرسلا

       فأثمن شيءٍ أن تحسن اختيار الزوجة ، ينبغي أن تكون الزوجة صالحة " تسرُّه إذا نظر إليها " أي أنها نظيفة ، " وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها " .

       وفي حديثٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قيل يا رسول الله :

 "أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ "*

(من سنن الترمذي: عن أبي هريرة)

      في هذا الحديث ليس فيه كلمة إليها ، أي إذا نظر إلى غرفة النوم تسره ، منظَّمة ومرتَّبة، والملاءة نظيفة ، وإذا نظر إلى المطبخ تسرُّه ، وإذا نظر إلى أولاده تسرُّه ، وإذا نظر إلى البيت إجمالاً تسرُّه ، أي أنها تقوم بواجبها خير قيام ، أي تحسن تبعُّل زوجها .

      والنبي عليه الصلاة والسلام كما تعرفون يقول :

 "اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله ـ يعني الجهاد في سبيل الله ـ"

(من كنز العمال: عن أسماء بنت يزيد الأنصاريَّة)

"تسره إذا نظر ، ولا تعصيه إذا أمر ، ولا تخالفه بما يكره في نفسها وماله"

(من المأثور: عن معاذ)

      هذه صفات الزوجة الصالحة ، لأن اختيار الزوجة الصالحة أول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء الذين سوف يأتون إلى الدنيا .

      وفي حديثٍ آخر عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال : قال عليه الصلاة والسلام :

"             تنكح المرأة على إحدى خصال ؛ لجمالها ، ومالها ، وخُلُقها ، ودينها فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك"

رواه أحمد بإسنادٍ صحيح وابن حبَّان في صحيحه

       وفي حديثٍ آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام ، رواه البخاري ومسلم ، يقول عليه الصلاة والسلام :

"             تنكح المرأة لأربع ؛ لمالها ، ولخلقها ، ولجمالها ، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك "

      أي إن لم تفعل ما نلت إلا التُراب ، والتراب شيءٌ لا قيمة له إطلاقاً، إذا جهدت ، وتحمَّست ، وانقضضت ، وأمسكت بشيء فإذا هو تراب ، يقال  تربت يمينك ، أي لن تأخذ شيئاً ، لم تنل شيئاً ، لم تفلح في هذا الزواج .

      العلماء قالوا : " يستحب أن تختار امرأة تسرُّك إذا نظرت إليها " . هذا من السنة ، لكن العلماء أيضاً ومنهم الماوردي يقول : " كره العلماء أن يختار الإنسان امرأةً ذات جمالٍ بارع لأنها متعبةٌ إلى أقصى الحدود ، فإنها تزهو بجمالها ، وتحب أن ينظر الناس إليها ، وربَّما تعاند زوجها ، وربَّما تتفلَّت من أوامر الشرع تفلُّت البعير " . لذلك هذا رأي بعض العلماء ، أنه يجب أن تختار زوجةً تسرك إذا نظرت إليها ، أما أن تختارها فائقةً فائقةً فهذا ربما عاد عليك بالمتاعب التي لا حصر لها .

       في حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

"من تزوَّج المرأة لجمالها أذلَّه الله ..."

       هي تزهو عليه بجمالها وهو يتصاغر أمام هذا الجمال ، فكأنها هي الآمرة الناهية ، وكأنها هي القَيِّمة ، وكأن لها القِوامة ، لذلك :

"من تزوَّج المرأة لجمالها أذلَّه الله ـ أي لجمالها فقط ـ ومن تزوَّجها لمالها أفقره الله ، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً فعليك بذات الدين تربت يداك"

       لكن لو أنك تزوجت امرأةً غنيَّة وطابت لك عن بعض مالها ، فهذا يأكله الزوج هنيئاً مريئاً ، كما قال الله عزَّ وجل في القرآن الكريم :

(سورة النساء)

      والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

"إياكم وخضراء الدمن"

(من أحاديث الإحياء: عن "ابي سعيد الخدري")

      الدِّمَن جمع دِمْنَة وهي المزبلة ، وخضراء الدمن أحياناً تنبت نبتةٌ في هذه القمامة ، فإذا هي نضرة ، لأنها كلها سماد ، هذه سمَّاها النبي عليه الصلاة والسلام خضراء الدمن ، قال عليه الصلاة والسلام :

          "إياكم وخضراء الدمن ، فقيل: وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء " .

(من أحاديث الإحياء: عن "ابي سعيد الخدري")

      البيئة سيِّئة ، البيئة غير إسلاميَّة ، البيئة غير ديِّنة ، متفلِّتة ، الجو العائلي جو مريض ، الجو العائلي جو غير صحي ، الشاعر الحكيم قال :

ليس الجمال بأثوابٍ تُزيننا     إن الجمال جمال العلم والأدبِ

*  *  *

        حديثٌ آخر رواه سيدنا أنسٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام :

" من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلا ، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرا ، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة ، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه " .

(من كنز العمال: عن "عوف بن مالك الأشجعي")

      والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حضر عقد قِران يقول :

"بارك الله لكما وعليكما وفيكما"  

      وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام:

"لا تزوجوا النساء لحسنهن ..."

       فإذا ذُكرت كلمة حُسن أو جمال المقصود الجمال وحده ، أي أنك آثرت الجمال على الدين ، هناك رقَّةٌ في الدين وتفوُّقٌ في الجمال ، آثرت الجمال على الأخلاق ، هناك شراسةٌ في الأخلاق ، ورقةٌ في الدين ، وتفوُّقٌ في الجمال فالأمر فيه نذر السّر ، إذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام كلمة الجمال أو الحُسن فالمقصود به من آثره على بعض الشروط الأخرى .

       يقولون : إن واحداً وضع عشرة شروط ، أول شرط الجمال ، ثاني شرط الكمال ، الثالث الغنى ـ المال ـ الرابع الحسب ، الخامس النسب ، السادس الثقافة ، السابع إلى أن صاروا عشرة ، أرسل والدته فلم يجد ، فتخلَّى عن شرط ، عمل جولة ثانية بعد سنة ، فلم يجد فتخلى عن شرط ثانٍ ، عمل جولة ثالثة فلم يجد فتخلى عن شرط ثالث ، بعد عشر سنوات بقي على شرطٍ واحد وهو أن يعثر على امرأةٍ ترضى به ، فعلى المرء ألا يعقِّد الأمور كثيراً .

"لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن"

       أي جميلة وجاهلة ، حسنها يرديها ، يجعلها تستعلي عليه ، لا يحتملها زوجها فيطلِّقها ، وهذا يحصل دائماً ، استعلاؤها على زوجها يحملها على أن تكون فظَّةً معه ، وقد لا يحتمل الزوج هذا ، فيكون الفراق والشِقاق ، إذاً :

"لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تزوَّجوهنَّ لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ـ المال يطغي ـ ولكن تزوَّجوهنَّ على الدين ، ولأمة خرماء ـ أي أذنها مشرومة ـ سوداء ذات دينٍ أفضل"

(رواه بن ماجة من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم)

       وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بالباءة ـ أي بالزواج ـ وينهى عن التبتُّل نهياً شديداً ، ويقول :

 "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"

(من تفسير ابن كثير  )

       النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق اختار لنا هذين الشرطين : الودود الولود . أي ما من طبعٍ أبغض عند الرجل في المرأة من أن تكون لئيمة ، أو قاسية ، أو متكبِّرة ، أو لها لسانٌ سليط ، أو مستعلية ، النبي عليه الصلاة والسلام قال : " تزوَّجوا الودود " . تحب زوجها ، تتحبَّب إليه ، ترضيه ، تؤثره على كل شيء ، هذه الودود ، الولود لأنها إذا أنجبت لك طفلاً ملأ هذا الطفل البيت أنساً ولطفاً ، ومحبَّةً واشتياقاً ، ومتَّن العلاقة بين الزوجين ، " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة " .

(من المأثور عن أنس)

       وقال عليه الصلاة والسلام :

"عليكم بالأبكار ، فإنهن أعذب أفواها"

(من الجامع الصغير: عن "عويمر ابن ساعدة" )

       أي كلامها لطيف ، وليست كلما تحدثت بكلمتين قالت عن زوجها الأول : المرحوم ما كان يفعل هذا ، المرحوم ما كان يفعل هذا ، وفي هذا تنغيص لزوجها الحالي ..

"عليكم بالأبكار ، فإنهن أعذب أفواها ـ أي كلامها لطيف ـ وأنتق أرحاما، وأرضى باليسير"

( من الجامع الصغير : عن " عويمر ابن ساعدة " )

     هذا كلُّه من حقوق الأبناء على الآباء ، أي ليحسن الأب اختيار الزوجة الصالحة ..

"الدنيا متاع ، و خير متاعها المرأة الصالحة"

( من المأثور : عن " ابن عمرو " )

       أراد ابن عمر رضي الله عنه ألا يتزوَّج ، فقالت له أخته حفصة: " أي أخي لا تفعل ، تزوَّج فإن ولد لك ولد فماتوا كانوا لك أجراً، وإن عاشوا دعوا الله عزَّ وجل لك " . لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

"إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "*

( من صحيح مسلم : عن " أبي هريرة " )

        الأنبياء العِظام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كلهم تزوَّجوا ، قال الله عزَّ وجل :

(سورة الرعد: من آية  38  )

       الأنبياء تزوَّجوا ، الزواج لا يتعارض مع الدين بل هو في خدمة الدين ..

(سورة النحل: من آية " 72 " )

      من فضل الله على الإنسان أن جعل له زوجة ، وجعل له منها أبناءً ، ورزقهم من الطيِّبات . هناك أب ذكر لأبنائه فضله عليهم فقال :

 وأول إحساني إليكم تخيُّري    لماجدة الأعراق بادٍ عفافها

*  *  *

      أول إحساني إليكم يا أبنائي تخيري لماجدة الأعراق بادٍ عفافها ، هذا هو الحق الأول ، حق ابنك عليك أن تحسن اختيار أمه .

*  *  *

      الآن الحق الثاني :

 التعوُّذ بالله من الشيطان قبل اللقاء الزوجي

     لأن في هذا الموضوع أحاديث كثيرة وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن هناك سؤال دقيق ، كلَّما سألني سائل : حول التعوذ قال إنني تعوَّذت بالله فلم يحصل ما أريد ؟ وأرد عليه قائلاً : ربنا عزَّ وجل قال :

(سورة فصلت : من آية  36  )

       يقول لك : استعذت بالله ولم يحصل شيء ، فما جدوى هذه الاستعاذة ؟

       في الجواب عن هذا نقول : إن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم :

   

 

     السميع باستعاذتك ، والعليم لما في قلبك ، استنبط العلماء من هذه الآية أن الاستعاذة باللسان لا قيمة لها ، ولا تكفي ، ولا جدوى منها ، ما لم يكن القلب في أعماقه متجهاً إلى الله بالاستعاذة ، فلذلك :

(سورة الناس)

       قل أعوذ لا تقبل هذه الاستعاذة ، ولا تُجدي ، ولا تقطف ثمارها إلا إذا كانت نابعةً من قلبك ، بالدليل أن الله سبحانه وتعالى ختم الآية فقال :

(سورة فصلت)

      سميعٌ لهذه الاستعاذة ولكن يعلم أن قلبك ليس في مستواها ، فإذا اتجه الإنسان إلى الله عزَّ وجل بكليَّته مستعيذاً لابدَّ من أن ينجيه من كل مكروه، هذا شيءٌ ثابت .

      الله عزَّ وجل قال :

(سورة الإسراء)

       فالمشاركة في الأولاد أن الزوج الذي ينسى أن يستعيذ بالله قبل اللقاء الزوجي ، قد يشرَكه في هذا اللقاء الجن ، وعندئذٍ يأتي الابن شريراً مخيفاً ، هذا تفسير بعض العلماء لهذه الآية .

       النبي عليه الصلاة والسلام فيما روى البخاري ومسلم ، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما من طرقٍ كثيرة ـ أي صار هذا حديثاً متواتراً تواتراً معنوياً ـ من طرقٍ كثيرة أنه قال :

"لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ "*. أي الشيطان لم يضر هذا الولد .

(من صحيح البخاري: عن ابن عبَّاس)

      هذا الحديث واضح .

      الإمام الداودي قال : " معنى لم يضرَّه أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر" . وليس المراد أن هذا الابن معصومٌ عن المعصية ، فالقضية سهلة إذا كان الواحد قد سمى فهل يأتيه ولد صالح عالِم جليل ، لا بل إن العلماء يقولون: ليس معنى هذا أنه يصبح معصوماً عن المعصية ، ولكن لم يضرُّه الشيطان فيهوي به إلى الكفر ، إذا كان قد  استعاذ الزوج بالله من الشيطان الرجيم قبل اللقاء الزوجي .

      وكلكم يعلم أن الإنسان إذا دخل بيته ولم يسلِّم قال الشيطان لإخوانه : " أدركتم المبيت في هذا البيت ـ الليلة هنا ، طول الليل مشاكل ، أدركتم المبيت ـ فإذا جلس إلى الطعام ولم يسمِ قال الشيطان لإخوانه : وأدركتم العشاء ـ كذلك وعند العشاء ، يشبع الجماعة ـ فإذا دخل ولم يسلِّم ، وجلس إلى الطعام ولم يسمِّ قال الشيطان لإخوانه : أدركتم المبيت والعشاء معاً " أي أنكم الليلة نومكم هنا والعشاء كذلك جاهز . إذاً خلاصة التوجيه النبوي أن الإنسان عليه أن يسلِّم إذا دخل إلى بيته قائلاً السلام عليكم ، وعليه أن يسمي إذا أكل ، عندئذٍ يجنبه الله الشيطان في علاقاته وفي طعامه .

*  *  *        

      الواجب الذي يلي هذا الواجب هو :

أن يتخيَّر له اسماً حسناً ذكراً كان أو أنثى

       ففي الحديث الشريف :

"إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم ".

(رواه أبو داود بإسنادٍ جديد)

      هكذا قال عليه الصلاة والسلام . بعضهم يسمي ابنه جعيفص مثلاً ، ما هذه جعيفص ؟ عبد الرحمن ، عبد اللطيف مثلاً ، عبد الله ، حَسن ، حُسين كذلك ، هناك أسماء كثيرة جداً ؛ أسماء إسلاميَّة ، وأسماء أخلاقيَّة ، من ذلك اسم مجيب أحياناً ، واسم هُمام ، لدينا أسماء كثيرة فيها معنى الشجاعة وغيرها .

      طبعاً سبب هذه الأسماء القبيحة جهلٌ قائم بالأهل ، إن سمَّاه اسماً قبيحاً يعيش ولا يموت كما يزعمون ، يسميه فلفل ، فجلة ، خيشة ، جدي ، في أسماء أخرى أيضاً ، هذه الأسماء يتوهَّم الآباء أنها تقي ابنهم من الأمراض ومن الموت ، هذا كله كلام فارغ ولا أساس له من الصحَّة ، هذه أسماء مزرية بأصحابها .

      وهناك أسماء مستوردة ؛ ميمي ، وشونو ، وسونا ، وفيفي ، وشوشو ، هذه أسماء لا تليق بالمسلم أساساً ، لا تسمي اسماً خشناً ولا اسماً مستورداً ، نريد اسماً إسلامياً ، والآن لدينا الكثير من الكتب بالأسواق ، وعندنا معاجم حوالي أربعة أو خمسة آلاف اسم مرتَّبة ترتيباً جيداً ، اقتنِ كتاباً منها ، فاختيار الاسم شيء مهم جداً ، هذا الاسم سوف يكون علماً على هذا الابن في حلِّه وترحاله ، في علاقاته ، في حركاته وسكناته ، في نشاطاته .

      النبي عليه الصلاة والسلام ، عن ابن عمر رضي الله عنه ، وفيما رواه الإمام مسلم يقول

"إن أحب أسمائكم إلى الله عزَّ وجل عبد الله وعبد الرحمن"

      وكان عليه الصلاة والسلام إذا لم يعرف اسم إنسان قال له :

"ادن مني يا عبد الله" هذا اسم يطلق على الكل ، يا عبد الله.

      وعن جابرٍ رضي الله عنه قال : " ولد لرجلٍ منا غلام فسمَّاه القاسم ، فقلنا لا نُكنيك أبا القاسم ولا كرامة ـ رسول الله أبا القاسم ـ فُأخبِر النبي عليه الصلاة والسلام فقال : سمِّّّّ ابنك عبد الرحمن " .

(رواه البخاري ومسلم)

       أحياناً يكون بالأسرة رجل وقور وله قيمته يسمونه باسمه ، وهذا الابن أحياناً يشذ ، ينحرف ، يتعرض لدعاء سوء من الأهل ، فتضيع الطاسة بين الكبير والصغير ، فتصير هذه مشكلة ، فيفضَّل إذا كان في  الأسرة إنسان وهو عميد الأسرة له قيمته ، فلا تعمل إحراجات وتسمي الصغير باسمه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يرضَ ، قال له : " سمه عبد الرحمن

       والنبي أمرنا في حديثٍ آخر رواه أبو داود :

"تسموا بأسماء الأنبياء"

"وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن"

       إبراهيم ، سيدنا إبراهيم .

"تسموا بأسماء الأنبياء وأصدقها حارثٌ وهُمام ، وأقبحها حربٌ ومرَّة"

      وكان عليه الصلاة والسلام يبدِّل الأسماء ، أحياناً هذا الكلام أسوقه للمعلمين ، إذا عندك طفل له اسمه لا يليق ، أنت بدِّل له اسمه أثناء العام الدراسي في تعاملك معه ، لا أقول بالسجلات فلها وضع آخر ، وقت تقديم الشهادة تأخذ اسمه الصحيح ، لكن أثناء التعامل اليومي أطلق عليه اسماً لطيفاً ينتعش فيه هذا الطفل ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال عن سعيد بن المسيِّب بن حَزْن ، أعطيه الحُزن والحَزَن هو المعروف ، معروف عند الجميع ، وهو ما يعتري النفس من ألم ..

(سورة النمل: من آية 70)

      الحُزن والحَزَن بمعنى واحد ، لكن الحَزْن الأرض الوعرة ، قال عليه الصلاة والسلام :

"أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ "*

(من مسند أحمد: عن ابن عبَّاس)

      الحَزْن الأرض الوعرة ، أما الحَزَن والحُزن بمعنى واحد وهو الألم النفسي .

      فعن سعيد بن المسيب بن حَزْن عن أبيه أنه جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال : " ما اسمك ؟ " . قال : حَزْن . فقال : " أنت سهل " . قال: لا أغير اسماً سمَّانيه أبي . ـ يصطفل هو وشأنه ـ فقال بن المسيِّب فيما بعد : " فما زالت الحزونة فينا بعد " . أي غلظ الوجه وشيءٌ من القساوة .

(رواه البخاري)

      النبي عليه الصلاة يقول لك : " أنت سهل " وهو يقول : لا اسمي حزْن ويرفض تسمية النبي : قال : "فما زالت الحزونة فينا بعد " . والحزونة غلظ الوجه وشيءٌ من قساوة القلب .

      امرأةٌ اسمها عاصية سمَّاها النبي جميلة ، لماذا عاصية ؟ ما اسمكِ ؟ قالت : أنا عاصية . فقال لها : " بل أنتِ جميلة " .

      وامرأةٌ اسمها برَّة فقال عليه الصلاة والسلام : " أنتِ زينب " .  الأنسب أن يختار الإنسان اسماً مناسباً ، والذي أعرفه أن الإنسان له الحق أن يبدِّل اسمه ، فإذا لم يرق له اسمه الذي سماه به أبوه فله الحق أن يبدِّل اسمه حتى في قيود الدولة وسجلاتها ، هذا من حقوق الأبناء على الآباء .

      الحقيقة الأسماء القبيحة أسبابها عادة قبيحة ، وعقليَّة قبيحة ، وتصوُّر قبيح إذ يزعم الجهلة أن هذه الأسماء القبيحة تقي صاحبها من الضرر ، والهلاك ، والموت، والآفة ، والمرض ، والحق أنه لا يقي الإنسان إلا الله عزَّ وجل ، لكن النبي قال :

"العين حق ، إن العين ـ أي عين الحسود ـ تضع الجمل في القدر ، والرجل في القبر"

      المحسود الغافل عن الله عزَّ وجل تؤثِّر فيه عين الحسود ، أما المحسود المُقبِل على الله لا تؤثِّر فيه عين الحسود .

     وللتعوُّذ موضوعٌ آخر إن شاء الله ، التعوُّذ بالله من الحسد وغيره يحتاج إلى موضوع تفصيلي نتحدَّث عنه في وقتٍ آخر .

*  *  *

      نختار أيضاً من حقوق الأبناء على الآباء ما ورد في كتاب إحياء علوم الدين عن رياضة الصِبيان :

      فاعلم أن الطريق في رياضة الصبيان ـ  والمقصود هنا بالرياضة هي التربية ـ من أهم الأمور وأوكدها ، والصبي أمانةٌ عند والديه ، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة ساذجة ، خاليةٌ من كل نقشٍ وصورة ، وهو قابل لكل ما نُقِش ، ومائلٍ إلى كل ما يمال به إليه ، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة ، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلمٍ له ومؤدِّب ، وإن عوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك ، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له، وقد قال الله عزَّ وجل :

(سورة التحريم: من آية  6  )

        إذا كان الأب يصونه عن نار الدنيا ، فلأن يصونه عن نار الآخرة أولى ، وصيانته عن نار الآخرة بأن يؤدِّبه ويهذبه ـ الكلام للإمام أبو حامد الغزالي ـ ويعلّمه محاسن الأخلاق ، ويحفظه من قُرَناء السوء ، ولا يعوِّده التنعُّم ، ولا يحبِّب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيِّع عمره في طلبها إذا كبر ، فيهلك هلاك الأبد ، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره ، فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأةً صالحةً متدينةً تأكل الحلال ، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه ، إذا وقع عليه نشوء الصبي انعجنت طينته من الخبث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث . قال : فإذا رأى فيه مخايل التمييز ـ صار مدركاً ـ فينبغي أن يحسن مراقبته ..

"لاعب ولدك سبعاً ، وأدِّبه سبعاً ، وراقبه سبعاً ، ثم اترك حبله على غاربه"