English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

رقم الدرس           :  21 / 100  ، لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

تاريخ الدرس         :  26 / 08 / 1991

موضوع الدرس      :  مدارج السالكين : الافتقار .

تفريغ                 :  محمد وسام عودة .

مراجعة الشريط مع النص والتدقيق : الآنسة عفاف الجزائري

تنقيح نهائي        :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

                                   

          أيها الأخوة الأكارم .... مع الدرس الواحد والعشرين من دروس منازل السالكين في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين و منزلة اليوم منزلة الفقر .

          أيها الأخوة الأكارم .. " من عَرَفَ نفسهُ عَرَفَ ربه " ، الإنسانُ أولُ صِفةٌ من صفاتِهِ أنهُ مُفتقرٌ إلى ربهِ ، فإذا استغنى عن ربهِ فقد وقعَ في شرِّ أعمالِهِ ، لذلك .. حقيقة العبودية هي الافتقار إلى الله عزّ وجل ، حقيقة الإنسان هي أنهُ فقير ، حقيقة هذا المخلوق الذي سخرَّ الله لهُ الكونَ من أجلهِ أنهُ مُحتاجٌ إلى اللهِ في كلِّ شيء . فلذلك حينما يغيبُ الإنسانُ عن هذه الحقيقة ، حينما يغفلُ عنها ، حينما يظنُ نفسهُ على خِلافِ ما هوَ عليه فقد وقعَ في جهلٍ كبير .

          يا اخوة الإيمان .. تعريف الجهلِ في أبسطِ تعاريفهِ أنهُ ما خالفَ الواقع ، يعني إذا قُلت هذا إبريق ماء هذا الكلام فيهِ جهل ، إذا قلت هذا كأس حليب وهو ماء هذا الكلام فيهِ جهل ، ما تعريفُ الجهل ؟ ما كانَ خِلافَ الواقع . فأنتَ لكَ واقع ، لكَ واقع راهن ، حقيقة   صارخة ، شِئتَ أم أبيت ، أحببتَ أو كرهت . أن تتوهم أنكَ على خِلاف ما أنتَ عليه فأنتَ قد وقعتَ في جهلٍ كبير .

          بالمناسبة ... ما تعريفُ العِلم ؟ إدراكُ الشيء على ما هو عليه بدليل ... إذا رأى الطبيب أنَّ ارتفاع الحرارة وارتفاع الضغط مؤشرانِ لمرضِ كذا وكانَ ارتفاع الضغطِ وارتفاع الحرارة مؤشران على مرضٍ آخر فإذا شخّصَ مرضاً غيرَ المرض الذي يُعانيه المريض فهذا التشخيص فيه جهل  .. يجبُ أن نعلمَ ما الجهل . في مراتٍ سابقة عرّفتُ العِلمَ بأنهُ علاقةٌ ثابتة بينَ شيئين مقطوعُ بصحتها يؤكدّها الواقع عليها دليل .

          علاقةٌ بينَ شيئين يعني قانون ، كلُّ المعادنِ تتمددُ بالحرارة مقطوعٌ بصحتها لو لم يكن مقطوعاً بصحتها لكانَ الوهمُ والشكُ والظن ، يؤكدها الواقع .. لو لم يؤكدها الواقع لكانت جهلاً ، عليها دليل .. لو لم يكن عليها دليل لكانت تقليداً .. ما التقليد ؟ حقيقةٌ تفتقرُ إلى دليل ، ما الجهل ؟ ما خالفَ الواقع ، ما القطع ؟ ما كان بعيداً عن الشكِ والوهمِ والظن ... هذا هو العِلم ... فيجب أن نعلم ، يجب أن نعتقد أنَّ العِلم : إدراكُ الشيء على ما هوَ عليه ، فَهمُ هذه الآية كما أرادها الله، حُكمُ هذه القضية كما جاءَ بهِ رسول الله ، حقيقة الكون ، حقيقة الإنسان ، حقيقةُ الحياة الدنيا ، حقيقةُ ما بعد الموت ، ما قبلَ الموت كذا ، حقيقةُ المال لهُ دورٌ معين ... يعني ... إذا أدركتَ كلَّ شيء على ما هو عليه فأنتَ عالِم ،َ عالِم لكن لو أردتَ أن تُحدّثَ الناسَ بهذا الشيء لطالبوكَ بالدليل .

        إذا أدركتَ كلَّ شيء على ما هو عليه ومعكَ الدليل فأنتَ عالِم . ويا حبذّا لو أنَّ دِماغنا أو فِكرنا أو عقلنا كما يقول الناس محشوٌ بالحقائق . المشكلة أن تجد رجلاً دماغهُ محشوٌ بالأباطيل ، بالأوهام ، بالخرافات ، بالجهل .. الجهل  شيء .. قد تفهمُ الجهلَ فهماً بسيطاً ، قد تفهمُ الجهلَ عدمُ المعرفة .. لا .. الجهل معرفة لكنها مغلوطة ، الجاهل إنسان يعلم لكن يعلم أفكاراً ومقولات لا علاقة لها بالواقع . يعني إذا أردتَ أن تُلقي ماءً معَ مِلح في طريقِ زوجٍ لعلهُ يُحبُ زوجتهُ .. هذا جهل لأنهُ لا علاقة أبداً بينَ هذا وذاك . في أحد عُلماء دمشق الأكارم توفي رَحِمهُ الله له كرامات كثيرة فجاءهُ أحد طُلاب العِلم وقال له يا سيدي أرجوكَ رجاءً حاراً أن تأخذني إلى الحج .. أن تدفُعني .. هو يظنُ هذا الأخ أن هذا الشيخ لهُ كرامات فإذا دفعهُِ صارَ في مكة وفي مكة يوفّر نفقات السفر ورسوم الدخول وما إلى ذلك ثم يجذِبهُ إلى الشام ، فلما طلبَ منهُ هذا الطلب نظرَ إليه رآهُ جاهلاً ، قالَ له غداً تعالَ إليّ ، أخذهُ إلى التكية السليمانية وأمرهُ أن يحلِفَ يميناً بالطلاق ألا يقولَ لأحدٍ ما سيجري معهُ وحلفَ هذا اليمين وأوقفهُ على حافة البحرة الكبيرة في هذا المسجد ودفعهُ إلى الماء . ... إذا هناكَ إمكان أن تنفي عن ذهنكَ كُلَّ الجهل ، ما معنى الجهل .. معلومات غلط ، نحنُ أُمةُ محمد صلى الله عليه وسلم مرحومة .. شيء جميل .. إذاً : لنفعل ما نشاء .. هذا هو الجهل ..

عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلا فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فِيهِ قَالَ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي *

          إذا تعلّقتَ بِفكرةِ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يشفعُ لكَ وأنتَ واقعٌ في ذنوبٍ كثيرة .. فهذا جهل .. هذا جهل .

          إذاً : هذا الذي أرجوه في هذا الدرس أن تعلم أنَّ حقيقة العِلم : إدراكُ الشيء على ما هو عليه بدليل ، وأنَّ طبيعة الجهل إدراكُ الشيء على خِلافِ ما هوَ عليه . أبسط مثل : أنتَ عِندكَ مركبة ، قيل لكَ هذا الضوء الأحمر في علبة السُرعة إذا تألّق معنى ذلك أنهُ يُسليك .. للتسلية .. وحقيقةُ هذا الضوءِ الأحمر أنهُ إذا تألّق فهناكَ خطرٌ كبير يجب أن تقف فوراً وأن تضع الزيت في المُحرك . فإذا قُلتُ لأحدِكم هذا الضوء يتألّق للتسلية ليكونَ زينةً للسيارة .. زينة أثناء الطريق ... قد يتألق ... هذا الكلام فيهِ جهل ، فإذا أمكنكَ أن تنفي عن معلوماتك وعن معتقداتك وعن تصوراتك وعن أفكارك وعن مقولاتك كلَّ ما له علاقةٌ بالجهل فأنتَ بطل .

          لذلك : إذا أردتَ الدنيا فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتَ الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهُما معاً فعليكَ بالعِلم . هذه المُقدّمة أردتُ أن أصل إلى أنَّ لكَ طبيعة ، أن ترجو هذه الطبيعة أو أن لا ترجوها ، أن تُحبّها أو أن لا تُحبها ، أن ترضى عنها أو أن لا ترضى عنها .. بحثٌ آخر .. أمّا أنتَ لكَ واقع .... واحد عندهُ بيت ، هذا البيت المتوافر في هذا الوقت أعجبكَ لم يُعجِبُك ، كبير صغير ، مُشرق مُظلم ، أُجرة مُلك . .. هذا البيت يجب أن توفّق أغراضكَ وفقَ هذا البيت .

          الآن : أنتَ لكَ حقيقة أعجبتكَ أم لم تُعجِبك ، رضيتَ عنها لم ترض عنها ، أنتَ عبدٌ لله، مُفتقرٌ إلى اللهِ في كلِّ شيء ، لا تملِكُ شيئاً.

 

(سورة آل عمران)

          دِماغك مُلك الله عزّ وجل ، وأنتَ معك دكتوراه بالفيزياء من أعلى جامعة في أمريكا .. ربنا عزّ وجل يعمل تعديلاً طفيفاً ..  تُصبح  مجنوناً . لستَ مالِكاً لدماغك ، ولستَ مالِكاً لقلبك ، ينبض بإحكام والدسامات مضبوطة ، لستَ مالِكاً لرئتيك ، لستَ مالِكاً لعضلاتك لأعصابك . " قل اللهم مالِكَ المُلك " كلُّ شيءٍ يُملّك .. الله سبحانهُ وتعالى مالِكهُ .. هذه حقيقة .. إذا أيقنتَ بها تجد نفسكَ مُنساقاً إلى الله عزّ وجل لأنهُ لا وجودَ لغيرهِ .. يعني .. يدُ من تعمل في داخل الأعصاب ، لو أنَّ نقطة دم تجمدت في بعض الشرايين في الدِماغ .. في هذا المكان شلل ، في هذا المكان ذهاب عقل .. في هذا المكان ذهاب ذاكرة ، بيد الله عزّ وجل . فهناكَ حقيقةٌ صارخةٌ هي موضوع هذا الدرس . ما هذه الحقيقة ؟ هوَ أنكَ مُفتقِرٌ إلى الله في كلِّ شيء والله عزَّ وجل قادِرٌ على كلِّ شيء .. راكب طائرة تُحلّقُ بهِ على ارتفاع ثلاثٍ وأربعين ألف قدم فوق أوروبا .. احترقت الطائرة في الجو وتصدعت وسقطت ومات جميع ركابِها عدا راكباً واحداً . أُيعقل أن تحترق طائرة على ارتفاع ثلاثٍ وأربعين ألف قدم فوق غابات الألب في أوروبا وأن ينجوَ أحدُ رُكابِها ، هذا الراكب كانَ مقعدهُ مكان تصدع الطائرة عندما تصدعت وقع ، نزلَ على خمسة أمتار من الثلج مكدسّة فوقَ أغصان من السرو هذه الأغصان مع خمسة أمتار ثلج كانت كالوسائد التي امتصت هذه الصدمة فنزلَ واقفاً .

          " قل اللهم مالِكُ المُلك " وأعرفُ رجلاً آخر يعني .. بعيداً عن الدينِ بُعداً كبيراً مُسرفاً في المعاصي .... لسببٍ تافهٍ جداً وهو في أوجِ حياته وأوجِ نشاطهِ وأوجِ جبروتهِ قبضهُ الله عزّ وجل . .. أراد أن يُعدّل مكان جهاز كهربائي على الحائط فرفعهُ قليلاً فلما اضطر أن يستعمِلهُ طلب كرسياً .. هذا الكرسي وقف عليه فدخل في مقعدهِ .. أُخذَ إلى مستشفى فبقيَّ فيها خمسةَ عشرة يوماً وتوفي في المستشفى .. يعني سبب تافه جداً جداً . الله أنقذ إنساناً وقع من طائرة على ارتفاع ثلاثٍ وأربعين ألف قدم وهذا لهذا السبب التافه قبضهُ الله عزّ وجل .

          يجب أن تعلم أنكَ فقير .... الله عزّ وجل لأتفه الأسباب يُعطيكَ كلَّ شيء ، ولأتفه الأسباب يأخذُ مِنكَ كلَّ شيء ... برغي في جهاز في السيارة ما كان مشدوداً فالزيت نَزل من هذا المكان الجهاز اضطرب ، اختل ، توقفت السيارة ، خرج صاحِبُها ليتفقد الخلل ، ضربة شمس قضت عليه .. يعني .. هذا الصانع لو أنهُ ضبط هذا البُرغي لما مات فـ " قل اللهم مالِكُ المُلك " مُفتقر إلى الله في كل شيء .

          هذا هو التمهيد لهذا الدرس ، يعني في حقيقة واقعة هكذا أرادها الله ولكن قبلَ كلِّ شيء. لماذا أرادَ الله أن نكونَ فقراء ..؟.. هُنا السؤال.  

          الحقيقة الأولى أنتَ فقير معنى فقير أي مُفتقر هُناك الفقر الذي أراده الله في بعض الآيات:

 

(سورة التوبة)

          هذا موضوع آخر ، موضوعٌ آخر بعيد عن درسنا كُلَّ البُعد ، لكن حينما قال الله عزّ وجل :

 

(سورة فاطر)

          الأصحاء والأقوياء والأغنياء والأذكياء .... كلُّ الناس .... قويّهم و ضعيفهم ، غنيهم وفقيرهم ، كبيرهم وصغيرهم ، ذكيهم و غبيّهم ، وسيمُهم وذميمُهم ، " يا أيها الناسُ أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني"  بهذا المعنى أنتَ فقير . الآن السؤال : لماذا أنتَ فقير ..؟.. سِرُّ سعادتنا أن نكونَ فقراء لأننا إذا افتقرنا إلى الله أقبلنا عليه فإذا أقبلنا عليه سَعِدنا بِقُربِهِ ، أما إذا استغنينا عنهُ شقينا باستغنائِنا عنه . فلما ربنا عزّ وجل قال :

 

(سورة النساء)

           .. يا عبادي أنا خلقتكم ضعفاء كيّ تحتموا بيّ ، كي تُقبِلوا عليّ ، كي تلتجئوا إليّ ، كي تستنجدوا بيّ، كي تستعينوا بيّ ، ولو أنيّ خلقتكم أقوياء لاستغنيتم بقوتكم فشقيتم باستغنائكم .

          أول فكرة : هناكَ حقيقةٌ راهنة يجبُ أن تقبلها .. اقبلها أو لا تقبلها .. هي حقيقة لابدَّ من أن تستوعِبها . الفكرة الثانية : أنتَ فقير . الفكرة الثالثة : أنتَ فقير لمصلحتك ، لمصلحة سعادتك ، لمصلحة دينك، لمصلحة دُنياك ، لمصلحة آخِرتك ، لمصلحة إقبالِك .

          فكلمة الفقر بمعناها الشائع ليست مُرادة في هذا الدرس ، إنسان دخلُهُ أقلُّ من مصروفِهِ، إنسان يُعاني ضيقَ ذاتِ اليد ، إنسان يحتاج إلى مساعدة .... هذا هوَ الفقير عِندَ الناس . أما عِندَ علماءِ القلوب وأنتَ في أعلى درجات الغِنى فقير .. ربنا عزّ وجل أحياناً يُرسل للإنسان مُصيبة لا يستطيع دفعها ولو أنهُ يملك أموالَ الدنيا ،  كُنتُ مرة عندَ طبيب قلب جاءه هاتف أمامي من رجل يبدو أنهُ من أغنى الأغنياء بعدَ أن انتهت المكالمة الطبيب أخبرني عن ذلك ، قالَ المُتكلّم للطبيب يا أيها الطبيب إلى أيّ مكان نأخذهُ لأنه ما في أمل قال ندفعُ أيَّ مبلغٍ مهما بلغ قال ما في أمل قال نأخذهُ إلى أرقى بلدٍ في العالم قال ما في أمل المرض من الدرجة الخامسة وأيّ إنسان إذا أراد أن يستأصلهُ لابدَّ من أن ينمو مباشرةً ، أنا شعرت والله اقشعرَّ بدني .. شعرت أنَّ هُناكَ مصائب لا يحُلها المال ولِتملك ما تملك . إذاً أنتَ فقير فالذي معهُ مال وظنَّ نفسهُ بالمال يحل كل مشكلة معناها جاهل ..  موضوع الورع والتقوى .. معناها جاهل ، معلوماته غلط ، هناكَ مصائب لا يَحُلها المال مهما كانَ وفيراً ، أنتَ قوي ... ربنا عزّ وجل قادر  في حالات يُمرّغُكَ في الوحل ، يُذيقكَ ألوان الهوان وأنتَ قوي . أحبّ أحدهم أن يعقد قبل يومين مؤتمراً صحفياً وثاني يوم انتحر .. وزير الداخلية .. وأنتَ في أعلى درجات القوة ، ثاني يوم في أدنى درجات الضعف .... فإذا قلت أنا قوي فأنتَ جاهل، القوي هوَ الله عزّ وجل . إذا قلت أنا لي شكلٌ وسيم ، حادث واحد ، يشوهك ، هُناك أطباء للتجميل هُناك زرع جلد هناك ..... الجمال يذهب فجأةً والقوة تذهب فجأةً والمال يذهب فجأةً .

          في رجل .. له قصة تكاد لا تُصدّق .. رجل كرهَ الإقامة في هذا البلد ، ففكر وخطط وصمم ، باع معملهُ ومحله التجاري وباع بيتهُ وباع سيارتهُ وجمّعَ هذه الأموال وحوّلها إلى بلدٍ يعني حيثُ البحبوحة والرخاء ليشتري البيت الفخم ويعيش بالفوائد ، حيث نوى أن يضع مبلغاً ضخماً في المصرف فوائدهُ تكفيهِ لأعلى درجات الإنفاق ، لغلطة بسيطة في إيداع المبلغ أودعهُ باسم مستعار لليوم التالي هذا الإنسان أدركَ أنَّ هذا المبلغ لهُ صار في اليوم التالي قال ليسَ لكَ عِندي شيء . فَقَدَ ثروتهُ كُلَها في تصرفٍ أحمق . فأنا أُركّز على أنكَ فقير يعني أنتَ بقوتكَ مُفتقر إلى الله، وأنتَ قوي مُفتقر ، دعكَ من الضعيف .. وأنتَ قوي مُفتقر ، وأنت غني مُفتقر ، وأنتَ صحيح مُفتقر ، ودائماً  .. في حِكمة أرادها الله عزّ وجل أنهُ إذا الإنسان مُختص بأحد فروع الطب ويعتدّ باختصاصه ويعتني بصحتهِ عنايةً بالغة ، اعتدادهُ بعِلمهِ ونسيانهُ أنهُ فقير شيء غريب أنَّ بعضَ الأطباء المُتخصصين بأمراض الهضم يُصابون بقرحة في المعدة ، بعض أطباء المتخصصين بأمراض معينة يُصابون بالأمراض نفسها .. لماذا ..؟.. لأنَّ الإنسانَ فقير فإذا ظنَّ أنهُ غيرُ فقير أدّبهُ الله عزّ وجل . لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام :

     مِنْ مأمَنِهِ يؤتَى الحَذِرُ ، هذا المثل يُرْوَى عن أكْثَمَ بن صيفي التميمى، أى أن الحَذَرَ لا يدفع عنه مالا بد له منه، وإن جَهِدَ جَهْده، ومنه الحديث "لا ينفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ".

          إذا أردتَ أن تكونَ أقوى الناس فتوكل على الله ، إذا أردتَ أن تكونَ أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثقُ منكَ بما في يديك .

        معنى الفقر العام الشائع بين الناس إنسان دخلهُ أقل من مصروفهُ يحتاج لمساعدة ... هذا المعنى لا يعنينا في هذا الدرس إطلاقاً  يعنيناً قولهُ تعالى :

 

(سورة فاطر)

          الحقيقة .. الإنسان متى يشعر بافتقاره ؟ هُناكَ طريقان : إمّا أن تعرِفَ الله عزّ وجل وإمّا أن تعرِفَ حقيقةَ نفسك ، والمعرفة لها ثلاث طُرق : إمّا أن تتأمل .. وإمّا أن تقرأ .. وإمّا أن تنظر . التأمل في الكون ، أخالِقُ هذا الكون ضعيف ؟ لا والله قوي ، الكون يُنبِئُكَ ببعضِ الحقائق وأفعالُ الله عزّ وجل تُنبِئُك ، أفعال الله عزّ وجل دائماً وأبداً يُريكَ الله لأفعالِهِ آياتٍ باهرات ، يُريكَ غنيّاً افتقرَ فجأةً ، ويُريكَ فقيراً اغتنى ، يُريكَ قويّاً أذلّهُ الله ، يُريكَ ضعيفاً أعزّهُ الله ، ألم تقل جاريةٌ في قصر العزيز حينما رأت يوسفَ عليه السلام كيفَ كانَ عبداً في قصرِ العزيز ثمَّ كيفَ صارَ عزيزَ مِصر حينما رأتهُ في موكِبهِ قالت : سُبحانَ من جعلَ العبيدَ ملوكاَ بطاعتهِ ومن جعلَ الملوكَ عبيداً بمعصيته .

          الحقيقة .. في درسٍ سابق بيّنتُ أنَّ الإنسان بإمكانهِ أن يكشِفَ الحقائق من خِلال التجارب ولكن متى ؟ بعدَ فوات الأوان . إذاً لا قيمة لها ، في الثمانين أُدرك أنهُ القضية الفولانية هكذا . نحنُ إذا تعلّمنا العِلم ، نحنُ إذا فَهِمنا كلامَ ربّنا ، نحنُ إذا فَهِمنها سُنّة رسول الله ، نعرِفُ الحقائق في وقت مُبكّر ، نستفيدُ منها . لذلك دعاني اليوم في صلاة الفجر أن أٌبيّن هذه الفِكرة : أنه حينما قالَ فِرعون آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، حينما أعلنَ فِرعون إسلامهُ في نص القرآن الكريم وقالَ وأنا من المُسلمين . فِرعون الذي قالَ أنا ربكم الأعلى ، فِرعون الذي ذبّحَ أبناء بني إسرائيل ، فِرعون الذي استحيا نِساءهم ، فِرعون الذي قال ما أرى لكم من إلهٍ غيري ، هذا فرعون .. هذا الطاغية .. ما الذي دعاهُ إلى أن يؤمن بأنهُ لا إلهَ إلا الله حينما أدركهُ الغرق وأن يقولَ بالحرف الواحد: وأنا من المسلمين . استنبطت من هذه الآية أنَّ الموضوع ليسَ أن تؤمن أو أن لا تؤمن ، ليسَ هذا هو الموضوع ، الموضع أن تؤمن في وقت مناسب أو غير مناسب أو بعدَ فوات الأوان فقط ، هذه كلمة دقيقة جداً أقولُها لكم : الموضوع أيها الأخوة ليسَ أن تؤمن أو أن لا تؤمن .. لا والله ما هكذا الموضوع .. الموضوع لابدَّ من أن تؤمن والدليل : أكفرُ كُفّارِ الأرض آمن ولكن متى آمن بعدَ فوات الأوان ، بعد أن لا ينفعهُ إيمانهُ ، آمنَ وقد أمضى حياتهُ في معصية الله. فأُعيد عليكم هذه المقولة ليسَ الموضوع أن تؤمن أو أن لا تؤمن هذه مُعادلة   مغلوطة ، الموضوع إمّا أن تؤمن في الوقت المناسب وإما أن تؤمن في الوقت غير المُناسب ، إمّا أن تؤمن قبلَ فوات الأوان وإما أن تؤمن بعدَ فوات الأوان لأنَّ فِرعون آمن وأسلم لكنَّ الله عاتبهُ قال :

 

(سورة يونس)

          أيُّ طالِبٍ إذا دخلَ الامتحان وأخفقَ في الإجابة يخرج من الامتحان يفتح الكتاب .. والله ... عَرَفَ الجواب ، متى عَرَفَ الجواب ..؟.. بعدَ فوات الأوان . يأخذ الصِفر وقد عَرَفَ الجواب. قضية زمن . فنحنُ قضية إيماننا بالله قضية زمن فقط إمّا أن نؤمن ونحنُ أصحاء أشداء أقوياء في مُقتبلِ حياتنا حتى نستفيدَ من إيماننا ، وإمّا أن نؤمن بعدَ فوات الأوان بعدَ أن لا ينفعُ الندم . فمرة ثانية : عوّد نفسك أن تتعامل مع الحقائق وحاول أن تنزع من ذاكِرتكَ ومن ذهنكَ كل خرافة وكل جهل ، الجهل معلومة غلط ، الجهل مقولة غلط ، الجهل تصور غلط ، الجهل إدراك غلط ، الجهل فلسفة غلط ، يعني قد تحمل أعلى شهادة في الأرض وهناك في الذهن آلاف المعلومات المغلوطة .

          أول فكرة  .. عوّد نفسك أن تتعامل مع الحقاق لا مع الخرافات ، لا مع الأوهام ، لا مع الشكوك ، لا مع الظنون ، لا مع التقليد لا مع فكرةٍ بِلا دليل .

          الفكرة الثانية : أنتَ لكَ حقيقة ، لكَ واقع ، يعني أنتَ معك مركبة قوتها 5 حصان ، عندك بضاعة 5 طن متألم ندمان .... بحثُ آخر ، هذه المركبة لا تحمل إلا خمسمائة كيلو ، هذا واقع ، فإمّا أن تُحملّها ما لا تُطيق فتُصيبُها بالخلل وإمّا أن تتعامل معها تعاملاً واقعياً . أنا ما أرى أنَّ المُسلم إنسان خيالي ، ولا إنسان حالم ، ولا إنسان مُخرّف  ولا إنسان عايش في أوهام ، دائماً أهلُ الدنيا يشمئزون من كل تجاوز للواقع .. لستَ واقعيّاً .. يُكشّر .. لستَ واقعيّاً . أنا أقول لكم : المؤمن الحق في أعلى درجات الواقعية .. واقعي .. أنت أيها الإنسان فقيرٌ إلى الله .

          ..... في إنسان بأحد المصحات العقلية .. يعني في مهجع رقم6، هذا المهجع والعياذُ بالله بدرجة متطورة جداً لا يُبقي على جِسمهٍ ثياباً كما خلقهُ الله ، ويأكل من بِرازهِ .. شيء لا يتصور .. إنسان له أجهزة ودماغ وشرايين وأوردة وعضلات وأعصاب وعضلات قوية يتحرك ويأكل ويتكلّم لكن في خلل في عقله فصارَ يأكلُ بِرازهُ ...وحدثني أحدُ من أثِقُ بهِ أنَّ له قريبةً يضعونها على سرير ويربطونها بأربطة ليمنعونها من أكلِ بِرازها .

          أنتَ فقير إلى الله .. فقير في عقلك ، فقير في عضلاتك ، لمّا قالَ النبي عليه الصلاة والسلام :

عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا ولا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا *

          يعني كل عَظَمة الإنسان إن كانَ له عَظَمة متعلقة بعمل أجهزتهِ فلو توقفت كليتاه عن العمل .. هُنا المُشكلة .. انقلبت حياتهُ إلى جحيم ، لو انسدّت قناةُ العين فسالَ الدمعُ من على خدهِ و خرّشَّ خدهُ حياتهُ جحيم ، إذا أُصيب جهاز التوازن في الأذن الوسطى بالعطب يقع لا يقف .. جهاز التوازن .. أنت لولا هذا الجهاز تحتاج إلى قاعدة استناد 60 - 70 سم والدليل انظر إلى النماذج البشرية في المحلات التجارية دقق في الأرض ترى لها قاعدة استناد 70سم .. التمثال الذي يُلبسونه الثياب .. بائعو الثياب الجاهزة عِندهم تماثيل هذه التماثيل من أجل أن تقف تحتاج إلى قاعدة استناد قطرها 70سم ، فأنتَ لِحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل جعلَ لكَ قدمين صغيرتين لطيفتين تتناسبا مع قِوامك بفضل جِهاز التوازن .. جهاز التوازن ثلاث قنوات فيها سائل فيها أهداب لمّا الإنسان يميل فيتحرك السائل ويبقى مستوى السائل ولمّا القوس مال فيمس الأهداب فيتحسس الإنسان ويأخذ الاحتياط .. هذا سِر ركوب الدراجة أساساً لولا جهاز التوازن لا يستطيع إنسان ركوب دراجة  ، فأنتَ مُفتقر إلى الله ، مُفتقر إلى الله بمادة أودعها الله في عينيك تمنع التجمد لو ذهبت إلى فلندا إلى الدائرة القطبية بإمكانكَ أن تضعَ على عينيك كمامات لتحميهما من البرد .. مستحيل .. لابد من أن ترى طريقك وهذا السائل مُلامس للجو الخارجي أودعَ الله فيكَ هذه المادة ..  إخواننا الأطباء جزاهم الله عنّا كلَّ خير حينما درسوا الطِب وجدوا أنَّ حياة الإنسان تقوم على آلاف الشروط .. على آلاف .. الغدة النُخامية ملكة الغُدد الصماء .. ملكة .. لو أصابها خلل ، الغدة الدرقية لو أصابها خلل ، الكظر .. الإنسان شاهد أفعى صورة الأفعى انطبعت على الشبكية في الشبكية صار في إحساس 130 مليون مخروط والعصب البصري 900 ألف عصب نقل الصورة إلى الدماغ والدماغ أدرك بحسب المفهومات .. المفهومات بحث قائم بذاته .. الطفل حينما يحبو يرى أفعى لا يخافُ منها يُخيفهُ أبوه منها يُنبأ أنها مؤذية دخل المدرسة من خلال تعاملهُ مع الواقع ينشأ عندهُ مفهوم الأفعى .. فإذا رأى الأفعى استحضرَ هذا المفهوم فخافَ منها ، لمّا خاف الدماغ أبلغ النظام الهرموني وعلى رأسهِ الملكة وهي الغدة النُخامية أبلغها أنَّ هُناك خطراً ، الغدة النُخامية تُبلغ الكظر غُدتان فوق الكُليتين ، الكظر يُرسل أربع أوامر هرمونية مباشرةً ، أول أمر يُرسِلهُ إلى القلب يُسرع كان النبض 80 صار 180 - 150 من أجل أن يسير الدمُ سريعاً إلى العضلات ، هرمون ثان يضيق لمعة الأوعية لأنَّ الإنسان ليسَ بحاجة إلى شكل وردي بحاجة إلى دم للعضلات كي يهرب أو كي يُقاوم ، هرمون ثالث يُسرّع الرئتين ، هرمون رابع يطرح كميات سُكر في الدم جديدة ... وأنتَ لا تدري ... فأنتَ مُفتقر في أجهزتك إلى آلاف الأجهزة عشرات الأجهزة والغُدد الصمّاء ، يعني مرض السُكر ما هو : يعني البنكرياس يفرز مادة الأنسولين ، الأنسولين تساعد على احتراق السُكر في درجة 37 .. إذا قلّت هذه المادة يحتاج إلى حُقن أنسولين ..

          المُشكلة أنَّ هُناك حقيقة لابدَّ من أن تتعاملَ معها أعجبتكَ أو لم تُعجِبك ، قَنِعتَ بها أو لم تقنع بِها ، رضيتَ بها أو لم ترض ، إنكَ فقير إلى الله . لهذا قال بعضُ العارفين بالله :

وما لي سوى فقري إليك وسيلة                  فبالافتقار إليك فقري أدفع

ومالي سوى قرعي لبابك حيلة                   فإذا رددت فأي باب أقرع

أنتَ بالافتقار إلى الله غني  أول فكرة أن تتعامل مع الحقائق ، ثاني فكرة اعلم عِلمَ اليقين أنكَ فقير أيّ مُفتقر أيّ مُحتاج ، الفكرة الثالثة لماذا جعلكَ الله فقيراً كي تُقبِلَ عليه كي تستعينَ بهِ كي تلجأَ إليه كي تسعدَ بقُربِهِ ، الفكرة الرابعة أنكَ إذا كُنتَ مُفتقراً إلى الله فأنتَ الغني . إذا كُنتَ مُفتقراً في قوتك إلى الله فأنتَ القوي . هذه أهم فكرة الذي يشعر بالغِنى ؟ من كان له اعتماد على جِهة غنيّة جداً ، يعني طالب في بجيبه ليرة وطالب ليسَ بجيبهِ ولا قرش لكنَّ له أب لو طلب منه مليون لأعطاه أيهما أغنى ؟ حسب الظاهر الأول معه ليرة والثاني لا يملك ولا ليرة أمّا الأول ليسَ لهُ أب يتيم معهُ هذه الليرة فقط أمّا الثاني ليسَ في جيبهِ ليرة لكنَّ له أب يملك مئات الملايين وهو يُحبهُ حُباً جمّاً يطلُبَ منه يعطيه ما يشاء .

    إذا الله عزّ وجل أفقر إنساناً أو حرمهُ شيئاً ، لا يُلقينَّ في روعِهِ أنَّ هذا إهانة لهُ . موضوع دقيق جداَ مستنبط من قولهِ تعالى :

 

(سورة الفجر)

          الله قال كلا .. لماذا قالَ كلا ؟ كلا أداةُ ردعٍ ونفي يعني ليسَ إعطائي لكم إكراماً وليسَ حِرماني لكم إهانةً .. عطائي ليسَ إكراماً ومنعي ليسَ حِرماناً .. عطائي ابتلاء وحرماني دواء . القاعدة الأساسية الذهبية : أنَّ كلَّ شيء آتاكَ الله إياه لا يُمكنُ أن يُسمى نِعمةً إلا إذا استخدمتها في طاعة الله ، فالمال تعريفهُ في علم العقيدة ابتلاء .. أنفقتهُ في طاعة الله صارَ نعمة .. أنفقتهُ في معصية الله صارَ نقمة ، الزوجة نعمة ؟ لا .. تزوجتها حملتها على طاعة الله أصبحت نعمة .. تركتها وشأنها تفسد وتُفسد هي نقمة .. لذلك إيّاك أن تقول لإنسان آتاه الله مالاً هنيئاً لكَ .. لا تقل له هنيئاً لكَ إلا إذا رأيتهُ يُنفقُ هذا المالَ في طاعة الله،  لا تقل لإنسان يتمتع بقوة جيدة هنيئاً لك .. لا تقل له هنيئاً لك إلا إذا استخدمَ هذه القوة في طاعة الله ، هذه قاعدة أساسية : كلُّ حظوظ الدنيا بدءاً بالمال ومروراً بالصحة والذكاء والجمال والقوة .. هذه الحظوظ هي في نصِّ القرآن الكريم ابتلاء .. " فأما الإنسان إذا ما ابتلاهُ ربهُ فأكرمهُ ونعمّهُ فيقول " هو هذه مقولته " ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدرَ عليه رِزقهُ فيقول " هو " ربي أهان كلا " لا هذا صحيح ولا هذا صحيح ليسَ عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء وحرماني دواء .

          يعني .. أيها الإنسان إذا ابتلاك اللهُ بشيء لا تشعر بالهوان .. الله منع عني .. وأعطى غيري .. الله لا يُحبني ..لا .. اشعر أنَّ الله يُحبُك ولأنهُ يُحبُكَ ابتلاك وفي الحديث الشريف :

 "إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه" قيل: وما اقتناه؟ قال "لم يترك له أهلا ولا مالا" أخرجه الطبراني من حديث أبي عتبة الخولاني

          وقال بعض العلماء : الفقر والغِنى ابتلاء من الله لعبدِهِ كم قال الله تعالى " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربهُ فأكرمهُ ونعمّهُ فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدرَ عليه رِزقهُ فيقول ربي أهانن كلا " أي ليسَ كلُّ من وسّعتُ عليه وأعطيتهُ أكون قد أكرمته ولا كلُّ من ضيقتُ عليه وقتّرتُ عليه أكونُ قد أهنتهُ فالإكرام ... هنا ... طيب ما هو الإكرام ؟ .

          الآن : الله عزّ وجل نفى أن يكونَ إعطاؤهُ المال أو الصحة أو القوة أو الذكاءَ أو أي شيء آخر إكراماً ، ونفى أن يكونَ الحرمان من هذه إهانةً ، ليسَ إكراماً في توافرها وليسَ إهانةً في تقتيرها .

          إذاً : ما تعريف الإكرام ..؟.. من هو المُكرّم ..؟.. من يذكر آية واضحةً وضوح الشمس جليّةً جلاءَ النهار تؤكد أنَّ الإكرام هو كذا .

 

(سورة يوسف)

          الجواب :

 

(سورة الحجرات)

          المُكرّم هو الطائعُ للهِ عزّ وجل ، إذا أردت أن تعرف من هوَ المُكرّم حقيقةً ، إذا رأيتهُ مستقيماً على أمر الله . ليسَ الوليُّ من يطيرُ في الهواء ولا من يمشي على وجه الماء ولكنَّ الوليَّ كلَّ الوليّ من تجدهُ عِندَ الأمرِ والنهي .

          قبلَ أن نختمَ الدرس هُناك حقائق لابدَّ من ذِكرِها .

          أولاً : الافتقار إلى الله في ظاهِرهِ تذلل تجد رجلاً متعجرفاً أنا فعلتُ كذا أنا قادر أن أُنفق كذا أنا قادر أن أُمرّغَ به الوحل .. ممكن .. هذا الموقف فيه استغناء واستعلاء ومعظم المقطوعين عن الله عزّ وجل لابدَّ من أن تلمحُ في سلوكهم هذا الاعتزاز والغرور والاستعلاء والغطرسة والعُنجهية .. القصة التي تعرفونها جميعاً  لمّا أحد الملوك اسمه جَبَلةَ ابن الأيهم جاء سيدنا عمر مُسلماً في أثناء الطواف داس إزاره أحد الأعراب من فزارة بدوي فالتفت نحوه وهشمه بضربة أصابت أنفه فاشتكى إلى عمر رضي الله عنه فجاء طلبَ هذا الملك كان ملك الغساسنة قال له أ صحيحٌ يا ابن أيهم ما ادعى هذا الفزاريُّ الجريح ؟   قال : لستُ ممن يكتمُ شيّاً أنا أدّبتُ الفتى أدركتُ حقيّ بيديَّ ، قال أرضي الفتى لابدَّ من إرضائه ما زال ظِفرُكَ عالقاً بدمائهِ أو يُهشمنَّ الآن أنفُك وتنال ما فعلتهُ كفُك ، قال : كيفَ ذاكَ يا أمير هو سوقةٌ وأنا عرشٌ وتاج كيفَ ترضى أن يَخِرَّ النجمُ أرضاً ، قال له عمر : نزوات الجاهلية ورياح العُنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناسُ أحراراً لدينا وعبيداً ، قالَ كانَ وهماً ما جرى في خَلَدي أنني عِندكمَ أقوى وأعز أنا مرتدٌ إذا أكرهتني ، قال : عُنقُ المُرتد بالسيفِ تُحزّ عالمٌ مبني كلُّ صدعٍ فيه بشبى السيفِ يداوى وأعزُّ الناسِ بالعبدِ بالصعلوكِ تساوى   

          هذا موقف ... فالإنسان لمّا يأخذ موقفاً فيه استعلاء وتكبّر وغطرسة وعنجهية وعرض عضلات وتجبّر يبدو للناس أنهُ قوي وعزيز يأتي المؤمن يأخذ موقفاً آخر موقف التواضع والإستكانة إلى الله عزّ وجل موقف الاعتراف بالضعف موقف الاعتراف بالتقصير .. يعني تواضع . طيب .. أيُهُما أحبُّ للنفس ؟ هنا سُئِل أحد العلماء قال : الفقر له بداية وله نهاية وظاهر وباطن ، بدايتهُ التذللُ إلى الله ونهايتهُ العِزُّ بالله .. الاعتزازُ بالله .. ما في إنسان تواضع لله كرسول الله دخلَ مكةَ فاتحاً وقد أخرجتهُ وأصحابهُ وائتمرت على قتلهِ ونكّلت به وبأصحابهِ، دخلها فاتحاً كادت ذؤابة عِمامتهِ تُلامِسُ عُنُقَ بعيرهِ تواضُعاً لله عزّ وجل ، ولا أعلمُ مخلوقاً على وجه الأرض نالَ عِزّاً وشرفاً كرسول الله .

          فإذا أنت مُفتقر لله عزّ وجل فيما يبدو للناس .. درويش هذا درويش ، متواضع زيادة .. إذا كُنتَ مُفتقراً إلى الله عزّ وجل هذه بدايتُك أمّا نهايتُك أنتَ العزيز ، أنتَ رفيعُ الشأن ، أنتَ مرهوب الجانب ، أنتَ الذي يهابُكَ الناس ... فقال : بدايتهُ التذللُ إلى الله ونهايتهُ العِزُّ ، ظاهِرهُ العُدم .. تجد .. قد تملك ألوف الملايين وأنتَ فقير ، أنتَ من خوف الفقر في فقر ، ومن خوف المرض في مرض ، وقد لا تملكُ شيئاً وأنتَ غني

          لذلك النبي الكريم قال : " أنتَ من خوف الفقر في فقر " .

          يعني .. توقّعُ المصيبةِ مصيبةٌ أكبرُ منها .

          إذاً : ظاهِرُ الفقرِ العُدمُ وباطِنهُ الغِنى ... طيب سؤال ... إذا الإنسان افتقر إلى الله ما الذي يحصل ..؟.. إنهُ يستغني بهِ ، وإذا استغنى بهِ صارَ أغنى الأغنياء ، من هوَ الغنيُّ الحقيقي..؟.. هو المُفتقر . لهذا أروعُ كلمة قالها الإمامُ عليُّ كرّمَ اللهُ وجهه قال: الغِنى والفقر .. وسكت .. قال : بعدَ العرضِ على الله . لا يسمى الغنيُّ غنيّاً الآن ، ولا الفقيرُ فقيراً ، غني غِنى طارئاً لسنواتٍ معدودة ، وفقراً طارئاً ، لكنَّ الغِنى الحقيقي أن تُطيعَ الله وتأتيهِ يومَ القيامةِ ناجيّاً من عذابه فقال الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله .

          قالَ بعضهم : إذا صحَّ الافتقارُ إلى الله تعالى صحَّ الاستغناء بهِ لن تستغنيَّ بهِ إلا إذا افتقرتَ إليه ، إن لم تفتقر إليه لا تستغني بهِ ، لا يَصِحُ استغناؤك إلا إذا افتقرتَ إليه وإذا صحَّ الاستغناءُ بالله عزّ وجل كَمُلَ غِناك .

        أعلى درجات الغِنى أن تكونَ في أدنى درجات الفقر . هذه من المُفارقات .

          سُئِلَ بعضُهم : أ نفتقرُ إلى اللهِ أم نستغني بهِ ..؟.. فقالَ : كِلاهُما .. كِلاهُما .. يجبُ أن تفتقرَ إليهِ أولاً حتى تستغني بهِ ثانياً .

إذا كُنتَ في كُلِ حالٍ معي فعن حملِ زادي أنا في غِنى .

كُن مع الله ترى الله معك واترك الكُلَّ وحاذر طمعك

وإذا أعطاكَ من يمنعهُ ثمَّ من يُعطي إذا ما منعك

          أحد العلماء قال " غداً لا يوزنُ الفقرُ والغِنى ولكن يوزنُ الصبرُ والشُكر " .     

          فلذلك حقيقةٌ يجب أن نعترفَ بها في الأساس تعامل مع الحقائق وإيّاكَ كمؤمن أن تتعامل مع الأوهام أو الخرافات أو الجهل ، وما الجهل ؟ هو اعتقادٌ مُخالفٌ للواقع ، ما العلم ؟ إدراك الشيء على ما هو عليه  بدليل ، ما الجهل ؟ إدراكُ الشيء على خِلاف ما هو عليه بلا دليل فالتعامل مع الحقائق ، ثانياً هناك حقيقةً صارخة وهيَ أنكَ مُحتاجٌ إلى الله في كلِّ شيء ، الحقيقة الثالثة أنَّ الافتقارَ لمصلحتك لو أنَّ الله جعلكَ غنيّاً لاستغنيتَ بغِناكَ عن الله فشقيتَ باستغنائك ، جعلكَ مفتقراً إليه كي تكونَ مفتقراً مُقبِلاً مُلتجئاً مُعتزّاً حتى تسعدَ بهذا .

          الفكرة الأخيرة : الغِنى الحقيقي طريقهُ الافتقار إلى الله وهذا هو حجمُكَ الحقيقي ، ورَحِمَ اللهُ عبداً عَرَفَ حدّهُ فوقفَ عِندهُ .

 

والحمد لله رب العالمين

* * *

Copyright © 2007 Nabulsi