English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق الأبناء على الآباء  3 / 4  - تعليم الابن القرآن ـ الرمي ـ إطعامه حلالاً   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ... لازلنا في موضوع حقوق الأبناء على آبائهم ، وربَّما كان هذا الدرس هو الدرس الأخير في هذا الموضوع ، من حقوق الأبناء على آبائهم أن يُؤدَّب بالأدب الإسلامي ، كل دينٍ ، أو كل مذهبٍ ، أو كل مبدأٍ ، أو أية حضارةٍ هي مجموعة أفكار ، ومجموعة قيَم ، ومجموعة أخلاقيات ، وقد يعبَّر عنها بالأدبيات ، الإسلام له أفكاره ، وله قيمه ، وله آدابه .

      هناك آداب الاستماع ، آداب الحديث ، آداب الطريق ، آداب طلب العلم ، آداب تلقين العلم ، هناك آداب الزوج مع زوجته ، آداب الزوجة مع زوجها ، آداب الجار مع جاره ، في الإسلام بعامة وفي السُنَّة المطَّهرة بخاصة موضوعٌ كبيرٌ ويحتل مساحةً كبيرةً إنه موضوع الآداب .

      فالابن فضلاً عن أن الأب مُلزم عن أن يعلِّمه مبادئ الإسلام ، وأن يعلِّمه قيم الإسلام عليه أن يؤدِّبه بأدب الإسلام .

      ومرَّةً ثانية أوضِّح حقيقةً دقيقةً جداً هي أن الأب دوره كدور الطبيب عليه أن يبذل قُصارى جهده ، أما أن يكون تحقيق النجاح محاسباً عليه فهذا شيءٌ فوق طاقته ، لأن الله عزَّ وجل خاطب النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيِّد المُربين ، وإمام المعلِّمين ، وسيِّد العلماء ، وسيد الأتقياء ، وأخشع خلق الله قال :

 

 

 (سورة البقرة: من آية 272)

(سورة هود)

(سورة الغاشية)

       سيدنا نوح عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام كان من أنبياء الله عزَّ وجل ، ومع ذلك لم يتمكَّن أن يلقِّن العلم الشريف لابنه الذي هو من صُلبه ، أقول هذا الكلام لأن موقف الأب يجب أن يكون دقيقاً جداً ، لو أنه أهمل فهو محاسبٌ على إهماله ، لو أنه عجز عن تحقيق الهدف الذي أراده الله من الإنسان في ابنه نقول له : إن هذا العجز لست محاسباً عليه ، لأن الطبيب عليه أن يبذل قُصارى جهده وليس عليه ضمان الشفاء ، هذه حقيقةٌ مسلَّمٌ بها لا تقبل الأخذ والرد .

        فعلى الأب أن يؤدَّب ابنه بالآداب الإسلاميَّة ، ولكن وهذه كلمةٌ صريحة : ما دور الكلام في نقل الآداب ؟ ما دور الكلام في نقل القيَم ؟ إن دور الكلام دورٌ ضئيلٌ جداً ، محدودٌ جداً ، ولكن يكفي أن يتأدَّب الأب بالأدب الإسلامي ، وأن يكون في بيته مسلماً صادقاً ، يكفي أن يَصْدُق ليعلِّم أبناءه الصدق من حيث لا يشعر ولا يشعرون ، لمجرَّد أن يكشف الابن أن الأب يكذب على أمِّه ، وأن الأم تكذب على الأب ، وأن الأخ يكذب على أخيه هذا اسمه كذبٌ ممارس ، الواقع فيه كذب ، فالابن يتعلَّم من الواقع أضعاف ما يتعلَّم بالتلقين ، من هنا قالوا : " لغة العمل أبلغ من لغة القول ".

       المسلمون في أندونيسيا أسلموا لا عن طريق الدعوة ولكن عن طريق الممارسة ، عن طريق المعاملة .

       في موسم الحج الماضي حدَّثني أخٌ كريم فقال لي : التقيت برجل من أوروبا ، هو في عرفات يدعو ويبكي ، مظهره يُنْبِئُ عن أنه ليس عربياً ، وليس من بلاد الشرق الأوسط ، فلما سأله عرف أنه من دولةٍ في قلب أوروبا ، أول سؤالٍ يخطر في باله : كيف أسلمت ؟ أو لماذا أسلمت ؟ فكانت الإجابة في منتهى البساطة :

       إن طالباً مسلماً سكن في بيته ، هذا الطالب رآه مثلاً أعلى في الاستقامة ؛ عفَّةٌ ما بعدها عفَّة ، صدقٌ ما بعده صدقٌ ، جديَّةٌ ما بعدها جديَّة ، انضباطٌ ، صلاةٌ ، ذكرٌ ، عبادةٌ ، من حيث لا يشعر هذا الطالب ترك أبلغ تأثيرٍ في هذا الإنسان ، وكان إسلام هذا الرجل على يد هذا الطالب ، وجاء إلى بلاد الحجاز ليؤدي الفريضة .

       إذاً هذه كلمة أقولها من القلب : الإسلام الآن لا يحتاج إلى كلام ، الكلام ولاسيما في هذا العصر هناك منه طَوَفان ، أو هناك طُوفان ، أي من الكلام، الكلام ، الكتابات ، المقالات ، الكتب ، التسجيلات ، الخُطَب ، المحاضرات، الندوات بلغت من الكثرة ، والعمق ، والتفنُّن ، والتنوُّع ، والقدرة على التأثير الحَدَّ الأقصى ، وما لهؤلاء الناس لا يرتدعون ، ولا يؤثِّر فيهم هذا الكلام ؟ لأن لغة العمل أبلغ من لغة القول .

       أنا أقول لكم هذه الكلمة : " بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء " . الآن لا يؤثِّر في أخيك ، ولا في جارك ، ولا في زميلك، ولا في صديقك ، ولا في أي إنسان تلتقي به لا يؤثِّر فيه دقة الفكرة ولا دليلها ، بل يؤثِّر فيه الموقف الإسلامي ؛ أن تكون صادقاً ، أن تكون منضبطاً ، أن تكون عفيفاً ، أن تكون سَخياً ، أن تضع المادة تحت قدمك من أجل مبدئك، أن تكون عند وعدك ، عند ما تقول ، فإذا كان هذا هو الطريق الوحيد لنشر الدين في الأوساط ، فأن يكون الطريق الوحيد لتلقين أولادك فبادئ الإسلام وقيمه وآدابه من باب أولى .

       لذلك قبل أن تقول لأولادك عُدَّ للألف وللمليون هل أنت في مستوى هذا القول ؟ إن دعوتهم إلى الصدق فهل أنت صادق ؟ إن دعوتهم إلى أن يفعلوا كذا وكذا فهل تسبقهم أنت إلى فعل كذا وكذا ؟ هذه الازدواجيَّة في شخصية الإنسان هي الطامَّة الكبرى في هذا العصر ، هناك شرخٌ كبير بين ما تعتقده ، وبين ما تؤمن به ، وبين ما تدعو إليه ، وبين ما تمارسه في حياتك اليوميَّة ، هذا الشرخ الكبير ، هذه الهوة الكبيرة فصلت الإسلام عن الحياة .

       ما تسمعه في المسجد ، ما تسمعه من خطيب المسجد كلامٌ طيب مائة في المائة ، ولكن ما تراه في الحياة اليوميَّة شيءٌ آخر مختلفٌ كل الاختلاف، لذلك الكلمة الفصل ، والكلمة الصادقة ، إذا أردت أن تربي أبناءك على أي شيء لا تنتظر أن يكونوا كما تريد إن لم تكن أنت كما يريد الإسلام ، إذا كنت أنت عاجزاً عن أن تكون صادقاً فأولادك أعجز عن الصدق منك ، إذا كنت أنت عاجزاً عن أن تضبط شهواتك ، يكفي أن يراك ابنك تستقبل امرأةً لا تحلُّ لك ؛ قريبة ، أو صديقة ، أو ، أو ، ويكفي أن ينظر إليك وأنت تدير معها حديثاً لطيفاً وأنت تملأ عينيك منها ، أي كلامٍ تقوله لابنك عن غض البصر ، وعن العفَّة ، وعن وعن كلامٌ لا قيمة له إطلاقاً ، يجب أن يرى الابن من أبيه الصدق ، العفَّة ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

"الإسلام عفيفٌ عن المحارم ، الإسلام عفيفٌ عن المطامع"

      إذا أردنا أن نوسِّع الدائرة فهذا ممكن . دعونا من تربية الأبناء ووسِّعوا الدائرة إلى الدعوة إلى الله ، لن تستطيع أن تؤثِّر في إنسان كائناً من كان إن رأى هذا الإنسان مسافةً بين أقوالك وأفعالك ، الكلام سهل ، لذلك قال بعض الأدباء : " إن أكثر الناس يستطيعون الحديث عن المُثُل العُليا ، ولكنهم لا يستطيعون أن يعيشوها " . أي لك أن تقول : هذه حقوق الأم . ولكن البطولة أن تعرف هذه الحقوق وأنت متزوِّج ، حينما تصطدم أمك مع زوجتك ، تقف مع من؟ تقف مع مبدئك أم مع شهوتك ؟ تقف مع مصلحتك العاجلة أم مع مصلحتك الآجلة ؟

       لذلك هذه الكلمة لابدَّ منها تقديماً لهذا الموضوع الدقيق ، أي يا رب كيف أؤدِّب ابني بالأدب الإسلامي ؟ يجب أن تكون أنت مسلماً ، يجب أن يكون هذا البيت إسلامياً ، يجب ألا تعد وعداً إن لم تكن متأكِّداً من أن توفيه . الطفل يصدِّق كل ما تقوله له ، لقد وعدته بمكافأةٍ إذا نجح ، وها هو ذا قد نجح أين المكافأة ؟ هو لا يعرف أنك لا تملك مالاً ولكن يعرف أنك وعدته ، أنت أبوه وهو يظن كما يقولون : " المرأة والطفل الصغير يحسبان الرجل على كل شيءٍ قدير " . هكذا تظن المرأة وابنها في وقتٍ واحد ، فإذا كنت لست متأكِّداً من قدرتك على أن تفي بوعدك فلا تعد ، أي علِّم ابنك قدسيَّة الكلمة .

     أنا ألاحظ ملاحظة هي مشكلة ، على مستوى الأقارب ، على مستوى الأصحاب ، الأصدقاء ، على مستوى الجيران ، على مستوى العلاقات اليوميَّة ، تطلب طلباً : والله أنا بحاجة لهذا الشيء . تجد أربعة أو خمسة اندفعوا اندفاعاً عجيباً لتقديم خدماتهم ، تنتظر يوم الأحد ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، بل يمضى أسبوع واثنان وثلاثة ولا تجد استجابةً لهذا الطلب ، فلماذا ؟ هذا الذي قال لك : أنا سأفعل هذا . هذا كلام ، أما وعد الحر دين، أنت ابق صامتاً ، الصامت في سلام ، والمتكلِّم إما له أو عليه ، أنت إذا كنت لست متأكِّداً من قدرتك على أن تفي بما وعدت فابقَ صامتاً ، فهذا أشرف موقف تقفه ،.

       أحياناً الأخ يزور أخته ، تشكو له بعض ما هي بحاجةٍ إليه . فيقول لها : هذه اتركيها لي، وهذه على عيني . الأخت تصدِّق وتنتظر الأسبوع، والأسبوعين ، والشهر والشهرين ، ولا من مجيبٍ ، ولا من سميعٍ ، ولا من قريب ، فهذه المشكلة أن الوعود كثيرة ، التبجُّح كثير، التوجيه كثير ، الوعظ كثير ، ولكن التطبيق قليل ، فلذلك قبل أن تفعل شيئاً ..

يا أيها الرجل المعلِّم غيره     هلا لنفسك كان ذا التعليمُ ؟

ابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها     فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ

لا تنه عن خُلُقٍ وتأتي مثله     عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

*  *  *

     هذه أبياتٌ بليغة ، والآن يطالعنا سؤال دقيق : ما هو الفرق الجوهري بين دعوة الأنبياء عليهم صلوات الله وبين دعوة الدعاة ؟ الفرق الجوهري هو أنك لن تجد في حياة النبي أي مسافة بين ما يقول وبين ما يفعل ، هذا هو ملخَّص ملخَّص الملخَّص ، إذا أردت أن تؤثِّر في الناس فكن في مستوى دعوتك ، إذا علَّمت الناس السُنَّة طبِّقها قبل أن تعلمهم إياها ، إذا علَّمت الناس أدب التواضع كن متواضعاً ، إذا علَّمت الإنسان أدب إنكار الذات أنكر ذاتك أولاً، إذا علَّمت الناس أدب التوكُّل توكَّل أنت قبلهم ، إذا علَّمت الناس أدب السخاء كُن سخياً قبل أن تعلِّمهم السخاء ، هذا إذا فعلناه رضي الله علينا جميعاً ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

" إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ"*

من صحبح مسلم : عن  ابي هريرة 

        من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

"أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبه"

(رواه ابن ماجة: عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما)

      سبحان الله ! هناك جبلَّةٌ جبلها الله عزَّ وجل في قلب كل أب ، هذه الجبلَّة هي الحرص على أولاده ، ولكن المشكلة أنك تحرص على أولادك من زاوية نظرك ، من وجهة نظرك ، فالأب الذي لا يعرف الله عزَّ وجل يحرص على مستقبل أولاده وفق تخطيطه هو ، هذا الذي يسميه الناس ضالٌ مُضل ، يحب أن يكون أولاده أحراراً في أعمالهم ، وفي حركاتهم ، وفي سكناتهم ، ولا يتأثَّر كثيراً إذا رأى انحرافاً لابدَّ من أن يكون ابنه كذا وكذا ، لذلك تعلُّم الأب فرض عينٍ قبل أن يُعَلِّم ، الأبوَّة مسؤوليَّة .

       فكل إنسان يتزوَّج ينجب أولاداً ، هذا في مقدور أي إنسان ؛ جاهل ، عالم ، عظيم ، تافه، أخلاقي ، لا أخلاقي ، أمر واضح كائن مع كائن ينجبان مولوداً ، ولكن الأبوَّة في الإسلام مسؤوليةً قبل أن تكون مُتعة ، مسؤوليَّة كبيرة ، هذا الذي أنجبته له حقٌ عليك .

       النقطة التي ذكرتها لكم في الدرس السابق ، أن النبي عليه الصلاة والسلام لماذا جعل الدِرهم الذي تنفقه على عيالك خيراً من أي درهمٍ آخر ؟ لأن إنفاق المال على الفقراء مثلاً قد تنفق عليهم أنت وهناك آخرون ينفقون عليهم ، أي هو بابٍ من أبواب الخير إن امتنعت أنت عن الإنفاق تقدَّم غيرك ، ولكن رعاية الأولاد، هؤلاء الأولاد إن تخليت أنت عنهم من لهم ؟ ليس لهم أحد ، من هنا كان الدرهم الذي تنفقه على عيالك ، أو على أولادك خيراً من أي درهمٍ آخر ، كما قال عليه الصلاة والسلام في مقدمة هذا الموضوع .

      والحديث الثاني : عن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

"ما نحل والدٌ ولداً أفضل من أدبٍ حسن"

(رواه الترمذي)

      معنى نحل أي أعطى ـ هذا الحديث الثاني ـ قلت لكم سابقاً ، فكرةٌ مهمة أُعيدها مرة ثانية :

      الله سبحانه وتعالى جعل في الأرض معايش ، معنى معايش أي جعل في الأرض أبواباً لكسب الرزق ، كل واحد له حرفة ؛ هذا مدرِّس والتدريس بابٌ لكسب الرزق ، هذا محامِ والمحاماه بابٌ لكسب الرزق ، هذا موظَّف ، هذا صاحب مهنةٍ يدويَّة ـ حرفةٍ يدويَّة ـ كل إنسانٍ يعيش من عملٍ والناس في أمس الحاجة إليه ، وهذا تصميم الله عزَّ وجل ، فالإنسان يُتقن عملاً واحداً وهو بحاجة إلى آلاف آلاف الخدمات والحاجات ، الحياة تقوم على العلاقة المتبادلة .

         كذلك ربنا سبحانه وتعالى جعل في الحياة الدنيا أبواباً للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى  الأسرة أحد أكبر هذه الأبواب ، أي يكفي أن تكون زوجاً مثالياً ، أن ترعى زوجتك ، أن تحملها على طاعة الله ، أن تعرِّفها بأمر آخرتها ، أن تعطيها سؤلها بالمعقول من دون شطط ، من دون إسراف ، من دون تبذير ، من دون مباهاة ، أن تكفيها مؤنتها ، أن تطمئنها لا أن تهددها بالطلاق صباح مساء ، يكفي أن تبثَّ في قلبها الأمن والطمأنينة ، وأن تطعمها مما تأكل ، وأن تلبسها مما تلبس ، وأن توقِّرها توقيراً يليق بها كزوجة شريكة حياة ، هذا بابٌ كبير من أبواب العمل الصالح .

       أولادك يكفي أن تحرص على مستقبلهم ، يكفي أن تحرص على هدايتهم ، يكفي أن تسعى لتنشئتهم نشأةً صالحة . بناتك يكفي أن ينشأن على طاعة الله ورسوله ، يكفي أن تكون هذه البنت وفق ما أراد النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن تبحث لها عن زوجٍ مؤمن فإن في هذا المسعى عملاً عظيماً هو مدخلٌ لك على الله عزَّ وجل .

      الآن أوسِّع الدائرة ؛ حرفتك ، عملك يكفي أن تتقنه ، وأن تكون صادقاً فيه ، وألا تغش به المسلمين ، وأن تمارسه وفق الشرع ، وأن تبتغي به خدمة المسلمين حتى ينقلب هذا العمل إلى عملٍ صالح ، فأحياناً الإنسان يتوهَّم أنه عدداً قليلاً من الناس فقط لهم عند الله مكانة كبيرة، أقول إن هذا وهم فحسب ظنه أن الذي يبني هذا المسجد ، وهذا الداعية ، وهذا الخطيب مثلاً فقط هم أصحاب الخطوة عند الله ، لا .. أنت أنت أيها الأخ الكريم بحرفتك ، وعملك اليومي ، وفي بيتك ، ومع زوجتك ، وأولادك ، وفي علاقاتك الاجتماعيَّة إذا أوقعتها وفق منهج الإسلام ، وضبطت عملك هذه كلها أبوابٌ لدخول الجنَّة ، فهل من المعقول أن يكون كل الناس دعاة ؟ لا ، وكن أنت صاحب مهنة ، صادق ، مستقيم ، أمين ، تنصح المسلمين ، تبتغي بعملك هذا خدمة المسلمين هذا بابٌ كبير من أبواب دخول الجنَّة ، فأنا أريد أن أقول : إن الأبواب المفتَّحة للجنَّة لا تعد ولا تحصى ، وذوو مكانة عند الله كثيرون .

       شيءٌ آخر : عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه ـ هذا الحديث يؤكِّد كل هذا الكلام الذي قيل قبل قليل ـ عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال : جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيتنا ـ يبدو أن بينهم قرابة ـ وأنا صبيٌ صغير ، فذهبت لألعب فقالت لي أمي : " يا عبد الله تعالَ أعطيك ". فقال عليه الصلاة والسلام : " ما أردتِ أن تعطيه ؟ " قالت : "تمراً " ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أما إنكِ لو لم تفعلي ذلك لكُتبت عليكِ كذبة".

       فعليك أن تمارس مع ابنك الصدق قبل أن تأمره بالصدق .

      وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " أخذ الحسن بن علي رضي الله عنه تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه ـ أحياناً الأب لا يبالي ماذا يأكل ابنه ؟ من طعام حلال ، من طعام حرام ، هذا الشيء يجوز أكله ، أو لا يجوز أكله ، شاهد معه حاجة ليست له فلم يسأله : من أين هي ؟ هذا الذي لا يبالي ربَّما شجَّع ابنه على أكل مالٍ حرام وهو لا يدري ـ فقال عليه الصلاة والسلام لحفيده الحسن ، وقد أخذ تمرةً من تمر الصدقة ، قال عليه الصلاة والسلام : كخ كخ ـ هذه كلمةٌ فصيحة وهي اسم فعل ـ ارم بها أما علمت أَنَّا لا نأكل الصدقة ؟ ".

(رواه الشيخان)

      هذه حرام ، فإذا مرَّ الأب على بائع وأكل شيئاً من هذا المبيع وهو لا ينوي الشراء ، على مرأى من ابنه ، صار عند ابنه " شعار ضع في الخُرج " هذا شعار آخر ، لا تدقِّق ، أما إذا تعفَّف الأب انتبه الابن ، وصار لديه انضباط ، لذلك مرَّ بنا سابقاً أنه : " من أكل لقمةً من حرام جُرِحَت عدالته " . تطفيفٌ بتمرة تجرح العدالة .

      عندنا قاعدة شهيرة جداً : " لا يستقيم الظلُ والعود أعوجُ " . أحضر عواًد أعوج وضعه في الشمس ، هل يمكن أن يأتي ظلُّه مستقيماً ؟ مستحيل ، متى يستقيم العود والظل أعوج ؟! والبيت الشهير الذي تعرفونه جميعاً :

إذا كان رب البيت بالدف ضارباً    فشيمة أهل البيتِ كلُّهم الرقص

*  *  *

       فالأب كما قلت لكم سابقاً : يكون ابنه في سن لا يُجدي معه إلا الملاعبة ، والمداعبة ..

"لاعب ولدك سبعاً ..."

       طفل صغير ، هذا الذي يستيقظ ليضرب ابنه ضرباً مبرِّحاً إذا بكى في الليل وأيقظه ، وعمره سنتان ، هذا ليس أباً ، هذا الإنسان ليس في مستوى أن يكون أباً لولد ، من عام لسبعة أعوام هذا الطفل الصغير يحتاج إلى إيناس ، يحتاج إلى ابتسام ، يحتاج إلى ملاعبة ، يحتاج إلى أن تهبِط إلى مستواه ، يحتاج إلى أن تمضي معه فترةً في تأليف قلبه ، فالنبي على عظمة شأنه ، وعلى عِظَمِ قدره كان يمشي على أربع ، ويركب الحسن والحسين على ظهره ويقول :

"نعم الحملان أنتما ، ونعم الجمل جملكما".

 "نعم الجمل جملكما! ونعم العدلان أنتما ".

 (من كنز العمال: عن جابر)

 

"من كان له صبي فليتصابى له"

 (من الجامع الصغير: عن "معاوية)

     وكانت الجارية تأخذ بيد رسول الله ـ البنت الصغيرة جداً ـ وتمضي به حيث تشاء ، الآن :

"لاعب ولدك سبعاً ، وأدبِّه سبعاً".

      من السابعة إلى الرابعة عشرة تأديب ، تكلَّم الابن قليلاً خلاف الحق أو أخذ ما ليس له ، أو نظر نظرةً غير مؤدَّبة ، فيجب أن تؤدِّبه باستمرار . لكن ما هي المشكلة ؟ أنه أحياناً ألف إنسان ينظِّف لا يستطيع أن يزيل أثر إنسان يوسِّخ ، فكيف إذا كان منظِّف واحد وألف موسِّخ؟ اعكسوها . الإنسان أحياناً بحكم الفساد الاجتماعي العام ، يجد مصدراً واحداً للتوجيه وألف مصدرٍ للإفساد ، على كلٍ وأدِّبه سبعاً .

       هناك وصية لسيدنا لقمان مأثورة عن هذا النبي الكريم وهي من وصايا كثيرة أثرت عنه، وبعضهم يقول : هو ليس نبياً ، على كلٍ ورد ذكره في القرآن الكريم ..

 

(سورة لقمان: من آية " 13)

      قد تواجهك مرحلة لا تملك عندها إلا التوجيه الصحيح وأن تكون قدوةً ، وعلى الله الباقي. "يا بني اتخذ تقوى الله تعالى تجارتك يأتك الربح من غير بضاعة". أول ملاحظة : استقيموا ولن تحصوا ، استقم على أمر الله واجعل تجارتك أن تكون مستقيماً على أمر الله ، ولا تسأل عن كثرة الخير الذي سيأتيك من كل جانب .

     النصيحة الثانية : " يا بني احضر الجنائز فإن الجنائز تذكِّرك بالآخرة " . الجنائز تذكر بالآخرة ، فأحياناً الشباب في مرحلة من حياتهم أسقطوا من حساباتهم كلياً موضوع الموت ، أو موضوع مغادرة الدنيا ، هناك مفاجآت، فكم من شابٍ مات في مقتبل العمر ؟! هذه الفكرة الخاطئة أنا شاب الآن ، هذا كلام غير صحيح ، نسمع كل يوم بنعوات الشاب أو الشابَّة ، أو فلانة الوالدة مع ابنها ، إذاً الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً ، فالنصيحة الثانية أن يتجه الشاب إلى أمر الآخرة .

       "يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك الذي يصوِّت بالأسحار وأنت نائمٌ على فراشك". أي في الصباح ساعة فيها من التجلِّي ، وفي من البركات والخيرات لا يعلمها إلا الله .

"لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا "*

( من صحيح البخاري : عن أبي هريرة)  

       ربنا عزَّ وجل في هذا الوقت يتجلَّى على عباده ، فلذلك هناك من يستيقظ ليأخذ من هذا التجلِّي شيئاً ، وهناك من يمضي هذا الوقت نائماً ، على كلٍ الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي :

"إن اللّه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر

( من تفسير ابن كثير : عن " سعيد لن جبير " )

       "يا بني لا تؤخِّر التوبة فإن الموت يأتي بغتة". لذلك مرَّ معي أن من أدعية المصطفى صلى الله عليه وسلَّم : " اللهمَّ اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم " . هذا دعاء قرآني كان النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يتمثَّله .

      وهناك شيء آخر هام جداً : " اللهمَّ تب علينا من نسيان التوبة ، وتب علينا من تأخير التوبة " . نسيان التوبة ذنب يضاف إلى ذنب الذنب ، وتأخير التوبة ذنب ، أيضاً وبعض الشباب دائماً يردد : أنا شاب ، وغداً أتوب . وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 "ويحك! أو ليس الدهر كله غدا ؟ " .

من الجامع الصغير : عن  جعال بن سراقة

      والقول الشهير : " هلك المسوِّفون " .

       "يا بني لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عن عمله". إذا أثنيت على جاهل فكأنك تثني على جهله ، من هنا الحديث الشريف :

"إن الله يغضب إذا مُدِحَ الفاسق".

(من أحاديث الإحياء : عن ابن أبي الدنيا)

       إذا مدحت فاسقاً أمام ابنك ، هو لا يصلي ، يشرب الخمر ، يا أخي لطيف ، تقول عنه لابنك : مهذَّب ، لبق ، ذكي ، شاطر ، فإلى أين أنت مندفع في ثنائك الزائف ؟ ابنك يصدِّقك ، إذا خلعت على هذا الإنسان العاصي لربه ، المقترف للكبائر ووصفته بكل صفات الأدب ، والذكاء ، واللطف ، فهذه مشكلة ، يجب أن تسكت وإلا فإنك تكون قد وضعت ولدك في خصم المتناقضات..

"إن الله يغضب إذا مُدِحَ الفاسق".

من أحاديث الإحياء : عن ابن أبي الدنيا

       يغضب ، حينما تمدح الفاسق ماذا تفعل ؟ تجعل القيم تضطرب في ذهن ابنك . لذلك أحياناً في القصص ، والأعمال التي تجسِّد هذه القصص في بعض أجهزة اللهو ، ما الذي يحصل ؟ أن شخصيةً من الشخصيات يسبغ عليها كاتب القصَّة البطولة ، الشهامة ، المروءة ، حب الآخرين ، حب خدمة الناس ، الصدق ، الأمانة ، كل الصفات البطوليَّة تُسْقَطُ على هذه الشخصيَّة ، ومع ذلك يشرب الخمر ، ولا يأبه لأوامر الله عزَّ وجل ، إذا قرأ الإنسان هذه القصَّة ، أو شاهدها ممثَّلةً ، ماذا يحصل ؟ هذه القيم تتسرَّب إلى أعماقه ، إلى عقله الباطن ، فأخطر ما في القصَّة إذا أراد الكاتب منها تدمير القيَم هذا الخطر الماحق ، إذ أن كل صفات البطولة يخلعها كاتب القصَّة على شخصيَّةٍ ما ، وفي الوقت نفسه يظهر أن هذه الشخصيَّة ليست منضبطة بأوامر الدين ، في أعماق أعماق المشاهد أو القارئ يتسرَّب إلى عقله الباطن أن البطولة ليس من مقوماتها معرفة الله ولا طاعته ، بل إن المعصية من لوازم البطولة .

       يكفي خطراً أن تبرز امرأةً وتصفها بأنها دينةً مع أنها ثرثارة ، أو  مهملة لأولادها ، وأنها جاهلة ، أو  أن تظهر امرأةً متبرِّجةً ، متفلِّتةً من كل أدبٍ إسلامي على أنها امرأةٌ صالحة ، وزوجةٌ ناجحة ، صادقة ، مربِّية ، مخلصة لأولادها ، ترعى زوجها ، مثل هذه المتناقضات في الأحكام كمن أن تقضي على مجتمعٍ بأكمله وتحيله إلى ضلال في السلوك والعقيدة ، والضلال ضياع وكفر .

       لذلك إذا قرأت أدباً وشعرت أنه حرَّك مشاعرك العُليا ، وتفكيرك المرتفع فأنت أمام فنٍ رفيع ، فإذا لم يحرِّك هذا الأدب إلا المبتذل من مشاعرك ، والتافه من تفكيرك فأنت أمام فنٍ رخيص ، ويستطيع الكاتب الرخيص ؛ كاتب القصَّة الرخيص ، كاتب الشعر الرخيص ، كاتب المقالة الرخيص يستطيع إذا آتاه الله مقدرةً أدبيَّةً رائعة أن يدمِّر مجتمعاً بأكمله .

        يجب أن تعرف ماذا يقرأ ابنك ؟ إذا جئت بمطبوعات من المستوى الهابط إلى البيت فتعلم أن هذا يُقرأ من قِبَل الزوجة والأولاد ، إذاً من أنت ؟ أنت وعاء، تفكيرك ، تصوراتك محصلة ما يملأ في هذا الوعاء . فهذا الذي يعاشر رفاق السوء ، هذا الذي يعاشر أناساً متفلِّتين من أوامر الدين ، هؤلاء يبثون فيه قيماً أخرى غير قيم الدين ، يبثون فيه عادات ليست إسلاميةً ، يبثون فيه مبادئ ليست إسلاميَّة ، لذلك أنت أو ابنك في النهاية وعاء ، ماذا يصبُّ في هذا الوعاء ؟

       فإذا كنت ممن يقرأ القرآن ، ممن يقرأ سُنَّة النبي العدنان ، إذا كنت ممن يحضر مجالس العلم ، إذا كنت ممكن يقرأ كتاباً إسلامياً يغذي قلبه وعقله فأنت في النهاية إنسانٌ مبدؤك صحيح ، قيمك صحيحة ، وكذلك عاداتك ، وتقاليدك ، وأخلاقك ، أما إذا سمحت لمُغَذِّياتٍ أخرى ، لثقافاتٍ أخرى ، للباطل المزيَّن المزخرف أن يملأ بيتك ، عن طريق كتاب ، أو مجلَّة ، أو قصَّة ، هناك أثر للقصَّة لا يعرفه إلا المختصّون ، أن تقرأ ما تشاء هذا غذاء ، حتى أن هناك دراسات الآن تؤكِّد أن أكثر الجرائم التي يرتكبها الصغار ، والراشدون ، والمراهقون إنما هي مستقاةٌ بشكلٍ أو بآخر مما يرونه من خلال الأعمال الفنيَّة التي تجسِّد بعض القصص .

      حدَّثني رجل أثق به فقال لي : والله في بعض القصص التي انقلبت إلى قصص مشاهدة ، ثلاث عشرة خيانة زوجيَّة ، لو أن شابةً رأت هذا العمل الفني ، فإن الخيانة الزوجية لديها تصبح شيئاً بسيطاً جداً يمكن أن تفعله المرأة انتقاماً من زوجها ، أو تأديباً لزوجها ، أما المرأة المسلمة بينها وبين أن تنزلِق في هذا العمل مسافاتٌ لا يعلمها إلا الله ، بعيدةٌ عنه بعد الأرض عن السماء .

        فهذا الذي تقرؤه ، هذا الذي تسمعه ، هذا الذي تشاهده شئت أم أبيت ، أحببت أم لم تُحب في النهاية هو الذي يصنع عقيدتك ، وهو الذي يصنع قيَمك ، وهو الذي يصنع عاداتك وتقاليدك ، فالخطر يأتي من هنا . اقرأ القرآن فهذا كلام الله عزَّ وجل ..

 

(سورة فصلت : من آية " 42)

        مرَّة قرأت في مجلَّة كلمة مداها سطر واحد ، والله الذي لا إله إلا هو إنها سُمٌ من أشد أنواع السموم فتكاً ، قال قائلها : " أنت أخلاقي لأنك ضعيف ، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي " . بلاء والله ، أربع كلمات ، هذا يدعوك من خلالها لتكون لا أخلاقياً من أجل أن تكون قوياً ، أو من أجل أن تأخذ ما تريد ، لذلك لابدَّ من مقصٍ بيد الأب يقصُّ به كل شيءٍ لا يعجبه حتى لا يقرأه ابنه ، إذا أردت أن تؤدِّبه أدباً إسلامياً .

       "يا بني اتقِ الله ولا ترى الناس أنك تخشاه لشيءٍ ما". فأحياناً الإنسان لا يخشى الله ابتغاء مرضاة الله ، بل إنه يخشى الله ابتغاء ألا يتعرض لغضب الناس، هذا نوعٌ من الشرك .

     "يا بني ما ندمت على الصمت قط ، فإن الكلام إذا كان من فضَّةٍ كان السكوت من ذهب". لأن الصامت في أمان أو في سلام ، والمتكلِّم إما له أو عليه .

    "يا بني اعتزل الشر يعتزلك فإن الشرَّ للشر خُلِق".

    "يا بني عليك بمجالسة العلماء ، واستمع إلى كلام الحكماء فإن الله يحيى القلب الميِّت بنور الحكمة كما يحي الأرض بوابل المطر ، وإياك والكذب وسوء الخُلُق ، فإن من كذب ذهب ماء وجهه ، ومن ساء خلقه كثر غمُّه ، ونقل الصخور من موضعها أيسر من إفهام من لا يفهم". عندنا باللغة مصطلحان : الفهم والتَفَهُّم ، الفهم معروف ، أما التفهُّم هو محاولة الفَهْمِ ، وتجد إنساناً لا يحب التفهُّم ، أي ليس مستعداً أن يبذل أي جهدٍ ليفهم ، وتجد إنساناً لا يفهم ولكنَّه يتفهَّم .

      "يا بني لا ترسل رسولاً جاهلاً فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك". أحياناً الإنسان يكلِّف إنساناً بمهمَّة ، فهذا الإنسان يشوِّه سمعته ، يسئ إليه ، الرسول يجب أن يكون من جِنس المرسل ، وشرف الرسول من شرف المُرسل .

     "يا بني يأتي على الناس زمان لا تقرُّ فيه عين حليم". النبي عليه الصلاة والسلام تعجَّب من آخر الزمان ، كيف أنه يدع الحليم حيران .

     " يا بني اختر المجالس على عينك ، فإن رأيت المجلس يُذكر فيه الله عزَّ وجل فاجلس معهم ، فإنك إن تكن عالِماً يزدد علمك ، وإن تكن جاهلاً يعلِّموك ، وإن يطلع الله عزَّ وجل عليهم برحمةٍ تصبك معهم " .

     " يا بني لا تجلس المجلس الذي لا يُذكر فيه الله عزَّ وجل ، فإنك إن تكن عالماً لا ينفعك علمك ، وإن تكن غبياً يزدك غباءً ، وإن يطلع الله عليهم بعد ذلك بسخطٍ تصبك معهم " . أي أن أجدى شيءٍ لك  أن تحضر مجالس العلم التي تثق بها .

      " يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء ، وشاور في أمرك العلماء ، يا بني إن الدنيا بحرٌ عميق وقد غرق فيه ناسٌ كثير ، فاجعل سفينتك تقوى الله عزَّ وجل " .

      " يا بني إني حملت الجندل والحديد ـ الجندل هو الصخر ـ فلم أحمل شيئاً أثقل من جارٍ السوء ، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشدَّ من الفقر " .

      " يا بني لا تتعلَّم ما لا تعلم ، حتى تعمل بما تعلم" .

 

"من عمل بما علم ورَّثه الله علم من لم يعمل".

     "يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك ، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره". فالبطولة أن تنصف الناس وأنت غضبان لا وأنت فرحان .

     "يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة ، فدارٌ أنت إليها تسير أقرب من دارٍ أنت عنها راحل".

       "يا بني عوِّد لسانك أن يقول: اللهمَّ اغفر لي ، فإن لله ساعاتٍ لا يُرَد فيها الدعاء" .

        " يا بني إياك والدَين فإنه ذلٌ في النهار وهمٌ في الليل " .

     هذه بعض الكلمات التي أُشرت في الكتب القديمة عن سيدنا لقمان الحكيم ، على كلٍ إذا بلغ ابن الرجل السن التي يميِّز بها فليس عليك إلا أن تنصحه ، هذا كل ما تملكه نحو ابنك .

*  *  *

       سيدنا ابن عباس رضي الله عنه قال : " كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلَّم . فقال : يا غلام إني أعلِّمك كلمات ، احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله، وإن استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك ، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف " .

(رواه الترمذي وقال: حديثُ حسنٌ صحيح)

     هذا أيضاً من توجيه الأب لابنه ، حديثٌ رائع .

     حديثٌ آخر في توجيه الأولاد :

 " احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، وإن النصر مع الصبر ، وإن الفرج مع الكرب ، إن مع العسر يسرا ".

( من المأثور : عن " سهل بن سعد " ) 

*  *  *

       الحق الذي قبل الأخير من حقوق الأبناء هو :

أن يعوله حتى يبلغ سن الرشد

      أنا لست مجبوراً بك ، لا إنك مجبور به ، هذا الكلام الصحيح ، أنت حينما أردت أن تكون زوجاً وأباً فلهؤلاء الأولاد حقوق عليك ، لذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قالا : قال عليه الصلاة والسلام ـ استمعوا جيداً ـ

"كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت".

      مجبور فيه وزيادة .

      الشيء الآخر : عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

"أفضل دينارٍ ينفقه الرجل على عياله ، ودينارٌ ينفقه على دابَّته في سبيل الله " .

       إذاً أن تعوله حتى يبلغ سن الرشد ويستطيع الكسب .

       بقي حقٌ ليس في الوقت فسحةٌ كي نشرحه ، وسوف أُؤخره إن شاء الله تعالى إلى درسٍ قادم لأنه من أعظم أبحاث هذا الموضوع أهميةً ، إنه العدل بين الأولاد في العطاء والوصيَّة ، فهذا الذي يقع فيه معظم الناس في تفضيل الذكر على الأنثى في الوصيَّة وفي الإرث ، ويلجئون إلى أساليب لا يرضاها الله عزَّ وجل في التهرُّب من إعطاء البنات حقَّهن ، هذا الموضوع إن شاء الله تعالى نرجئه إلى درسٍ قادم لننتقل بعده إلى حقٍ آخر من حقوق الإنسان مما له أو عليه .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi