English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق الأبناء على الآباء  2 / 4  - تأديب الابن بالآداب الإسلاميَّة ـ  وصايا لقمان لابنه   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... لا زلنا في موضوع الحقوق ، ولا زلنا في موضوع حقوق الأبناء على آبائهم ، وقد تحدَّثت في الدرس الماضي عن بعض هذه الحقوق ، وفي هذا الدرس نتابع الحديث عن هذه الحقوق  .

       فمن هذه الحقوق : أن يُعَلِّمُ الأب ابنه القرآن الكريم ، هذا حق الابن على أبيه ، فقد ورد في حديثٍ شريف رواه البيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال  :

"حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية ، وألا يرزقه إلا طيبا"

(من الجامع الصغير : عن " أبي رافع " )

       هذا الحديث الذي رواه البيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد في الجامع الصغير في الجزء الأول .

       أيها الإخوة الأكارم ... القرآن الكريم لماذا وجَّهنا النبي عليه الصلاة والسلام كي نعلمه لأبنائنا ؟ لأن القرآن الكريم منهجٌ تفصيليٌ للإنسان ، تعليمات الصانع ، فأيَّة حركةٍ في مضمونها ، وفي شكلها تكون خارج هذا الكتاب ، فهي حركةٌ ليست مجدية بل إنها مؤذية . أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وخلق الخلق وفق سننٍ ثابتة ، وخلق الإنسان وفطره على فطرةٍ ثابتة ، وربنا سبحانه وتعالى نظَّم تنظيماً دقيقاً علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ، فما دام الإنسان وفق هذا المنهج فعمله ينجح ، فإذا خرج عن هذا المنهج فلا بدَّ من أن يشقى .

      والمقولة التي تعرفونها جميعاً هو أنه ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله ، وما من خروج عن منهج الله إلا بسببِ جهلٍ به ، إذاً كل مصيبةٍ ، كل مشكلةٍ أساسها الجهل وعلاجها العِلم ، والقرآن الكريم كتاب الله عزَّ وجل ، فيه هذا كتاب مقرر ، فيه تعليمات الصانع ، فمن أخذ به فقد أمسك مفتاح النجاح ، ومن أهمله فقد جانب النجاح ، ومن هنا قال الله عزَّ وجل :

(سورة مريم)

       وقد لقي المجتمع الذي جعل هذا المنهج وراء ظهره وانغمس في شهواته ، لقي هذا المجتمع الغَي كما وعد الله عزَّ وجل .

       إذاً في تعليم الابن القرآن الكريم هناك أهدافٌ لا تعدُّ ولا تحصى ، أول هذه الأهداف أن القرآن الكريم فيه النُظُم التي لابدَّ من تطبيقها في الحياة ، فربنا عزَّ وجل في هذا الكتاب ذكر أشياء ، وسكت عن أشياء ، وأقرَّ بعض الأشياء ، وبعض الأشياء تركها مَرِنَة ، فالشيء المَرِن هو الذي يمكن أن يتطور وفق الزمان والمكان ، والشيء الذي بَتَّ القرآن فيه هو الشيء الذي لا علاقة له لا بالمكان ، ولا بالزمان ، ولا بالبيئة . والشيء الذي سكت عنه القرآن الكريم هو الذي لا يتعلق بسعادة الإنسان ولا باتصاله بخالقه .

       فحينما يعلِّم الأب ابنه كتاب الله عزَّ وجل ، يكون قد أدى ما عليه من حقوقٍ تجاه الدين ، لكن هنا ملاحظة مهمة جداً :

    يربي الأب ابنه فهذا عمل يختلف اختلافاً كلياً عن أي عمل آخر ، فمثلاً  أن تمسك بقطعة خشب وتنجِّرها وفق ما تريد ، فهذا أمر سهل لأن قطعة الخشب مطواعةٌ لك ، فأنت تفعل بها ما تشاء ؛ تقطعها ، تنجِّرها ، تصلها بأختها ، ولكن الابن له اختيارٌ مستقلٌ عن أبيه ، فكأن الأب مطالب أن يبذل العناية الكافية ، ولكن ليس على الأب أن يحقق النتائج المرجوة في ابنه، فهذا فوق مقدور الإنسان ، لأن الله عزَّ وجل ضرب بسيدنا نوح مثلاً ، ابن سيدنا نوح ، ومن هو سيدنا نوح ؟ نبيٌ كريم قال :

(سورة هود)

        وبعد بضع آيات قال :

(سورة هود)

      أنا ذكرت هذا الكلام حتى  يبذل كل أب أقصى جهده في تربية ابنه ، ولكن أحياناً مع بذل غاية الجُهد وأقصى العناية والتوجيه ، فالابن قد يأخذ موقفاً آخر لأن الابن مخَيَّر ، من هنا قال الله عزَّ وجل للنبي عليه الصلاة والسلام :

 

(سورة البقرة: من آية  272)

       وهذه آيةٌ ثانية في الموضوع ذاته :

 

(سورة القصص: من آية " 56  )

      وآيةٌ ثالثة :

(سورة هود)

      وآيةٌ رابعة :

(سورة الغاشية)

       فعلى الإنسان أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح ، هذا الكلام أريد أن أذكره لئلا يتألَّم أبٌ بذل قصارى جهده في تربية ابنه ، وفي تعليمه ، وفي إرشاده ، وفي توجيهه ، فرأى هذا الأب ابنه في طريقٍ آخر ، وفي وادٍ آخر ، ولم يستجب له . النجَّار علاقته بقطعة الخشب شيء ، والأب علاقته بابنه شيءٌ آخر ، لو أن عناية الأب وحدها كافيةٌ لهداية الابن لما نشأ ابنٌ عاقٌ عند أبٍ مؤمن .

       ولكن كما يُمسك الطبيب مريضاً فيبذل الطبيب قصارى جهده في معالجته ، وتشخيص دائه ، ووصف الدواء المناسب ، ثم تنتهي مهمة الطبيب عند بذل العناية ، ولذلك أجمع الفقهاء على أن أجرة الطبيب ليست من المعاوضات ، ما هي المعاوضات ؟ أي حينما تشتري بيتاً تدفع العِوَض ، تستلم المَبيع وتدفع الثمن ، فهذا عقد معاوضة ، الإيجار والبيع وما شاكل ذلك، ولكن أجرة الطبيب والمحامي سمَّاها العلماء جُعالة ، أي أن الطبيب يستحقها لا عند شفاء المريض ولكن عند بذل العناية الكافية ، يأكل الطبيب أجرته حلالاً مائة في المائة إذا بذل العناية الكاملة للمريض ، أما أن يشفى المريض أو أن لا يشفى فهذا شيءٌ آخر بتقدير الله وبعلمه .

      إذاً شأن الأب ، كشأن الطبيب هناك بعض المهن تكون العلاقة خلالها بينك وبين الإنسان الآخر علاقة عناية وبذل جهدٍ ليس غير ، لكن بالمقابل هناك أخطاءٌ كثيرةٌ عند الأبناء سببها تقصير الآباء ، وكل إنسانٍ يعلم بالضَبط ما إذا كان قد بذل العناية القصوى أو لم يبذل ، والله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة القيامة)

       الأب يعرف ، إذا كان انحراف ابنه أو تقصيره بسبب تقصير الأب أو إهماله ، أو بسبب إصرار الابن على اختيارٍ معين ، هذا الشيء يعلمه الأب وحده دون غيره ، فلذلك المسؤولية تنتهي حينما تبذل قصارى جهدك مع ابنك ، وإذا أكرم الله عزَّ وجل أحد الآباء بابن طيِّع بار ، فأنا أنصحه نصيحةً غالية أن يسجد لله عزَّ وجل ، ويشكر الله على هذه الموهبة ، أقول على هذه الهبة لأن الله سبحانه وتعالى قال :

 

(سورة العنكبوت : من آية " 27 " )

       وهبنا ، ومعلومٌ لديكم أن الهبة بلا مقابل ، فإذا كان عند إنسان ابن صالح مؤمن ، دَيِّن ، مطواع ، بار ، فهذا من فضل الله عليه ، وأنا أنصحه مرةً ثانية ألا يعزو هذا إلى تربيته ، ولا إلى ضبطه ، ولا إلى توجيهه ، ولا إلى حَزْمِهِ ، ولا إلى شدته ، يجب أن يعزو هذا لفضل الله وحده . فكم من أبٍ منحرفٍ ، سيءٍ ، ضالٍ ، مضلٍ ، جاءه ابنٌ صالحٌ كأنه مَلَك ، وكم من أبٍ مؤمنٍ مستقيمٍ جاءه ابن منحرف ، فهذا الحال جزء منه ، داخل باختيار الإنسان ، وجزءٌ آخر داخلٌ بتقدير الله عزَّ وجل ، ولذا أنصح أن يتأدب الإنسان مع الله عزَّ وجل ، فإذا عزوت هذا إليك ، إلى قدراتك ، إلى حزمك ، إلى خبراتك في التربية ، فهذا من الضلال ومن الشرك

      إذاً :

"حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية ، وألا يرزقه إلا طيبا"

(من الجامع الصغير عن أبي رافع)

      الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول : " ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم ، فهو نورٌ يهتدي به الحائر " . أي كما تعلمون مني سابقاً أن هذه القيَم التي يتفاضل الناس بها في الدنيا ؛ القوة ، الغنى ، الوسامة ، الجمال ، الذكاء ، الصحة ، هذه القيَم قد رفض القرآن الكريم أن يعتمدها قيماً مُرَجِّحَة ، إلا قيمةً واحدة هي قيمة العلم والعمل به ، فلذلك قال الله عزَّ وجل :

 (سورة الزمر: من آية " 9  )

       وقال الله عزَّ وجل :

(سورة طه)

       والفرق الدقيق الدقيق بين الإنسان الذي أكرمه الله بالعلم ، وبين الإنسان الذي بقي جاهلاً هو فرقٌ كبيرٌ جداً فهما لا يستويان ، فلذلك على الأب أن يحرص على تعليم ابنه ، في الدرجة الأولى المنهج الإلهي الدقيق ، فمرة ثانية ، وثالثة ورابعة ، إذا كانت لديك آلة معقدة جداً ، غالية جداً ، ذات نفع عظيم جداً ، وأئت حريصٌ عليها حرصاً بالغاً ، إذا كنت حريصاً عليها ، وإذا كان ثمنها باهظاً ، وإذا كان نفعها عظيماً فما عليك إلا أن تقرأ كتاب التعليمات المرافق لهذه الآلة وإلا خسرتها .

       والقرآن الكريم في جوهره تعليمات الصانع لهذا الإنسان الأول ، لذلك إذا  جاء الأب بابنه وأحضره ليعلمه القرآن الكريم ؛ ليعلمه تجويده ، ليعلمه تفسيره ، ليعلمه أحكامه ، ليعلمه إعجازه ، هذا الوقت الذي يبذله الأب ، أو يمضيه الأب في تعليم ابنه القرآن الكريم هو توظيفٌ الموقت واستثمارٌ له ، وليس تضييعاً كما يتوهم جهلة الناس .

      أعرف أباً بلغ من نجاحه في الدنيا مرتبةً عاليةً جداً ، فقد نجح في تجارته وفي صناعته ، إلى درجة أن تفرَّد في الشرق الأوسط في صناعةٍ معيَّنة ، فحاز بها قصب السبق ودخلت عليه الأموال بغير حساب ، ولكنه أهمل أولاده ، نشئوا على المعاصي ، والانغماس في الشهوات ، قُبَيْلَ وفاته قال لزوجته باللغة الدارجة : يا فلانة فرطنا بالذهب واتَّبعنا الفحم . لأنه هذه الأموال الطائلة سوف تغدو بين أيدي أبناء فسقة ، منحرفين ، فعرف هذه الغلطة الكبيرة ، من هنا سيأتي معنا أن خير كسب الرجل ولده ، أي مهما بذلت من وقتٍ ، من جهدٍ ، من تعليمٍ ، من توجيهٍ ، من حلمٍ ، من صبرٍ ، من خسارةٍ ، إذا أمكنك أن تصل بهذا الابن إلى الطريق الصحيح فأنت الرابح الأكبر ، بعض الأبيات الشعرية اللطيفة :

        بالعلم تحيا نفوسٌ قط ما عرفت ....

                             من قبل ما الفرق بين الصدق والمَيْنِ

        العلم للنفس نورٌ يستدل به ...

                             ...... على الحقائق مثل النور للعين

المَيْنِ : هو الكذب .

ولولا العلم ما سعدت نفوسٌ    ولا عرف الحلال من الحرام

فبالعلم النجاة من المخازي     .... وبالجهل المذلة والرغام

*  *  *

       أنا مرة ضربت لكم مثلاً : عامل في بعض المطارات أثناء تنظيف الطائرة رأى غرفة العجلة ـ والطائرة وعندما تكون جاثمة فإن عجلاتها على الأرض ، فوق العجلة غرفة كبيرة حينما تُقلع الطائرة ، فإن هذه العجلة تُرفع من قِبَل الطيار ، من أجل ألا يعيق حجمها حركة الطائرة ـ هذا العامل نظر إلى هذه الغرفة رآها واسعة ، قال : لمَ لا أقبع بها وأنتقل من مطار إلى مطار بلا أجور ، وبلا رسوم ، وبلا جواز سفر ، وفي ذاك البلد أعمال كثير جداً. فصعد إلى هذه الغرفة ، فلما أقلعت الطائرة اضطر ربان الطائرة حسب تعليمات القيادة ـ  أن يرفع العجلة للغرفة المخصصة بها ، فابتعدت جوانب الغرفة عن بعضها لتأخذ العجلة مكانها ، فسقط هذا الإنسان على أرض المطار من على ارتفاع ثلاثمائة متر ، فمات فوراً .

       هذه قصة أُعلِّق عليها أهميةٌ كبرى ، ما الذي قتل هذا الإنسان ؟ جهله ، هل كان يريد أن يموت ؟ لا والله ، كان يظن أنه ذكيٌ جداً ، وأنه سوف يوِّفر رسوم السفر ، ورسوم الخروج وجواز السفر ، وينتقل بلا قيود ولا شروط إلى بلد آخر ، ولكن لو عرف أن هذا المكان مكانٌ لابدَّ من أن يموت الإنسان فيه . إذا دخله لما ألقى به وأوردها حتفها قال لي واحد : لو كان في الغرفة مكان ثابت وغير متحرك ، ليبقى فيه الإنسان لمات بسبب البرد إذ تبلغ الحرارة في الجو خمسين تحت الصفر فيموت برداً ، إذاً أعدى أعداء الإنسان هو الجهل ، فإذا علمت ابنك القرآن الكريم ، الإنسان العالم إنسان ثمين جداً ، هل هو : شخصية فَذَّة . والجاهل مهما ارتفع قدره في الدنيا هذا ارتفاعٌ هوائيٌ لا قيمة له ، مهما انتفخ جيبه ، هذا غنىً لا قيمة له ، لأن الله عزَّ وجل قال :

(سورة طه)

       وسيدنا علي كرم الله وجهه يقول : " العلم خيرٌ من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق " . وأنا اذكر أخاً قبل اثنتي عشرة سنة ، بعد خطبة الجمعة سألني سؤالاً والدموع من عينيه تسيل : إن زوجته خانته ، وله منها خمسة أولاد، وهو في بحبوحة ، يسكنها بيتاً فخماً ، وهو يعجب لماذا حدث هذا ؟ ماذا يفعل ؟ أيطلقها ؟ أيسكت عنها ؟ أيعفو عنها ؟ والله تكلَّم والبكاء والدمعة تترقرق من عينه والألم يعتصر قلبه . قلت : كيف حصل هذا ؟ قال لي : من سنتين تقريباً وأنا لا أدري . مع من ؟ مع جارنا . لكن كيف تعرف على زوجتك ؟ قال لي : والله أنا السبب ، فقد طرق علينا الباب ذات مرة زائراً فأمرتها أن تجلس معنا ، وكان الحريق المدمر من تلك الشرارة الواهية .

      فهذا الزوج لو كان يحضر مجالس العلم ، و لو عرف الحرام من الحلال ، وأن هذا يجوز ، وهذا لا يجوز ما وقع في هذه الورطة ، فلما يترك الإنسان نفسه بلا علم ، يدفع الثمن غالياً  في تجارته ، في بيعه ، في شرائه ، في زواجه ، في أولاده ، في صحته أحياناً ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، فالله عزَّ وجل كرم الإنسان بالعلم ، فإذا أهمل العلم وقع ضحية الجهل وليس العار أن تكون جاهلاً ، ولكن العار كل العار أن تبقى جاهلاً .

      إذا أحببت إيضاحا أكثر فما من قصةٍ تصل إلى أذنيك إن حلَّلْتها تَرَ أن هذا الطلاق ، وأن هذا الإفلاس ، وأن هذا المرض العُضال أحياناً أقول أحياناً ، وأن هذا الخلاف الزوجي ، وأن هذه الجريمة ، وأن هذه المشكلة ، وأن هذه الفضيحة ، وأن هذه الفِتنة سببها معصية ، وأن هذه المعصية سببها الجهل، لذلك العلم نور وهدى . اللهم صلِّ عليه قال :

"إنما بعثت معلما"

(من الجامع الصغير: عن ابن عمرو)

      بعثة النبي عليه الصلاة والسلام في أصلها بعثة تعليم ، وبالمناسبة يا إخواني الإنسان يحب ذاته ، هذه حقيقةٌ مُسلَّمٌ بها ، والمطلب الثابتٌ للإنسان في كل مكانٍ وفي كل زمان ، السلامةُ والسعادة ، ولو سألت خمسة آلاف مليون من البشر واحداً واحداً : ماذا تريد ؟ يقول لك : السلامة من كل مرض ، من الفقر ، من الخوف ، من الشقاق الزَوجي ، من الضعف ، من الذل ، من أن أفقد حريتي ، وأتمنى البحبوحة في المال ، والسعادة الزوجية، و ، و . إذاً أنا أستطيع أن أقول : إن المطلب الثابت لكل إنسان في كل مكانٍ وزمان هو السلامة والسعادة، والسلامة والسعادة لا تكونان إلا إذا سرت على منهج الله .

(سورة طه)

      هذا كلام ربنا ، والله الذي لا إله إلا هو لزوالُ الكونِ ، لا أقول الأرض بل الكون ، أهون على الله من أن كون هذا الكلام غير صحيح ..

(سورة طه)

       لا يضل عقله ولا تشقى نفسه .

(سورة البقرة)

 

(سورة النحل: من آية " 97 " )

(سورة طه)

(سورة الجاثية)

       وهكذا ، إذاً إذا علّمْتَ ابنك القرآن فقد علمته منهج الحياة حقيقة ، والقرآن ليست وردةً تتزين بها ، أنا والله تعلمت القرآن . وأنت إذا تعلمت القرآن تعلمت أهم شيء في حياتك ، تعلمتَ المنهج ، مرةً ضربتُ مثلاً : كمبيوتر ثمنه ثلاثون مليوناً لتحليل الدم ، وكلَّ كبسة زِر أجرها ألف ليرة ، وينتظر مائة زبون بالدور ، نقطة دم تضعها وتكبس زراً يعطيك أربعةً وعشرينَ تحليلاً بكبسة زر واحدة ، وكل نتيجة مسجلة على الورق ، هكذا حاسوب ، وعندك مائة زبون ينتظرونك ، وكل زبون بألف ليرة ، مائة ألف كل يوم ، مبلغ ضخم ، هذا الحاسوب اشتريناه ، لكنْ حدث خطأ هو أن الشركة نسيت أن تبعث لنا كتيب التعليمات ، إن شغلته من دون تعليمات تخربه ، وإن خفت عليه عطلت المائة ألف دخله كل يوم ، يا ترى أليست هذه التعليمات أهم مِن هذا الجهاز ؟ إن استعملته بلا تعليمات خرَّبته ، وإن خفت عليه فلم تستعمله ، جمدت ثمنه وفاتك ربح وفير . إذاً يمكن أن تركب الطائرة وأن تدفع عشرات الألوف كي تحصل على هذه التعليمات .

       والله الذي لا إله إلا هو ؛ إن القرآن الكريم في علاقته بالإنسان لأخطر من هذه التعليمات ؛ أخطر بكثير وأهم ، كيف تعيش ؟ كيف تفكر ؟ كيف تعتقد ؟ كيف تقف ؟ كيف تَصِل ؟ مَن تصل ؟ مَن تقطع ؟ مَن تعطي ؟ مَن تمنع ؟ كيف تتعامل مع شهواتك ؟ هذه الشهوة مسموح بها ، هذه ممنوعة ، هذه محرمة ، هذا مكروه ، هذا محرَّم ، هذا واجب ، هذا مُباح ، هذا فرض ، فالإنسان بلا علم بهيمة ، وإن كانت الكلمة قاسية : بهيمة ، وأنا أقول : دابة فلتانة ، دابة جموح فلتانة ، هكذا الإنسان بلا علم . لذلك :

"طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ "*

(من سنن ابن ماجة: عن أنس بن مالك

       أي على كل شخصٍ ، أي على كل مسلمٍ ومسلمة بالتعريف الدقيق .

هناك إنسان وصف القرآن الكريم وهو ليس عربياً ، لكن هؤلاء الذين يؤمنون بدافع قناعتهم وسلامة فطرتهم فقط ، يفعلون المستحيلات ، قال هذا الإنسان العالم الدكتور : إن القرآن الكريم هو بمثابةٍ ندوةٍ علمية للعلماء ، ومعجم لغةٍ للغويين ، ومعلم نحوٍ لمن أراد تقويم لسانه، وكتاب عروضٍ لمحب الشعر وتهذيب العواطف ، ودائرة معارف للشرائع والقوانين ، وكل كتابٍ سماوي جاء قبله لا يساوي أدنى سورةٍ من سوره في حُسن المعاني وانسجام الألفاظ ، ومن أجل ذلك نرى رجال الطبقة الراقية من الأمة الإسلامية يزدادون تمسكاً به ، واقتباساً لآياته ، ويبنون عليها آراءهم كلما ازدادوا رفعةً في القدر ونباهةً في الفكر .

      أي أنه كتاب شامل ، فدائماً ضع الفرق بين القرآن وبين كلام البشر ، ادخل لمكتبة ، فلو أن فيها مائة ألف مجلد ، كل هذه المجلدات من تأليف البشر، والإنسان يخطئ ويصيب ففي كلٍ منها تجد الخطأ والصواب ، لكن كلام الله عزَّ وجل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . لذلك دخل إنسان إلى مكتبة في إيطاليا ، فلفت نظره القرآن الكريم مترجماً ، فسأل صاحب المكتبة : مَن مؤلف هذا الكتاب ؟ فقال له : خالق الكون . وهو مغنٍ شهير ، فاشترى الكتاب وقرأه مترجماً ، ويبدو أنه آمن به ، الآن هذا المغني الشهير من المؤمنين المتفوقين، ترك الغناء وصار يشتري كل تسجيلاته ليحرقها ، يشتريها بماله، بثروته الطائلة ، وهو حالياً يعيش في لندن .

       فهذا كلام الله عزَّ وجل ، منهجك في الحياة ، إنسان بلا منهج كالبهيمة.

       وإن شاء الله فإننا نرحب بكل أخ عنده ابن حريص عليه ، ونحن  عندنا معهد تحفيظ القرآن الكريم ، طبعاً تحفيظه ، وتجويده ، وتعليم أحكامه أحياناً ، وشيء من علومه ، وتفسيره، كذلك درس التفسير هذا درس مهم جداً ، لماذا هو مهم ؟ هذا منهجنا في الحياة ، فهل هناك عمل أخطر وأهم ، وأعظم من أن تتعلم المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه ؟ فقد يقول أحدنا : الفصل شتاء فإلى أين نذهب لنسهر فالليل طويل ؟ والله درس التفسير جيد نذهب ونسمعه عقب صلاة العشاء . لا ليس هذا الموضوع بل الموضوع أخطر من ذلك ، لا لأن الفصل شتاء ، فهذا صار ذبوناً شتوياً ، بل لأن هذا منهج ، منهجك بالحياة ، فإذا عرفت ما هو التوكل ؟ ما هو الصدق ؟ ما هو ليقين ؟ ما هو التوحيد  ما هو الشرك ؟ فقد عرفت الخير والإيمان حقاً .

     هذه أشياء خطيرة جداً تدخل في صميم حياة كل إنسان ، لذلك حضور مجلس علم هو الأجدى ، وليس قولك : والله اليوم عندي فراغ وليس لدي ما يشغلني ، أو أن أقول : والله أنا مشغول لا أقدر أن آتي . فموضوع أن تكون مشغولاً أو غير مشغول ، الفصل شتاء ، والليل طويل ، وما عندي ما يشغلني ، هذا كله مرفوض . ما من عملٍ أعظم من أن تتعلم منهج الحياة وهو القرآن .

    ولابنك محل آخر عندنا ، لدينا معهد يعلمه التجويد مبدئياً ، يعلمه التحفيظ ، مع شيء من أحكام القرآن ، وشيء من العقيدة ، يعلمه شيئاً من السُنَّة أحياناً ، فلذلك على الإنسان أن يحرص على ذلك ، والحمد لله عندنا لكل المستويات ، عندنا ابتدائي ، وإعدادي ، وثانوي .

       الحق الآخر أن يعلمه السباحة . أحياناً باللغة أنت تذكر الجزء وتريد الكُل ، مثلاً : الفقراء والمساكين . العلماء قالوا : إذا  اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا . كيف ؟ أي أن الله عزَّ وجل إذا قال : للفقراء والمساكين . معناها أن الفقراء هم الذين لا يجدون حاجتهم ، دخل أحدهم أقل من حاجته، أما المساكين فهم الذين لا يستطيعون العمل ، أو هم بلا أعمال ، إذا اجتمعا افترقا، ولكن إذا افترقا اجتمعا ؟ فإذا قال ربنا عزَّ وجل: للفقراء . أي للفقراء والمساكين ، إذا قال : للمساكين . أي للفقراء والمساكين ، حيثما اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا .

        فالنبي عليه الصلاة والسلام عندما قال في حديثٍ رواه البيهقي :

"أن يعلمه الكتاب والسباحة .... " أنا أعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقصد بالسباحة مدلولها بالذات ، بل مدلول السباحة عموماً لأنها تحرِّك كل عضلات الجسم ، فكأنه لما ذكر هذا النوع من الرياضة وأراد به كل أنواع الرياضة ، فقد يكون الإنسان بمكان لا يوجد فيه أنهار أو مسابح إطلاقاً ، كما هو الحال في بعض القرى ، إذاً صار المقصود من السباحة هنا أي يجب أن ينشأ ابنك في بنيته الجسمية نشأةً قوية ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ "*

من سنن ابن ماجة: عن أبي هريرة

       لكن روعة الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قيَّد القوة بالإيمان ، لأن القوة وحدها شيءٌ خطير ، شيءٌ مخيف ، شيءٌ مدمِّر ، أما المؤمن القوي ، لم يقل : القوي . بل المؤمن القوي ، لأن الإيمان فيه ضوابط ، الإيمان قَيْدُ الفتك ولا يفتك مؤمن ، المؤمن القوي ، والإنسان كما قال سيدنا علي ، هذا كلام واقعي وخطير ، أعظم نعمةٍ تمتلكها ما هي ؟ نعمة الإيمان .

        فسيدنا عمر إذا أصابته مصيبة كان يقول : " الحمد لله إذ لم تكن في ديني .. " أي أن أعظم نعمة ألا تكون واقعاً في الكبائر ، ألا تكون ذا مالٍ حرام ، ألا تكون مصلحتك لا ترضي الله عزَّ وجل ، ألا يكون في بيتك منكر لا تستطيع أن تزيله ، هذه أكبر مصيبة ، بل هي مصيبة المصائب ، فإذا كان الإيمان ، ما هي أكبر نعمةٍ بعد الإيمان ؟ أكبر نعمة أقول ، وأعني ما أقول : هي الصحة . فما قيمة المال من دون صحة ؟ لكن ما هي أكبر نعمةٍ بعد الصحة ؟ أن تكون مكتفياً .

       لذلك الإيمان والصحة والكفاية إذا توافرت لك فالدنيا كلّها لا تعدل شيئاً أمامها ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

"مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ـ الآمن أي مطمئن إلى ربه ـ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها "*

(من سنن الترمذي: عن عبيد الله بن محصن الخطمي)

       فالإنسان متى يطمئن ؟ هل يطمئن إنسان عاصٍ ؟ أبداً فهو في قلق، لا يطمئن إلا المؤمن، والدليل :

(سورة الأنعام)

       هذه آية قرآنية ، أي لا تمتع بنعمة الأمن حصراً إلا المؤمن .

 

(سورة الحشر: من آية " 2)

       أقوى إنسان في الأرض ، أغنى إنسان في الأرض ، إذا أشرك قذف الله في قلبه الخوف، وقد ذكرت هذا في درس الشِرك ، كيف أن أصحاب أموال الطائلة إذا اعتمدوا على أموالهم فهم معذَّبون ، كيف ؟ لأن الله عزَّ وجل يقول :

(سورة الشعراء)

       لكن كيف يعذَّب هذا الغني ؟ هذا الغني يعذب بخوف فقد المال ، هذا عذاب ، وإذا فقده يعذب بفقده ، فهو إن كان معه المال معذبٌ بخوف فقده ، وإن فقده معذبٌ بفقده ، في كلا الحالين هو معذب ، لذلك أعظم نعمةٍ أن تكون مؤمناً " آمناً في سربه " . إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، فالسكينة هي الطمأنينة

"مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ـ صحة ـ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"بحذافيرها *

(من سنن الترمذي: عن عبيد الله بن محصن الخطمي)

      إذاً صحة الجسد شيءٌ مهم ، والحقيقة أن الجسد مطيَّتك إلى الله عزَّ وجل ، فمن الناس من يقول : يا أخي إن العمر محدود . وهذا صحيح لكن هل من الممكن لأحد الناس أن يعيش ثلاثةً وثلاثين عاماً مسطحاً على ظهره ؟ أو واقفاً على قدميه ، العمر هو العمر ، لكنك إذا اعتنيت بصحتك ، بين أن تعيش هذا العمر في راحةٍ وطمأنينة ، لأنه جسمك مطيَّتك ، الإنسان بالصحة يعمل ، ويدرِّس ، ويدعو إلى الله عزَّ وجل ، ويكسب المال ، ويفعل كل شيء ، أما إذا تعطلت صحتك فإنك تتعطل عن العمل بسبب المرض ، فالقضية خطيرة جداً ، أي أن العناية بالصحة أريد أن أقول شيءٌ يلي الإيمان في الأهمية ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

"علموا أولادكم الكتاب والسباحة"

       المقصود بالسباحة أي الرياضة ، فالإنسان بطعامه ، بشرابه ، وبكل أموره يجب أن يكون دقيقاً وإلا فالخسارة محققة . سمعت من يومين أن سرطان الفم أسبابه ـ والله هذه نصيحة للإخوان ـ إذا كان لديك سن انكسرت ولم تقلعها ، إذا وجد نتوء حاد بالفم والإنسان بدافع الفضول يدأب بلسانه ليحكه ، هذا التخريش أحد أسباب سرطان الفم ، إذا انتبه الإنسان لهذه النقطة فإنه لن يترك شيئاً من النتوءات الحادة بفمه ، لأن الحركة الدائمة مع النتوء الحاد يسبب تخريشاً ، هكذا سمعت من طبيب يقول ، فالعلم مهم حتى في صحتك ، هناك مواد مؤذية ، و مواد مخرشة ، و مواد كيميائية ، و أصبغة إذا تراكمت تسبب أمراضاً معينة ، فالإنسان قبل أن يأكل ، قبل أن يشرب ، قبل أن يتحرك قبل أن يفعل هذا كله عليه أن يكون واعياً من أجل سلامته .

        وقد يُبهر البعض فيقول : جهاز يسخن الأكل خلال ثوانٍ . هذا الجهاز أساسه تخريب الخلايا ، يا ترى هل أنت متأكد مائة بالمائة أنه لا خطر منه ؟ لا تعرف ، تضع الطعام في صحن بارد ، واللحمة مثل الحطبة ، وخلال ثوانٍ يصبح اللحم مثل النار والصحن بارد ، يتعرض الطعام  لإشعاعات تخرب الخلايا وتسخنه . هذا إنجاز حضاري عظيم . لكن يا ترى هل نحن متأكدون أن هذا الإنجاز الحضاري ليس له مضاعفات ثانية ؟ لا نعرف ، لذلك على الإنسان أن يبقى طبيعياً في شؤونه ، فكل إنجاز حضاري قد يكون له أخطار كبيرة تكتشف بعد سنوات من وجوده ، فأنا ليس عندي معلومات دقيقة حول هذا الموضوع ، ولكن مجرد استنباط عام ، فقد يكون هناك شيء ضار ، هذا الطعام الذي تم تحضيره بثوانٍ حسب الظاهر أنه إنجاز سريع ، تسخين سريع .

       قالوا : إنَّ فيلسوفاً من كبار الفلاسفة ركب سفينة فالتقى بملاَّح على ظهر السفينة ، فسأله عن درجة علمه ، ما معك من شهادات ؟ هذا الملاح قال له : والله لا أعرف شيئاً . قال له : إنك لا تنفع مطلقاً لأنك لا تعرف شيئاً . ما قيمتك بالحياة ألم تدرس أبداً ؟ فقال له الملاح : يا مولاي أتعرف السباحة ؟ قال : لا إنها لا تجدي نفعاً . واتفق بعد زمنٍ يسير أن حدث هياجٌ واضطرابٌ عظيمٌ في البحر ، حتى أشرفت السفينة على الغرق، فدنا الملاح من هذا الفيلسوف العظيم وقال : يا سيدي إننا هالكون لا محالة فهل تعرف السباحة ؟ فقال الفيلسوف : والله لا مفر لي من الموت ، ولا حيلة بيدي . فقال الملاح : ادعُ معارفك وعلومك لعلها تنجيك . فقال الفيلسوف : إن معارفي لا تنجي من الغرق . فقال الملاح : أما أنا فأعرف السباحة ، وهي تنجي من الغرق بإذن الله ، رغم أنك قلت لي قبل قليل : أنها لا تجدي نفعاً . وها أنت الآن تعرف أنها تجدي حقاً .

       وبينما هما يتكلمان لطمت الأمواج السفينة فقلبتها وسقط من فيها في الماء ، فأمسك الملاح الفيلسوف بإحدى يديه وسبح بالأخرى حتى نجا كلاهما ، فقال الفيلسوف : صدقَ من قال ، علمك بالشيء خيرٌ من الجهل به .

       المؤمن والله شيء عالٍ إن كان يسبح ، و كان جسمه قوياً ، وهو ذو مصلحة بيده ، مهنة، يقول أحدهم أنا كهربائي ، أنا خياط ، أنا مزارع . شيء رائع جداً، فسيدنا عمر يقول : " إني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني "  . وقال سيدنا علي : " قيمة الرجل ما يحسن " . لذلك المؤمن الذي بيده حرفة ؛ مصلحة ، تجارة ، صناعة ، حرفة خدمات ، دارس، مدرِّس ، طبيب ، مهندس ، خيَّاط ، نجَّار ، حدَّاد ، فهو إنسان نافع ، إذاً تعلَّم للآخرة ، وتعلَّم مصلحة للدنيا ، واجمع بينهما ، و ..

ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا    واقبح الكفر والإفلاس في الرجل

*  *  *

       إذاً السباحة بمعنىً مُطلق القوة ، القوة الجسمية ، الرياضة البدينة ، لكن بالمناسبة الآن لابدَّ من التحفُّظ فأذكركم بالحكمة الثانية : دع خيراً عليه الشر يربو .

       لو فرضنا أني أردت أن أعلم ابني السباحة ، والمسبح فيه كشفٌ للعورات ، أو على شاطئ فيه نساءٌ كاسيات عاريات ، هذه سباحة ولكن معها فسادٌ كبير ، وعندنا قاعدة فقهية تقول : دَرْءُ المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع . أي أنك إذا علمت ابنك السباحة وفسدت أخلاقه من جراء ذلك وانجرف إلى شهواتٍ محرمة ، وضيّع دينه ودنياه وآخرته ، ماذا تجديه السباحة؟

      أريد أن أعلم ابني اللغة الإنكليزية مثلاً قالوا لي : أفضل شيء ابعثه إلى بريطانيا ، إذا لم يقم لدى أسرة قد اختلط بأفرادها شهراً بكامله ، وصار لديه براتيك (محادثة) فإنه لا يتقوّى . والله شيء جميل ، بعث ابنه إلى مجتمع فاسد منحرف ، الزنا في هذا المجتمع كشربة الماء ، شاب في مقتبل حياته مثل الوردة تضعه في أسرة فيها صبايا وفتيات ، والأب منحرف ، والأم منحرفة ، رجع الابن يُتقن البراتيك ولكنه رجع زانياً ، فما قولك ؟ أيُّ براتيك هذا ؟ دع خيراً عليه الشر يربو . درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع .

       أحياناً تكون مصلحة تجارية رائجة جداً ، لكن في السوق فيه فساد كبير ، والربح ثلاثين بالمائة ، وكل يوم رواج و بيع ، لكن كل العلاقة مع النساء ، علاقة صارخة مع النساء ، الإنسان يصبر يوماً ، يومين ، شهراً ، ثم بعد ذلك يستسلم ، بعد ذلك تزل قدمه ، درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع ، قاعدة أساسية ، فإذا تحدثنا عن الرياضة والسباحة فالحديث جميل بشرط ألا نضيع من أجلها أخلاق أبنائنا ، هذه قاعدة مهمة جداً ، كشف العورات ، الاختلاط ، هذا كله يتناقض مع قواعد الدين .

        في أحاديث أخرى :

 "علموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية".

(من الجامع الصغير: قول لسيدنا عمر رضي الله عنه)

       والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

"ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي"

رواه مسلم

       وهذا من إعجاز النبي عليه الصلاة والسلام ، فأحدث سلاح الآن أساسه دقة الرمي ، والآن اسمع ، يقول لك الخبراء : الخطأ متر . إن كان السلاح مدافع ، وإن كان صواريخ ، وإن كان صواريخ موجهة ، وأي سلاح ، قوة السلاح بدقة إصابته ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

"ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي"

       هذا الحديث الشريف من أحاديثه التي تُنْبِئ عن نبوته صلى الله عليه وسلم .

       ويقول في حديثٍ آخر رواه أبو داود :

"ارموا واركبوا ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ، ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبةً عنه فقد كفر"

       أي كفر هذه النعمة نعمة الرمي ، طبعاً هذا كله من أجل إعداد العدة من أجل قتال الأعداء .

       النبي عليه الصلاة والسلام كان يشجِّع أبناء المسلمين على الرمي ، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال :

"مر النبي عليه الصلاة والسلام على قوم ينتضلون أي يستابقون في الرمي فقال : ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً ، ارموا وأنا مع بني فلان