English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق المسلم على المسلم  3 / 8  - حق إجابة الدعوة ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ... لازلنا في موضوع الحقوق ، وكما تعلمون أداء الحقوق واجب، أداء الحقوق من العدل والعدل قسري ، لكن الإحسان اختياري ، فلذلك موضوع الحقوق موضوعٌ مصيري ، تحدثنا كما تعلمون عن حقوق الزوجة على زوجها ، وعن حقوق الزوج على زوجته ، وعن حقوق الأبناء على الآباء ، وعن حقوق الآباء على الأبناء ، وانتقلنا قبل أسبوعين إلى موضوعٍ جديد وهو حقوق المسلم على المسلم .

أي مسلمٍ تلتقي به له حقٌ عليك ، وهذا الحق الذي له عليك يصبح عليك واجباً ، ومن تعريفات الواجب أن فاعله يُثاب وتاركه يُعاقب ، ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه ، هذا هو الواجب ، فلذلك موضوع الحقوق موضوعٌ مصيري وموضوعٌ خطير تتعلق به سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ، تحدثنا عن هذه الحقوق عن حقٍ واحد هو حق النصيحة، إن أخاك المسلم له عليك حق النصيحة ، وواجبٌ عليك أن تشير عليه ما أنت صانعٌ لنفسك في كل مجالات الحياة ، وما لم تكن كذلك فلست مسلماً.

الآن ننتقل إلى حقٍ آخر من حقوق المسلم على المسلم إن هذا الحق هو إجابة الدعوة ، أخوك دعاك ، له حقٌ عليك أن تجيب دعوته ، وواجبٌ عليك أن تلبي هذه الدعوة ، فإجابة الدعوة حقٌ واجبٌ على المسلم لأخيه المسلم ، لماذا ؟ لأنها تحقق معنى الأُخوة ، والأُخوة من معانيها المساواة ، والله سبحانه وتعالى يقول :

(سورة الحجرات: آية.1)

من لوازم الأخوة في الله ، من لوازم الأخوة في الدين ، من لوازم الأخوة في الإسلام أن تجيب دعوة أخيك في شتى المناسبات ، وتلبية الدعوة أيها الإخوة إجابة الدعوة تحقق الأخوة وتزيد في الود وتصفِّي النفوس فيما بينها ، الإسلام حث عليها واعتبر الممتنع عنها عاصياً ، عد الإسلام الممتنع عن تلبية الدعوة عاصياً ، والدليل ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام :

"ست خصالٌ واجبةٌ للمسلم على المسلم من ترك شيئاً منهن فقد ترك حقاً واجباً ، يجيبه إذا دعاه ، وإذا لقيه أن يسلِّم عليه ، وإذا عطس أن يشمِّته ، وإذا مرض أن يعوده ، وإذا استنصحه أن ينصح له

 (رواه ابن حبَّان)

 

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ " *

( من سنن الترمذي ) 

ويعنينا من هذا الحديث الفقرة الأولى ،  يجيبه إذا دعاه ، طبعاً يوجد أحاديث أُخرى بروايات أُخرى تشير إلى حقٍ سادس ألا وهو إذا مات أن يتبعه ، أي أن يشيعه .

"وعَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك

 (من صحيح مسلم)

في هذا الحديث إشارةٌ لطيفةٌ جداً إلى أن المراد من هذه الدعوة اللقاء ، هذا الذي لا يجيب الدعوة لأنه يعاني من حميةٍ قاسية كأن هذا الكلام يضمِّن أن الدعوة من أجل أن يأكل ويشرب ، الحديثٌ دقيقٌ جداً أن تأكل عند أخيك وأن تشرب شيئاً ثانوياً ، ولكن الشيء الأساسي هو أن تلتقي به ، هذا اللقاء يضمن المودة ، والمحبة ، والأُلفة ، والتفاهم ، هناك بعض الأشخاص يبنون قصوراً من الأوهام إذا تم اللقاء والتواصل ذابت هذه القصور من المشكلات ومن التصورات ومن الآلام ومن الغضب ، فيبدو أن اللقاء شيءٌ مهمٌ جداً في علاقات الأُخوة الإسلامية.

 إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك

  (رواه مسلم)

ليس شرطاً أن تأكل ؛ أنت صائم ، أنت في حميةٍ شديدة ، لقد تناولت طعام الغذاء ، فتقول : يا أخي حسبوها علي ، هذه حسبوها عليك ولم يحسبوها ، العبرة أن تلتقي بأخيك ، وأخوك حينما يدعوك معنى هذا أنه يحبُّك ، ومعنى هذا أنه يتمنى أن تكون عنده في البيت ، معنى هذا أنه يتمنى أن يلتقي بك ، فاللقاء هو الأصل . حديثٌ آخر :

"عن ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ" *            

       ( من صحيح مسلم )

فالآن أكثر الدعوات في عقود القِران ، أي أن الإنسان حينما يزوج ابنه ويرسل هذه البطاقات إلى إخوانه المؤمنين يتمنى أن يكونوا في هذا الاحتفال ، وقد يكون في هذا الاحتفال خيرٌ كبير ؛ ككلمةٌ تلقى أو نشيدٌ ينشد ، أو مدحٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا الحديث الآخر رواه مسلم .

"وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " *

                 ( من صحيح البخاري )

أي أنك إذا اخترت من المدعوين أُولي الغنى والوجاهة والشأن في المجتمع ، وأهملت المؤمنين الصادقين الذين تقع مرتبتهم أحياناً في الدرجة الثانية في المجتمع ، إن فعلت هذا فهذه الدعوة شرُّ أنواع الدعوات ، كيف ؟ عليك أن تذيب الفوارق بين المجتمع ، لك أقارب ، لك إخوة، لك أصدقاء ، لك إخوان في الله عزَّ وجل اُدعوهم جميعاً ، ولا تجعل أساس الدعوة الغنى ، ولا أساس الدعوة الوجاهة ، ولا أساس الدعوة علوً المرتبة الاجتماعية ، ليس هذا من شأن المؤمن أبداً ، المؤمن أخو المؤمن ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ، فيكفي ألا تدعوه إلى هذا الغذاء لأنه من الدرجة الثانية لأن لباسه وسط ، أنا داعي علية القوم وهذا يفسد الحفلة ، إذاً لست مسلماً أنت :

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "*

                     ( متفقٌ عليه)

حديثٌ سادس:

 

"وعن عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا " *  

 

                                ( من سنن أبي داود )

فالمؤمن ما لم يدعَ فلا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه ، ولا ينبغي للمؤمن أن يذهب بلا دعوة ، أحياناً دعاك  وحدك فجئت مع خمسة أولاد ، هو لم يهيئ نفسه لخمسة أولاد ، المكان محدود والكراسي محدودة والطعام محدود ، واختارك من بين مجموعة فدعاك فجئت مع أولادك كلهم ، هذا ليس من أخلاق المسلم ، أما إذا سمى أولادك واحداً واحداً بأسمائهم،  أو أعطاك بطاقاتٍ خاصةً لهم عندئذٍ الأمر طبيعي .

الآن نريد الحكم الشرعي في إجابة الدعوة ، لاشك أن هذه الأحاديث التي بين أيديكم ، هذه الأحاديث الستُ التي تلوتها على مسامعكم كلُّها تؤكد أن تلبي دعوة أخيك ، لكنكم تعلمون أن الأمر في القرآن والسنة إما أن يكون أمر وجوب وإما أن يكون أمر ندبٍ ، وإما أن يكون أمر إباحةٍ وإما أن يكون أمر تهديد ، أمر الوجوب :

(سورة الروم: آية 31)

أمر الإباحة :

(سورة البقرة: آية 187)

أي مباحٌ لكم الطعام لأن هذا أمر إباحة ، أما أمر الندب :

( سورة النور : آية " 32)

أمر التهديد :

(سورة الكهف: آية  29)

) سورة الأنبياء )

فيا ترى هذه الأوامر التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام في إجابة الدعوة هل هي أمر وجوب أم أمر ندب أم أمر إباحة أم أمر تهديد ؟ الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم يقول : "لا خلاف أن المؤمن مأمورٌ بإجابة الدعوة " .

ولكن هل هو أمر إجابٍ أو ندبٍ ؟ هنا الخلاف ، هناك خلافٌ بين العلماء هل الأمر أمر إيجاب أم ندب ؟ عند السادة الشافعية هو فرض عين إذا قام به البعض يسقط عن الكل ، أي على كل مدعوٍ أن يلبي الدعوة ، ولكن يسقط هذا الواجب إذا كان له عُذرٌ شرعي ، عذر أي مسافر أو مريض ، بعضهم قال : و فرض كفاية ، بعضهم قال : أنه مندوب في وليمة العرس ، إلا أن العلماء اتفقوا على وجوب الإجابة في وليمة العرس ، واختلفوا في سواها ، وفي سواها أيضاً بين من يرى أنها واجبةٌ ومندوبة .

على كلٍ الملخص : إن إجابة الدعوة بين أن تكون فرض كفايةٍ وبين أن تكون فرض عين ، وبين أن تكون واجبةً وجوب إجاب ، وبين أن تكون واجبة وجوب ندب ، تتراوح أحكام إجابة الدعوة بين هذه النقاط الأربعة .

الآن يوجد عندنا سؤال دقيق ، إذا دعي الإنسان من زميلٍ له كتابي أي من أهل الكتاب ما رأي الشرع الشريف في إجابة مثل هذه الدعوة ؟

قال العلماء : " تجب هذه الإجابة لعموم الحكم الشرعي ، يجب عليك أن تجيب دعوة هذا الكتابي الذي دعاك إلى وليمة ". وقال بعضهم : " إذا كان في هذه الوليمة منكرٌ وبإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلبِّ الدعوة ، وإن لم يكن بإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلا عليك ألا تلبي الدعوة" .

إذا كان هناك اختلاط ، أو يوجد تماثيل ، إذا يوجد فيه غناء أو أي شيء لا يرضي الله عزّ وجل فإذا كان بإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلبي الدعوة ، وإن لم يكن بالإمكان ذلك لا عليك ألا تلبي هذه الدعوة ، بعضهم قال :

"إذا قال لك الداعي: أمرني فلان أن أدعوك أنت بالذات ، فعليك أن تجيب " ، أما إذا قال: "أمرني فلان أن أدعو من أشاء وها أنا ذا قد دعوتك ، في مثل هذه الحالة لا عليك ألا تجيب".

يعني ترون من هذا الحكم أنك إذا ذهبت إلى هذه الدعوة ولم يكن فيها منكرات ، ولم يكن فيها معاصي ، ولم يكن فيها اختلاط ، ولم يكن فيها شرب خمر ، ولم تكن فيها مخالفاتٌ شرعية ، وبإمكانك أن تلبي هذه الدعوة من دون أن يُمَس دينك إطلاقاً فيجب أن تلبيها ، أما إذا كان هناك منكرات وليس بالإمكان أن تزيلها ، وليس بالإمكان أن تأمر بالمعروف ولا أن تنهى عن المنكر ، فيجب عليك ألا تلبي هذه الدعوة ، هذا هو الحكم الشرعي .

قلنا : إن إجابة الدعوة فرض عين لا تسقط إلا بعذر ، ما هي الأعذار التي يمكن أن تسقط واجب إجابة الدعوة ؟ قالوا : " هي أعذار من يمتنع عن الصلاة في المسجد ، فإذا كان مريضاً ، أو يقوم بشأن مريض ، أو كان يجهِّز ميتاً ، أو يقوم بإطفاء حريق ، أو يخاف ضياع ماله ، أو في طريقه من يؤذيه ، هذه الأعذار تكون أعذاراً مقبولةً إذا دُعي الإنسان ولم يلبِّ الدعوة".

يوجد نقطة ثالثة وهي أن هناك بعض الأعراس تستمر أياماً ثلاثة، فإذا كانت الوليمة ثلاثة أيام فدعيت في اليوم الأول وجب عليك الإجابة ، فإذا دعيت في اليوم الثاني لم تجب عليك الإجابة ، ولكن يُستحب أن تجيب هذه الدعوة ، فإذا دعيت في اليوم الثالث ليس لك أن تجيب هذه الدعوة هكذا قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الشريفة الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال :

"الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ" *

(من سنن أبي داود ) 

الآن يوجد عندنا مشكلة ، أحياناً الإنسان يُدعى من جهتين أغلب الظن أن الإنسان يختار الأوجه يقول لك : هذه أدسم ، هذا أوجه ، فهنا يوجد عندنا حكم شرعي دقيق جداً ، هذا الحكم يُزيل كل مشكلة ، يُزيل كل التباس ، مثلاً ، إذا دعاك اثنان إلى وليمتين ، فإن سبق أحدهما قُدِم الأول لسبقه ، دعاك إنسان على طعام متواضع جداً في مكان بعيد ، بعد نصف ساعة جاءك إنسان من وجهاء المجتمع يدعوك إلى طعام نفيس ، ويوجد حضور من المستوى الرفيع ، أنت كمسلم يجب أن تلبي الداعي الأول لسبقه ، وهذا هو الحكم الشرعي ، وتعتذر للثاني ، أما إذا دعواك في وقتٍ واحد عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

"إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ "*      

                      ( مسند أحمد )

هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام ، ويوجد عندنا : إذا تساويا في الوقت وفي القرب أجب أقربهما رحماً ، أي دعواك في وقت واحد والبيتان في مسافة واحدة فأجب أقربهما رحماً .

الآن من دُعي إلى موضعٍ فيه منكر من زَمْرٍ أو خمرٍ فإن قدر على إزالته لزمه أن يحضر لوجوب الإجابة لإزالة المنكر ، ومن لم يقدر لم يحضر ، فقد نهى أن يجلس الرجل على مائدة تدار فيها الخمر لما روي عَنْ جَابِرٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا بِالْخَمْرِ"

( من سنن الترمذي )

يقول لك : أخي أنا والله لم أشرب . لا يكفي ، فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يجلس على مائدةٍ تدار عليها الخمر .

أيضاً إذا وجد مكان فيه تماثيل وصور لا ترضي الله عزّ وجل هذه كلها منكرات ، لكن بعض العلماء أجاز إذا كان الصورة ليست كاملة أو كانت في مكان مُهان ، كالأرض أو التُكأة ، هذا مما تساهل به العلماء ، أحياناً يكون سجادة عليها صورة ، مادامت سجادة ويُداس عليها فهذه الصورة ليست للتعظيم ، مادامت على مُتكأ ، مادامت ليست كاملة أي جزئية ، أما إذا وجدت صورة كاملة معلقة على الحائط ، أو تمثال فهذا مما يجعل المؤمن في حرجٍ من أن يكون في هذا المكان .

الآن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ*                                                 

 

( من سنن أبي داود )

دعاك وأنت صائم لكنك صائمٌ صيام فرض ، صيام الفرض شيء وصيام النفل شيء آخر ، مادمت صائماً صيام فرضٍ يجب أن تلبي وتصلي ، أما إذا كنت صائماً صيام نفلٍ النبي عليه الصلاة والسلام استحب لك أن تفطر إكراماً لأخيك ، أخوك دعاك وتكلف لك وتقول إني صائم ، فإكراماً له أن تفطر فعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ" *                                

(من صحيح مسلم)

ليس القصد أن تأكل إنما القصد أن تكون عند أخيك ، ربما كان وجودك في بيت أخيك يُدخل على قلبه السرور ، يوجد أشخاص محميين، يوجد أشخاص عندهم نظام قاسٍ في الغذاء ، يوجد أشخاص عندهم أمراض في جهاز الهضم ، يوجد أشخاص لهم طعام خاص ، يوجد أشخاص يؤثرون عدم تناول الطعام إلا بشكل معين ، فهذا إذا دعي يجب أن يلبي من دون أن يُحْرَج .

المستحب لمن دعي إلى طعام وانتهى من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام ، عن عبد الله بن الزبير أنه قال :

"أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ *  

(من سنن ابن ماجة )

يوجد ناس يقولون : وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ إلا جبريل ، فهو يريد كأس من الشاي ، وصلى عليكم الملائكة الأطهار إلا جبريل ، أما الدعاء النبوي :

"أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ *  

(من سنن ابن ماجة)

والله هذا كلام جميل إذا إنسان دعي إلى طعام ، وانتهى من الطعام ، يقول : دائماً يا سيدي ، أنت قل له كما قال النبي :

"أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ الإخيار وذكركم الله فيمن عنده"  

الآن من آداب إجابة الدعوة كما جاء في الإحياء : هناك آدابٌ خمس أول أدب : ألا يميز الغنى بالإجابة عن الفقير ، من آداب إجابة الدعوة أن تجيب دعوة أي إنسان ، أي أخ مؤمن ، أي أخ مسلم ، ألا تميز بين الغني والفقير ، التميز بين الغني والفقير نوعٌ من التكبر .

 سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما مر بقومٍ من المساكين الذين يَسألون الناس على قارعة الطريق ، وقد نشروا كِسراً ، أي خبزاً يابساً فقط ، على الأرض في الرمل وهم يأكلون ، وهو على بغلته فسلم عليهم فقالوا له : " هَلُمَّ إلى الغذاء يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : نعم إن الله لا يحب المستكبرين ، فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب ، بعد أن ركب قال : قد أجبت دعوتكم فأجيبوني ، قالوا : نعم ، فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا فقدَّم لهم فاخر الطعام ، وجلس يأكل معهم ".

سمعت عن أحد العلماء في الشام في زمن سابق أنه كان إذا دعا كبراء القوم ، علية القوم ، وجهاء القوم ، قدَّم لهم طعاماً خشناً وكان يقول : " والله هذا الطعام يحبونه لأنهم لا يأكلونه أبداً " ، فإذا دعا الفقراء قدم لهم طعاماً نفيساً ، ويقول : " هذا الطعام يحبونه " .

أحياناً الواحد يدعى إلى طعام خشن ، وحياته كلها من مستوى عالي فيرى هذا الطعام طيباً لأنه قلَّ ما يأكله .

بعض السادة الصوفية يقولون : " لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك " .

إذا دعاك أحد وهو موحد ويرى أن هذا الرزق الذي أكلته هو رزقك ، مقسومٌ لك ، هذا الإنسان تُجاب دعوته ، لأن الضيف يأتي برزقه ويرحل بذنوب القوم .

ويقول بعضهم : " لا تجب إلا من إذا أطعمك كأنه سلَّم لك وديعةٌ كانت عنده ".

كأنه لك عنده أمانة سلمك إياها ، " لا تجب إلا دعوة من يرى لك الفضل عليه في قبول هذه الدعوة " ، يعني ليس هو قد تفضل عليك بل يرى أنك تفضلت عليه بقبول هذه الدعوة ، يعني سمح لك أن تكسب عند الله أجراً ، هذه معاني راقية جداً .

أحد السادة الصوفين يقول : " آهِ على لقمةٍ ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوقٍ فيها من"

أي إن أطيب لقمة ليس فيها تبعة عند الله ليس فيها مسؤولية ، وليس لمخلوقٍ فيها منة ، لا تبعة ولا منة . قال : " فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد " .

أحد الرجال اسمه أبو تراب رحمه الله تعالى قال : " عُرض علي طعامٌ فامتنعت ، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوماً ".

كان جوعان ، عرض عليه طعام امتنع ، أي أنت جائع وأخوك أحب أن يكرمك وقدم لك طعاماً ، لماذا التكبر ؟ وتقول له : ليس  بنفسي  رغبة لست جائعاً الآن آكل ، لماذا ؟ هو أراد أن يكرمك اقبل كرامته ، فهذا أدبه الله عزَّ وجل ابتلاه بالجوع أربعة عشر يوماً ، قال : " عرض علي طعامٌ فامتنعت منه ، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوماً فعلمت أنه عقوبة ".

الشيء الآخر ، قال : " لا ينبغي أن تمتنع عن إجابة الدعوة لبعد المسافة ، هذا ليس من أخلاق المؤمن ، كما لا تمتنع عن إجابة الدعوة لفقر الداعي وعدم جاهه ، بل كل مسافةٍ يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع عنها الإنسان " .

يوجد دعوات غير معقولة ، يقول لك : على حدود تركية مثلاً ، والله هذه تحتاج لثلاثة أيام ، تعال تغدى عندنا ، هذه غير معقولة ، أما خارج دمشق أو حوالي دمشق أحب إنساناً أن يكرمك المفروض أن تلبي الدعوة ،فعن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

"لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ بالغنيم لأَجَبْتُ"

الكراع مآدم ، والغنيم أي خارج المدينة .

(ومن كان صائماً نفلاً ) فإن كان يسرُّ أخاه إفطاره فاليفطر ، وليحتسب إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ، النبي عليه الصلاة والسلام كان مع بعض أصحابه وهناك أخ دعاهم قال له :

"أخوك دعاك وتكلَّف لك وتقول: إني صائم".

ليس هذا من أخلاق المؤمن .

من آداب إجابة الدعوة أن تمتنع عن إجابة دعوةٍ الطعام فيها مشبوه ، تعرف إنساناً ماله كلّه حرام ، هنا يوجد مشكلة ، أو يوجد منكرات ، أو يوجد مخالفات ، أو يوجد معاصي ، أو يوجد شيء لا يرضي الله عزَّ وجل، يوجد مزامير يوجد ملاهي ، اختلاط ، هزل ، لعب ، كذب ، نميمة  غيبة ، هذه الدعوات لا تبال بها إطلاقاً ، أنت مؤمن طاهر ، يجب أن تلبي دعوةً نظيفة ، فيها طهر ، فيها تقوى ، فيها ورع ، فيها خوف من الله عزَّ جل ، لذلك النبي هكذا نصحنا فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

"لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِي

ٌّ)من سنن الترمذي)

وإلا تندم على ذلك ، قال : الأدب الخامس : ألا يقصد من إجابة الدعوة قضاء شهوة البطن ، أخي فلان نريد أن نذهب عنده لأن أكلاته طيبين ، فلان عنده أكل مرتب ، فلان دعوة دسمة غميقة ، هذا كلام كلّه كلام العوام ، كأنك بهذه الدعوة تريد _أن تقضي شهوة بطنك ، فليس هذا من أخلاق المؤمن .

ما النية إذاً ؟ النية أن تجيب هذه الدعوة إكراماً لأخيك المؤمن لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

"من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه".

في حديث آخر :

"من سرَّ مؤمناً فقد سرَّ الله عزَّ وجل".

وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى .. يوجد موضوع قصير جداً (آداب الحضور لمنزل الداعي )، من آداب الحضور أنه من التواضع لله عزَّ وجل الرضا بالدون من المجلس ، دخلت هناك كراسي منجدة وهناك كراسي غير منجدة ، وأنت متأخر نصف ساعة ، وجدت كرسياً من الدرجة الثانية ، إذا أنت كبيراً ولو كان لك شأن ، من آداب المسلم أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس وإلا أحرجت صاحب الدعوة، أحياناً يكون في كنبات وفي كراسي ، أحياناً في صدر وأحياناً في ناحية الباب، وأنت متأخر اجلس في أي مكان ولا تنزعج ، هناك شخص يقول : لم يعرفوا قدري ، لم يعرفوا مكانتي .. من آداب المسلم أن يجلس حيث ينتهي به المجلس ، هذا الأدب الأول في إجابة الدعوة فإن من التواضع لله عزَّ وجل الرضا بالدون من المجلس .

من آداب إجابة الدعوة أيضاً ألا تجلس مقابل باب يمكن أن يرى منه النساء ، دائماً في غرفة الضيوف اختر مكاناً ليس مواجهاً للباب هكذا أدب المؤمن يكون الباب في جهة والكنبات بهذه الجهة ، وأنت وجهك إلى الحائط لئلا يكون هناك خطأ ، هذا أدب ثانٍ .

أحياناً الطعام دخل عينه مالت عليه ، كلما دخل صحن يتطلع هكذا ، هذا فقط ؟ هل يوجد شيء ثان ؟ هذا ليس من أدب إجابة الدعوة، ألا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل الشراهة ، وإذا كان جلس إلى جانبه إخوان مدعوين عليه أن يسلم عليهم ، ولا يكون كل همه وعقله بالطعام ، وأن يسألهم عن حالهم ، وإذا دخل ضيفٌ للبيت فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول ، أحياناً تدعى دعوة فتجلس وأنت لا تعرف أحداً تقول : من هذا يا ترى ؟ كلهم ساكتين هذا ليس من أخلاق المسلم ، المسلم يقول : فلان ابن عمي ، فلان صهري ، فلان أخي ، فلان زميلي بالعمل ، فلان شريكي ، أخ كريم ، فلان جارنا ، فلان طبيب ، هذا صاحب معمل ، هذا تاجر ، هذا أخ كريم ، هذا موظف ، أي أنه يعرف مهنته ويعرف مكانته لكي تنشأ المودة ، ولا يكون الهدف الأكل فالتعريف أيضاً ضروري .

أيضاً غسل اليدين قبل الطعام وبعده من سنة النبي عليه الصلاة والسلام :

"بركة الطعام الوضوء قبله وبعد ".

فصاحب الطعام يجب أن يغسل يديه قبل كل واحد ، في بداية الطعام وآخرهم بعد نهاية الطعام ، هكذا الأدب .

بعضهم قال : " من دعانا فأبينا فله الفضل علينا ، وإذا نحن أجبنا رجع الفضل إلينا ".

لا تكن ضيفاً ثقيلاً    ..يكره الناس لقاءك

فعساه مستمداً لك..  ....من قومٍ عشاءك

وعساه مستعيراً لك  ...من جارك غطاءك

إن في الفندق مأواك ..وفي السوق غذائك

رُبَّ من يلقاك هشاً.. ..كسر الزير وراءك

أنت أحياناً شخص دعاك ، فرأساً إليه !! طول بالك عليه ، دعاك رأساً لا يوجد عنده محل لكي ينيمك ، عنده غرفتين له ولأهله ولأولاده ، فإن قال لك : أخي هل تريد أن تناموا عندنا؟ فتجيبه : نعم والله .

بعضهم قال :

قم إذا ما الضيف جاءك      وامنح الضيف غذاءك

وأجل من وجهك مرآةً..     .... يرى فيها صفاءك

إن يهُن عندك ضيفٌ ..      ....يكن الهون جزاءك 

أي أن من صفات المؤمن إكرام الضيف .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi