English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق المسلم على المسلم  7 / 8  - رد السلام ـ عبد الرحمن بن عوف ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ... لازلنا في موضوع الحقوق ، ولا زلنا في موضوع حقوق المسلم على المسلم ، ومن هذه الحقوق التي بدأنا بها منذ درسين حق السلام ، والشيء الذي يلفت النظر هو أن بعض الناس يظنون أن إلقاء السلام شيءٌ تافه ، أو شيءٌ لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، النبي عليه الصلاة والسلام جعل من السلام أداةً لشيوع المحبَّة بين المؤمنين .

       لذلك كما مهَّدت في الدرس الماضي أن الإنسان له حياةٌ جسديَّة ، وله حياةٌ عقليَّة ، وله  نفسيَّة ، وله حياةٌ اجتماعيَّة ، والله سبحانه وتعالى في منهجه الحكيم ، وفي قرآنه الكريم قال :

 ( سورة الحجرات : من آية 10)

       وقد فهم النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الآية حقوق الأخوَّة في الله ، لذلك تجدون بعد قليل كيف أن هناك توجيهاتٍ نبويةً عديدةً هدفها الأوحد تمتين هذه الأخوة في الله ، بين أن يكون المجتمع مفكَّكاً ، بين أن يكون المجتمع متباغضاً ، متحاسداً ، متباعداً ، متنافراً ؛ وبين أن يكون المجتمع متماسكاً كأنه جسدٌ واحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى .

       فعن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :

" ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ" *

( من صحيح مسلم عن : أنس)

       حينما قال النبي : وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ ، معنى ذلك أن الإيمان ذوق ، ومن هذا الذوق أن للإيمان حلاوة . فمؤمن مع انقباض ، مع ضيق، مع يأس ليس هذا مؤمناً ، الذي آمن إيماناً صحيحاً يجب أن يذوق حلاوة الإيمان ، ومن توجيه النبي عليه الصلاة والسلام أنه من آمن إيماناً صحيحاً وجد حلاوة الإيمان ، يقول عليه الصلاة والسلام :

" ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ" *

( من صحيح مسلم عن : أنس)

       الإيمان بحث ، والإيمان تصديق ، والإيمان اتصال بالله عزَّ وجل ؛ والكفر جهل ، والكفر تكذيب ، والكفر إعراضٌ عن الله عزَّ وجل . هناك بالإيمان جانب فكري ، وهناك جانب تصديقي، وكذلك جانب شعوري ، فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بيَّن الجانب الشعوري فقال :

" ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ" *

( من صحيح مسلم عن : أنس)

       بالمناسبة فهذا الحديث مقياسٌ لنا ، إنه وصفٌ للمؤمن كذلك ومقياسٌ لنا ، فكل واحدٍ منا يسأل نفسه هذا السؤال : هل تنطبق عليَّ هذه الشروط ، إذا انطبقت والله فليفرح ، وهنيئاً له ، فإذا لم تنطبق فلابدَّ من السعي الحثيث حتى يصل إلى هذا المستوى المطلوب ، ما هي هذه الثلاث ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

" .... أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ... "*

( من صحيح البخاري : عن " أنس)

       هذا كلام معناه واضح ، وقد يقول كل واحدٍ منا : نعم الله ورسوله أحب إليَّ مما سواهما . فإذا كان الأمر كلاماً فالقضيَّة سهلة جداً ، لكن ربنا عزَّ وجل يضع المؤمن في امتحانات صعبة ، مصلحته الماديَّة أن يفعل كذا وكذا ، إن رضوان الله عزَّ وجل في أن يدع هذه الصفقة ، فإذا أخذ صفقةً فيها شبهة وآثرها على رضوان الله عزَّ وجل ، يجب أن يعلم علم اليقين أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما . الذي يطيع زوجته ويعصي ربه ليعلم علم اليقين أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما ، الذي يؤثر شهوة ، الذي يؤثر مخالفة ، يؤثر معصية ، يؤثر انحرافاً ، يؤثر تقصيراً على طاعة الله ورسوله ، فهو لا يحب الله ورسوله كحبِّه لهذا الشيء الذي آثره، إذاً نحن الآن أمام مشكلة ، لأن الادعاء سهل جداً .

وكلٌ يدَّعي وصلاً بليلى    .. وليلى لا تقرُّ لهم بذاك

*  *  * 

     لك أن تدعي ما شئت ، ولكن الله سبحانه وتعالى كفيلٌ بأن يضع المؤمن في ظرفٍ دقيقٍ دقيق، يكشف له وللناس أنه لا يحب الله ورسوله كما يدعي ، لذلك فالإنسان يجب أن يتلو هذه الآية ويتدبَّرها :

( سورة العنكبوت )

      قد تواجهه موقفاً صعباً ، قد تُغلق دونك كل الأبواب ـ أبواب الحلال كلها مغَّلقة ـ ويفتح الله لك باباً فيه كسبٌ حرام ، المؤمن لو قطَّعته إرباً إرباً لا يقترف الحرام ، أما ضعيف الإيمان يقول لك : أنا مضطر عندي أولاد . معنى ذلك أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما ..

"....وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ ...." *

 (من صحيح البخاري : عن " أنس " )

       محبة الناس لها أسباب ، هناك محبَّة أساسها المصلحة ، ظاهرها محبة حقيقتها المصلحة ، وهناك محبة أساسها القرابة ، و محبة أساسها الشهوة ، و محبة أساسها المتعة ، و محبة أساسها الطمأنينة ، يا ترى هل تحب إنساناً ليس لك معه مصلحة ، ولا حاجة ، ولا تعتز به ، ولا تتقوَّى به ، ولا ترجو خيره ، ولا تخشى شرَّه ، ولا يقدِّم لك شيئاً ، ولا يؤخِّر لك شيئاً لا تحبه إلا لله هذه من علامة الإيمان ، أتحب مؤمناً لله ؟

".....                   وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.... *

( من صحيح البخاري : عن أنس)

     فهذا الذي على حافة ، على حرف، فكلمةٌ تأخذه إلى أهل الإيمان ، وكلمةٌ تدفعه إلى أهل النفاق هذا ليس مؤمناً .

      يا إخوان حديثٌ دقيقٌ دقيق :

" ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ " *

( من صحيح البخاري : عن " أنس)

     فيجب علينا أن نقف عند هذا الحديث ، وأن نتأمل هذا الحديث ، وأن نمتحن أنفسنا في ضوء هذه المقاييس الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث .

     ما علاقة هذا الحديث بموضوع السلام ؟ أي أنت إذا أردت أن تحب الآخرين عن طريق إفشاء السلام فينبغي أن تكون مؤمناً ، وهذه صفات الإيمان ، سبحان الله !

 

" المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء متوادون وإن افترقت منازلهم والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم " .

( من كنز العمال : عن : " الإمام علي " )

      من أجل أن يفشو السلام بيننا ، وأن تزداد المحبة ، وأن تصبح العلاقات متينة يجب أن نكون مؤمنين ، وهذه صفات أهل الإيمان .

      حديثٌ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول :

" سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ ".... *

( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

       لقد مرَّ معنا في درس الجمعة كيف أن سيدنا سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وهو في أعلى درجة من درجات المُلك والقوة كان أقرب الناس إلى الله عزَّ وجل ، فالإمامة قد تكون طريقاً إلى الله عزَّ وجل ولكن بشرط أن يكون الإمام عادلاً ، لذلك قيل : " العدل حسن لكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن " . فهذا الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله ..

" ... وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ...*

( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

     من شبَّ على شيءٍ شاب عليه " . " من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة " . هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله أصبحت حياته كلها في طاعة الله ، له خريف عمرٍ مُشرق ، له مستقبل مشرق ، له مكانة عند الله كبيرة ، هذا الذي نشأ في طاعة الله ، والذي آمن في أي سنٍ هو مقبول ، وله عند الله شأنٌ كبير ، ولكن الشاب إذا نشأ في طاعة الله يُبنى زواجه على طاعة الله ، يُبنى عمله على طاعة الله ، تبنى علاقاته الاجتماعيَّة على طاعة الله ، الذي يؤمن بوقت متأخر جداً هو أمام زوجة لها مشكلة لا تستجيب له أحياناً ، تجعل بيته جحيماً ، له عمل لا يرضي الله ، هذا العمل الذي ألفه . فكلَّما فكرت بمعرفة الله كلَّما جعلت حياتك تسير على وفق مرضاة الله عزَّ وجل .

 

" ... وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ..."*

( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

       المؤمن في المسجد كالسمك في الماء ، لأنه بيت الله عزَّ وجل ..

( سورة النور )

 

( سورة النور : من آية " 35 " )

       فإذا أردت أن تكون طبيباً فلابدَّ من أن تتجه إلى الجامعة ، المكان الطبيعي لتعلُّم الطب ، وإذا أردت أن تكون مؤمناً فلابدَّ من أن تتجه إلى المسجد ، هو المكان الطبيعي لمعرفة الله عزَّ وجل من خلال ما يلقى فيه من علم ، ومن خلال العبادة وتلاوة القرآن ..

وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ...."*

 ( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

       فلا يعرف طعم هذا الكلام إلا من كان له أخٌ في الله ، ولا أبالغ إذا قلت : إن أثمن شيءٍ في الحياة أخٌ في الله يخلص لك الود ، يمحضك النصيحة ، يقدِّم لك النصيحة ، يعينك في الأزمات ، يواسيك في النكبات ، يفرح لك في المسرَّات ، هو يدك اليمنى ، قلبك ، عينك ، سمعك ، بصرك .

       لذلك مما يخفِّف أعباء الحياة ، مما يخفِّف على الناس مشاق الحياة هذه الأخوة في الله ، وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا قدوةً لنا في المحبة ، والتعاون ، والتآخي ، وسوف نرى بعد قليل في قصة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف كيف كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم قدوةٌ لنا في هذا المجال .

" .... وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ... *

 ( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

       كنت أقول لكم دائماً : إن هناك تطابقاً أحياناً بين القوانين وبين الشرائع . فالسرقة يحرِّمها الشرع ، ويحرِّمها القانون ، فالذي لا يسرق ربَّما كان بدافع الخوف من عقوبة الإمام أو الحاكم ، أو ربما كان بدافع الخوف من الله ، الأمر ملتبسٌ علينا ، ولكن هذا الذي يغض بصره عن محارم الله ، هذا الذي تدعوه امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال ولا أحد يعلم بهذه الدعوة ، فيقول : إني أخاف الله رب العالمين ، هذه الأعمال لا يمكن أن تفسَّر إلا بالإخلاص لله عزَّ وجل ..

" .... وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ...

 ( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

      وأيضاً إخفاء الصدقة مما يؤكِّد الإخلاص فيه ..

"... وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ...*

 ( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

     هذا البكاء بكاء أهل الحب ، أي أن الإسلام روحه الحب ، وجسده ـ إن صحَّ التعبير ـ هذه العبادات ، وهذه الأفعال ، وهذه الأوامر ، وهذه النواهي، وتلك الشعائر ولكن روح الإسلام هو الحب ، والحب يحتاج إلى جهدٍ كبير ، أما إذا امتلأ قلبك حباً لله تشعر بشعورٍ لا يوصف ، لذلك لا ينبغي للإنسان أن يكتفي من الإسلام بمظاهره ، بشعائره ، بأوامره ، بنواهيه ، لابدَّ من أن ينتقل من مستوىً إلى مستوى ، إن الاستقامة على أمر الله ، وبذل ما آتاك الله في سبيل الله ، والتقرُّب إلى الله ، وإتقان العبادات هذا يولِّد في قلبك حباً لله ، فإذا شعرت بهذا الحب عرفت ماذا يعني الحب ، لأن الشاعر يقول :

لا يعرف الشوق إلا من يكابده   ولا الصبابة إلا من يعانيها .

*  *  *

       إذاً :

" سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ "*

 ( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

       لازلنا في الحب ، لأن إفشاء السلام من أجل الحب ، والحب من أجل أن يمكن المجتمع وتشَدُّ أواصره .

       وعن معاذٍ رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول :

" قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ  : الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ  *

( من سنن الترمذي : عن " معاذ بن جبل " )

       هذا الحب في الله .

       الآن هذا الحب ما الذي يفسده ؟ الذي يدعمه أن تكون مؤمناً ، والذي يدعمه أن تفشي السلام بين إخوانك ، ما الذي يقوِّضه ؟ ما الذي يفسده ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

"الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَخُونُه....

ُ " ( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

       إذا خنت أخاك المسلم فقد قوَّضت هذه المحبَّة ..

" ....وَلا يَكْذِبُهُ ولا يَخْذُلُهُ"

( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

" ...كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ " *

( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

      العرض هو السمعة ، عرض الإنسان موطن المدح والذم فيه ، بمجرَّد أن تنال منه ، بمجرَّد أن تغتابه فقد نلت من عرضه ، وإذا نلت من عرضه تفتَّت المجتمع ، ما الذي يجعل هذه المحبة قويةً ؟ أن يخلو مجتمع المؤمنين من الخيانة ، والكذب ، والخِذْلان ، والعدوان على الأعراض والأموال والدماء ، هذا حديثٌ رواه الترمذي ، وقال : حديثٌ حسن ، وأصلٌ في التعامل ..

"الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَخُونُه....ُ " ( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ "*

( من سنن أبي داوود : عن " سفيان بن أسيد الحضرمي " )

     كفى بها خيانة أن تنصحه بشيءٍ لا ينفعه ، يحقِّق مصلحتك أنت ولكن هذا الشيء لا ينفعه ، كفى بها خيانة أن تغشَّه في بضاعاته ، كفى بها خيانة أن تغبنه في السعر ، فإذا خنت أخاك المؤمن فقد تقوَّضت هذه المحبَّة ..

"الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَخُونُه وَلا يَكْذِبُهُ ولا يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ " *

( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

       وربنا عزَّ وجل قال :

( سورة البقرة : من آية " 188 " )

       أروع ما في هذه الآية أن الله عزَّ وجل جعل مال أخيك مالك ، فلم يقل : لا تأكل مال أخيك، بل لا تأكل مالك ، لأن هذا المال مالك ، فيجب عليك أن ترعاه ، وأن تحفظه ، وأن تصونه ، فلأن تمتنع عن أن تأكله حراماً فهذا من باب أولى ، إذا كان مال أخيك هو مالك ، ويجب أن تحرص عليه ، وأن تصونه ، وأن تحفظه فلأن تمتنع من أكله ظلماً وعدواناً من باب أولى ..

      

     وكلمة بينكم فهم منها العلماء أن هذا المال يجب أن يكون بين الناس، متداولاً بين كل الناس ، فإذا أصبح المال متداولاً بين أيدٍ قليلة فثم مصيبة المصائب ، والله سبحانه وتعالى ما حرَّم الربا ، وما حرَّم الاحتكار، وما حرم الغش ، وما حرم التدليس ، وما حرم الكذب ، وما حرم إخفاء العيب، وما حرم كل المُحرَّمات في كسب المال إلا ..

 

( سورة الحشر : من آية " 7 " )

      إذا كانت هذه الكتلة النقديَّة بين كل الناس كان الناس كلهم بخير ، أما إذا تداولتها أيدٍ قليله وقعنا في الطامَّة الكبرى ، إذاً :

كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ " *

( من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة " )

       الخيانة ، والكذب ، والخذلان ، والعداون على الأعراض والأموال والدماء يفتِّت المحبة بين المجتمع ، يصبح المجتمع كالذئاب كلٌ ينقض على أخيه ، الأقوى يأكل الأضعف ، قال جعفر للنجاشي : " كنا قوماً أهل جاهليَّة نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ويأكل القوي منا الضعيف ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده ، وندع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان " .

       حديثٌ آخر رواه الإمام مسلم ينهى فيه النبي عليه الصلاة والسلام عن أعمالٍ كثيرة من شأنها أن تفسد العلاقة بين المؤمنين . قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم :

" لا تحاسدوا ولا تناجشوا ... "

      ما هو التناجُش ؟ تكون أنت في السوق ، ولك زميلٌ ، أو صديقٌ ، أو جارٌ وهو يبيع شيئاً لإنسان ، تقول له : خذ مني ثمنه ألف ليرة . أنت لست صادقاً في هذا الشراء ، وهذا السعر ليس سعره ، ولكن دفعت هذا السعر من أجل أن تغري هذا الشاري بدفع هذا الثمن ، هذا بيع النجش ، وبيع النجش حرام لأنه تمثيليَّة لعملية بيع وخداع ، وغبن ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

 

" لا تَحَاسَدُوا وَلا تَنَاجَشُوا وَلا تَبَاغَضُوا وَلا تَدَابَرُوا وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ "

( صحيح مسلم : عن " أبي هريرة " )

       كان السلف الصالح إذا جاءه الشاري الأول يبيعه ، فإذا جاء الشاري الثاني يقول له : اذهب عند جاري أنا قد بعت البيعة الأولى ويريد لجاره أن يستفتح كما استفتح هو ..

"....وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ " *

( صحيح مسلم : عن " أبي هريرة " )

    

  والحديث الأخير المتفق عليه :

" الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ " *

( صحيح البخاري : عن " ابن عمر " )

" من أعان ظالماً سلَّطه الله عليه " .

"لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ *

( صحيح البخاري : عن " ابن عمر " )

 

" لأن أمشي في حاجة أخٍ مؤمن خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا " .

وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "

( صحيح البخاري : عن " ابن عمر " )

 

      هذه توجيهات النبي التي جاءت من أجل أن تفشوَ المحبة بين المؤمنين ، التعمق بالإيمان يزيدك حباً بإخوانك المؤمنين ، وإفشاء السلام يزيد هذه المحبَّة . والذي يقوُّضها أن تخونه ، أن تكذب عليه ، أن تظلمه ، أن تسْلمه ، أن تعتدي على ماله أو على عرضه أو على دمه ، أن لا تقدِّم له المعونة المناسبة ، هذا كله في هذه الأحاديث الشريفة .

        عن جابرٍ رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول :

" إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ رضي فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" *

( من مسند أحمد : عن " جابر " )

        فالشيطان دوره خطير جداً في التحريش بين المؤمنين ، إشاعة البغضاء ، من خلال الغيبة والنميمة هذا كله يسبِّب العداوات بين المؤمنين ، الشيطان يئس أن يعبده الناس بعد الرسالة ، ولكن طمع في التحريش بينهم.

      وفي نهاية المطاف يقول عليه الصلاة والسلام :

"أَفْشُوا السَّلامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ"*

( من سنن الترمذي : عن " عبد الله بن سلام " )

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

       والآن ننتقل إلى قصة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف .

       وقفت وسألت نفسي : أيمكن أن يكون الغني أقرب إلى الله من الفقير؟ قلت : نعم . أيمكن أن يكون الفقير أقرب إلى الله من الغني ؟ قلت : نعم . أيمكن أن يكون القوي أقرب إلى الله من الضعيف ؟ نعم . أيمكن أن يكون الضعيف أقرب إلى الله من القوي ؟ نعم .

      إذا كان الغني أقرب إلى الله تارةً ، والفقير أقرب إلى الله تارةً أخرى ، إذاً الغنى والفقر لا علاقة لهما بالإيمان ، لكن الغنى يوظَّف في الطريق إلى الله عزَّ وجل ، والفقر يوظَّف كذلك الذي نعرفه جميعاً أن المؤمن تشتهي منه الغنى ، وتشتهي منه الفقر ، وتشتهي منه القوة ، وتشتهي منه الضعف ، النبي كان ضعيفاً في الطائف ، وقف الموقف الأديب فقال :

" اللهمَّ إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلَّة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين إلى من تكلني ؟ إلى عدوٍ ملَّكته أمري ، إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي".

      هذا ضعف ، وهو في أعلى درجة من درجات الحب وهو ضعيف ، وحينما فتح مكَّة قال :

" ما تظنون أني فاعل بكم قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم " .

( من الجامع الصغير : عن " أنس بن مالك " )

      وهذه قوة . حينما كان غنياً سأله أحدهم : لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال : " هو لك " قال : أتهزأ بي ؟ قال : " لا والله هو لك " .

     وحينما كان فقيراً دخل إلى بيته فلم يجد شيئاً يأكله ، فقال : " إني صائم " .

     فالغنى يوظَّف ولكن لا علاقة له بالإيمان ، الإيمان شيءٌ أعظم من ذلك ، أعظم من الغنى ، وأعظم من الفقر ، وأعظم من القوة .

      سيدنا سليمان كان ملكاً ، آتاه الله الملك ، فوهب الله له ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده ومع ذلك كان نبياً مرسلاً . وفرعون آتاه الله الملك ، سيدنا عبد الرحمن بن عوف آتاه الله المال ، وقارون آتاه الله المال ، إذاً ما الذي ينبغي أن نفهمه من هذه المقارنة ؟

      يجب أن نفهم أن الإنسان يُمتحن بالغنى ويمتحن بالفقر ، يمتحن بالقوة يمتحن بالضعف ، يمتحن بالصحَّة ويمتحن بالمرض ، ويمتحن بالأمن يمتحن بالخوف . قد يطمئن ، أيستغل هذه الطمأنينة في الانسياق وراء شهواته ؟ أن يستغل هذه الطمأنينة بمزيد القرب من الله عزَّ وجل ؟ فكل شيءٍ يصيب الإنسان مادة امتحانه مع الله عزَّ وجل .

      الآن نشاهد نموذجاً رائعاً من الغنى المؤمن ، كيف أن الغنى إذا وصف به المؤمن كيف يكون؟

      قالوا : ذات يومٍ والمدينة المنوَّرة ساكنةٌ هادئةً ، إذا نَقْعٌ ـ النقع غبار ـ يلوح في آفاقها ، بعدئذٍ انكشف هذا الغبار والنقع عن جلبةٍ وصوتٍ شديد ، ثم لاحت قافلةٌ لم يرَ أهل المدينة مثلها ، قافلةٌ تعد سبعمائة بعير محمَّلةٌ بكل حاجات أهل المدينة ؛ الطعام ، والشراب ، والثياب ، وما شاكل ذلك ، ما في الشام ، وما في مصر من بضائع ، من حاجات .

      هذه السبعمائة راحلة التي وصلت المدينة ، رجَّت المدينة رجَّاً ، حتى أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت : " ما الأمر ؟ ما الخبر ؟ ما القصَّة ؟ " . فقالوا : إنها قافلةٌ لعبد الرحمن بن عوف ـ قافلة لواحد ، تصوَّر سبعمائة شاحنة ، حسبتها  يُقدّر طولها بسبعة كيلو مترات ، من هنا إلى دوما تقريباً ، أو إلى حرستا ـ هذه السبعمائة راحلة الموثوقة بكل أنواع البضائع ، إنها كلها لعبد الرحمن بن عوف ، فقالت أم المؤمنين : " قافلةٌ تحدث كل هذه الرجَّة ؟! . " فقيل لها : أجل يا أم المؤمنين إنها سبعمائة راحلة . وهزَّت أم المؤمنين رأسها وأرسلت نظراتها الثاقبة ، كأنها تبحث عن ذكرى رأتها أو حديثٍ سمعته ، ثم قالت ـ دقِّقوا ـ : أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول :

" رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً ـ أي زحفاً ـ " .

      هناك دخول للجنة وثباً ، وهناك دخول هرولةً ، و دخول خبباً ، و دخول ركضاً ، و دخول زحفاً ، عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً !! لماذا لا يدخلها وثباً ، وهرولةً ، وخبباً ، وقفزاً؟ بعض أصحابه نقلوا له مقالة السيدة عائشة ، فتذكَّر عبد الرحمن أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلَّم هذا الحديث أكثر من مرَّة ، وبأكثر من صيغة ، وقبل أن تفضَّ مغاليق الأحمال ، وقبل أن توضع هذه الأحمال على الأرض توجَّه إلى السيدة عائشة وقال لها ـ طبعاً من وراء حجاب ـ : " لقد ذكَّرتني بحديثٍ لم أنسه ، ثم قال : أما أني أشهد الله أن هذه القافلة بأحمالها ، وأقتابها ، وأحلاسها هي في سبيل الله عزَّ وجل " .

       لماذا لا يدخلها خبباً ، قفزاً ، هرولةً ، ركضاً ؟ وُزِّعت حمولة هذه القافلة على أهل المدينة وما حولها في مهرجان برٍ عظيم ، هذه الواقعة تمثِّل نموذجاً من سخاء سيدنا عبد الرحمن بن عوف ، هذه واحدة .

      من عبد الرحمن بن عوف ؟ دخل في الإسلام في وقتٍ مبكرٍ جداً ، حينما أسلم لم يكن في الإسلام إلا ثمانية أشخاص ، أبو بكرٍ رضي الله عنه، وعثمان بن عفان ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن أبي وقَّاص ، كان من أوائل المسلمين ، وقد التقى النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يجتمعا بدار الأرقم ، ومنذ أن لقي النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن توفَّاه الله وهو في الخامسة والسبعين ، وهو نموذجٌ باهرٌ للمؤمنين ، مما جعل النبي عليه الصلاة والسلام يضعه مع العشرة المبشَّرين في الجنَّة  ، أحد عشرة مبشرين بالجنة ، وإذا أردت اليقين ليس هناك إنسانٌ حسب يقيننا بأنه من أهل الجنة إلا هؤلاء العشرة ، باليقين ، أما بالظن نرجو الله أن نكون من أهل الجنة ، أما باليقين ليس إلا هؤلاء العشرة وهو منهم .

      سيدنا عمر حينما أراد أن  يستخلف جعل عبد الرحمن بن عوف في عداد الستَّة الذين استخلفهم ، وقال عنه : " لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهو عنه راضٍ " .

      يقال : إن هذا الصحابي الجليل كان محظوظاً في التجارة ، كان يقول : " لقد رأيتني لو رفعت حجراً لوجدت تحته فضَّةً وذهباً " . لكن هذا الصحابي الجليل لم يكن حرصه على المال شغفاً بالثراء ، ولكن قرباً من الله عزَّ وجل .

       الآن إليكم هذا الموقف المشرِّف لهذا الصحابي الجليل حينما هاجر إلى المدينة ، النبي عليه الصلاة والسلام جرى على أن يؤاخي بين كل اثنين من أصحابه ، أحدهما مهاجر من مكَّة والآخر أنصاريٌ من المدينة ، وكانت هذه المؤاخاة تتم على نسقٍ يُبهر الألباب ، فالأنصاري من أهل المدينة كان يقاسم أخاه المهاجر كل ما يملك ، حتى فراشه ، ويومئذٍ آخى النبي عليه الصلاة والسلام بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ـ له قصَّة شهيرة ، هذا الذي تفقَّده النبي في أحد ، ثم أرسل من يبحث عنه ، فرآه صاحبه في عداد الموتى ، وهو على وشك الموت فقال : " يا سعد لقد كلَّفني النبي أن أبحث عنك ، فهل أنت في عداد الأحياء أم في عداد الأموات ؟ فقال سعد ابن الربيع : " بل في عداد الأموات ، ولكن بلِّغ عني رسول الله وقل له : جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمَّته ، وقل لأصحابه لا عذر لكم عند الله إذا خُلص إلى نبيُّكم وفيكم عينٌ تطرف ". هذا سعد بن الربيع هو الذي آخى النبي بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ـ قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف فيما رواه أنس بن مالك :

      " أخي أنا أكثر أهل المدينة مالاً فانظر شطر مالي فخذه " . هذا موقف الكرم ، والتضحية ، والمؤاثرة ، والبذل .

      الموقف الثاني ، قال له عبد الرحمن بن عوف : " بارك الله لك في مالك ولكن دلَّني على السوق " . فذهب إلى السوق فاشترى وباع وربح .

       النبي عليه الصلاة والسلام قال له :

" يابن عوف إنك من الأغنياء ، وإنك ستدخل الجنة حبواً فأقرض الله يطلق لك قدميك " .

      يا بن عوف إنك من الأغنياء وإنك ستدخل الجنة حبواً إلا إذا أقرضت الله ، عندئذٍ يطلق لك قدميك فتدخلها خبباً ، أو هرولةً ، أو قفزاً ، أو ركضاً . قال منذ أن سمع هذا النصح من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وهو يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه الله له أضعافاً كثيرة .

      قالوا : مرَّةً باع أرضاً بأربعين ألف دينار ، ثم فرَّقها جميعاً في أهله من بني زُهرة ، وعلى أمهات المؤمنين ، وفقراء المسلمين .

     قدَّم يوماً لجيوش الإسلام خمسمائة فرس ، ويوماً آخر ألفاً وخمسمائة راحلة . وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله ، وأوصى لكل من بقي ممن شهدوا بدراً بأربعمائة دينار  حتى إن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه أخذ نصيبه من هذه الوصية رغم ثرائه ، وقال : " إن مال عبد الرحمن حلالٌ صفوٌ وإن الطُعمة منه عافيةٌ وبركة " .

       شيءٌ مهمٌ جداً أيها الإخوة ، سيدنا ابن عوف لم يكن سيِّداً لأحد بل  كان سيد ماله ولم يكن عبد ماله ، والخلاصة إما أن تكون سيد مالك ، وإما أن تكون عبداً لهذا المال ، سيدنا ابن عوف كان سيِّد ماله ولم يكن عبداً لماله ، أي لم يشقَ بجمعه واكتنازه ، بل سعد بكسبه وإنفاقه ، لم يكن شقياً بجمعه واكتنازه بل كان سعيداً بكسبه وإنفاقه ، يجمعه هوناً ـ بالهدوء ـ ومن حلال، ثم لا ينعم به وحده بل ينعم بهذا المال أهله ، ورحمه ، وإخوانه ، ومجتمعه كله حتى ب