English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الحقوق : حق الطريق  3 / 4 - كف الأذى ، الحياء - سعد بن عبادة "2"، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... لازلنا في موضوع الحقوق ، ولازلنا في حقوق الطريق ، ومن حقوق الطريق - إضافةً إلى غضِّ البصر - من حقوق الطريق كف الأذى ، وكف الأذى ينقلنا إلى موضوعٍ تمهيديٍ له ، ألا وهو الحياء .

       النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة يؤكِّد أن الحياء من الإيمان ، وبعد قليل سألقي على مسامعكم بعضاً من هذه الأحاديث الشريفة، ولكن الحديث الأول يقول عليه الصلاة والسلام :

" الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً... "

( من سنن النسائئ : عن أبي هريرة)

       الإيمان درجات ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة النساء : من آية 136)

     هناك إيمان مقبول ، وهناك كمال الإيمان ، الإيمان إذاً درجات ، والتقوى درجات ..

( سورة آل عمران : من آية 102)

      والإيمان شيء والتقوى شيءٌ آخر ..

     

والإيمان شيء والإسلام شيءٌ آخر ..

( سورة الحجرات : من آية 14)

     فمعرفة معاني هذه المُصطلحات الدقيقة في القرآن الكريم جزءٌ من الإيمان ، يجب أن تعرف ما الإيمان ، ما الإسلام ، ما التقوى ، ما المعصية ، ما الفسق ، ما الفجور ، ما الإلحاد ، ما الكفر، الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول :

     

       إذاً الإيمان شيء والإسلام شيءٌ آخر ، الحديث الذي بين أيدينا هو قول النبي عليه الصلاة والسلام :

" الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ " .

       أي أن أعلى درجة في الإيمان أن تصل إلى قول لا إله إلا الله ، وإذا قال النبي : قول لا إله إلا الله فيعني بذلك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ، وإذا علمت أنه لا إله إلا الله فمن لوازم العلم بكلمة التوحيد أنك تدخل في حصن الله ..

" لا إله إلا الله حصني من دخلها أمن من عذابي " .

      وينبغي أن تعلم أيضاً أن لا إله إلا الله لا يسبقها عمل ، الأعمال الصالحة في ظاهرها قبل أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله مشوبةٌ بعدم الإخلاص ، لأنه لا ينفع عملٌ مع الشرك ..

" ... أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ " .

      بل إن نهاية العلم أن تؤمن أنه لا إله إلا الله ، والإنسان لا يعصي ربَّه إلا إذا اعتقد أن هناك جهةً أخرى تنفعه أو تضرُّه ، فهو يطيعها ويعصي الله ، أما إذا أيقن أنه لا إله إلا الله ، وأن الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الأولى والأخيرة ، هو الظاهر والباطن ، هو الأول والأخر ، بيده ملكوت كل شيء ، إليه يرجع الأمر كله ، مالك كل شيء ، إذا أيقن هذا اليقين انتهى كل شيء ، فالعلم نهايته أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد .

" ...وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ " .

      أن تميط الأذى عن الطريق ، حجر تزيحه إلى جانب الطريق .

      أيها الإخوة دقِّقوا ، من الإيمان أن تعتقد أنه لا إله إلا الله ، من الإيمان أن تميط الأذى عن الطريق ..

" ..وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ " .

      هذا الحديث دقيق جداً ، معنى ذلك أن في الإيمان جانباً فكرياً ، وأن في الإيمان جانباً نفسياً ، وأن في الإيمان جانباً سلوكياً ، كلمة إيمان هذه الكلمة الرنانة ، التي يطمح كل امرءٍ أن يتصف بها ، يجب أن نعرفها معرفةً صحيحة ، من الإيمان أن تفكِّر في الكون ، والآيات التي تحضُّنا على ذلك لا تعدُّ ولا تحصى ، من الإيمان أن تتدبَّر كتاب الله عزَّ وجل ، من الإيمان أن تنظر في الحوادث ، لأن الكون خلقه ، ولأن الحوادث أفعاله، ولأن القرآن كلامه ، فإذا تفكَّرت وتدبَّرت ونظرت ، وأجريت محاكمةً دقيقة ، وتوصَّلت بعد البحث ، والدرس ، والتدقيق ، والتـأمُّل إلى الحقائق الأساسيَّة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن نؤمن بها ، هذا هو الجانب الأول في الإيمان ، لذلك :

" الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ " .

       أي إنك إذا تأمَّلت في الكون ، وإذا تدبَّرت القرآن ، وإذا نظرت في الحوادث وصلت إلى أن هناك خالقاً عظيماً ، ومربياً رحيماً ، ومسيِّراً حكيماً لا إله إلا هو ، هذه الجولة التفكُّريَّة ، الجولة التأمليَّة ، الجولة التبصُّريَّة ـ إن صحَّ التعبير ـ الجولة التدبريَّة في الكون ، وفي القرآن ، وفي الحوادث مع إجراء المحاكمة ، والدراسة ، والبحث ، والتمحيص ، والمقدِّمات ، والنتائج يستطيع هذا الفكر البشري أن يصل إلى نتائج قطعيَّة ، وهذا الذي عبَّر عنه العلماء باليقين الاستدلالي ، هذا جانب في الإيمان .

       فهذا الذي لا يفكر ، ولا يُعمل عقله ، ولا يتأمَّل ، ولا يتدبَّر ، ولا ينظر هذا مقلِّد ، والمقلِّد ليس من عِداد المؤمنين ، كما أقرَّ بذلك علماء التوحيد ، لا يمكن أن يكون الإيمان تقليداً ، لأنك إذا قلَّدت في الإيمان قد تقلِّد في الضلال ، إذا كان عندك استعداد أن تقلِّد في عقيدتك فأي ضالٍ مضلٍ آخر إذا جمعتك به الصُدَف ، ولقَّنك عقيدته الضالَّة يمكن أن تعتنقها ، إذاً لا يقبل منك أن تقلِّد في العقيدة ، فالإيمان شعبٌ كثيرة كما قال عليه الصلاة والسلام :

" بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ "ـ هذا الجانب الفكري ـ.

      الدرس الماضي ليس هنا ولكن في درس العقيدة قلت : لو جمعنا الإيمان والإسلام معاً ، وعددناهما وحدة متكاملة ، هناك جانبٌ فكري يمثِّله الإيمان الفكري ، وهناك جانب سلوكي يمثِّله الإسلام ، الإسلام انصياع ، وهناك جانِبٌ نفسي قلبي يمثِّله الإيمان القلبي .

      فأنت قبل أن تستسلم لأمر الله لابدَّ من أن تجري محاكمة فكريَّة صحيحة ، تصل بها إلى نتائج قطعيَّة ، وأنت بعد أن تستقيم على أمر الله ، وتنساق إلى أمر الله لابدَّ من أن تقبل على الله عزَّ وجل ، فالإقبال على الله يجعلك تصطبغ بصبغة الله عزَّ وجل ، من هذه الصبغة الحياء ، فترى المؤمن له جانبٌ فكري نشيط ، وله جانبٌ نفسيٌ أخلاقي ، إنه يتصف بالصفات الأخلاقيَّة الرفيعة من عدلٍ وإنصافٍ ، إلى رحمةٍ وحنانٍ ، إلى لطفٍ ، إلى شفقةٍ ، إلى طُهْرٍ ، إلى عفافٍ ، إلى تجمُّلٍ ، إلى صبرٍ ، هذا الجانب النفسي . والجانب الفكري له عقيدةٌ يقينيَّةٌ سببها أنه تأمَّل وفكَّر ، وتدبَّر ونظر .

      كأنني أقول لكم لابدَّ من قناعة يتبعها سلوك ، تتبعها سعادة ، تقنع ، تسلك ، تسعد ، وهذا يطابق تماماً تعريف العبادة ، العبادة طاعةٌ طوعيَّة ممزوجةٌ بمحبَّةٍ قلبيَّة ، أساسها معرفةٌ يقينيَّة تفضي إلى سعادةٍ أبديَّة . ثلاث أشياء ، طاعةٌ طوعيَّة سلوك ، الإسلام التزام ، الإسلام ضبط الحواس ، الإسلام ضبط الدخل ، الإسلام ضبط الإنفاق ، الإسلام ضبط العلاقات .

      وكنت قد أكَّدت لكم من قبل أن في الإسلام عباداتٍ شعائريَّة منها الصلاة والصيام والحج ، وفي الإسلام عباداتٌ تعامليَّة ، ولعمري إن العبادات التعاملية أخطر بكثير من العبادات الشعائريَّة، بل إن العبادات الشعائرية لا تصح ولا تؤتي ثمارها يانعةً إلا إذا سبقتها العبادات التعاملية .

       لذلك عندما رأى سيدنا عمر بدوياً يرعى غنماً وشياهاً ، فقال له : " بعني هذه الشاه وخذ ثمنها " . قال : ليست لي . قال : " قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب " ـ القصَّة معروفة ـ قال: " والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني ، فإني عنده لصادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟ " . فمعلومات ، تطلعات ، طموحات ، مشاعر من دون التزام هذا كلامٌ فارغ ، إياك أن تضيَّع وقتك ..

( سورة الأنفال : من آية 72)

      هؤلاء الذين اعتقدوا ، هؤلاء الذين أيقنوا ، هؤلاء الذين طمحوا إن لم يؤكِّد عقيدتهم مواقف ؛ عطاءٌ ومنعٌ ، صلةٌ وقطعٌ ، غضبٌ ورضى ، إن لم تؤكِّد عقيدتهم وإيمانهم مواقف ماديَّة ، يجب أن ترى الإسلام في بيت المسلم، في علاقته بأهله ، في مظهر أهله إذا خرجوا من البيت ، في مظهر بناته ، في تجارته ، في حانوته ، في مكتبه ، في قاعة تدريسه ، في معمله، الإسلام يبدو أكثر ما يبدو في التعامل .

       " لعلَّك رأيته يصلي ؟ قال : نعم . قال : أنت لا تعرفه ، هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ قال: لا . قال : هل جاورته ؟ . قال : لا . قال : هل سافرت معه ؟ . قال : لا ، فقال : أنت لا تعرفه " .

       فحينما فهم الصحابة الكرام الإيمان التزام ، وتعامل ، وانضباط ، وتحرِّي الحلال بلغوا أعلى درجات الكمال .

       قال النجاشي لسيدنا جعفر : " حدِّثنا عن نبيُّكم " . قال : " كنا قوماً أهل جاهليَّة نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ، ونقطع الرحم ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ـ هذه الجاهليَّة ـ حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ـ المسلم صادق ، صادق مع نفسه ، صادق مع ربِّه ، صادق مع الناس ، صادق مع من هم أدنى منه ، صادق مع من هم أكبر منه ـ أمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، والكف عن المحارم والدماء " . هكذا عرَّف سيدنا جعفر الإسلام ،  مواقف أخلاقيَّة ، هذا الذي يجب أن نضع أيدينا عليه ، الإسلام فيه جانب فكري عقائدي ، بالتعبير الحديث أيديولوجي ، فيه جانب سلوكي ، الجانب السلوكي هو الأصل في الإسلام ..

وعالمٌ بعلمه لم يعملن ..     معذبٌ من قبل عبَّاد الوثن

*  *  *

" تعلَّموا ما شئتم فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم " .

       الجانب الآخر وهو الجانب النفسي ، جانب الإقبال على الله عزَّ وجل ، فلاحظوا في هذا الحديث :

" الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ " *

( من سنن النسائئ : عن أبي هريرة)

      الذي أريد أن أقوله أنه توجد بالإسلام صبغة ، أنت كإنسان لك فطرةٌ عالية ، ما من مخلوقٍ إلا ويتمتع بفطرة عالية ، الفطرة أن تحب الكمال ، لكن أن تحب الكمال شيء وأن تكون كاملاً شيءٌ آخر ، أن تحب الكمال هذا قاسم مشترك بين كل البشر ، ولكن أن تكون كاملاً هذا من أثر الإيمان، هذه هي الصبغة ، هذه هي ثمرة الصلاة ، هذه هي ثمرة الاتصال بالله عزَّ وجل ؛ الصبر، الصدق ، الأمانة ، العفَّة ، الإنصاف ، ومنها الحياء ، فكف الأذى في الطريق أساسه الحياء .

     ما الحياء ؟ الإنسان حينما ترقى نفسه يعظم على صاحبها أن يصدر منه نقص، وكلَّما ارتقت النفس يعظم عليه أن يصدر منه نقصٌ في السلوك ، ونقصٌ في الكلام ، ونقصٌ في المَظهر ، أصبح كاملاً ، لماذا هو حيي ؟ لأنه اتصل بالله عزَّ وجل ، ألم تسمعوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :

" إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ" *

( من سنن الترمذي : عن سلمان الفارسي

      فإذا اتصلت بالله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن تقتبس أو أن تشتقَّ منه صفة الحياء ، الحياء أن تخشى وأن تخاف أن يصدر منك تصرفٌ ناقص ؛ في الطريق ، وفي عملك ، وفي بيتك ، مع أهلك ، مع أولادك ، مع إخوانك، في المسجد ، تصرُّف قولي ، تصرف عملي ، مظهر ناقص ، خلل في موقفك ، هذا كله من الحياء .

      في نقطة دقيقة جداً اليوم صباحاً سألني عنها أخ : أنه المؤمن مبتلى لكن لماذا هو سعيد ؟ المؤمن سعيد لأنه يشعر أنه على الصراط المستقيم ، وأنه ضمن المنهج الإلهي ، وأن الله سبحانه وتعالى راضٍ عنه ، ليس معنى هذا أن حياته ليس فيها متاعب ، المتاعب لابدَّ منها ، لأن المتاعب تُظهر كماله ، تظهر صبره ، لا يرقى إلا بالصبر ، تظهر حِلمه ، لا يرقى إلا بالحلم ، تظهر إنصافه ، قد يعتدى عليه ، فيأخذ حقَّه من دون أن يزيد عليه ، فلا تتوهَّموا أن الإنسان إذا عرف الله واستقام على أمره أصبح الطريق كله ورود ورياحين ، لا .. لكنك سعيدٌ جداً لأنك تشعر دائماً أن الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض راضٍ عنك ويحبك ، هذا الشعور الدقيق ، تشعر أنك على الصراط المستقيم ، تشعر أنك على هدى من الله ، تشعر أن الله معك ، تشعر أن الله يحبك ، أن الله يؤيدك ، لذلك الأنبياء العِظام ، كانوا كما قال عليه الصلاة والسلام :

" أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ "*

( من صحيح البخاري )

      أصحاب النبي الكرام كانت حياتهم مشحونةً بالمتاعب ، لكن هذه متاعب مقدَّسة في سبيل معرفة الله ، في سبيل عقيدتهم ، في سبيل مواقفهم، في سبيل إرضاء ربهم .

      فكيف يمكن لهذا العبد أن يرقى إلى الرب ؟ شيء دقيق ، ربنا عزَّ وجل خلق هذا المخلوق ، ويريد من هذا المخلوق أن يرقى إليه ، أن يصل إليه ، أن يتَّصل به ، ما السبيل ؟ لابدَّ من أن يخلقه على طبيعةٍ معيَّنة ، ولابدَّ من أن يأمره وينهاه ، افعل ولا تفعل ، لابدَّ من أن يكون هذا الأمر مخالفاً لطبيعته ، ولابدَّ من أن يكون هذا الذي ينهاه عنه موافقاً لطبيعته ، أودع فيه حب النساء وقال له : غضَّ بصرك . لكن هذه الشهوة التي أودعها الله فيه جعل لها قناةً نظيفةً وحيدة ، وليست على مزاجه.

        فهناك شهوة أودعها الله في الإنسان وهناك تكليف ، من معاني التكليف أن فيه كلفة ، يجب أن تغض بصرك ، ومسموحٌ لك فقط أن تستمتع بما أحلَّ الله لك ..

( سورة النازعات )

       أنت بهذا ترقى ، المال ، أودع فيك حب المال ، لك أن تكسبه من طرقٍ شتَّى ، قنن لك الطرق التي يمكن أن تكسب بها المال ، لابدَّ من أن تكسبه من حلال ، وقنَّن لك الطرق التي يمكن أن تنفقه بها ، إذاً أنت لست حراً .

       هذا بشر الحافي أحد كبار أولياء الله ، كان مسرفاً على نفسه في المعصية ، وكان في مجلس خمر ، طُرِق بابه ، فإذا رجلٌ يقول لغلامه : " قل لسيدك إن كان حراً فليفعل ما يشاء ، وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيد ". كانت هذه الكلمة لها وقعٌ في قلبه خطير ، حمله على أن يدع كأس الشراب وعن أن يتبع هذا الذي قال هذا الكلام ، وعن أن يتبعه حافياً . "قل لسيدك إن كان حراً فليفعل ما يشاء ، وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيد  " .

       أي أنك في قبضة الله عزَّ وجل ، أنت إذا قلت في أحد الأيام : الحمد لله ، الأمور ميسَّرة صحتي طيبة . فآلاف الأجهزة تعمل بانتظام ؛ أجهزة عصبيَّة ، وأجهزة دورانية ، وعضلات ، وأعصاب ، فأي خللٍ طفيفٍ في جسمك يقلب الحياة إلى جحيم ، فأنت في قبضة الله . دقِّقوا في قوله تعالى ، يقول الله عزَّ وجل :

( سورة البقرة : من آية 148)

       ما معنى هذه الآية ؟ أي أنت مخيَّر ..

     

هو الإنسان موليها ، أما الشيء الذي يُلفت النظر لماذا قال الله عزَّ وجل :

     

لماذا ؟ لأن هذا الاختيار موقَّت لا تملكه إلى أبد الدهر ، والدليل :

( سورة البقرة : من آية 148)

      أنت الآن مخيَّر ؛ لك أن تطيع أو أن تعصي ، لك أن تفعل الصالحات أو أن تفعل السيئات ، لك أن تصلي أو لا تصلي ، لك أن تحضر مجلس العلم أو تحضر مجلس لهو ، أنت مخيَّر ..

     

صاحبها موليها ، يا عبادي ..

    

لأن هذه الميزة ، هذه الخصيصة ، هذا الاختيار الذي هو سر سعادتكم، وسر ارتقائكم عند ربكم إنما هو موقَّت ، لابدَّ من أن يُسْلَبُ منكم حينما يأتي ملك الموت ، لذلك ..

     

        إذا جاء ملك الموت انتهى الاختيار ، نحن جميعاً ما دام هذا القلب ينبض نتمتَّع بفرصةٍ لا تعوَّض ، أنت الآن مخيَّر تستطيع أن تفعل الصالحات ، تستطيع أن تتوب ، تستطيع أن تستغفر ، تستطيع أن تتقرَّب إلى الله عزَّ وجل ، تستطيع أن تغضَّ بصرك ، تستطيع أن تعيد الحقوق إلى نصابها ..

     

     استبقوا أي أن هذه الفرصة التي مُنِحتموها فرصةٌُ لا تعوَّض ، وهي فرصةٌ موقَّتة لابدَّ من أن ننتهي ..

     

إذاً سر سعادة المؤمن أنه يشعر أنه على هدى من الله عزَّ وجل ..

( سورة طه )

*  *  *

      الآن الحياء . النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

" الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ "*

 (من صحيح مسلم : عن " عمران " ) 

      تستحي ، حياؤك يمنعك من معصية الله ، تستحي أن تمدَّ بصرك إلى ما حرَّم الله ، تستحي أن تأخذ ما ليس لك ، تستحي أن تسُب إنساناً ، تستحي أن تشتم ، تستحي أن تعتدي على أعراض الناس ، تستحي أن تأكل أموالهم بالباطل ، إذاً الْحَيَاءُ كما قال عليه الصلاة والسلام كُلُّهُ خَيْرٌ

      لماذا تحدَّثنا عن الحياء ؟ لأن من حقوق الطريق كفُّ الأذى ، وكف الأذى لن يكون إلا بالحياء ، لأن آخر ما أدرك الناس من كلام النبوَّة ـ كما ورد في البخاري ـ " إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء " .

      لهذا الحديث تفسيرٌ دقيقٌ جداً ، إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء أي عملٍ تزمع أن تفعله زنه بميزان الشرع ، فإذا فعلت هذا العمل وأنت لا تستحي من الله عزَّ وجل في فعلك إياه ، هذا العمل افعله ولا تخشى شيئاً ، إذا لم تستحِ من الله في هذا الفعل فافعل ما تشاء ، هذا المعنى الأول .

       فالبطولة أن تملك الجواب لله عزَّ وجل ، افعل ما تشاء لكن بشرط أن كل موقف ، كل حركة، كل سكنة يجب أن تغطِّيها بجوابٍ صحيحٍ لله عزَّ وجل يوم القيامة إذا سألك ، فإذا وزنت هذا العمل ورأيت أنه يرضي الله ، ولا تستحي به ، فافعله ولا تخف ، إذا وزنت هذا العمل بميزان الشرع ورأيت أنه إذا واجهك الله به لا تستحي ، لماذا ضربت هذا اليتيم ؟ يا ربي أنا ضربته لأنه لو كان ابني مكانه لضربته . هذا ميزان دقيق ، إذاً اضربه ، إذاً أدِّبه . لماذا حرمت زيداً ؟ لأنه ينفق ماله في شرب الخمر يا رب . فأي عملٍ تحب أن تفعله يجب أن تقيسه بالشرع ، فإن جاء الجواب إيجابياً فاصنعه ولا تخشى شيئاً ، هذا المعنى الأول .

      المعنى الثاني : أنه إذا خلا قلب المؤمن من الإيمان ، من لوازم الإيمان الحياء ، فإذا لم يستح الإنسان يفعل أي شيءٍ قبيح ، ما الذي يردعه عن فعل القبيح ؟ حياؤه ، هو لا يستحي ، ما دام لا يستحي إذاً فليفعل كل شيء ..

" إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء " .

      والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

" إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَإِنَّ خُلُقَ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ "*

( من سنن ابن ماجة : عن ابن عبَّاس

      فربَّما تعرف المؤمن من غير المؤمن من حيائه ، من سيره في الطريق ، يغضُّ بصره ، تعامله سنواتٍ طويلةً طويلة لا تستمع منه إلى كلمةٍ تخدش الحياة أبداً ، لو أنه مزح فمزاحه شريف ، مزاحه أديب لا يجرح الحياء ، هناك أشخاصٌ كبار مثقَّفون يحتلون مناصب رفيعة ، إذا دخلت إلى مجالسهم الخاصَّة استمعت إلى مزاحٍ رخيصٍ يندى له الجبين ، هذا الذي لا يستحي ليس مؤمناً ، الحياء من لوازم الإيمان ، الخُلق الصارخ للمؤمن الحياء ؛ في تصرُّفاته ، في جلسته، في مَشيه ، في ثيابه ، في طعامه ، في شرابه ، في ركوبه ، في تعامله مع الناس ، في مُزاحه ، في لهوه ، في مرحه ، في جده ، في عمله ، في بيته في كل هذه المجالات تراه صاحب حياء ..

      يبدو أن أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كان يعظ إنساناً ، فقال له النبي الكريم ـ وأظنه سيدنا الصديق ـ :

" دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ "*

من صحيح البخاري : عن " سالم بن عبد الله "

       أي لا تتعب نفسك ، لو أنه مؤمن لاستحيا ، وما دام لا يستحي فليس مؤمناً .

       تروي سيدتنا عائشة : النبي عليه الصلاة والسلام كان أشد حياءً من المرأة في خدرها ، مرَّةً جاءته امرأةٌ فقالت له : " كيف أطهَّر يا رسول الله ؟ " قال :

" خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ تَطَهَّرِي بِهَا قَالَتْ كَيْفَ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ "*

( من صحيح البخاري : عن صحيح مسلم

       النبي كان حَيياً ، ما تكلَّم كلمةً تخدش الحياء إطلاقاً .

" يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامكِ " .

     ماذا يقول مكان عظامك ؟ حجم ساقيك ، حجم عضدك ، أية كلمةٍ أخرى تثير الشهوة ..

" يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامكِ " .

      ماذا قال الله عزَّ وجل ؟ قال :

( سورة المؤمنون )

       كل أنواع الانحراف الأخلاقي مطويٌ في قوله تعالى :

( سورة البقرة : من آية 43)

      كلمة لطيفة جداً لا تخدش الحياء .

      الحقيقة الإنسان إذا كانت فطرته صافية لم تُطمس بالشهوات ، وكان في حضرة عظيم ، وهذا العظيم كامل ، وهذا العظيم الكامل بيده كل أمره ، وعنده ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وعنده عذابٌ أليم ، إذا كنت في حضرة عظيم فإنك تستحي منه قطعاً .

      فتصوَّر نفسك لك شخص بالأسرة عظيم الشأن ، له مكانة ، أخلاقياته عالية ، عالم جليل وزارك في البيت ، كيف تستقبله ؟ هل يمكن أن تستقبله بثيابٍ مبتذلة ؟ لا ، هل يمكن أن تسبَّ ابنك أمامه بسبابٍ مقذع ؟ لا هل يمكن أن تتمطَّى أمامه ؟ لا ، هل يمكن أن تتجشَّأ أمامه ؟ لا . أنت في حضرة شخصٍ من بني البشر تشعر أنك منضبطٌ في حضرته ، فإذا شعرت أن الله معك دائماً ؛ في خلوتك وفي جلوتك ، في بيتك وفي عملك ، هذا الشعور بمراقبة الله عزَّ وجل هو من ثمار الحياء ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

 "  مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلا شَانَهُ ـ أذرى به ـ وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ " *

من سنن الترمذي : عن " أنس "

      الكلام الفاحش ، والثياب الفاحشة المتبذِّلة ، والتصرُّفات الفاحشة ، والأفكار الفاحشة ، والقصص الفاحشة ..

 "  مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلا شَانَهُ ـ عابه ـ وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ " *

من سنن الترمذي : عن " أنس "

      الحديث الخطير أن الحياء والإيمان قُرنا جميعاً ، فإذا رفُع أحدهما رُفع الآخر ، فلان لا يستحي أن فلان ليس مؤمناً ، فلان ليس مؤمناً لا يستحي، فهناك علاقةٌ ترابطيَّة ، لا يستحي ليس مؤمناً ، ليس مؤمناً لا يستحي ، انتهى الأمر ، فمؤمن لا يستحي مستحيل ، لا يجتمع فحشٌ وإيمان، الحياء من لوازمه الإيمان ، لذلك إذا كان لك صديق ، أو جار ، أو زميل في العمل وفيه حياء توسَّم فيه الخير ، ما دام يستحي ففيه إيمان ، تعهَّد هذا الإيمان ، إذا أردت علامةً صارخةً على إيمان المؤمن إنها الحياء  النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

" الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ "*

( من صحيح مسلم : عن سالم

      هذه من للتبعيض ، أي بعض صفات المؤمن الحياء ، والإيمان في الجنَّة ، والبذاء هذه الكلمات البذيئة ، هذه الكلمات الفاحشة ، هذا المزاح الرخيص ، وصف العورات ، هذا الشيء الذي يندى له الجبين ، الذي تحمرُّ منه الخدود ، الذي يخدِش النفوس ، هذا الكلام المؤذي . "والبذاء من الجفاء ـ ما الجفاء هنا ؟ البعد عن الله عزَّ وجل ، من لوازم البعد هذا الفحش في الكلام ـ والجفاء في النار " . حديثٌ خطير ,,

" الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ "*

( من سنن الترمذي : عن أبي هريرة

       فلو أن الإنسان التقى بك وعاملك يجب أن يعرفك مؤمناً لا من كلامك بل من أفعالك ، يجب أن يعرفك أنك مؤمن ، يقول : مؤمنٌ ورب الكعبة . لأنه فقط حَيي .

       عندنا مقياس دقيق جداً ، هذا المقياس النبي عليه الصلاة والسلام أعطانا إياه ، قال :

" ما أحببت أن تسمعه أذناك فأَتْهِ ، وما كرهت أن تسمعه أذناك فلا تأته ـ فاجتنبه ـ " .

       أتحب أن تستمع إلى إنسان خائن ، أو إنسان كاذب ، أو إنسان له انحرافه ؟ إذا أحببت هذا الذي تستمع إليه فأته ، وإذا كرهته فلا تأته ، هذا مقياسٌ دقيق من مقاييس الحياء .

       الآن الحياء أنواعٌ ثلاث ، الحديث عن الحياء حديثٌ عن كف الأذى في الطريق ، وكف الأذى أحد حقوق الطريق ، هناك حياءٌ من الله عزَّ وجل ، إذا أتيت أمره وتركت نهيه ، اجتنبت ما نهى الله عنه فأنت تسحي منه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

" اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى ـ العينان ، الأذنان ، اللسان ، الخواطر ـ وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ـ أن تأكل طيباً ـ وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى " . إن فعلتم هذا فقد استحيّيتم من الله حقَّ الحياء .

من سنن الترمذي : عن " عبد الله بن مسعود "

      عندنا ميزان دقيق ..

" من لم يكن له ورعٌ يصدُّه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله " .

       البطولة وأنت وحدك ، ,وأنت في البيت لا أحد يطلع عليك ، إذا كانت خلوتك كجلوتك ، وإذا كانت سريرتك كعلانيَّتك ، إذا كنت تخشى الله وأنت منفرداً كما تخشاه وأنت مجتمعاً ، فأنت تستحي من الله حقَّ الحياء .

      النوع الثاني من الحياء : الحياء من الناس . النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

" لا خير فيمن لا يستحيي من الناس " .

      لأن الحياء كل لا يتجزَّأ ، سِمَة الحياء تظهر في حيائك من الله ، وتظهر في حيائك من الناس، وتظهر في حيائك من نفسك .

      الآن لو أنك عملت عملاً فيما بينك وبين نفسك ، وقد لا ينطوي على طاعةٍ أو معصية لكن لا يليق بك أن تفعله وفعلته ، إنك الآن لا تستحي من نفسك ، والإنسان إذا انهارت مكانته عند نفسه اختل توازنه ، شيء كبير جداً أن تنهار مكانتك عند نفسك ، أي إذا فعلت شيئاً متعلِّقاً بالصحَّة ، أو بالنظافة فيما بينك وبين ذاته لا يتفق مع الكمال ، لا أحد يطلع عليك ، ولا أحد يحاسبك ، وقد تكون هذه من المباحات ، لكن تشعر أنك صغيرٌ أمام نفسك .

        إذاً الحياء من الله في طاعته واجتناب نواهيه ، والحياء من الناس في أن تكفَّ الأذى عنهم ، والحياء من نفسك أن تكون في المستوى المطلوب .

      النقطة الدقيقة : الحديث الشهير الذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام :

" لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ "*

(من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " ) 

       لا يمكن ، إنك إذا ربطت الطاعة بثوابها ، وربطت المعصية بعقابها لا يمكن أن تفعل المعصية ، ولا يمكن إلا أن تأتي الطاعة ، ولكن حينما تعزل الطاعة عن نتائجها ، والمعصية عن نتائجها ، إذاً أنت في هذه اللحظة لست مؤمناً ، إذاً :

" لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ "*

( من صحيح البخاري : عن أبي هريرة

      كيف يزني وهو يرى أن الله مطلعٌ عليه ؟ . إنسان أراد أن يزني بامرأة فأغلق كل الأبواب ، قالت له : " إن هناك باباً لا تستطيع أن تغلقه إنه باب الله " . فاستحيى . أي إذا شعرت أن الله يطلع عليك وأنت متلبِّسُ في معصية ، وكانت الفطرة سليمة والإيمان قوياً عندئذٍ تكف عن محارم الله .

      فأساس كف الأذى في الطريق الحياء ؛ في لباسك ، في حركاتك ، في سكناتك ، فأحياناً الإنسان يريد أن يتجاوز دوره ، هناك شيء له دور والله يحس نفسه صغيراً أمام الناس ، فهؤلاء كلهم من بني البشر ، هؤلاء كلهم بشر لهم كرامتهم ، فإذا تجاوزت هذا الصف ونلت شيئاً ليس من حقِّك، المؤمن يستحي أن يتميَّز على الناس ، هذا من الحياء أيضاً ، والحياء له أبواباً كثيرةٌ جداً . إذاً الحياء من حقوق الطريق .

والحمد لله رب العالمين