English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق المسلم على المسلم  2 / 8  - حق النصح ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الأكارم ... لازلنا في حقوق المسلم على المسلم ، وقد ذكرت في الدرس الماضي أن من أجلِّ هذه الحقوق النُصح له ، إذا غش المسلم أخاه فليس مسلماً ، ما الذي يقابل النصيحة ؟ الغش أو الخيانة ، والغاش ليس مسلماً ، والخائن ليس مؤمناً ، أما الدليل : النبي عليه الصلاة والسلام قال :

"مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"

(صحيح مسلم)

النبي نفى أن يكون منتمياً إلى هذا الدين ، بل هناك حديثٌ آخر

  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلا فَقَالَ : يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا ؟ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ ثُمَّ قَالَ :

 "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا" *   

  (سنن الترمذي)

 لو غششت مجوسياً فأنت لست مسلماً ، مجوسياً عابد صنم ملحداً، إنه مخلوقٌ من مخلوقات الله عزّ وجل ، الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، فإذا غششت فلست مسلماً ، وإذا خُنت فلست مؤمناً ، والدليل

 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

"يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ

       (مسند أحمد)

ما الذي يقابل الغُشَّ والخيانة ؟ النصح ، أن تكون نصوحاً ، والنبي عليه الصلاة والسلام وصف المؤمنين فقال :

"المؤمنون نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم والمنافقون غششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم ".

إذاً أكبر حقٍ عليك ، وأول حقٍ عليك ، وأوجب حقٍ عليك تجاه أخيك المسلم أن تنصح له ، ما معنى النصيحة ؟ جرت عادة العلماء على أن يبدؤوا التعريف بالتعريف اللغوي ، إذا قلت: نصحت ، ما معنى نصح في اللغة ؟ علماء اللغة قالوا : " نصح الرجل ثوبه إذا خاطه " .

كأن النصيحة التي أرادها النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا رأيت خللاً في ثوب أخيك عليك أن تنصح هذا الخلل ، أي أن ترفو هذا الخلل، أي أن تخيط هذا الخلل ، أي أن تسدَّ هذه الثغرة ، أي أن تخيط هذا الثوب ، فالنصح بالمعنى اللغوي الخياطة ، نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، نصحت أخي المسلم أي وجدت في ثوبه خرقاً أو ثُغْرَةً فأحكمت إغلاقها ، وهذا معنى ، المعنى الثاني : نصحت العسل إذا صفيته من الشمع ، فهذا عسلٌ نصوح أي مصفَّى .

الآن ما علاقة النصح بهذا المعنى ؟ إذا قدمت لأخيك النصيحة أي قدمت كلاماً صحيحاً حقاً خالصاً دقيقاً ، لا يوجد فيه شائبة .

وهذا حق يا أيها الإخوة الأكارم ، الذي أراه أن الكلام انتهى دوره لكثرة الكلام المُنمق ، لكثرة الفصاحة ، لكثرة البيان ، الكلام انتهى دوره ولم يبق إلا العمل ، لذلك مهما صافحت أخاك المسلم ، ومهما شددت على يده ، ومهما كان لقاؤك له حاراً ؛ إذا غششته أو إذا أخفيت عنه العيب أو إذا أضللته أو إذا حاولت أن تصرفه عن شيءٍ مهم فأنت لست مسلماً وليس هذا مجتمع المسلمين ، ومثل هذا المجتمع لا يحق أن ينصره الله عزّ وجل ، لذلك : " الدِّينَ النَّصِيحَةُ "

يجب أن تنصح المسلمين من خلال عملك في الدرجة الأولى وقبل الحديث ، كلٌ في عمله ؛ الطبيب في عيادته ، والمحامي في مكتبه، والتاجر في حانوته ، والبائع في دكانه ، والموظف وراء طاولته ، هذا الذي أمامك إن كان مخلوقاً فهو مخلوقٌ لله عليك أن تنصح له ، وإن كان مسلماً له عليك حقَّان ، الحق الأول هو الأخوة في الإنسانية ، والحق الثاني هو الأخوة في الدين ، يجب أن تنصح له ، والنصح الكلام المصفى كالعسل ، والنصح الكلام الذي لا شائبة فيه ، والنصح إحكام الخلل ، إغلاق الثُغْرَة وهذا هو النصح ، لذلك هذا المعنى أساسه لغوي وانتقل إلى المعنى المجازي ، والمؤمن ناصحٌ ونصوح ، من صفات أهل الإيمان أنهم نصحةٌ متوادون ، من صفات أهل النِفاق أنهم غششةٌ متحاسدون ، الله سبحانه وتعالى يقول على لسان سيدنا نوح :

(سورة الأعراف)

من الذي يجب عليه أن ينصح ؟ هو الذي يعلم من الله ما لا يعلم الآخرون ، كل من آتاه الله علماً ، من أمانة العلم أن تنصح كل المسلمين، والآية الثانية على لسان سيدنا هود :

(سورة الأعراف)

لكن هناك سؤالٌ دقيق وهذا السؤال هل أنا عليّ أن أنصح كل إنسان ، في كل مكان ، في كل وقتٍ وزمان ، ليس هناك استثناء ؟ قال العلماء : " النصيحة فرض كفاية ، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل " .

يعني إذا كنتم جماعة في نزهة ورأيت إنساناً يعذِّب حيواناً ، إذا تكلم أحد هؤلاء ناصحاً سقط الوجوب عن بقية الحاضرين ، إذاً النصح فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، هذا الحكم الأول .

الحكم الثاني هو إذا غلب على ظنك إذا تيقنت أو غلب على ظنك أن هذا الإنسان لا يقبل النصيحة بل سيستهزئ بها لأنه ينكر أصل الدين، إذا قلت له : يا أخي قال الله تعالى ، يقول لك : أو مصدقٌ أن هذا كلام الله ؟ مثل هذا الإنسان لا عليك إن لم تنصحه ،  انطلاقاً من قوله تعالى :

(سورة الأعلى)

انطلاقاً من حديث النبي عليه الصلاة والسلام أن لا تضع الحكمة في غير أهلها :

"من منع الحكمة أهلها فقد ظلمهم ، ومن وضعها في غير أهلها فقد ظلمهما ".

إما أن تظلم الناس وإما أن تظلم الحكمة ، يعني انطلاقا من قوله تعالى :

وانطلاقاً من حديث رسول الله صلى اله عليه وسلم : أي إنه من تكلم في الحكمة لغير أهلها فقد ظلمها ومن منعها أهلها فقد ظلمهم .

أول حكم في النصيحة أنها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، يعني إنسان أخطأ وكنتم جماعة ، فأوجهكم أوسطكم أعقلكم أعلمكم أذكاكم أفصحكم قال له : يا أخي بأسلوب لطيف ولبق ، وبقية الإخوة الحاضرين ليس عليهم أن يتكلموا أكثر من ذلك ، وإلا تصبح هذه النصيحة فضيحة ، والنصيحة شيء والفضيحة شيءٌ آخر .

الحكم الثاني : أنك إذا غلب على ظنك أن هذا الإنسان بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء ، وأنه لا يستجيب ، وأنه سيستهزئ ، وأنه سيكيل للدين الشتائم ، وأنه بعيدٌ عن الله كالحجر الصلب ، في مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من أن تنصح له ، يعني أحياناً الإنسان يلتقي بسيارة عامة بالطريق بإنسان يسب الدين يتكلم كلام بذيء بحق الحضرة الإلهية ، فإذا نصحته ربما زدته هيجاناً ، ربما زدته تفلتاً ، ربما حملته على أن يقول كلمة الكفر ، مثل هذا من الحكمة أن تبتعد عنه .

يوجد عندنا حكم ثالث ، هناك حالاتٌ إذا نصحت فيها تخشى أن يلحق بك ضررٌ كبير ، كأن يُتلف مالك كله ، أن تضيع حريتك ، أن تفقد أحد أعضائك ، أيضاً في مثل هذه الحالة الشرع الحنيف أعفاك من النصيحة ، إذا خفت على نفسك الضرر الكبير ، وإذا كان هذا المنصوح بعيداً عن الدين بعد الأرض عن السماء ، وإذا قام بهذه النصيحة أحدٌ آخر ، سقطت في هذه الحالات الثلاثة .

الآن الحديث النبوي الشريف الذي بين أيدينا ، عن ابن رقية تميم الداري ، من هو تميم الداري ؟ هذا الذي اشترى القناديل والحبال والزيت من الشام وأخذها إلى المدينة المنورة ، وكان وصوله للمدينة  يوم الجمعة أو عصر الجمعة ، أمر غلاماً له فعلق الحبال وعلق عليها القناديل وملأها بالزيت ، وحينما غابت الشمس أمر غلامه أن يُسرج هذه القناديل ، ودخل النبي عليه الصلاة والسلام فإذا مسجده النبوي مُزهر متألق بالأضواء ، فقال عليه الصلاة والسلام :

"من فعل هذا ؟ قالوا : يا رسول الله تميم الداري ، فقال عليه الصلاة والسلام (والبسمة على شفتيه وقد شعر أصحابه أنه رضي تمام الرضى) فقال عليه الصلاة والسلام : نورت الإسلام ، نور الله قلبك يا تميم ، لو أن لي بنتاً لزوجتكها ".

لذلك هذا الحديث وحده يكفي لدفع الإخوة الأكارم إلى أن يعتنوا بمسجدهم ، هذا بيت الله، هذا الذي يُسهم في إنارته ، وهذا الذي يُسهم في نقل الصوت ، وهذا الذي يُسهم في تنظيفه ، وهذا الذي يُسهم في حراسته ، وهذا الذي يُسهم في خدمة الإخوة الكرام رواد هذا المسجد ، هذا عمل عظيم ، ألا يكفينا شرفاً أن سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام :

(سورة البقرة)

أُمر بتطهير البيت ، لذلك إذا كان هناك من يُغبط فهذا الأخُ الكريم الذي يعمل في خدمة مسجد لله عزّ وجل ، بيت الله ، خدمة بيت الله ، من الذي سيجازيك ؟ الله سبحانه وتعالى ، هذا تميم الداري الذي قال له النبي عليه الصلاة والسلام :

"نورت الإسلام نور الله قلبك يا تميم ، لو أن ليّ بنتاً لزوجتكها، فقال أحد أصحاب النبي: يا رسول الله عندي بنتٌ اسمها فلانة فافعل بها ما تشاء ، فزوجه إياها ".

يعني هذا الصحابي استغل المناسبة وزوج ابنته ، هذا تميم الداري كنيته أبو رُقية ، فعَنْ أبي رُقية تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

( التعريف الجامع المانع ) :

 "الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ " *                                              ( صحيح مسلم )

المسلم ينصح وغير المسلم يغش ، يعني إذا دلك على شيء يغمزه يقول له : ارفع السعر لأن حالته المادية جيدة ، يعمل إشارات حتى يأخذ من ورائك مبلغاً من المال ، من صفة أهل النفاق الغش ، أما المؤمن نصوح ، إذا استشرته يشير عليك ما هو صانعٌ لنفسه ، لا يمكن إذا غش المسلم أو إذا لم ينصح فقد خسر إسلامه ، وقد خسر دينه ، الدِّينَ النَّصِيحَةُ ، هذا التعريف الجامع المانع للدين ، هذا هو الدين .

وقد تكلمت كلمة اليوم قلت : إن العبادات نوعان ، عباداتٌ شعائرية ؛ مثل الصلاة وهي عبادة شعائرية تقف وتقرأ الفاتحة وسورة وتركع وتسجد ، الصيام تدع الطعام والشراب ، الحج تذهب إلى الديار المقدسة ، تخلع الثياب وترتدي ثوبين أبيضين غير مخيطين ، تطوف حول الكعبة ، تُقَبِّل الحجر ، تسعى بين الصفا والمروة ، تصعد إلى عرفات ، هذه عبادة شعائرية ، ويوجد عبادات تعاملية ، وهي الصدق الأمانة الإخلاص عدم الكذب ، عدم الغيبة وعدم النميمة ، غض البصر وعدم سماع الغناء ، ضبط اللسان وضبط اليد ، ضبط الأعضاء ، هذه العبادة الشعائرية تشبه ساعات الامتحان ، وهذه العبادة التعاملية تشبه العام  الدراسي بأكمله ، فساعات الامتحان لو أن طالباً لم يقرأ كلمةً أثناء العام الدراسي ، إلا أنه أخذ أول قلم وثاني قلم وثالث قلم احتياطاً ، وارتدى أجمل الثياب ، وتعطر ، وحمل شطيرةً ليأكلها إذا جاع ، ووضع في جيبه بعض المال ، وركب سيارةً فخمة إلى الامتحان ، لكنه نسي شيئاً واحداً ، نسي أن يدرس فقط !! أما كل شيء هيأه سوى الدراسة ؛ الأقلام مهيأة ولباسه جيد والعطر متعطر ، كل هذه العناية بهذه الساعات الثلاث لا قيمة لها ، إذا لم يسبق هذه الساعات الثلاث عملٌ دؤوب طوال العام الدراسي، فالعبادات الشعائرية إن لم يمهَّد لها بالعبادات التعاملية لا قيمة لها إطلاقاً ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

"بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ "*

(صحيح البخاري: عن ابن عمر رضي الله عنهما)

هذه دعائم الإسلام وليست هي الإسلام ، الإسلام صدق ، الإسلام أمانة ، الإسلام إخلاص ، الإسلام نصيحة ، الإسلام ورع  ، الإسلام محبة لله عزّ وجل ، الإسلام بذل المال والوقت والخبرة والجاه في سبيل الله عزّ وجل ، هذا هو الإسلام ، إذا فعلت هذا جاء الامتحان وقفت في الصلاة فانهمرت دموعك ، وقفت في الصلاة فاتصل قلبك بالله ، وقفت في الصلاة فشعرت بالشوق إلى الله ، الامتحان أنت متهيئ له ، طول العام الدراسي تعد لهذه الساعات الثلاث، لذلك انتبهوا إلى تعاريف الدين، فالصلاة وكما قال بعض العلماء هو كلام صحيح لكنه في الظاهر: " أقوالٌ وأفعال تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم " ، الصلاة صلة والدليل :

(سورة طه)

(سورة العلق)

(سورة العنكبوت: آية 45)

" لو يعلم المصلي من يناجيه ما انفتل " ، " الصلاة معراج المؤمن " ، " الصلاة نور " ، " الصلاة طهور " ، " الصلاة حبور ".

فلذلك هذه العبادات الشعائرية ، إن الذي جعل الناس وراء الأُمم أنهم فهموا الدين عباداتٍ شعائرية فقط ، ونسوا أن الدين معاملة ، الدين المعاملة ، الدين النصيحة ، رأس الدين الورع ، رأس الحكمة مخافة الله، هذه التعاريف الخطيرة أربع تعاريف ، " رأس الدين الورع ، رأس الحكمة مخافة الله ، الدين النصيحة ، الدين المعاملة " ، من هنا قال أحدهم وأظنه التستُري ، عبد الله التستُري قال : " والله لترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام ".

وقال عليه الصلاة والسلام :

"لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا ".

فأنا أقول لكم كلمة صريحة : الإسلام لن ينتشر إلا إذا وجُد مجتمعٌ مسلم ، الكلام لا قيمة له ، على مستوى مسجد إذا كان هذا المسجد يطبِّق الإسلام ، الأخ ورع ، صادق في تعامله ، مخلص في صنعته ، عفيفٌ في نظراته ، ورعٌ في كسبه للمال ، دقيقٌ في إنفاق المال ، سرُّه كعلانيته ، ظاهره كباطنه ، راهبٌ في الليل فارسٌ في النهار ، يعمل ، يأكل من كد يده ، يده عُليا وخشنة من عمله ، يخدم المسلمين ، عضوٌ نافعٌ في المجتمع ، إذا كان المسلم هكذا اتسعت دائرة الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجاً ؛ وإذا فهمنا الإسلام عبادةً شعائرية ، قيامٌ وركوعٌ وسجود وصيامٌ وحج ، وزينات وألقاب فخمة وبروتوكولات وطقوس ، وألبسة خاصة بالمسلمين ، وعطر خاص لهم ، وحفلات خاصة ، وطرب ، والحلوى وما شاكل ذلك ، إذا فهمنا الدين بشكلٍ شعائري بشكل طقوس انتهى الدين ، الدين أكبر ثورة اجتماعية في الأرض ، حينما يظهر الدين في مجتمع يصبح مجتمعاً آخر ، يوجد فيه كل علاقاته ، لذلك حينما فهمنا الإسلام صلاةً وصياماً ، قال سيدنا عمر:"من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الإستقامة ".

"الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ              

( صحيح مسلم )

  اجعل هذا الكلام في بالك ، سأحاول فيما تبقي من وقتِ الحديث أن أشرح هذه النقاط الأربعة :

أولاً النصح ، أي أن تنصح نفسك أو أن تنصح غيرك ؟ الجواب الحديث يحتمل كِلا المعنيين ، أن تنصح نفسك أولاً ، وأن تنصح غيرك ثانياً ، كيف النصح لله ؟ أي أن تؤمن به ، أن تؤمن به أنت ، وأن تدعو الناس للإيمان به ، من خلال شرح آياته ، وشرح نعمائه ، وشرح بلائه، ونفي الشرك عنه ، أن تقنع نفسك بالتوحيد ، وأن تبعدها عن الشرك الجلي والخفي ، وأن تنبِّه الناس إلى ما قد ينزلقون فيه من شركٍ خفيٍ أو جلي ، عدم الإلحاد بأسمائه وصفاته ، إذا نفيت علمه فقد ألحدت بأسمائه، إذا نفيت حكمته ، إذا نفيت رحمته ، إذا نفيت تقديره ، إذا نفيت عزَّته ، إذا نفيت أن دينه لا يصلح ، أنت تلحد باسمه ، تلحد بهذا الدين القويم ، النصح لله أن تنصح نفسك ، أن تعرفها بالله عزَّ وجل ، وأن تعرف غيرك .

شيءٌ آخر ، أن تنفي عنه جميع النقائص ، هذا الشيء الذي تترفع أنت عنه ، إياك أن تصف الله به ، بشكل أن الله عزَّ وجل خلق الإنسان منذ الأزل وقدَّر عليه أن يكون شقياً ، فيأتي إلى الدنيا ماذا يفعل الإنسان؟ فيقول : " كاسات معدودة بأماكن محدودة " ، فيشرب الخمر ، لأن الله قدر عليه هذا الشرب ، ولم يهتد ، لأن الله قدر عليه الضلال ، فإذا جاء الموت كان في جهنم إلى الأبد ، أتفعل أنت هذا مع تلميذٍ لك ، مع صانعٍ عندك ، مع مأمورٍ عندك ؟ تقدِّر عليه الشر وتجبره عليه وتعاقبه عليه ، يجب أن تنفي عنه ما لا يليق به ، وهذا معنى قولنا : سبحانه وتعالى، سبحان الله ، هذا التسبيح هو التنزيه والتمجيد ، أن تطيعه وأن تدعو الناس لطاعته ، هذا هو النصح له ، وأن تجتنب معصيته وتحذِّر الناس من معصيته ، وأن تحبَّ فيه وأن تبغض فيه ، أن تبني كل علاقاتك على أساس محبة الله عزّ وجل ، فالذي يحبه الله أنت تحبه ، والذي لا يحبه فلا تحبه ، قد يكون هنا علاقات عمل لا يوجد مانع ، علاقات العمل لا علاقة لها بالمحبة والكراهية ، أما أن تقيم مع إنسان علاقةً حميمة ، أن تسهر معه إلى أنصاف الليالي ، أن تستمتع بحديثه وهو مُلحد ، وهو عاصٍ وهو شارب خمر ، من أنت ؟ أنت مثله ، إذاً أن تبتعد عن معصيته وأن تقبل على طاعته ، وأن تحب فيه وأن تبغض فيه ، وأن توالي من يواليه وأن تعادي من يعاديه ، وأن تجاهد في سبيله ، تجاهد نفسك وهواك ، وأن تعترف بنعمه وأن تشكره عليها ، وأن تخلص له في جميع الأمور ، هذا معنى النصح لله ، أولاً أنت عليك أن تعرفه ، عليك أن تعبده ، عليك أن تطيعه ، وعليك أن تحبه ، عليك ألا تشرك به ، عليك أن توحِّده ، عليك أن تنزِّهه ، وأن تسبِّحه ، عليك أن تدعو الناس إليه ، هذا هو النصح لله .

يعني أحياناً الإنسان يلتقي بشخص في سفر هذا أخ لك في الإنسانية انصحه وحدثه عن الله عزّ وجل ، أي حديث آخر سافه ، سخيفٌ وتافه ، يعني ماذا تفعل ؟ أي حديثٌ آخر سماه العلماء اللغو :

(سورة المؤمنون)

أما النصح لكتاب الله ؛ أن تؤمن بأن هذا كلام الله ، وأن تدعو الناس للإيمان به ، وأن تؤكِّد لنفسك ولغيرك أن هذا الكلام ليس ككلام البشر ، كلامٌ آخر كلامٌ معجز ، وأن تعظِّم القرآن ، وأن تتلوه آناء الليل وأطراف النهار ، أن تتلوه حق تلاوته بدءً من التجويد وانتهاءً من التفسير ، وأن تخشع عند قراءته ، وأن تصدِّق ما جاء فيه ، وأن تعتني بمواعظه ، وأن تتفكر في عجائبه ، وأن تعمل بمحكمه ، وأن تسلم بمتشابهه ، وأن تبحث عن عمومه وخصوصه ، وأن تنشر علومه في الناس ، هذا النصح لكتابه ، كتاب الله ، هذا منهجك ، هذا دستورك ، هذا الذي نعيش من أجله، هذه تعليمات الصانع ، وأنت آلةٌ معقدة ، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية ، فأنا أعدُّ هذا شيئاً عاماً ، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية ، غالية الثمن ، عظيمة الخطر ، معقَّدة التركيب ، إلا وهو حريصٌ عليها حرصاً لا حدود له ، من حرصه على هذه الآلة يسعى لتنفيذ تعليمات الصانع تنفيذاً حرفياً وقد يكون أحياناً شكلياً ، وقد يكون أحياناً مُضنياً ، آلة ثمنها ثلاثمائة وخمسين ألف والله لا يوجد منها هكذا يقول لك ، وقف لا تشغلها حتى تبرد ، إن أخذ مكيفاً يقول إياك أن تطفئه اتركه يعمل حسب التعليمات ، لماذا أنت حريصٌ كل هذا الحرص على هذا المكيف ، ولست حريصاً على هذه النفس ، التي ملكك الله إياها؟ لماذا لم تحرص على هذه النفس التي قال الله عنها : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها .

لو أن أحداً عينه مريضة لا ينام الليل ، أولاً يطلب موعداً يقول له الطبيب : بعد شهرين، فيقبل ، قبل أن يلتقي بالطبيب يقول لك ثلاثمائة ليرة ، مائة وخمسين قبل أي لقاء وبكل بساطة يدفع ، لأن العين كما يقول عامة الناس : " غاليةٌ على صاحبها " ، فإذا كانت نفسك بهذا الغلاء فعليك أن تعتني بها ، من هنا قال الله عزّ وجل :

(سورة المائدة: آية 105)

أي اعتنوا بأنفسكم ، عليك به ، أي اعتنِ به ، ومعنى النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أيضاً أن تصدقه على أنه رسول الله وعلى أنه نبي الله ، وأن تبين للناس حرص هذا النبي، ورحمة هذا النبي ، تبين للناس صواب أقوال هذا النبي ، حكمة سنته ، وأن تنصره حياً وميتاً ، حياً معروفة ، أما ميتاً ؟ بالدفاع عنه ، إذا وقف إنسان في مجتمع في احتفال ، وانتقص من النبي عليه الصلاة والسلام ، وأنت تستطيع أن ترد عليه ، تبقى ساكتاً ؟! هذا من النصح لرسول الله ، أن تنتصر له، أن ترد الشبهات التي يتقولها الناس عنه .

وأن تعادي من يعاديه ، وأن توالي من يواليه ، وأن تعظِّم حقه ، وأن توقره ، وأن تحييّ طريقته وسنته ، وأن تبُث دعوته ، وأن تنشر سنته ، وأن تستفيد من علومه ، وأن تفقه معانيها ، وأن تدعو إليها ، وأن تتلطف في تعليمها للناس ، يعني إذا علمت الناس السنة قمت بعملٍ عظيم، لأن السنة تبيينٌ للقرآن الكريم ، والقرآن منهج الإنسان ، لا يوجد عمل أجل في الحياة بعد تعليم القرآن من تعليم السنة ، والسنة والقرآن مصدران أولان كبيران من مصادر التشريع الإسلامي .

والتأدُّب عند قراءة السنة ، هناك من يفتح كتاب السنة وهو متوضئ من باب التأدب ، هناك مجموعة آداب أُثرت عن السلف الصالح عند قراءة كتب السنة ، والتخلق بأخلاق النبي ، والتأدب بآدابه ، و محبة آله وأصحابه ، وبغض أهل البدع في السنة ، وبغض من يتعرَّض لأصحاب رسول الله ، قال له :

"يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك. فقال سلمان : كيف أبغضك وبك هدانا الله ؟!! قال : يا سلمان تبغض العرب فتبغضني " .

فهذا الذي يغمز من قناة الأمة العربية ، يحاول في كل مجلس أن يطعن في هذه الأمة ، متخلفة ، كذا وكذا ، هذه أمتك ، وهذه أمة نبيك ، وإذا تعثَّرت في آخر الزمان  أنت أن تحطمها؟!!.

بقي معنى النصيحة لأئمة المسلمين ، قال : بمعاونتهم على الحق، فأنت إذا كنت موظفاً في دائرة ، يوجد شخص أعلى منك مشى في اتجاه أن يصدر قرار ، فيه إبعادٌ للناس عن الحق ، ولك مكانةٌ عنده ، ويستمع إليك ويأخذ بآرائك ، أنت إذا نصحته ووجهته ، وبينت له الحق وقلت له : هذا الشيء لا يجوز ولا ينبغي أن يكون في هذا المجتمع المسلم ، فإذا أخذ برأيك فقد أعنته ، وهذا نصح ولاة الأمور ، هذا الوالي إنسان ، أولي الأمر من بني البشر ، فإذا أنت نصحتهم وبينت لهم فلك أجرٌ كبير، إذاً أن تعينهم على الحق ، وأن تنبِّههم وأن تذكرهم برفقٍ ولطف ، فالله عزَّ وجل علمنا حين قال لسيدنا موسى وأخيه هارون :

 

(سورة طه: آية 44)

فرعون قال :

(سورة النازعات)

ومع ذلك ربنا عزَّ وجل قال لسيدنا موسى وهو نبيٌ عظيم :

وإعلامهم بما غفلوا عنه ، وتأليف قلوب المسلمين لطاعتهم ، وألا تثني عليهم ثناءً كاذباً، هذا كلُّه من النصح لولاة الأمور .

لكن بعض العلماء يرون أن ولاة الأمور ، تعني شيئاً آخر ، وهم أئمة الدين ، وعلماء الدين ، يعني هذا العالم ليس معصوماً ، فإذا زلت قدمه ، أو إذا أخطأ كن له نصوحاً ولا تكن له فضوحاً ، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم لا شك في ذلك ، وليس أحدٌ بعده معصوماً ، الولي محفوظ ، ما الفرق بين المعصوم والمحفوظ ؟ المعصوم الذي عصمه الله عزَّ وجل عن أن يغلط لأن النبي إذا غلط وقد أمرنا الله عزَّ وجل أن نتبع سنته فكأن الله أمرنا بالمعصية ، مستحيل ، لا يمكن إلا أن يكون النبي معصوماً في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، وفي حركاته ، وفي سكناته ، وفي رضاه ، في غضبه ، في كل أحواله معصوم لأنه مشرِّع ، معصوم لأن الله قد أمرنا أن نأخذ منه ، وأن نتبع أمره وأن ننتهي عما عنه نهى ، فمن باب أولى أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام معصوماً ، والعصمة صفةٌ لازمةٌ للأنبياء ، انتهى الأمر ، لكن ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن من سواه فهم رجال ونحن رجال، أكبر عالم قد تزِل قدمه ، قد يغلط لأن الغلط صفةٌ من صفات بني البشر ، لكن الولي محفوظ ، معنى محفوظ أنه لا تضره معصية ، بمعنى أنه إذا زلت قدمه سريعاً ما يعالجه الله سبحانه وتعالى ، المؤمن حساس فهيم فطن ، يعرف أن هذا العقاب أو أن هذه المعالجة بهذه الزلة فيتوب رأساً ، وما دام قد تاب انتهى الأمر ، إذاً هو محفوظ ، إذاً العصمة لرسول الله ، الله عزَّ وجل عاصم ، والنبي معصوم ، أن تقول: العصمة لله غلط ، الله عزَّ وجل هو العاصم ، والنبي معصوم ، والولي محفوظ ، فإذا الإنسان زلت قدمه ، سبقه لسانه ، تكلم كلمة الأولى ألا يتكلمها ، وأنت أخ كريم فبينك وبينه نصحته ، يجب أن يقول لك : جزاك الله عني كلَّ خير ، هذه صفات العلماء ، يجب أن يستمع إلى النصيحة ، ولو من أصغر إخوانه ، جزاك الله عني كلَّ خير ، أنا لست معصوماً ، انتهى الأمر ، انتهت المناقشة كلّها ، لذلك النبي معصوم والولي محفوظ والنصيحة واجبة .

يوجد عندنا قاعدة ، " ما من أحدٍ أكبر من أن يُنْقَد وما من أحدٍ أصغر من أن يَنْقُد " ، أحياناً طفل ينتقدك ، هو على حق وأنت على غير الحق ، عوِّد نفسك أن تستمع إلى النصيحة تتلقاها بصدر رحب ، عود نفسك أن تكون متواضعاً ، عود نفسك أن لا تدعي أنك أفهم الناس ، أنت واحد من الناس ، هكذا قال سيدنا الصديق ، مع شهادة النبي الكريم له حين قال :

"لو وزن إيمان الخلق بإيمان أبي بكر لرجح".

ماذا قال أبو بكر في خطبته الأولى ؟ قال : " أيها الناس لقد وليت عليكم ولست بخيركم

لا يوجد إنسان معصوم إلا النبي ، مادمت لست نبياً فأنت لست معصوماً ، قد يسبقك اللسان ، لكن أحب أن أبين لكم : الأخطاء الكبيرة والأخطاء التي يسبقها إصرار وتصميم هذه يجب أن يترفع عنها كل من دعا إلى الله ، أحياناً يسبقه اللسان ، أحياناً تزل قدمه قليلاً ، فأنت كأخ يجب أن تنصحه ، ويجب أن تكون في نصحه لطيفاً أي بينك وبينه ، ويجب أن يستمع إليك ، ويصغي إليك ، يجب أن يشكرك ، يجب أن تتخذ هذا القول شعاراً لك : " أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي " .

أحب هدية ، والله الذي لا إله إلا هو ، لو أن إنساناً قدم لك ساعة ذهبية ، أو ساعة من أغلى أنواع الساعات ثمنها عشرات الألوف ، بل مئات الألوف ، وإنسان آخر نصحك نصيحة في دينك ، قال لك : يا أخي هذا العمل لا يليق بك ، هذا مخالفٌ للسنة ، لو عرفت قدر هذه النصيحة لسارعت إلى تقبيل يديه ، تقول له : شكراً لك على هذه النصيحة ، هكذا مجتمع المؤمنين ، فيه تناصح ، نصحةٌ متوادون ، لذلك إذا نُصحت فأصغ لهذه النصيحة ، وتواضع للذي ينصحك ، وتأدب معه ، واشكره على نصيحته ، وإذا رأيت أخاً كريماً لك قد زلت قدمه أو سبقه لسانه فأسدِ له النصح ، ومن صفات المؤمنين التناصح ، وكلُّ واحدٍ يؤخذ منه ويُردُّ عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء .

إذاً النصح أيضاً على علماء الدين ، ومن نصحهم قبول ما روه وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم .

تروى قصة عن رجل جالس مع إخوانه فمر قطيع من الغنم فقال لأحدهم : قم فخذ غنمة واذبحها لنا ، قال : أعوذ بالله أنا لا أفعل هذا ،  (القطيع كلُّه له) ، هو أساء الظن به ، هذه قصة تروى من باب أن الإنسان من الأولى أن يحسن الظن بأخيه المؤمن ، أحياناً الإنسان يرى أن إنساناً وضع يده بجيب إنسان ، لعل هذا الرداء رداؤه ، أو لعله رداء ابنه ، أنت دائماً كمؤمن حاول أن تحسن الظن ، هذا الموقف سليم ، أما إساءة الظن تحتاج إلى دليل قطعي ، مادام لا يوجد دليل قطعي الأولى أن تحسن الظن.

مرة أنا كنت عند أخ أعطاني منشفة يوجد عليها اسم فندق ، والله أنا اضطربت هذه المنشفة خاصة بالفندق الفلاني ، فكيف وصلت إلى هذا البيت ؟ تألمت وما تكلمت ، بعد أشهر الله عزَّ وجل سخر لي أخاً كريماً أنبأني أن هذا الفندق يعطي هذه المناشف كل سنة لموظفيه ، يقدمها هديةً له ، الأمر توضح ، لا تسئ به الظن .

أخ حدثني ذات مرة فقال لي : عندي صانع من الدرجة الأولى ، القصة قديمة من أربعين أو خمسين سنة ، فطلب من بائع الزبدة أن يبعث مع صانعه مائة باكيت ، أتى الصانع بها، عدّها صاحب المحل فوجدها ناقصة واحداً ، اقترب من معطف هذا الصانع فوجد في الجيب علبة، هذا ليس دليلاً قطعياً ، كاد أن يطرده ، كاد أن يهينه ، تريث ضبط أعصابه ، بعد يومين وهو يحاسب المعمل قال له : والله بعثنا لك مائة باكيت أخذ الصانع واحداً ودفع لنا ثمنه ، نريد منك ثمن تسعة وتسعين ، الإنسان لا يتسرع ، فهذه القصة بليغة أيضاً ، هو عنده دليل قطعي طلب منه مائة بعث له مائة ووجدهم تسعة وتسعين وفي الجيبة يوجد واحد ، معنى ذلك أن الصانع أخذه فلما ذهب ليحاسب المعمل ، قال له والله بعثنا مائة ، اشترى صانعك واحد ولنا معك تسعة وتسعين ، الواحد لازم هذه النقطة ينتبه لها ، فالمؤمن يجب أن يغلِّب حسن الظن .

قال : أما النصيحة لعامة المسلمين ؛ نصيحتهم بإرشادهم إلى معرفة ربهم ، بمصالحهم في دنياهم وآخرتهم ، إعانتهم على أمر دنياهم  بالقول والفعل ، ستر عوراتهم ، سدُّ خُللهم ، دفع المضار عنهم ، جلب المنافع إليهم ، أمرهم بالمعروف ، نهيهم عن المنكر برفق .

 مرة قال لي شخص : البراد إذا كان وضع بشكل أُفقي ثم وضع بشك عمودي وشغلنا فإن المحرك يحترق على الفور ، لأن الزيت يكون قد أخذ مكاناً آخر ، وبعدها كنت ماشياً في الحريقة فرأيت رجلاً قد اشترى براداً من المؤسسة الاستهلاكية ويريد أن يضعه على السيارة بشكل أُفقي ، والله توقعت أنه لا يعرف ، فانتقلت من رصيف إلى رصيف فقلت له : هذا عندما تشغله انتظر عليه ثماني ساعات ، قال لي : والله لم يقل لي أحد والله يجزيك الخير ، لعله من أجل شرائه له دفع مبلغاً أساسياً بحياته ، وضعه في البيت فشغله فاحترق المحرك ، ثمنه ألفان أو ثلاثة آلاف ليرة أو أكثر ، نصيحة هذه ، واحد في الطريق انصحه ، النصح لكل مسلم ، في أمر دينه وفي أمر دنياه ، تجد الصيدلي كتب الدواء وقال له كم ملعقة قبل وبعد الطعام يكتب قبل الطعام أو بخط لا يفهم ، اكتب بخط واضح كم ملعقة قبل الطعام بعد الطعام ، هذا مسلم هذا ؟ الطبيب كذلك يبين قبل الأكل بعد الأكل ، فينقص كلمه فلم يفهم المريض شيئاً ، ودفعة ثانية استشارة ، النصح لكل مسلم ؛ طبيب ، محامي صيدلي ، موظف ، موظف في دائرتك ومواطن معه معاملة فقل له : هذه لعند فلان وفلان وفلان ، أما أن يصرفه فقط فهذا غير مؤمن ، والله إذا كنت مؤمناً تذهب معه ، هكذا المؤمن ، النصح لكل مسلم ، إذاً : هؤلاء كلهم عباد الله عزّ وجل لا تفرق فكلهم عباد الله ، إذا كنت مسلماً صحيحاً يجب أن يكون وقتك كله في خدمة الخلق ، من أجل أن يحبك الحق :

"عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ "*

( صحيح البخاري ، متفقٌ عليه )

هذه البيعة ، أنت مسلم مادمت تنصح الخلق ، فإذا غششتهم فلست مسلماً ؛ ولو صليت وصمت وزعمت أنك مسلم ، هذا أكبر حقٍ وأول حقٍ وأخطر حقٍ للمسلم على المسلم ، فإذا فتحت دكاناً فانوِ بهذا المحل خدمة المسلمين ، إذا اشتغلت أي مصلحة .

فاليوم حدثني أخ إذا لم تضغط هذه البواري مواسير تمديدات المياه قد يكون ثقب صغير يسبب لصاحب هذا البيت مشكلة كبيرة ، فيضطر أن يكسر البلاط كله ، ويكسر السيراميك ويدفع عشرات الألوف من أجل ألا تفحص هذا الكوع ، فأصحاب المصالح ، وأصحاب المهن ، هذا الحديث لكم جميعاً ، إذا كنت مسلماً فانصح في عملك ، يقول لك : " يا أخي الغش هو الماشي "، لا هذا كلام الجهلة ، لا الحق هو الماشي ، قول له : السعر الفلاني وهذه ميزاته الخشب الفلاني ، والنوع الفلاني ، يركب لوح بلور على مسمارين فقط ، يخبطوه خبطة يقع البلور ، وثمنه خمسمائة ليرة ، من أجل السرعة فقط ، يريد الخمسة خمسة ، والعشرة عشرة ، أصحاب المهن ، أصحاب المصالح ، الموظفون ، الأطباء ، الصيادلة ، المحامون ، المسلمون جميعاً ، لا يوجد إنسان ليس له عمل ، انصح له ، باعه طقم كنبات أول جلسة خفس ،  يا أخي خفس ، قال له : جلست عليه ، ما هذا الطقم الكنبات ؟ تأخذ طاولة أول يوم ثاني يوم تقبع الفورميكا ، الحذاء عياره جمعة ، ويقول لك : هل لبسها ابنك ؟  يعني لا يلبسه ، النصح لكل مسلم ، بهذا الغش انعدمت البركة ، تربح كثيراً وتذهب مصادرات كثيراً ، بالمائة ألف بالمائتين ألف مصادرة ، هذا كله لأنه مال حرام  .

      هذا أيضاً في الغذائيات يوجد شيء خطر جداً ، لأنها كلها أصباغ صناعية، أصباغ بلاط يضعونها في السكاكر ، إذا لا يوجد خوف من الله هذا شيء يخوف ، مواد كلها انتهى مفعولها فرضاً ، يضعون مع الزعتر أحياناً نشارة خشب ، كل هذا وارد ، إذاً فقد الدين من المجتمع ، أصبح الأمر مخفياً ، وتصبح تخاف من كل شيء . هذه الأشياء الأجنبية المستوردة ، يضعون فيها مواد مخففة من الكوكائين ، من أجل الإدمان ، تجد الطفل يريد هذا الشراب فقط أو هذا الأكلة باستمرار ، يوجد مواد مخففة جداً ، تجد الطفل إذا أكلّها مرة أو مرتين يحبها دائماً ، يبيع حاجاته ويشتريها ، إذا كان فقدت الدين فقدت كل شيء لذلك :

 " يا موسى خفني وخف نفسك وخف من لا يخافُني " ، إذا الإنسان لا يخاف من الله فخف أنت منه . " بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ "

( متفقٌ عليه )

الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع "من استبد برأيه هلك ، ومن استشار الرجال استعار عقولهم ".

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

"رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس ، وما استغنى مستبدٌ برأيه ، وما هلك أحدٌ عن مشورة ".

إياك أن تستبد برأيك ، اسأل إخوانك المؤمنين ، اسأل أولي الخبرة من المؤمنين الصادقين ، حديث خطير :

رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس ، وما استغنى مستبدٌ برأيه ، وما هلك أحدٌ عن مشورة ، فإذا أراد الله بعبدٍ هلكةً كان أول ما يهلكه رأيه " .

لهذا نحن ندعو على أعدائنا ونقول : " اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم"

إذا الإنسان استبد برأيه وتكبر وركب رأسه ، ورفض النصيحة قد يكون دماره في تدبيره .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi