English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

 الحقوق : حق الطريق  4 / 4 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - قيس بن سعد بن عبادة ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة الأكارم ... لا زلنا في موضوع الحقوق ، ولا زلنا في موضوع حقوق الطريق، ومن آخر حقوق الطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

       قد يتوهم المسلمون توهماً خاطِئاً ، أن العبادات الشعائرية هي كل الإسلام ، وأعني بالعبادات الشعائرية ؛ الصوم ، والصلاة ، والحج ، والزكاة ، فمن صام وصلى وحج وزكى ، فقد أدى كل شيء ، مع أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه العبادات الشعائرية ، جعلها مناسبةً لعروج النفس إلى ربِّها ، على أساس أنها في العبادات التعاملية قائمةٌ بها خير قيام ، فمن توهَّم أن أمر الله عزَّ وجل، يقتصر على الصلاة والصوم والحج والزكاة فقد ضل ضلالاً كبيراً ، الله سبحانه وتعالى حينما يقول :

( سورة آل عمران )

       هذه اللام لام الأمر ، الفعل المضارع إذا سبقه لام الأمر يصبح فعل أمرٍ قولاً واحداً ، وكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، إذاً الأمة بمجموعها مأمورةٌ بنص القرآن الكريم وبآية ذات دلالةٍ قطعية ، أن تأمر بالمعروف وأن تنهي عن المنكر .

       السؤال الدقيق : ما المعروف ؟ المعروف ، ما تعارف الناس على أنه يرضي الله عزَّ وجل، والمنكر ما أنكره الناس ، وأنكره الشرع ، وأنكره الحق ، الإنسان خلق الله له فطرةً سليمة ، الحلال بيِّن ، والحرام بيِّن ، استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك ، و الله كل واحد منا مفتي ، الذي يرضي الله أنت تعرفه تماماً ، يرضيه أن تكون صادقاً ، يرضيه أن تكون مخلصاً ، يرضيه أن تكن وفيَّاً ، يرضيه أن تكون مستقيماً ، يرضيه أن تكون أميناً ، يرضيه أن تزكو نفسك ، يرضيه أن تجتنب المنكرات ، هذا الذي يرضيه .

       الإنسان فطرته السليمة هي التي تحاسبه ، بل إذا حوسب الإنسان إنما يحاسب على فطرته ، الحديث الشريف الذي تعرفونه جميعاً ، لو طبقه الناس لأغلقت المحاكم أبوابها :

" عامل الناس كما تحب أن يعاملوك " .

      عامل هذه الزوجة ، كما تحب أن تعامل ابنتك المتزوِّجة ، عامل هذا الشريك كما تحب أن يعاملك ، عامل هذا الصانع كما تحب أن يعامل رجلٌ ابنك إذا كان عنده صانعاً ، الحلال بيِّن ، الحرام بيِّن ، الفطرة سليمة ، فمن نعم الله الكبرى أكبر معوانٍ لنا ، أن الله سبحانه وتعالى فطرنا فطرةً عالية، فإذا انحرف الإنسان عن طريق الحق ؛ إذا اعتدى ، إذا أخذ ما ليس له ، إذا تجاوز، إذا استعلى ، إذا فعل شيئاً لا يرضي الله تنكره الفطرة ، ينكره ما يسميه اليوم الناس الضمير ، الضمير هو الفطر ، في الإنسان إحساس سليم ، إذا كنت صافياً أنت المفتي ، أنت المقياس .

       طبعاً إذا اختلفت الأمور ، إذا انطمست الفطرة ، إذا علا هذه الفطرة الرَّان ، إذا الشهوات طمست معالم هذه الفطرة ، يأتي الشرع ، الشرع ينطبق على الفطرة ، والفطرة تنطبق على الشرع ، فما هو المعروف ؟ الذي جاء به الشرع ، والذي تقره الفطرة . ما هو المنكر ؟ الذي أنكره الشرع ، وأنكرته الفطرة .

       فدائماً اجعل حساباً فيما بينك وبين نفسك ، لماذا تكلمت هذه الكلمة ؟ لماذا وقفت هذا الموقف؟ لماذا منعت ؟ لماذا أعطيت ؟ لماذا وصلت ؟ لماذا قطعت ؟ الفطرة السليمة مقياسٌ دقيق، لكن لئلا يدَّعي كل إنسان أن فطرته أمرته بهذا ، إذا كانت الفطرة ميزاناً فميزان هذا الميزان هو الشرع، بماذا أمر الله عزَّ وجل ؟ عن ماذا نهى ؟ لذلك :

      

المشكلة أن المجتمع بحاجة إلى تنوير ، بحاجة إلى توجيه ، وهؤلاء الذين سمح الله لهم أن يوجِّهوا الناس ، إما لصدقٍ فيهم ، أو لإخلاصٍ عندهم ، أو لتطلعٍ إلى مرضاة الله عزَّ وجل ، هذا شرفٌ كبير ، هذه صنعة الأنبياء ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يفتح هذا الباب لكل خلقه ، قال :

      

      الباب مفتوح ، وفي غير هذا المجال الأبواب مغلقة ، أريد أن أذهب بعثةً ، نقول : ليس هناك شواغر ، الشواغر ملئت ، هذا يقال عند الناس ، هذا الكلام ينطبق على أنظمة الناس ، لكن عند الله سبحانه وتعالى الأبواب كلها مفتوحة ، الشواغر كلها ميسورة ، فإذا أردت أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر ، فهذه أعلى مرتبة من العمل الصالح ، وأضرب على هذا مثلاً :

       أبٌ غني الحال ، رفيع المقام ، له ابنٌ شارد ، أعظم عملٍ تقدِّمه لهذا الأب أن تأخذ ابنه وتعيده إليه طائعاً باراً ، قد يقول هذا الأب : إنك بهذا العمل أسرتني حتى الموت ، إن هذا الإحسان لا أنساه لك حتى الموت. إذا كانت رحمة الأب بابنه هكذا ، فكيف رحمة الرب بالعبد ؟ فإذا سمح الله لك أن تدلَّ الناس على الخير ..

      

            لاحظ هذه الكلمة ، خير ، كلمة جامعة ، كلمة شاملة ؛ خير الدنيا ، خير الآخرة ، الخير النفسي ، الخير الاجتماعي ، الخير الصحي ، الخير في الدين ، الخير في الآخرة ، السعادة البيتية ، السعادة في العمل .

      

      الخير كله في معرفة الله ، الخير كله في السيَر على منهجه ، الخير كله في مرضاته ، الخير كله في الإقبال عليه ، الخير كله في التقرُّب منه ، الخير كله في خدمة خلقه .

      

     فالمؤمن الصادق إذا امتلأت نفسه بالحق ، هذه النفس ملئت بالحق ، يجد نفسه أنه مدفوعٌ إلى أن ينقل هذا الحق إلى الآخرين ، هكذا الإيمان ، لذلك هذا الذي يقول : أنا ما شأني وما شأن الناس ، مالي ولهم ، إنهم ضالون فاسقون ، فاجرون ، كافرون ، أنا قد هداني الله عزَّ وجل . لا زلت في أول الطريق ، ما دمت قد انسحبت من المجتمع ولم تشعر بمشاعر هؤلاء ، لم تعطف عليهم ، فأنت في أول الطريق ، هؤلاء جميعاً عباد الله ، هؤلاء جميعاً عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله . لذلك هذه الآية لكريمة :

      

لكن كلمة منكم ، هذه من للتبعيض ، أي أن هناك بشرٌ قادرون على نشر الحق ، قادرون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأسبابٍ كثيرة ، لأنهم تعلَّموا ، ولأنهم عملوا بما علموا ، ولأنهم أخلصوا ، فإذا كنت لا تعلم ، وجمعت هذا الشخص الذي ترجو له الخير مع من يعلم فلك أنت أجر الوسيط ، لأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى علمٍ متين ، وإلى عملٍ بهذا العلم ، وإلى إخلاصٍ شديد ، وإلى الشعور بالمسوؤلية ، وإلى تواضع ، وإلى التحلِّي بخلق الأمانة ، هذه الصفات إن شاء الله نمر عليها بدروس قادمة ، إذاً :

( سورة آل عمران )

       لا يتحقق الفلاح في الأمة إلى إذا دعت إلى الخير ، فإذ سمح الله لك أن تدعو إلى الخير فهذه صنعة الأنبياء ، والله عزَّ وجل فقال :

( سورة طه )

       يخاطب في هذه الآية سيدنا موسى ، أي إنه لشيءٌ عظيم أن يعدك الله لخدمة عباده ، أن يعدك لنشر الحق ، والباب مفتوح ، فإذا أردت أعلى أنواع العمل الصالح ، إذا أردت أن تكون عند الله مرضياً ، إذا أردت أن تكون عنده في مقعد صدق ، إذا أردت أن تكون مقرَّباً من الله عزَّ وجل ، إذ أردت أن تكون من السابقين السابقين ، من هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله ، فأمر بالمعروف وأنه عن المنكر ؛ فالإنسان له جيران ، له زملاء في العمل ، له أقارب ، له أصهار ، له أبناء ، له بنات ، له أعمام ، له أخوال ، له جيران ، له أشخاص تعرف إليهم في ظروف معينة ، هؤلاء جميعاً مادتك إلى الله عزَّ وجل ، إذاً الآية الكريمة تأمرنا :

    ولا تنس أيها الأخ الكريم أنك تنتمي إلى أمة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأمة النبي عليه الصلاة والسلام جعلها الله أمةً وسطا ، من معاني هذه الآية أن هذه الأمة جعلها الله وسيطةً بين الخلق وبين الحق ، بمجرَّد أنك تنتمي إلى أمة النبي عليه الصلاة والسلام كأن الله سبحانه وتعالى علم فيك الخير ، فلا تكن إلا في هذا المستوى الذي أنت فيه ، لقول الله عزَّ وجل :

 ( سورة آل عمران : من آية 110)

       هذه الآية يفهمها الناس فهماً مغلوطاً ، لماذا كنتم خير أمةٍ ؟ لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، فما علة الخيرية في هذه الآية ؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذا انطبقت هذه الآية على مجتمع ، أو على أمة ، كذلك تنطبق على فرد ، أي إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، أصبحت بهذه المهمة من خير الناس ، ألا يحب أحدنا أن يكون خير الناس ؟ هذه هي العلة .

       والعلماء يقولون في تفسير هذه الآية : إنكم يا أمة محمد لأن الله سبحانه وتعالى خصَّكم بهذه الرسالة ، أصبحتم بهذه الدعوة خير أمة ، لكن ليس المقصود أمة التبليغ بل أمة الاستجابة ، لأنكم دعيتم إلى الهدى فأنتم مظنة صلاحٍ من قبل الله عزَّ وجل ، فإذا دعيتم ثم استجبتم أصبحتم بهذه الدعوة وبتلك الاستجابة خير أمةٍ أخرجت للناس ، وما ينطبق على المجموع ينطبق على المفرد ، أي إن الله عزَّ وجل عادل ، فإذا استجبت أنت لله عزَّ وجل ، ودعوت إلى الخير ، وأمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، كنت بهذه الاستجابة من خير الناس .

      والإنسان عليه أن يكون طموحاً ، وعلو الهمة من الإيمان ، وهذه الحياة فانية ، والعمر محدود  والوقت ثمين ، والأعمال كلها بأثمانها ، هناك أعمالٌ لا جدوى منها ، وهناك أعمالٌ تافهة..

( سورة الفرقان )

       هناك أعمالٌ سخيفة ، إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها ودنيَّها ، فاسأل نفسك هذا السؤال : مالذي يعنيك وأنت في هذه الدنيا ؟ أيعنيك هدفٌ كبير ؟ أتسعى إلى عملٍ عظيم ؟ أتسعى إلى مرضاة رب العالمين ؟ أتسعى إلى أن تكون من المقربين ؟ أتشعر أن الله يحبك ؟ أن الله ينظر إليك بعين الرحمة ؟ القضية باستقامتك على أمره وبعملك الصالح.

(سورة التوبة )

       الإنسان أحياناً يجد صعوبة في الحديث عن الله عزَّ وجل ، أو في الأمر بالمعروف ، أو في النهي عن المنكر ، لا تصدق أنك بقدرتك وحدك تستطيع أن تحدث أثراً إيجابياً في هذا الإنسان ، لا ، لك أن تعزم على هذا العمل ، لك أن تتجه إليه ، لك أن تتخذ بعض الوسائل ، وانتهى الأمر ، لكن الله سبحانه وتعالى بكرمه العظيم يحدث هذا الأثر الإيجابي في نفس السامع ، فإذا أراد ربك إظهار فضله عليه ، خلق الفضل ونسبه إليك .

      أيها الإخوة الكرام ... هناك من ذاق طعم الدنيا ، هناك من ذاق الطعام والشراب ، وتناول أطيب الأكلات ، هناك من ذاق ما في الدنيا من مباهج حلال ، لكن الذي يذوق طعم هداية الناس هذا الطعم لا ينسى ، أن تشعر أن الله سبحانه وتعالى وظَّفك عنده ، أن تشعر أن الله جعلك مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر ، أن تشعر أن الله خصك بهذا الفضل العظيم ، هذا شعور لا يساويه شعور آخر ، والباب مفتوح ، وأنا أدفعكم إلى ذلك ، فالإنسان يدخل بقائمته أن فلان صديقي فيه خير ، هذا الجار عنده حياء فيه خير ، هذا فلان يحتاج إلى نصيحة ، هذا يحتاج إلى معاونة ، هذا يحتاج إلى توجيه ، هذا يحتاج إلى إكرام ، إذا استيقظت على هموم خدمة الخلق تولَّى الله مصالحك .

" اعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلها "

( من الجامع الصغير : عن أنس)

" مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ "*

( من سنن ابن ماجة : عن عبد الله بن مسعود

      فلذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هذه فريضةٌ بعد الفريض ، بل إن بعض الفقهاء عدَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفريضة السادسة ، كيف أنك تحج والحج فرض ، كيف أنك تزكِّي والزكاة فرض ، كيف أنك تصوم والصيام فرض ، كيف أنك تصلي والصلاة فرض، يجب أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر ، ولكن قبل أن تأمر بالمعروف وقبل أن تنهى عن المنكر ، يجب أن تكون عالماً بالمعروف والمنكر ، يجب أن تكون عالماً بالله ، يجب أن تكون عالماً بشرعه ، يجب أن تكون عالماً بالطريقة المُثلى للأمر بالمعروف ، الطريقة التربوية ، يجب أن تعرف الله أولاً لأنك إذا أمرت بالمعروف تدعو إليه ، تقول : هذا أمر الله ، والله كذا وكذا ، خالق الكون ، صاحب الأسماء الحسنى . يجب أن تعرف الله ، وأن تعرف أمره ، وأن تعرف الطريقة الناجحة ، الطريقة التي سنَّها النبي عليه الصلاة والسلام للدعوة إلى الخير ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

" من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف " .

 

" لَمْ يَدْخُلِ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ "*

( من مسند أحمد : عن أنس بن مالك

      الهدف النبيل له وسيلةٌ نبيلة ، الهدف الشريف له طريقةٌ شريفة ، الهدف العظيم له أسلوبٌ رفيع ، القضية بالتؤدة ، وباللطف ، وبالإحسان ، وبالملاحظة ، وبالذوق ، من أمر بالمعروف فليكن أمره بمعروف .

       أول بندٍ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تكون أنت متمثلاً لهذا الأمر وذاك النهي، حتى تقنع الناس بأنك صادق ، إذا كنت أنت في واد وأمرك في واد هذه ليست دعوةٌ إلى الله ، هذه حرفة ، هذه مصلحة ، هذا تجمُّع ليس على حق ، لن تستطيع أن تأمر بالمعروف إلا إذا أمرت نفسك ، لن تستطيع أن تنهى عن المنكر إلا إذا نهيت نفسك .

      إذا كنت في الطريق لك جار رأيته يأكل مالاً حراماً ، رأيته يتعامل مع الناس تعاملاً محرماً ، رأيته يبيع بضاعةً محرمة ، رأيته يقسو في أسعاره على الناس ، رأيته يستغل حاجتهم لهذه السلعة، إذا رأيت جاراً لك يجب أن يرى منك الكمال ، يجب أن يرى منك الالتزام بأوامر الدين ، إذا رآك في موضعٍ كريم ، إذا رآك في موضعٍ منزَّه عن الانحراف ، إذا تكلَّمت بكلمة لهذا الإنسان فإنه يستجيب لك ، فليس من الكمال أن تجعل نفسك كل همك ، اجعل الناس كل همِّك ، هذا من الفريضة السادسة .

      الآية الأخيرة :

 

( سورة الحج : من آية 40)

       أنت إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فكأنك تنصر دين الله ، إذا فُعِلَت الفاحشة وسكتنا عنها ، الانحراف سكتنا عنه ، هذا سكتنا عنه ، ماذا يكون ؟ يستشري الشر ، فلذلك :

 

( سورة الحج )

       على نطاق البيت :

 

( سورة طه : من آية 132)

       ففي بيتك مأمور أن تأمر ، في عملك مأمور أن تأمر ، في نُزهتك مأمور أن تأمر ، في حِلِّك وترحالك مأمور أن تأمر ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض الواجبة في نص القرآن الكريم .

       الآن ما الوسيلة ؟ أو ما مقومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الآية الكريمة توضح هذه الوسيلة ، يقول الله سبحانه وتعالى :

 

( سورة النحل : من آية 125)

       ما هي الحكمة ؟ وردت الحكمة في بعض الآيات الكريمة :

 

( سورة آل عمران : من آية 164)

      الكتاب هو القرآن ، والحكمة هي السُنَّة ، أما هنا الحكمة لها معنىً آخر ، الحكمة العلم الذي تعمل به ، إذا تعلَّمت ولم تعمل فلست حكيماً ، وإذا عملت ولم تعلم فلست حكيماً ، من هو الحكيم؟ الذي يعمل بما يعلم ، الذي يعلم بما يعمل ، الذي يطبِّق علمه ، يعتقد شيئاً ويفعله ، هذا الذي يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .

      هذا الشيخ الذي زار أحد تلاميذه ، لهذا التلميذ عبدٌ عنده ، هذا العبد قال مخاطباً شيخ سيِّده : يا سيدي لو تأمر سيدي أن يعتقني . فقال هذا الشيخ : أفعل إن شاء الله . مضى الأسبوع تلو الأسبوع والشهر تلو الشهر ولم يستجب هذا السيد ويعتق عبده لأن الشيخ لم يأمره بذلك . حدث أن زار الشيخ هذا السيد مرةً ثانية ، قال له العبد : يا سيدي لو تأمر سيدي أن يعتقني .قال : أفعل إن شاء الله . أيضاً مضى الأسبوع والأسبوعان والشهر والشهران ولم يعتقه سيده ، لأن الشيخ لم يكلمه بذلك . المرة الثالثة لفت نظره ، وبعد أيامٍ جاء سيده وأعتقه .

       بقي سؤالٌ عند هذا العبد : ما دام الأمر لا يكلِّف الشيخ إلا كلمةً واحدة ، فلماذا لم يقل له من وقتٍ طويل ؟ التقى به رابعةً وعاتبه فقال له : يا ولدي لقد أتعبتني ، لقد أرهقتني إنني وفرت من مصروف يومي ما أعتق به عبداً ، بعد أن أعتقت عبداً أمرت سيِّدك أن يعتق عبداً ، فكانت الاستجابة .

       إذا أردت أن تدعو إلى الله عزَّ وجل فعاهد نفسك ألا تقول كلمةً إلا إذا طبَّقتها ، ألا توجِّه توجهاً إلا إذا كنت في مستواه ، ألا تنهى عن شيءٍ إلا إذا كنت أسرع الناس في تركه ، إذا فعلت ذلك فأنت مؤهَّلٌ عند الله عزَّ وجل أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر ، يجب أن تبقى هذه الآية في أذهانكم ماثلة :

 

( سورة النحل : من آية 125)

      هذه الباء للاستعانة :

 

( سورة النحل : من آية 125)

       أنا آكل بالملعقة ، أنا أكتب بالقلم ، الباء للاستعانة :

 

( سورة النحل : من آية 125)

       بماذا ؟

      

       ما الحكمة ؟ أن تتعلم العلم وأن تعمل به . الآن أنت مؤهل ، أن تتعلم العلم وأن تعمل به ، إذاً طلب العلم فريضة ، طلب العلم حتمٌ واجب على كل مسلم ، لأنك إذا أمرت بالمعروف قلت له: هذه حرام . لماذا هي حرام ؟ والله لا أعرف . افعل كذا . لماذا ؟ ما الدليل ؟ لا تعرف الدليل، قالوا : وضع المبلغ في مصرف أجنبي يمكن أن تأخذ عليه فائدة ، هناك فتوى . فهل أنت عندك علم بهذا الموضوع ؟ عندك ملابسات الموضوع ؟ هذا لا يؤدي إلى إضعاف الكفار ، بل يؤدي إلى تقويتهم ، أنت إذا نقلت مالك إلى بلدٍ أجنبي وأخذت عليه ربى ، أنت قوَّيت هذا البلد ، فإذا أردت أن تدعو إلى الله عزَّ وجل يجب أن تعرف بالضبط ما أمر الله عزَّ وجل وما نهيه ، وأن تعرف الدليل ، إذاً إذا قال الله لك :

      

     أي استعن أنت بهذه الدعوة بالحكمة ، الحكمة أن تكون عالماً عاملاً، تعلم واعمل ، تفهَّم وطبِّق ، ادرس ونفِّذ ، فالناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، لو بقيت ساكتاً وكنت مثلاً أعلى لدعوت إلى الله ، قد تستطيع أن تدعو إلى الله وأنت ساكت ، إذا كنت متمثلاً بأخلاق الإسلام ، بمبادئ الإسلام فأنت من الدعاة ، بل إن بلاداً كبيرةً تعدُّ مئات الملايين في شرقي آسيا، بل في جنوبي شرقي آسيا ، أسلمت عن طريق التجار ، عن طريق الصدق والأمانة .

       وأنا أقول لكم دائماً : أنت في عملك تستطيع أن تكون داعيةً صامتاً، إذا كنت صادقاً مع الناس ، إذا كنت مخلصاً ، إذا كنت أميناً ، إذا كنت ورعاً ، إذا كنت عفيفاً ، الناس لهم عيون ، الناس لا يتعلمون بآذانهم ، يتعلمون بعيونهم ، يرونك ؛ يرون ورعك ، يرون عفتك ، يرون صدقك ، يرون أمانتك ، هذا هو الدين .

       أقول لكم دائماً : المبادئ النظرية وحدها لا تكفي ، مهما كان في الإسلام مبادئ نظرية عميقة ، وعليها ألف دليل ودليل ، مبادئ منطقية تطابق الواقع ، تطابق القيَم ، تطابق المنطق حبرٌ على ورق ، ما لم يأتي إنسان ويتمثَّل هذه المبادئ ، إذا تمثَّل الإنسان هذه المبادئ أصبح داعيةً قبل أن يدعو ، قبل أن يقول شيئاً ، فالأب إذا كان في بيته مثالياً صار داعيةً وهو لا يدري ، الموظف إذا كان مثالياً في عمله ، كان مخلصاً صادقاً يخدم الناس ، وإذا ذهب ليصلي أمام زملائه . قالوا : هذه الصلاة تتناسب مع هذه الأخلاق ، هذه الأخلاق من هذه الصلاة . أما إذا كان مؤذياً للناس، يعرقل مصالحهم ، فإذا أذَّن الصبح ذهب ليصلي ويستريح ساعة ، توقع الناس أنت في إشكال ، كيف يصلي ويفعل هذا ؟ كيف يصلي ويأكل المال الحرام ؟ .

( سورة الماعون )

       هو نفسه ، فأنت عندما تخلق للناس مشكلة فكرية ، أنت مسلم تصلي، تصوم ، تحج ، تزكي، ولك أعمال لا ترضي الله عزَّ وجل ، أنت بهذا توقعهم في حيرة ، أنت تهزُّهم ، تبلبلهم ، تشككهم في الدين . من هؤلاء القلة القليلة التي تقول : هذا ليس من الدين ، الدين أرقى من ذلك ؟ هؤلاء قلة ، أما الكثرة يقولون : إذا كان هذا هو الدين فنحن كافرون بهذا الدين . هنا المشكلة .

       الآن بالمقابل ، إذا كان الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر ، متى يفعل الإنسان فعلاً مضاداً لهذا ؟ الفعل الطيِّب أن تتعلم العلم ، وأن تعمل به ، وأن تتخذ الأسلوب الحسن في الدعوة إلى الله ، فهل هناك أناسٌ يفعلون عكس ذلك ؟ المؤمن يقرِّب الناس من الله عزَّ وجل بمنطقه ، بأخلاقه ، بإحسانه ، لكن هل هناك أناسٌ يبعدون الناس عن الله عزَّ وجل ، من هم ؟ هؤلاء الذين لهم مظهرٌ ديني وأعمالهم سيئة ، هنا يكمن الخطر ، إنسان مظنة صلاح ، محسوبٌ على المسلمين ، معروفٌ بين أهله أنه يصلي ، وأنه قد حج ثلاث مرَّات ، واعتمر سبع مرات ، ويرتاد المساجد ، فإذا أكل هذا الإنسان مالاً حرماً ، يا لطيف هنا تقع المشكلة ، أستثني بعض الناس ، هؤلاء المتبصرون ، هؤلاء العميقون ، هؤلاء الذين لا يأخذون الدين من الأشخاص ، الدين عندهم في السماء ، والأشخاص إن طبقوا لهم ، وإن لم يطبقوا فعليهم، لكنني أريد عامة الناس، تجار السوق ، رأوا أحدهم يصلي ، يرتاد المساجد ، فإذا أكل مالاً حراماً ، فإذا كذب ، فإذا انحرف ، فإذا غش ، هذا الإنسان يقف في موقعٍ مضادٍ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هنا الخطر .

       فإذا أردت أن تكون من أفضل الناس فتعلم العلم واعمل به وادعُ إليه ؛ المقابل ، وإذا أراد الإنسان أن يكون أسوأ الناس ، فليتزيَّ بالدين وليكن عمله سيئاً ، إنه يدعو الناس إلى أن يكفروا بالدين ، بالطبع عامة الناس ، لذلك سيدنا علي ماذا قال ؟ قال : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال من هؤلاء الرجال عالمٌ مستعملٌ علمه ، فإذ ضيع العالم علمه ، استنكف الجاهل أن يتعلم ... " الكلمة التي تدور على ألسنة الناس دائماً : هذا يصلي ويكذب ، يصلي ويغش ، هذا ليس دين ، أنا لا أريد هذا الدين . هذا كلام عامة الناس .

       لذلك هؤلاء الذين أسلموا عن طريق الفكر خارج هذه البلاد الإسلامية ، ثم جاءوا إليها ، أنا إذا التقيت بأحدهم أقول له : هنيئاً لك إسلامك قبل أن تعرف المسلمين ، فإذا عرفت المسلمين أغلب الظن أنك لم تسلم ، تجد كذباً ، وغيبة ، ونميمة ، وغشاً واحتيالاً أساليب مقيته ، وهم يصلون ، ويستمعون إلى المدائح النبوية ، ويقرؤون القرآن ، هذا السلوك لا قيمة له عند الله أبداً ، يجب أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى عنك إلا إذا كنت كما يريد ، أما إذا كنت كما تريد وتوهم الناس أنك تحب الله عزَّ وجل ، قد تستطيع أن تخدع الناس جميعاً لأمدٍ قصير ، وقد تستطيع أن تخدع واحداً لأمدٍ طويل ، أما أن تخدع الله وأما أن تخدع نفسك فهذا من المستحيل ..

 

( سورة النساء : من آية 142)

       هذه الآية دقيقة :

      

     استعن لهذه الدعوة بالحكمة  الحكمة أن تكون عالماً عاملاً ، عاملاً عالماً ، أن تعرف  وأن تطبق  .

       الآن عندنا أسلوب ، الآن دخلنا في التربية ، التربية هي الطريقة المثلى لنقل المعرفة ، أنت الآن أمام إنسان متلبس بألف معصية ، فإذا قلت له : هذه معصية ، وهذه معصية ، وهذه حرام . كبر عليه الأمر وترك هذه الدعوة ، ليس من الحكمة أن تنفِّر الناس ، ليس من الحكمة أن تشدد عليهم في بادئ الأمر ، ليس من الحكمة أن تزدريهم ، ليس من الحكمة أن تستعلي عليهم ، ليس من الحكمة والموعظة الحسنة أن تجعلهم يشعرون بالصَغار أمامك ، لا ، الموعظة الحسنة أن تؤثر فيهم بالحسنى لا عن طريقٍ آخر ، إذاً ومن طلب هداية الناس بصدق ألهمه الله الطريقة المُثلى ، الطريقة الآن شيء آخر غير العلم ، أن تكون عالماً عاملاً شيء ، وأن تملك الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله شيءٌ آخر ، أحياناً النبي عليه الصلاة والسلام قال :

" بعثت بمداراة الناس" .

( من تفسير المأثور : عن جابر بن عبد الله)

      هذه الباء للاستعانة أيضاً ، لو قال النبي عليه الصلاة والسلام : "بعثت بمداراة الناس" .

       أصبحت المداراة هدفاً . لا ، المداراة وسيلة ، أنا أستعين على هدايتهم بمدارتهم ، ما هي المداراة ؟ بذل الدنيا من أجل الدين . أما المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا ، إذاً هذا حديث .

" من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف " .

 

( سورة آل عمران : من آية 159)

       حبَّذا إذا قرأ أحدكم القرآن ، أو اطلع على السنة النبوية أن يكتشف الأحاديث التي تبين لك كيف تدعو إلى الله ، أي ما يتعلَّق منها بالنواحي التربوية ، هذه الأحاديث قيَّمة جداً ، إذاً المداراة أحد الأساليب ، هذا الذي تدعوه إلى الله له مشكلة دنيوية يجب أن تحلها له ، يجب أن تعينه عليها، يجب أن يشعر أنك معه ، يجب أن يشعر أن دنياه غاليةٌ عليك ، يجب أن تطعمه أولاً أن تشبعه ، أن تحل قضيته ، هذا الشيء الذي يخيفه يجب أن تزيله عنه ، حتى يرتاح إليك ، حتى يطمئن لك، حتى يحبك ، فإذا أحبك كانت كلماتك كالبلسم الشافي .

      فلذلك الشيء الذي يفتح إليك القلوب ، الشيء الذي يفتح لك الآذان ، الشيء الذي يقرب الناس إليك أن تكون محسناً ، عندك صانع ، وتطمح أن يكون معك في المسجد ـ شيء جميل ـ هذا الصانع إذا أردت أن يكون معك في المسجد وأن تهديه إلى الله عزَّ وجل يجب أن تكون محسناً إليه ، إذا عاملته كأب لك أن تقوده إلى المسجد ، رأى الرحمة ، رأى الإنصاف ، رأى العطف ، إذا عاملته كابنك لم تحمِّله ما لا يطيق ، لم تهن كرامته أمام الناس ، لم تعنِّته ، إذا رأى منك العطف والحنان مال إليك ، فإذا مال إليك مال إلى مسجدك ، إذا دعوته إلى بيت الله لبَّاك ، أما إذا قسوت عليه نفر منك .

       هذا ينطبق على من معك في العمل ، ينطبق على من معك في البيت، من معك في السفر ، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كنت محسناً، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كنت منصفاً ، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كنت متواضعاً ، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كان لك قلبٌ كقلب الأم ، يجب أن تمتص أخطاءهم ، أن تمتص انحرافاتهم ، أن تعفو عنهم ، أن تستغفر لهم ، هكذا قال :

       إذا أخطأ فاغفر له ، الله عزَّ وجل يغفر ، من أنت حتى لا تغفر ؟ أساء ، تكلم بكلمة قاسية، لم يسلم عليك ، فعل كذا وكذا ، من أنت ؟ خالق الكون يعفو، من أنت إن لم تعفُ ؟ لذلك :

( سورة الأعراف )

       يجب أن تعفو ، وأن تعرض ، أن تعفو عمن أساء إليك ، وأن تعرض عن السفية ، حتى تكون مؤهَّلاً لأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر .

      لذلك هذا الدرس موضوعه : كيف تكون آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر ؟ كيف ترقى إلى أعلى عمل يرضي الله عزَّ وجل ؟ أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر ، بل أن تدعو إلى الخير ، والخير كله عند الله ، الخير كله بمعرفة الله ، بطاعته ، بخدمة خلقه ، بالتقرُّب إليه ، بمداومة ذكره ، هكذا ، إذاً :

 

( سورة النحل : من آية 125)

       الأسلوب التربوي الناجح ..

 

سورة النحل : من آية " 125 "

       في بعض الآيات ربنا عزَّ وجل علمنا كيف نكون بهذا المستوى المطلوب ، قال :

( سورة سبأ )

       فأنت كداعية أو كآمر المعروف لا ينبغي أن تضع نفس في موقع عالٍ ، أنت جاهل وأنا سأعلمك . لا ، النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال لقومه ؟ قال :

( سورة سبأ )

      أي ان أحدنا على حق ، والآخر على باطل ، لم يقل : أنا على حق. قال : أحدنا ، فقد وضع نفسه في مستوى خصمه تماماً ، حتى يكون متواضعاً ، وضع نفسه في نفس الموضع .

( سورة سبأ )

       إذا كنتم تظنون أنني بهذا العمل مجرم ، لا تسألون عما أجرمنا ، ولا نسأل ليس عما تجرمون بل عما تعملون . ما هذا التلطُّف ؟ أعمال الكفار جريمةٌ ما بعدها جريمة ، والله عزَّ وجل أمره أن يقول لهم :

وعمل النبي عملٌ عظيم عظيم ما بعده عمل عظيم ، ومع ذلك :

     هذا توجيه قرآني لن تستطيع أن تدعو إلى الله إلا إذا كنت مع خصمك على قدر المساواة ، بل قل له : أنا على خطأ وأنت على صواب والمناقشة بيننا ، والدليل بيننا . لن تستطيع أن تهدي الإنسان إلا إذا تواضعت له ، لن تستطيع أن تهديه إلا إذا أحسنت إليه ، إلا إذا أكرمته ، إلا إذا أحبك من كل قلبك ، لذلك يجب أن تتعلم كيف تكسب ود الناس .

       النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي مع أصحابه ، دخل رجل لحق بهم  فأحدث جلبةً وضجيجاً في المسجد ، وظن أصحاب النبي أن النبي عليه الصلاة والسلام سيعنِّفه ، لكن عندما انتهت الصلاة قال :

" زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ "*

( من سنن النسائي : عن ابا بكر

       فقد عَدَّ هذا العمل حرصاً منه (زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ )، فأقول لكم: من ذاق عرف ، من ذاق طعم هداية الخلق ، وطعم خدمة الخلق حباً بالحق عرف معنى ما أقول ، فإذا أردت أن تفعل هذا فالطريق مفتوح ، والشواغر مفتوحة ، وفضل الله يتسع لكل عباده ، والحديث الشريف ، هذا كلام النبي، سيدنا سعد كان يقول : " ثلاثةٌ أنا فيهن رجل وما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ؛ ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى .. " .

       يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد من حديث معاذ ، وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد ، أنه قال لعلي :

" يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمر النعم "

       الرواية الثانية :

" ... خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس "

       الرواية الثالثة :

" .... خيرٌ لك من الدنيا وما فيها "

       هذا كلام النبي . أي أن أعظم عملٍ تفعله في الدنيا ، لو أنك ملكت الدنيا من كل أطرافها ، تكلمنا مرة بالدرس : واحد يملك محلاً في شارع مهم جداً المتر بخمسمائة ألف ، إذا كانوا محلين، إذا كانوا خمسة محلات ، إذا كان الصف بكامله له ، أرضي وعلوي ، إذا الصفين، إذا  شارعين ضخمي