English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق الطريق  2 / 4 -غض البصر- عدم تبرج النساء - سعد بن عبادة، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

  

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... لا زلنا في موضوع الحقوق ، ولا زلنا في موضوع حق الطريق ، وقد بيَّنت لكم في الدرس الماضي أن من أول حقوق الطريق غض البصر ، أما أحكام غض البصر على وجهٍ تفصيلي فقد مر ذكرها في سورة النور بتفصيلٍ شديد ، ولا داعي لأن تعاد مرةً ثانية ، ولكن يعنينا من غض البصر أنه مدرسةٌ يمكن أن تصل بصاحبها إلى الاتصال بالله عزَّ وجل ، كأن الله سبحانه وتعالى جعل غض البصر مناسبةً ليشعر المؤمن في اليوم الواحد عشرات المرات أنه مخلصٌ لله عزَّ وجل ، ولعله بهذا الشعور وذاك الإخلاص يقبل على الله عزَّ وجل . ومن غض بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه ،

       ماذا يقابل غض البصر ؟ إذا كان المؤمنون قد أمروا بغض البصر، فماذا على المؤمنات أن يفعلن ؟ هناك أحكامٌ عدَّة تتعلق بالمرأة ، الله سبحانه وتعالى نهى النساء عامةً عن أن يتبرَّجن تبرج الجاهلية ، عرَّف العلماء تبرج الجاهلية بأنه إظهار محاسن المرأة للأجانب ،  مهما بالغت المرأة بإظهار محاسنها لزوجها فهي في أعلى درجات الطاعة لربها ، إذا بالغت المرأة المسلمة بإظهار محاسنها لزوجها ، وكانت معواناً له على غض بصره فهي في أعلى درجات الطاعة ، أما إذا جهدت لتبرز محاسنها بطريقةٍ أو بأخرى لغير زوجها ، للأجانب ، لمن لا يجوز لها أن تبرُز أمامهم ، لمن لا يجوز لهم أن ينظروا إليها ، فهي في أدنى درجات المعصية ، في أدناها دَرْكَاً ، لذلك عندما قال ربنا عزَّ وجل :

( سورة الأحزاب : من آية 33)

       لو قال : ولا تبرجن . نهيٌ عن مطلق الزينة ، قال :

( سورة الأحزاب : من آية 33)

       المرأة الجاهلة هي التي تبرز محاسنها لغير زوجها .

       فتنةٌ أخرى يمكن أن تقع بها المرأة ألا وهي فتنة اللسان ، صوت المرأة عورة ، إذا ليَّنته ، وكسَّرته ، ورقَّقته ، ونغَّمته ، إنه عورة ، ربما شفَّ عن محاسنها وهي محجبةٌ عن الذي يستمع إليها ، حتى لو أن صوتها وصل إلينا من وراء حجاب إذا كسَّرته ، وليَّنته ، ولوَّنته ، ونغَّمته ، فإنه عورةٌ وأية عورة ، من هنا قال الله عزَّ وجل :

( سورة الأحزاب )

       كلمة : شكراً . فهناك كلمات تعبر عن الشكر والمودة من رجل لرجل معقولة جداً ، أما من امرأةٍ لرجلٍ أجنبيٍ لا يحل لها ، إنها حبائل الشيطان .


( سورة القصص : من آية 23)

       سيدنا موسى ، قول معروف ، لو فتَّشت في اللغة العربية كلها لن تجد كلمةً جادةً ، صارمةً، موجزةً ، بليغةً كهذه الكلمة :

      فأجابتا :

( سورة القصص : من آية 23)

       قد يسأل : لمَ أنتما هنا ؟ أين أبوكما ؟ أين أخوكما ؟ لتقطع باب الحوار :

( سورة القصص : من آية 23)

       كلمة واحدة ..

( سورة القصص : من آية 25)

       لو اكتفت عند هذا القول لسألها : لماذا يدعوني ؟ ما المناسبة ؟ .

( سورة القصص : من آية 25)

       انتهى الكلام :

( سورة الأحزاب )

       علِّموا نساءكم ، علموا بناتكم ، علموا أخواتكم ، علموا من يلوذ بكم من النساء أن يقلن قولاً معروفاً مع الأجانب ،.

       شيء آخر القصص التي تصف علاقة المرأة بالرجل ، هذه القصص سُمِّيت فاحشة ، لأن الإنسان بطبيعته ، بطبيعة ما أودع الله فيه من شهوة ، يميل إلى سماع هذه القصة ، فإذا فشت هذه القصص بين المؤمنين ، فكأنما فشت الفاحشة بينهم ، لذلك هذا الأدب الرخيص ، الأدب المثير ، الأعمال الفنية المثيرة ، أي عملٍ يستهدف إثارة الغرائز هذا محرم ، " ما حَرُم فعله حرم استعماله، ما حرم فعله حرم النظر إليه ، ما حرف فعله حرم الحديث عنه " . لذلك :

( سورة النور : من آية 19)

       أنت بدافعٍ تربوي قد تصف جريمةً أخلاقية ، ولكن المؤمن يصفها بطريقةٍ أديبة ، بطريقة لا تثير الغرائز ، وقد توصف جريمةٌ أخلاقيةٌ بطريقةٍ أدبية تثير غرائز الإنسان ، فلك أن تصف الرذيلة ولكن بطريقةٍ نشمئز منها ، لا بطريقةٍ نحبها ، هؤلاء الكُتَّاب الذي يصفون الرذيلة بطريقةٍ نحبها ، هؤلاء كتابٌ يعملون على هدم المجتمع وهم لا يدرون ، أو يدرون ، إن جيلاً من الشباب بأسره قد تنحط أخلاقه بسبب هذا اللون من الأدب ، لذلك الكِتاب يجب أن يحسن الإنسان اختياره، ما كل كتابٍ يقرأ ، وما كل قصةٍ تقرأ ، وما كل أدبٍ يقرأ ، وما كل شعرٍ يقرأ ، لذلك العلماء قالوا : " الشعر كلامٌ حسنه حسن ، وقبيحه قبيح " .

        الشعر كلام ، هناك شعرٌ يصف النبي عليه الصلاة والسلام ، يصف البطولة تذوب نفسك بهذه البطولة ، وهذا شعرٌ آخر يصف الرذيلة ، فالمؤمن يجب أن يدقق فيما يقرأ .

        لو أن هذه المرأة لم تتكلم ، هناك فتنةٌ أخرى ، قد تسير سيراً بصوتٍ صارخٍ يلفت النظر إليها ، قال تعالى :

( سورة النور : من آية 21)

       فهذه الأحذية النسائية التي لها صوت حينما تمشي المرأة ، كأن المرأة تقول : ها أنا ذا انظروا إلي . لو أنها مشت خلف الرجل تلفت نظره إليها عن طريق هذه المِشية غير الإسلامية ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

سورة النور : من آية " 21 "

       هناك فتنةٌ رابعة ، فتنة الطَيْب ، قال عليه الصلاة والسلام :

 

" َالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي زَانِيَةً "*

( من سنن الترمذي : عن أبي موسى)

       امرأة تسير في الطريق بين الأجانب وقد استعطرت ، لماذا استعطرت ؟ من أجل أن تلفت النظر إليها ، وفي حديثٍ آخر :

" إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا "*

( من صحيح مسلم : عن زينب

       والنبي عليه الصلاة والسلام ، قال :

" طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ "*

( من سنن الترمذي : عن أبي هريرة

       الزينة مطلوبة من دون أن يكون لهذه الزينة رائحةٌ تلفت نظر الرجال .

      وفتنة التعرِّي هذه فتنةٌ كبيرةٌ جداً ، جاء في الحديث الشريف :

" إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لا يُفَارِقُكُمْ " *

( من سنن الترمذي : عن ابن عمر

      والنساء الكاسيات العاريات اللائي وصفهن النبي عليه الصلاة والسلام :

" المائلات المميلات رؤسهن كأسنمة البَخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها "

( رواه مسلم )

       ترتدي ثياباً شفافة ، أو ترتدي ثياباً ضيِّقة ، الثوب الذي يشفُّ عن لون البشرة ، أو يشف عن حجم العضو هذا ثوبٌ هدفه التزيُّن وليس ستر العورة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال :

" نساءٌ كاسيات عاريات ، مائلات مميلات  رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها " .

*  *  *

       بقي موضوعٌ حساسٌ جداً سأقرأ لكم ما ورد في بعض التفاسير عنه ، حينما قال الله عز وجل :

( سورة الأحزاب )

       قال العلماء : أن يرخين جانباً من خمورهن أو ثيابهن على أنفسهن، وهذا هو المفهوم من ضرب الخمار على الوجه ، والمقصود به ستر الوجه وإخفاؤه ، سواءٌ بضرب الخمار أو بلبس النقاب أو بطريقةٍ أخرى غيرها ، والمسلمات إذا خرجن من بيوتهن متستراتٍ على هذا النحو، علم أهل الريبة من الرجال أنهن شريفات ، وجميع المُفسرين قد ذهبوا هذا المذهب في تفسير هذه الآية ، فيروى عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قوله : " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق الجلابيب " .

( تفسير الطبري ، الجزء اثنين وعشرين ، الصفحة تسعة وعشرين ) .

       وعن ابن سيرين قال : سألت عبيدة بن سفيان بن الحارث الحضرمي عن قوله تعالى :

( سورة الأحزاب )

       قال : فأخذ ثوبه فغطَّى رأسه ووجهه ، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.

( تفسير الطبري وفي كتاب أحكام القرآن للجصاص ) .

      ويقول الطبري أيضاً في تفسير قوله تعالى :

( سورة الأحزاب : من آية 59)

       لا تتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن ، فكشفن شعورهن ووجوههن ، ولكن يُدنين عليهن من جلابيبهن ، لئلا يعرض لهن فاسقٌ إذا علم أنهن حرائر بأذىً من قول .

( تفسير الطبري ، الصفحة التاسعة والعشرين من الجزء الثاني والعشرين ) .

      ويقول العلامة أبو بكر الجصاص : في هذه الآية دلالة على أن المرأة مأمورةٌ بستر وجهها عن الأجانب ، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع فيها أهل الريب فيهن .

     وقال العلامة النيسابوري في تفسير هذه الآية : كانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذِّلاتٍ ، يبرزن في درعٍ وخمار من غير فصلٍ بين الحُرة والأمة ، فأمرن بلبس الأردية وستر الرأس والوجوه، ذلك الإدناء ( أدنى ) أقرب إلى أن يعرفن أنهن حرائر ، فإن التي سترت وجهها أولى بأن تستر كل شيءٍ في جسمها .

( تفسير غرائب القرآن ، على حاشية الطبري لأبي بكر الجصاص ).

       وقال الإمام فخر الدين الرازي : وكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفاتٍ يتبعهن الزناة وقع التُهم ، فأمر الله الحرائر بالتجلبب ، وقوله تعالى :

( سورة الأحزاب : من آية 59)

       أي أنهن حُرَّات ، لأن من تستر وجهها هو أولى ـ أي هي مظنة أن تستر كل شيءٍ في جسمها هذا المقصود ـ .

*  *  *

الآن شروط الثياب التي يجب أن ترتديها المرأة المسلمة

      أولاً أن يغطي الثوب جميع الجسم ، ألا يشف ويصف ما تحته ، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام :

" إن من أهل النار نساءٌ كاسيات عاريات ... الخ "

       ودخلت نسوةٌ من بني تميم على عائشة رضي الله عنها وعليها ثيابٌ رقاق ، فقالت عائشة : " إن كنتن مؤمناتٍ فليس هذا بثياب المؤمنات " .

       وأدخلت عليها امرأةٌ عروس ـ على السيدة عائشة ـ عليها خمارٌ رقيقٌ شفَّاف فقالت : " لم تؤمن بسورة النور امرأةٌ تلبس هذا الثوب " .

       الآن الشرط الثالث ألا يحدد الثوب أجزاء الجسم وألا يبرز مفاتنه ، وإن لم يكن رقيقاً شفافاً كتلك الثياب التي جاءتنا عن الغرب ، فأي ثوبٍ تلبسه المرأة لو كان سميكاً ، إذا كان هذا الثوب يصف حجم أعضائها فكأنه يبرز أعضاءها كما هي .

       من صفات ثياب المرأة المسلمة ألا يكون مما يختص به الرجال كلبس البنطال ، وألا يكون الثوب مما اختصت به النساء الفاجرات ، أي أحدث الصرعات ، هذه الثياب التي ترتديها المرأة الفاجرة لا ينبغي للمرأة المُسلمة أن ترتديها .

       هذا مجمل ما ينبغي على المرأة المسلمة أن تفعله إذا خرجت من بيتها ، لأن ثياب الإنسان في الإسلام جزءٌ من دينه ، ولا سيما المرأة ، قضية الثياب ، ونوع الثياب ، وشكل الثياب هذا متعلقٌ بدين المرأة ، أما لها أن ترتدي لزوجها ما تشاء من دون قيدٍ أو شرط ، مهما تفنَّنت المرأة في التزيُّن لزوجها فهي في أعلى درجات الطاعة ؛ أما إذا تفنَّنت في إظهار مفاتنها لغير زوجها بشكلٍ أو بآخر ، فهي في أحط درجات المعصية ، هذا ملخص هذا الموضوع .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *

       والآن إلى القسم الثاني من الدرس وهو سيرة أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله .

      الحقيقة لابدَّ من كلمة أقدم بها الحديث عن قصة سيدنا سعد بن عبادة، هذا الصحابي الجليل له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفٌ صريح، هذا الموقف يعلمنا أشياء كثيرة ، ولكن قبل أن نخوض في هذه القصة ، التي تتعلق بسيدنا سعدٍ بن عبادة لابدَّ من تمهيدٍ لماذا يجب أن نقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ؟

      لأن النبي عليه الصلاة والسلام مشَرع ، أي أن أقواله ، وأفعاله ،  وإقراره وأحواله ، وصفاته كلها تشريع ، فأنت إذا قرأت ما في القرآن الكريم من أوامر ونواهي ، أنت لا زلت مفتقراً إلى أن ترى كيف وقف النبي الموقف الكامل في هذا الوضع ، وكأن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فيها مواقف متنوِّعة جداً ، بحيث أن هذه المواقف المتنوعة تغطي كل الأحوال التي يمكن لمؤمنٍ أن يتعرَّض لها .

       فمثلاً لو أن شاباً نال شهادة الطب ، وعُيِّن طبيباً شرعياً مثلاً ، وجاءته حالة وفاة جُرْمِي ـ قتل ـ فلو جاءه أهل أشخاص معينون وعرضوا عليه مبلغاً طائلاً من المال نظير أن يكتب أن الوفاة جاءت طبيعية ، جاءه مبلغٌ كبير ، هذا المبلغ يحل به كل مشكلاته . النبي عليه الصلاة والسلام عرض عليه كفار قريش أن يكون أغناهم ، عرضوا عليه أن يعطوه أجمل بناتهم ، عرضوا عليه أن يسوِّدوه عليهم .

      هذا موقف ، فالإنسان له مبادئ ، بعمله ، بمهنته ، بمواقفه ، يتعرض لإغراءات شديدة جداً ، أو يتعرض لضغوط ، ضغوط أو إغراءات، فإذا اقتدى بالنبي عليه الصلاة والسلام في ثباته على مبدئه ، تكون هذه السيرة قد قدَّمت له نموذجاً كاملاً عليه أن يقفه عندما يتعرَّض لضغطٍ أو لإغراء ، إذاً أنت في مثل هذا الموقف تقف ما وقف به النبي عليه الصلاة والسلام .

        مثلاً إنسان ولدت له بنت ، العوام يقولون : البنت لها كنة . وربنا عزَّ وجل قال :

 

( سورة النحل )

       النبي عليه الصلاة والسلام حينما ولدت له السيدة فاطمة ، ضمها وشمها ....

       هذا موقف ، فإذا جاءك بنت قف موقف النبي عليه الصلاة والسلام ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها ، لعل الخير كله من هذا البنت ، لعل خيرك كله من هذه الفتاة ، هذا موقف .

       إنسان تحدث الناس حديثاً باطلاً عن أهله ، حديث من نوع الزنا ، هناك من يسكُت ولا يتأثر فهو الديوث ، من هو الديوث ؟ الذي يرضى الفاحشة في أهله ، لا يغار على عرضه ، أو يرضى الفاحشة في أهله ، أو إنسان أحمق يذبح هذه المرأة ويرتكب جريمةً ثم يظهر أنها بريئة ، هذا وقع

       في مسرحية لشكسبير شهيرة جداً ، اسمه عُطَيل ، توهم أن ديدمونة زوجته قد خانته فذبحها، فلما علم ببراءتها انتحر .

       النبي عليه الصلاة والسلام تكلمت المدينة كلها عن زوجته السيدة عائشة ، وقف الموقف الكامل .

      النبي عليه الصلاة والسلام أصابه الفقر ، دخل عليه أحد أصحابه وقد رآه مصفر اللون ، فقال : " بأبي أنت وأمي مالك يا رسول الله ؟ ....      ذاق طعم الفقر ، فإذا نصح الفقراء بالصبر يكون كلامه مقبولاً ، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يذق طعم الفقر ونصحنا بالصبر لما صدَّقه الفقراء . يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال :

" لا يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ "*

( مسند أحمد : عن أبي أمامة

      أي إذا ربنا عزَّ وجل قلَّب الأمور ، امتحنك في الغنى فرآك سخياً ، الآن سيمتحنك في الفقر ، لماذا أنت مُضَّطرب ؟ لماذا أنت يائس ؟

 

( سورة الملك )

       امتحنا هذه السيارة بالنزول فرأيناها جيدة جداً ، الآن سنمتحنها بالصعود ، لننظر قوة محركه، هل تحمى أم لا تحمى ، فالله عزَّ وجل هو يمتحن الإنسان .

       أعرابي أثناء توزيع الغنائم قال : " اعدل يا محمد " . فما هذا القول؟ يخاطب من ؟ يخاطب سيد الخلق ، حبيب الحق ، كان بإمكان النبي أن يسحقه ، أن يشير بقتله ، فقال :

" وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ "*

( من صحيح مسلم : عن أبي سعيد الخدري

      أعرابيٌ آخر جذبه من ثوبه حتى أثر ثوبه في عنقه الشريف ، التفت إليه وتبسَّم وما زاد عن ذلك ، يعلمنا كظم الغيظ ، وأنت في أعلى درجة من القوة ، في أعلى درجة من التمكُّن ، هذا جاهل .

      اطمئن ، رأى النبي مصدر أمنٍ له ، فلما صلى قال : " اللهم ارحني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً ـ من هؤلاء ـ  " قال :

" لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعاً "*

( من سنن أبي داود : عن أبي هريرة)

     علَّمك الحلم ، علمك الصبر .

     سيدنا عمر كان ماشياً في المسجد ليلاً فيبدو أنه داس على رجل إنسان خطأ ، هذا الإنسان عصبي المزاج قال : " أأعمى أنت ؟ " قال : " لا " . فقال له من معه : ماذا قال لك ؟ فقال لهم : " سألني فأجبته " . وانتهى الأمر .

     اقتدوا بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فلا تغُرَّك قوَّتك إذا كنت قوياً ، إذا كان بإمكانك أن تسحق هذا الضعيف اقتد بالنبي عليه الصلاة والسلام، اقرأ سيرته من أجل أن تقتدي به .

      موقف الغني بالتسامح ، موقف الفقر بالصبر والعفاف والتجمُّل .

      يا ترى هل تجذبك رحمتك على التشفِّي من أعدائك ؟ النبي الكريم بالطائف حينما دعا ربَّه فقال :

" اللهم أشكو إليك قلة حيلتي وهواني على الناس "

       قف هذا الموقف الأخلاقي ، جاءه جبريل وبإمكانه أن يسحق هؤلاء المكذبين .

      ذاق طعم النصر ، مكة التي ائتمرت على قتله ، والتي أخرجته ، والتي أهانت أصحابه وعذبتهم و .... سنوات طويلة وها هو ذا يفتحها وتحت إمرته عشرة آلاف سيف تتوهج بالشمس، لو أنه أشار إليهم لأبادوا أهل مكة ، قال :

" ما تظنون أني فاعل بكم قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم فقال أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم " .

( من الجامع الصغير )

 " اذهبوا فإنكم الطلقاء " .

      علمك العفو ، علمك عند القهر الصبر والرحمة ، وعلمك عند النصر والقوة العفو .

      عمير بن وهب الذي توشَّح سيفه وجاء ليقتل النبي عليه الصلاة والسلام ، شعر عليه سيدنا عمر فقيده بحمالة السيف ، قال " أطلقه يا عمر". أطلقه ، قال : " اقترب يا عمير " . بكل لطف ورقة عفا عنه ، وانقلب هذا الذي جاء ليقتله إلى أحب الناس إليه ، علَّمك العفو .

     سيدنا عكرمة حينما جاء مسلماً ، قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه:

    علَّمك الترفُّع عن السباب ، والترفع عن التشفي .

       إنسان آخر جاء ليقتل النبي عليه الصلاة والسلام ، أمسكه عمر ، وجاء به إلى النبي ، فقال سيدنا رسول الله :

 " هل أعددتم له طعاماً " . سيدنا عمر صُعِق ، كأنه يتوقع أن يقول : أضرب عنقه يا عمر . قال: " هل أعددتم له طعاماً ؟ " هكذا النبي .

      أذاقه الله فقدان الابن بالوفاة ، شيء صعب جداً ، دمعت عينه ، قالوا : " أتبكي ؟ قال : إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ " . هذا الموقف الكامل إذا قبض الابن.

( من صحيح البخاري : عن " أنس بن مالك " )

      كان يتفقَّد أصحابه ، إذا أنت لك إخوان ، لك أصدقاء ، لك أصحاب ، لك زملاء ، لك أقارب   في أعقاب معركة أحد تفقد أصحابه فلم يجد أحد أصحابه ـ سالم بن الربيع ـ تفقده وبحث عنه حتى عرف خبره .

     سوى نفسه بأدنى جندي بالجيش ، في معركة بدر قال : " كل ثلاثة على راحلة ، وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة " . ركب النبي على الناقة، جاء دوره في المشي ، توسلا إليه أن يبقى راكباً قال : " ما أنتما بأقوى مني على السير ، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر " .

      اقتدِ بالنبي الكريم ، سوّ نفسك مع أقل إنسان ، هذا في الحرب .

       في السلم ، عندما كانوا في نزهة وأرادوا أن يذبحوا شاةً هذا قال : علي ذبحها ، وهذا : علي سلقها ، وهذا : عليَّ سلخها ، وقال : " وعلي جمع الحطب " . فقالوا : " نكفيك ، قال : لا ، أعلم ذلك ولكن الله يكره عبده متميزاً على أقرانه " . اقتدِ بالنبي الكريم ، هذا موقف كامل .

      كان يمشي في الأسواق ويحمل حاجته بيده ، وقد تستوقفه امرأةٌ ضعيفة وكان يقول : " برئ من الكبر من حمل حاجته بيده " .

      هذا وسام شرف ، حامل خضروات وفواكه ، والحاجات لبيته ، من أنت ؟ أنت أعظم من رسول الله ، هو في أعلى مقامات البشر ، كان يمشي في الأسواق ويتفقد أصحابه ، ويحمل حاجته بيده ، وكان إذا رأى صبياناً يقول :

" السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَانُ "* تألفاً لقلوبهم .

 

( من مسند أحمد : عن أنس

      وكان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً ، وكان يقول :

" أكرموا النساء ، فو الله ما أكرمهن إلا كريم " .

     تسابق مرة مع السيدة عائشة ، نبي هذه الأمة ، قمة المجتمع ، أول خلق الله ، سيد الخلق ، حبيب الحق ، تسابق مع السيدة عائشة فسبقته ـ كانت صغيرة ـ قالت : " فلما ركبني اللحم سبقني " . قال :

" هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ " . أصبحنا تعادل .

( من سنن أبي داود : عن السيدة عائشة)

       سألته مرة : " كيف حبك لي ؟ " قال : " كعقدة الحبل " . أي عقدة لا تفك ، فصارت كشفرة بينهم ، فصارت تقول له من حين إلى آخر : " كيف العقدة ؟ " . يقول : " على حالها " . أي متينة ، فكان في بيته وديعاً ، لطيفاً ، مؤنساً ، متواضعاً ، كان يكنس داره ، ويرفع ثوبه ، ويخصف نعله وكان في مهنة أهله ، هذا موقف .

       قراءة السيرة فرضٌ لازم من أجل أن تعرف رسول الله ، من أجل أم تقتدي به ، من أجل أن تقتفي أثره ، من أجل أن تتبع سنته ، لأنه الإنسان الكامل ، كان يركب الحسن والحسين على ظهره ويقول :

 " نعم الجمل جملكما ! ونعم العدلان أنتما " .

( من كنز العمال : عن جابر رضي الله عنه)

      معه مسواكان ، واحد مستقيم ، والثاني معوج ، فقدَّم المستقيم لأحد أصحابه ، انتقى المستقيم وقدَّمه ، أكثر الناس يعطي الجيدة له والرديئة للآخر ، أعطاه السواك المستقيم ، هذا الموقف الكامل الذي يحب أن تقفه .

      إنسان نزع له ريشة من على ثوبه ، رفع يديه وقال :

" جزاك الله عني كل خير " . ريشة !! ماذا فعل ؟ ريشة نزعها من على ثوبه .

     عدي بن حاتم استقبله في البيت ليس عنده إلا وسادة واحدة دفعها إليه، قال : " اجلس عليها " . عدي استحيى قال : " بل أنت " . قال : " بل أنت". قال : " فجلست عليها وجلس هو على الأرض " . إكرام الضيف هكذا .

      تعلم إكرام الضيف ، تعلم العلاقة مع الزوجة ، العلاقة مع الصغار ، العلاقة في الأزمات ، في المواقف .

      كان ينوِّه بفضل اصحابه ، فعن سيدنا الصديق قال :

" ما ساءني قط " .

 " "ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر " .

من تفسير ابن كثير : عن " أبي بكر "

     وعن سيدنا عمر قال :

" لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب " .

( من الجامع الصغير : عن ابن مالك)

     سيدنا عثمان وصفه بأنه أحيا أمتي ..

 " أَلا أَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ "*