English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

تربية الأولاد في الإسلام – 16 / 51 : التربية الاجتماعية : بر الوالدين ،  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                 

 الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين ، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيُّها الإخوة الكرام ... لازلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعية ، واليوم ننتقل إلى موضوعٍ جديد ، وهو أنّ الأب أو المربي مكلّفٌ أن يعرّف أبناءه أو تلاميذه الحقوق الأساسيّة التي عليهم أن يَرعَوها .

فمن أولى هذه الحقوق : حقُّ الأبوين ، وحقُّ الأرحام ، وحقُّ المعلِّم  وحقُّ الرفيق ، وحقُّ الكبير .

كنا في الدروس الماضية نتحدّث بشكلٍ عام عن وسائل التربية الاجتماعيّة ، ولكننا اليوم ندخل في موضوعٍ خاص ، أي أنّ المربّي ينبغي أن يعلّم وأن يربّي وأن يغرس في نفس تلميذه أو في نفس ابنه إذا كان أباً ، أن يغرس فيهم مراعاة هذه الحقوق الأساسيّة .. وقبل أن أخوض في تفاصيل هذا الموضوع ، أُريد أن أقف وقفةً قصيرة عند سؤالٍ طرح عليّ قبل يومين حول فلسفة التربية .. نحن لماذا نربّي أبناءنا ؟

السؤال الأوّل هو أنّ الإنسان في الأصل يتعلّم ذاتيّاً ، ولكن إذا تركنا الإنسان يتعلّم ذاتيّاً ماذا يحصل ؟

قد يمضي كلّ حياته وكلّ عمره دون أن يصل إلى الحقيقة الكاملة يصل إلى بعضها ، وأحياناً ترى شخصاً وهو في السبعين من عمره أو في الثمانين أو في الستّين يقول لك : الآن عرفت ، عرفت أنّ المال ليس كلّ شيءٍ في الحياة ، عرفت أنّ المرأة ليست كلّ شيءٍ في الحياة. متى عرفت ذلك ؟ بعد فوات الأوان .

الإنسان أحياناً عن طريق التجربة قد يعرف الحقيقة ، أو لا يعرفها ، أو قد يعرف بعضها ، وأحياناً يعرف الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان ، وأحياناً لا يبقى في حياته ثانية يستفيد من هذه الحقيقة التي عرفها .

لذلك كانت التربية .. التربية يلقّن هذا المربّىَ أو هذا التلميذ أو هذا الابن تجارب الأمم السابقة ، هذه التربية العاديّة ، لكنّ التربية الإسلاميّة يلقّن هذا المربّىَ الحقائق القطعيّة الصحيحة التي وردت من عند خالق الكون .

فمثلاً قبل حين كان الأطبّاء يقولون : إنّ زيت الزيتون يسهم في رفع نسب الكوليسترول في الدّم ، ويرفع أيضاً نسب الشحوم الثلاثيّة ، وقد ينصحون النّاس بعدم الإكثار من زيت الزيتون ، الآن في السنتين الأخيرتين ثبت لدى الأطبّاء أنّ زيت الزيتون هو الذي يحافظ على مرونة الأوعية والشرايين وهو الذي يساهم في نقاء هذه الأوعية من الترسُّبات .. مرّة يقولون : افعلوا ، ومرّةً : لا تفعلوا ، هذا هو العلم التجريبيّ يصيب ويخطيء .

أمّا النبيُّ الكريم يقول : كلوا الزيت وادّهنوا به .

لا ينطق عن الهوى .. هذا الكلام ليس عن تجربه ، هذا عن وحي لا ينطق عن الهوى ، فالعلم أحياناً يقدّم لك شيئاً ثمّ يكتشف أنّه خطأ .. إنّ هذه المادّة مسرطنة .. أحياناً يقول لك لا بدّ لك من أن تشرب عصير الفاكهة ، ثمّ يقول لك : لا ,, حينما لا تأكل السيلولوز الذي في الفواكه فإنّ هناك أخطار كبيرة تصيب الجهاز الهضمي ، فلا بدّ من هذه المادّة السيلولوزيّة التي تمتص الشحوم والدهون وتعين على حركة الأمعاء وتقلل بقاء الطعام في الأمعاء ، وكلّ إنسانٍ لا يأكل في اليوم كذا غرام من السليلوز فهو مهدد بأمراض وبيلة تصيب الأمعاء .

مرّة كلوا ، ومرّة لا تأكلوا ، مرّة عصير ومرّة فواكه حقيقيّة ، مرّة دعوا زيت الزيتون ، ومرّة كلوا زيت الزيتون ، هذا التناقض ماذا يعني ؟

يعني أن العلم التجريبيّ قاصر ، العلم التجريبي قاصر ، لكن إذا قلنا أنّ الإنسان يتعلّم ذاتيّاً، فهذا كلام صحيح إلى حدٍ ما لأنّه لا يوجد في الحياة من ليس له تجارب .. ويقول لك : هذه لن أعيدها ، وهذه تلقيت درساً لا ينسى ، لكن هذه الدروس التي يتلقّاها الإنسان من خلال التجارب والممارسات ، هذا الدروس لا تكفي ، أولاً هي دروساً عشوائيّة وخاضعة للصدف ، وقد تجدي وقد لا تجدي ، لكنّك إذا تلقّيت خبرة الأجيال السابقة عن طريق التربية العاديّة الطبيعيّة معنى ذلك أنّك أضفت إلى خبراتك خبرة ألف عام .

مثل بسيط .. لو أردنا أن ننشيء معملاً للطائرات ، من أين نبدأ؟ هل نبدأ من تجربة العبّاس بن فرناس ، أم من تجربة أحدث طائرة مصنوعة الآن ؟ هذه الطائرة التي صنعت حديثاً فيها خبرات مائة سنه أو مائتي سنة ، كلُّ المشكلات قد حُلّت ، فنحن إذا أردنا أن نبني طائرة الآن نستقدم هذه الخبرات الجاهزة ، ونضيف عليها ، أمّا أن نبدأ من الصفر فهذا عمل أحمق .

ذكر لي أخ كريم كان في جامعة ، فقدّم خمس موضوعات لأطروحة الماجستير .. هو يرى أنّ هذه الموضوعات فريدة ولم يسبق إليها ، هذه الموضوعات أُدخلت في الحاسوب فجاء الجواب على الشاشة : كُّلها مطروقة .. ابحث عن غيرها . وهذا شيء لطيف جدّاً أن تكون كلّ الجامعات مرتبطة بحواسب بحيث أنّ كلّ الأطروحات التي يختارها الطلاب تدخل في الحاسوب بحيث أنّ الطالب إذا أراد بحث موضوع لا يبذل جهداً غير مجدياً ، هذا الموضوع درس .. ابحث عن موضوعٍ جديد ، بل إنّ هناك من أخبرني أنّ بعض الجامعات تقول لك إنّ هذا البحث قد درس ووصل إلى هذا المكان ، فإذا كنت على هذا الموضوع مصرّاً فمن هنا ابدأ ، وتابع من هنا ، وبهذه الطريقة تنمو العلوم بشكل سريعٍ جداً .

فالإنسان عندما يأخذ خبرات الآخرين معنى ذلك أنّه يتقدّم سريعاً هذه هي علّة التربية .. علّة وجودها ، أنّها تنقل للأجيال الحاضرة خبرات الأجيال الماضية .

فبكل فرع .. مثلاً باللغة العربيّة أين وصل علم النحو ؟ وصل إلى مستوى رفيع جداً ، وهذه كلّها خبرات الأجيال السابقة ، نعلّم الطلاب النحو والصرف والبلاغة والعروض والشعر والنثر في الآداب ، في الطّب كذلك ، وفي الفيزياء والكيمياء وفي الفلك والرياضيّات ، هذه هي التربية .. التربية أن تقدّم خبرات مكثّفة لإنسان مبتديء .

لا زلت أُفرّق بين التربية العاديّة ، والتربية الإسلاميّة ، التربية الإسلاميّة فيها وحي .. ومعنى وحيّ : أنّه من عند الخالق .

فأنت أحضر آلة معقّدة وقم بفكّها ، وحاول أن تفهم طريقة بنائها وطريقة عملها ، تجدك تخطيء وتصيب ، هذا هو العلم التجريبيّ ، لكنّك إذا التقيت بمخترعها ومصممها ، أعطاك نشرة أنّه صممها هكذا ، وكلّ قطعة في هذه الآلة هذه وظيفتها ، هذا العلم الذي تأخذه من صانع الآلة علم قطعي ، لأنّه علم المصمم ، علم الصانع .

فيا أخي الكريم .. أنت إذا أردّت أن تربي ابنك تربيةً إسلاميّة فمعنى ذلك أنّك لقنته المنهج الذي من عند الخالق ، أنت الآن تضمن لهذا الابن السلامة في كلّ المجالات ، والنقطة الدقيقة وأنا أُلحُّ عليها أنّك إذا نفّذت أمر الله تقطف ثماره ولو لم تعرف وجه عظمته ، والدليل سهل جداً، ممكن لإنسان أن يركب أرقى سيّارة ويستفيد من كلّ ميزاتها وهو لا يعلم كيف تعمل ، ممكن أن تستفيد من مكيّف ولا تعلم كيف يعمل ، ممكن أن تستفيد من حاسوب ولا تعلم كيف يعمل ، فالانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به .

فنحن عندما نربّي أبناءنا على تطبيق المنهج الإسلامي فلو أنّ هذا الابن طبّق المنهج فقد أخذ كلّ ثمراته ، علم وجه عظمته أو لم يعلم ، أدرك أو لم يدرك ، وضع يده على دقائقه أو لم يضع ، أُصدق .. فالصادق يقطف ثمار صدقه ، كن مخلصاً ، فالمخلص يقطف ثمار إخلاصه ، كن أميناً ، فالأمين يقطف ثمار أمانته ، غضَّ بصرك ، غاضُّ البصر يقطف ثمار غضّ بصره .

فلنفرّق بين إنسانٍ يتعلّم ذاتيّاً .. فقد ضربت مثلاً لأحد إخواننا كان عندي في البيت قبل قليل.. أنّ شخصاً رأى قنبلة ، فتساءل في نفسه هل ياترى هذه قنبلة أم ليست قنبلة ؟ فإن كانت قنبلة فهل يا ترى منزوعة الفتيل أم غير منزوعة الفتيل ؟ فأراد أن يكشف الحقيقة بنفسه فاقترب منها وأمسكها وحرّكها ، فانفجرت ، ففي أقلّ من عشر الثانية يدرك أنّها قنبلة ولكن لم تُبقي له في الحياة ثانيةً واحدة ليستفيد من هذا الدرس .

أحياناً الإنسان يسقط في المخدّرات ، وبعد ما سقط لا يوجد عنده مجال أن يخرج منها .. يتألّم ويصبح مقهوراً ولكن قد انتهى الأمر ، أحياناً يسقط في الخمر ، أو يسقط في الزنا ، فقد انتهى وهو يرتكب هذه المعصية ويذوب من شدّة الألم ، لكنّه قد أدمن عليها ، ولكن انتهى الأمر، فالمشكلة أنّ الإنسان لو تعلّم ذاتيّاً ، لا ينجو من أخطار كبيرة ، ومتى يكشف الحقيقة ؟ يكشفها بعد فوات الأوان ، ويكشفها ولم تبقِ له الحقيقة ثانية واحدة من حياته ليستفيد منها .

لذلك لو رأيت الذين يموتون وهم على المعاصي ، لعرفت أنّ فيهم من الألم الذي يعتصر قلبهم الشيء الكثير ، ويقول : لم يخبرني أحد ولم يعلمني أحد .. والآن لو علمته علم عادي نقلت له خبرة الأجيال فالآن توجد أجيالٌ بكاملها ضالّة .. فخبرات الأجانب ، خبرات كلّها مادّية ، قيمهم مادّية ، قيمهم أساسها : القوي يأكل الضعيف ، يحاسبون أنفسهم ضمن بلادهم حساباً دقيقاً جداً ويسمحون لأنفسهم أن ينتهبوا حقوق الشعوب فكما قال الشاعر :

       قَتل امرىءٍ في غابةٍ       جريمةٌ لا تغتفر

       وقتل شعبٍ آمنٍ ...        مسألةٌ فيها نظر

أي يبنون أمجادهم على أنقاض الشعوب ، هذه هي التربية الغربية ، القوي يأكل الضعيف، الذكي يستغلُّ الغبيّ ، الغني يستغلُّ الفقير ، الأقوى هو الذي ينتصر ، هذا أساساً مجتمع الغابة.

فنحن لا نسمح لأبنائنا أن يتعلّموا ذاتيّاً لأنّه ربّما عرفوا الحقيقة بعد أن يدمّروا ، كما أنّه لا نسمح أن نعلّمهم التعليم العاديّ هذا التعليم مبني على أسس غير صحيحة ، مبني على تجارب لا على حقائق ، مبني على اتجاهات علمانيّة ، اتجاهات دنيويّة ، ليس مبنيّاً على حقيقة من عند خالق الكون، لذلك تربية الأولاد التربية الإسلاميّة أساسها الوحي ، أساسها تعليمات الصانع ، شيء دقيق جداً .

فأنت عندما يكون لديك جهاز معقّد جداً لا يمكن أن تسأل إنساناً عاديّاً مع احترامي لكلّ المهن ، فلو عندك جار بائع للخُضار وهو على مستوى من الأخلاق العالية وخلوقٌ ، فهل تسأله عن كيفيّة عمل هذا الجهاز؟ لا .. فإنّك لا ترتاح إلا للصانع ، إلا إذا كان يوجد مندوبٌ للشركة وزارك في المكتب وأعطاك التعليمات أو قرأت التعليمات .

فأنت بالتربية الإسلاميّة أنت بحاجة إلى الوحي الذي جاء به النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو الذي يبيّن ، ومرّةً ثانية أقول لكم : قد لا تتوقعون أنّ في الإسلام منهجاً للتربية كاملاً .. والله الذي لا إله إلا هو لو أمكن للآباء أن يتذوّدوا بخصائص التربية الإسلاميّة ، وتوجيهات النبيّ عليه الصلاة والسلام وأن يلقنوها أبنائهم لكان مجتمع المسلمين في وضعٍ آخر غير هذا الوضع .

فالشّاب مثل العجينة ، فإذا لم يوجد أب عالم ، ولا يوجد أم مؤمنة إيماناً عالياً ، ولا يوجد مجتمع مثقّف ثقافة دينيّة فتجده يتحرّك حركة عشوائيّة .

الآن ندخل في صميم الدرس .. من مهمّة المربي أو الأب ، أو المعلّم أن يلقِّن .. أحياناً الأب ينزعج من ابنه ، ويقول : ابني ليس فيه أدبٌ .. فهل أنت قد علّمته ، هل بيّنت له حقّ الأب، وبيّنت له ماذا ينبغي أن يفعل ، وبيّنت له ماذا ينبغي أن يقول ؟ لم تبيّن له ، لذلك قالوا :

لا معصية بلا تكليف .

هذه قاعدة ثمينة .. فلهذا الجامع يوجد ثلاث أبواب ، فإذا لم يوجد تكليف ولا بيان فواحد قد خرج من هذا الباب وآخر من الباب الثاني والثالث من الباب الثالث ، فلا يجوز أن يتّهم إنسانٌ قد خرج من هنا بأنّه عاصٍ ، فلا يوجد تعليمات ولا توجيهات ، ولا أمر أو نهي ، ولكن لو كتبنا لوحةً صغيرة فيها : يرجى الخروج من هذا الباب . فلو أن شخصاً خرج من هذا الباب يكون قد خالف التعليمات بذلك .. لا معصية من دون تكليف .

فابنك لم تعلّمه ، وفي المدرسة لم يعلّموه ، والمجتمع غير مهذّب ورفاقه غير مهذبين ، وهو قد وقف منك موقفاً غير أخلاقي فأنت انزعجت  وغضبت ، ولكنّك لم تعلّمه ، ولم تقل له : يا بنيّ هذا لا يصح . ودليلٍ على ذلك الحديث الشريف ، فقد رأى النبيّ الكريم شخصاً يمشي أمام رجل مسن فقال له :

من هذا الذي معك ؟ قال له : هو أبي . فقال له : لا تمشِ أمامه، ولا تجلس قبله ، ولا تناده باسمه ، ولا تستسبّ له .

فبذلك قد انتهى الأمر ، أعطى التوجيهات والآن أصبح معه قوّة ، فإذا مشى شخص أمام أبيه فقد أساء ، أو أمام استاذه فقد أساء ، أحياناً ينحرج الإنسان فيمشي متقدّماً عليك خطوة ، فامشِ بجواري أو متأخراً عني ولو قليلاً - بخمسة سنتيمترات - وهو يتكلّم ويشاور بيديه ، فانتظر قليلاً .. فلا بدّ من الإنسان أن يعلّم ابنه .

أولاً أيُّها الأخوة ... روى البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً ، إلا فتح الله له بابين - يعني الجنّة - وإن كان واحداً فواحد، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتّى يرضيا عنه . قيل : وإن ظلماه ؟ قال : وإن ظلماه.

أي ظلماً خفيفاً ، فأحياناً يكون الأب عصبياً قليلاً ، أو متضايقاً من عمله ، فيتكلّم كلمةً قاسيةً مع ابنه ، ويوجد بعض الأبناء لا يتحمّلون ذلك وتجده يردّ بأقسى الكلام وعلى الفور ، هذا أبوك ويوجد فارقٌ كبيرٌ في السّن ، وقد يكون يعاني مشكلّة ، أو قد يكون ذا مزاج عصبي ، وقد يكون عنده في العمل مشكلة وجاء إلى البيت وأعصابه تالفة وتكلّم كلمة قاسية يجب أن تصبر وإن ظلمك .

فانظر لو كان الابن قد فهم هذا الحديث ، ودخل الأب للبيت وتكلّم بكلمةً قاسية والابن لم يتكلّم وردّ عليه وقال : الله يسامحك يا أبي فأنا لم أفعل شيئاً وبأدب . أحياناً أجد الابن يثور على أبيه إذا أخطأ ، والأب يخطيء فهو غير معصوم ، لكن فارق السن ينبغي أن يجعل له ميّزة ، وكذلك الفضل الذي صدر منه سابقاً .

فأنا سبحان الله كلّما سمعت عن أب يرعى ابنه رعاية كاملة ، أقول : سبحان من أودع محبّة الأبناء في قلوب الآباء . تجد ابناً من الدرجة الخامسة بل العاشرة لا يوجد عنده أدبٌ أو وفاء ومع ذلك فكلّ حياة الأب منوطة بهذا الابن ، فسبحان الله لا تجد إنساناً إلا وهو يغار من إنسان آخر ، فالغيرة من جبلّة الإنسان إلا الأب مع ابنه ، فمهما علا شأن الابن تجد الأب مفتخراً به ولا يشعر بغضاضة أبداً .

فلذلك ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين - يعني الجنّة - وإن كان واحداً فواحد ، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتّى يرضى عنه .

فأنا والله أيُّها الإخوة أرى من خلال تجاربي المتواضعة أنّ أُناساً كثيرين موفّقين في حياتهم توفيقاً عجيباً وسرُّ ذلك برّهم لآبائه وامّهاتهم ، ويعبّرو العوام عن ذلك بقولهم : (يده خضراء) .. أي كيف ما تحرّك فهو موفّق ، ومحفوظ ، وهناك من يدافع عنه ، والسبب برّه بامه وأبيه ، والسبب لأنّ الأب والأم هم أصل وجودك وسبب وجودك ، فلك خالقٌ خلقك عن طريق الأب والأم ، فكما أنّ الربّ يُعبد فالأب والأم يُحسن إليهما .

وأقول لكم دائماً : وإنّ العطف يقتضي المشاركة .. فعندما يعطف الإنسان شيئاً على شيء مع التناسب ، فربُّنا قد قال :

( سورة الإسراء : آية " 23 " )

أي جمع الإحسان إلى الوالدين مع عبادة الله عزَّ وجلَّ ، وكلُّكم يعلم أنّ الأب الشّاب إرضاؤه سهلٌ جداً .. فهو أبٌ شاب وواعٍ ومنطقي وواقعي ، ويعرف أنّ ابنه في طور البناء ، فلا يكلّفه فوق طاقته ، لكنّ البطولة في الأب الكبير فقد قال تعالى :

فأبٌ متقدِّم في السن ويسكن عندك بالبيت ، كنت عنده فأصبح عندك ، كنت إن سؤلت من عندك تقول : ابني الأول والثاني ، أما إذا سألت ابنه الكبير من عندك ؟ فيقول عندي أبي .. فقد كنت عنده فأصبح عندك ، هكذا الحياة ، كان الأب شاباً وقوياً وأولاده صغار ويلعبون في البيت ، فأصبح الأب ضيفاً عند ابنه فقد قال تعالى :

فأنا أعجب سبحان الله بأنّ باب الجنّة مفتوح ، فالأب باب للجنّة ، الأم باب للجنّة ، أن تأخذ بيد زوجتك إلى الله باب للجنّة ، أن تربي أولادك باب للجنّة ، أن تحسن إلى جيرانك باب للجنّة ، أن تتقن عملك باب للجنّة ، أن تدعو إلى الله بالجنّة ، أن تعلّم القرآن باب إلى الجنّة ، أبواب الجنّة مفتّحةٌ على مصارعها .

أحياناً يقول لي أحدهم إنّ الأسواق واقفة كلّها وكاسدة . فأقول له: لكن سوق الدعوة حامٍ كثيراً ورائج . فسبحان الله أحياناً تذهب لبلدٍ تجد فيه غنىً وجميع الأمور كلّها ميسّرة ، ولكن بقدر هذا التيسير وتوافر الحاجات ورخص الأسعار وتوافر الأموال بأيدي الناس ، كلّما رأيت الحاجات موفّرة والبيوت والأعمال والبضائع موفّرة وكلّ شيء ميسّر هذه الدنيا العريضة ربّما كانت حجاباً بين الناس وربّهم .

تجد في بلاد النفط الدعوة غير رائجة ، يقول لك : لا تجد خطيباً أو عالماً .. فكلّهم يستوردونه استيراداً في شهر رمضان ، لا تجد منهم من يهتمّ بالعلم ، مال وبيع وتجارة وشراء .

وتجد بلاداً بها من صعوبات الحياة الكثير ومن الأزمات وتجد الناس ملتفتون إلى الله عزَّ وجلَّ .

ففي ذات مرّة قلت : الدنيا حجابٌ بين الناس وربّهم ، والمشكلات أحياناً دافعٌ إلى الله .

الحديث الثاني .. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال :

رضى الله في رضى الوالدين ، وسخط الله في سخط الوالدين .

عملٌ عظيمٌ أن تكون باراً بأُمّك وأبيك ، مرّةً ثانيةً : الأب المنطقي سهلٌ إرضاؤه ، أعباؤه خفيفة وظلّه خفيفٌ ، وبطولتك مع أب أنت بوادٍ وهو بوادٍ آخر ، أنت في جهة وهو في جهة ، أو أمّ أنت في جهة وهي في جهة ، فلا يوجد شيءٌ يجمع بينكما هي على أساس معيّن فتقول لك: هكذا تربيّنا يا ابني وهكذا أهلنا علّمونا . وأنت تتلقى العلم من المسجد وتعرف السنّة والكتاب ، فأحياناً تحدث المصادمات بينكما ، فبطولتك بإرضاء والدين لست معهما في خندقٍ واحد .

الآن يوجد لدينا أربعة أحاديث وأغلب الظن أنّكم تعرفونها ولكن شيء خطير جداً ...

روى البخاريُّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رجل للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم : أُجاهد . قال النبي له : ألك أبوان ؟ قال : نعم . قال : فيهما فجاهد .

هذا الكلام لا يحتمل معنى آخر أي برُّ الوالدين يعدل الجهاد في سبيل الله .

والآن أُوجّه كلمةً لأخواتنا المؤمنات النبيّ الكريم قال أيضاً : اعلمي أيّتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أنّ حُسن تبعُّل المرأة إلى زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله .

أي أمٌ قاعدة على بيت أولادها تهيّء لهم الطعام وتنظّف الملابس وتنظّف البيت وتنتظر زوجها ، وترتدي أحسن ثيابها أمامه ، وتلبّي حاجاته وحاجات أولادها هذه الأم كالمجاهدة في سبيل الله .. لو يعلم النساء يعلمن علم اليقين أنّ حسن التبعُّل يعدل الجهاد في سبيل الله لكانت بيوت المسلمين في وضعٍ غير هذا الوضع .

وروى أحمد والنسائيُّ عن معاوية بن جاهم السلمي ، أنّ جاهم رضي الله عنه أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : يا رسول الله أردّتُ الغزوَ وجئت أستشيرُك . فقال : هل لك من أم ؟ قال : نعم . قال: الزمها فإنّ الجنّة عند رجليها .

حدّثني أخ عن قصّة لفتت نظره فقال لي : يوجد أب عاديّ جداً .. يوجد آباء رحمة على علم على غنى على عطف على أولاده ، ويوجد آباء يقولون لأبنائهم : يا بني أنا نشأت عصامياً فكن أنت كذلك مثلي .. فهذا الأب عادي جداً بل أقل من العادي وله أولاداً من الدرجة الخامسة وليسوا من الدرجة الثانية ، فمرض هذا الأب فجأةً مرضاً عضالاً أوقعه في الفراش  فاندفع أولاده إلى خدمته اندفاعاً لا يمكن تفسيره .. أحياناً يكون الأب في درجةٍ عاليةٍ جداً من العطاء ، يستحق إكراماً منقطع النظير ، وأحياناً يكون الأب عادياً أمّا أولاده طالبوا علم وسالكوا طريق الإيمان ، يندفعون إلى برِّ أبيهم براً عجيباً .. لكن يقول لي صديقي : فلا الأب يستحق هذه المعاملة لأنّه أقلّ من عادي ، ولا الأولاد تلقّوا علماً دينيّاً ولا عرفوا بالبرّ سابقاً ، فتوجد بينهم وبين أبيهم مشكلات، والشيء الذي لا يفسّر أنّ هذا الأب الأقل من العادي وهؤلاء الأولاد الأقل من العاديين فجأةً اندفعوا إلى خدمة أبيهم إندفاعاً لا يصدّق ، وظلّوا يخدمونه ليلاً نهاراً صباحاً ومساءً أعلى خدمة ، ويقول لي هذا الصديق لو أنّ الأب من الآباء النادرين في إحسانهم لأبنائهم، يصبح هذا الموقف معقولاً منهم ، لو أنّ الأبناء طلبوا العلم ولهم اتجاه ديني عميق جداً فالأمر مفهوم ، لكن لا الأب في هذا المستوى الراقي ، ولا الأبناء في  هذا المستوى الراقي ، فما الذي دفع الأبناء إلى خدمة هذا الأب الخدمة التي تفوق حدّ الخيال ؟؟؟

يقول لي هذا الصديق : بعد عامٍ وأكثر كان يجلس مع والدته وهو يعجب من هذه الأُسرة التي ظهرت فيها هذه الظاهرة .. أنا لي قريبة أصابها مرض عضال ففي أول يوم خدموها أحسن خدمة ، وكلّ يوم تتبدّل - الشراشف - كلّها ، وبناتها يتناوبون في النوم عندها ، وإذا قالت كلمة تقف البنت أمامها ، وهذه المعاملة في خلال أسبوعين أو ثلاث ، وبعد ذلك لو نادت عليهنّ ليلاً فلا أحد يرُدّ عليها ، وقد استمرّت في هذه الحالة عدّة سنوات ، وآخر سنة مستوى الخدمة تدنّى وهبط هبوطاً مفاجئاً .

لذلك أنا أتمنّى من الله عزَّ وجلَّ أن لا يقعد عن الحركة كلّ مؤمن في آخر عمره ، لأنّ الإنسان لو مات وهو خفيف الظل يبقى له أثر طيّب ، والنبيّ كان يدعو والسلف الصالح كذلك يدعون بهذا الدعاء :

يا ربّ سنّة رسول الله .. ثلاثة أيّام . فكفى ذلك .. فالأجل أجل لا يتغيّر .

هذا الصديق الذي كان يعجب من خدمة الأبناء لأبيهم علم أخيراً أنّ هذا الأب كان أحد خمس أولاد لأبيه المتوفّى وأربعةٌ من إخوته استنكفوا عن خدمة أبيهم عندما أصابه مرضٌ عضال إلا هذا الابن - الأب المريض في هذه القصّة - نهض وخدم أباه خدمةً تامّةً فالله عزَّ وجلَّ أكرمه حينما وقع في الفراش ، بأن ألقى في قلوب أولاده الحرص الشديد على خدمة أبيهم .

قال لي أحد إخواننا الكرام أب عنده خمس أولاد وله إبهام قد اسودّ - أصيب بالغرغرينا - فالطبيب قال : لا بدّ من قطع هذا الباهم . والأولاد قالوا : سبحان الله ماذا نفعل هكذا يريد الله . أما لهم أخ برّه بأبيه شديد فأظهر ألمه الشديد للطبيب وقال له : ليس من المعقول أن نقطع الباهم . فتعجّب منه الطبيب وقال : هذا شيء لا بدَّ منه فإذا اليوم لم نقطعه من هنا سنقطعه غداً من هنا ، ولكن بسبب تألُّم هذا الابن تألُّماً شديداً فاحترم الطبيب تألّمه وقال له : يا بني يوجد احتمال ضئيل وقليل جداً ولكنّه يحتاج إلى جهد كبير ، فهذا الباهم يحتاج يوميّاً إلى ثلاث حمّامات بماء ساخن وبمواد معيّنة ، والاحتمال لتراجع هذا المرض عشرة بالمائة ، أمّا إذا لو تقدّم المرض ولو شيء ضئيل - واحد ميللي متراً - سوف أقطع هذا الباهم . فقال له الابن : أنا حاضر . والابن موظّف يخرج من المزرعة ، ويسكن أباه في الجادّة الخامسة بالمصطبة حي المهاجرين ، يذهب في الساعة السادسة صباحاً ويقوم بعمل حمام لباهم أبيه ، وكذلك ظهراً مع المواد الطبيّة والشاش ، وفي المساء حمام ثالث.. وقد روى لي هذه القصّة أحد إخواننا الكرام عن أقرباؤه .. وقد بقي هذا الابن في خدمة أبيه ستّة أشهر بالتمام والكمال إلى أن تراجع الاسوداد وشفاه الله شفاءً تاماً .

يقول لي هذا الأخ الكريم : هم خمس إخوة وكلّهم من ذوي الدخل المحدود ، وظلّ هؤلاء الأربعة على دخلهم المحدود ، والخامس أكرمه الله إكراماً ووفقه توفيقاً كبيراً وأصبح الآن حجمه المالي فوق مائتي مليون ليرة .. سبحان الله هذه أُجرة الباهم فأخذها بالدنيا قبل الآخرة .

ومفاد كلامي برُّ الوالدين شيء لا يصدّق ، فالله عزَّ وجلَّ يكرم البار بوالديه إكراماً شديداً ، وهناك آلاف القصص لذلك كما يقولون : يا رضى الله ورضى الوالدين .

إلا أنني لي ملاحظة دقيقة فبعض الشباب يقنع بهذا الكلام فيبادر إلى إرضاء أمه وأبيه ويتقاعس عن إرضاء ربّه ، الله هو الأصل .. لذلك برُّ الوالدين لا يقبل إذا كان بعيداّ عن إرضاء الله عزَّ وجلَّ .

وروى مسلمٌ في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : أقبل رجلٌ إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال : أُبايعك على الهجرة والجهاد ، أبتغي الأجر من الله . قال : هل من والديك أحد حي ؟ قال : نعم .. قال: بل كلاهما . قال : أفتبتغي الأجر من الله ؟ قال: نعم . قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما .

هذا المعنى الأول : رضى الله في رضاهما ، والثاني : برّهما مقدّم على الجهاد في سبيل الله .

والثالث : من البرِّ الدعاء لهما بعد مماتهما وإكرام صديقهما امتثالاً لأمر الله عزَّ وجلَّ :

( سورة الإسراء : آية " 24 " )

روى البخاريُّ في اللأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ترفع للميّت بعد موته درجته ، فيقول أي ربي أيُّ شيءٍ هذا ؟ فيقول له : ولدك الذي استغفر لك .

والميّت في قبره ترفع درجته بسبب استغفار أبنائه له .

سأل أحد الصحابة النبيّ فقال : يا رسول الله .. هل بقي عليّ من برِّ والديّ  شيءٌ من بعد موتهما ؟ قال : نعم .. الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، فهذا الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما .

الصلاة عليهما : صلاة الجنازة .. والاستغفار لهما : في كلِّ يوم خمس مرّات في الصلاة.. وإنفاذ عهدهما .. وإكرام صديقهما .. وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما .. هذه أيضاً من واجبات الأبناء تجاه آبائهم .

يروى أنّ عبد الله ابن عمر لقيه رجلاً بطريق مكّة ، فسلّم عليه عبد الله - صحابي جليل - وحمله على حمارٍ كان يركبه ، وأعطاه عمامةً كانت على رأسه . قال ابن دينار وقلنا له : أصلحك الله إنّهم الأعراب وإنّهم يرضون باليسير . فقال عبد الله بن عمر : إنّ أبا هذا كان ودّاً لعمر بن الخطّاب ، وإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : إنّ أبرّ البرّ صلة الرجل أهل ودِّ أبيه .

فأحياناً إذا كان شخصٍ له علاقة بوالدي المتكلم الأستاذ أينما كان ذاهباً أوصله ، وأشعر بذلك شعوراً خاصاً ، أنّ هذا له حقٌ عليك .

وجاء في مجمع الزوائد عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : من البرِّ أن تصل صديق أبيك .

وكلُّكم يعلم أيضاً أنّ الأم مقدّمةٌ بالبرّ على الأب .. من أحقُّ الناس بحسن صحابتي ؟ قال أُمُّك . قال : ثمّ من ؟ قال : أمُّك . قال : ثمّ من ؟ قال : أمُّك . قال : ثمّ من ؟ قال : أبوك .

الأم مقدّمة .. أحد الأشخاص تنازع مع زوجته بعد أن طلّقها على رعاية ولدٍ لهما ، فقال للقاضي : حملته قبل أن تحمله ، ووضعته قبل أن تضعه . فقال : أجيبي أيّتها المرأة . قالت : حمله خفّاً وحملته ثقلاً، ووضعه شهوةً ووضعته ألماً . فقال له : دعني من سجعك ، وخذي ابنك وربّيه .

يوجد فرق بين رعاية الأب ورعاية الأم ، لذلك النبيّ قدّم برّ الأم على برّ الأب ، ولا يوجد عيدٌ للأب ولكن يوجد عيد للأم .. طبعاً ليس هذا نقصاً بحقّه ولكن الأم أمرنا النبيّ الكريم أن نبدأ ببرّها .

رجل قال للنبيّ الكريم : إنّي حملت أُمّي على عنقي ، فهل أدَّيت شكرها ؟ وسمعنا جوابه عليه الصلاة والسلام عليه : لعلّه أن يكون بطلقةٍ واحدة .

كلُّ هذا العمل لا يوازي طلقة واحدة أثناء الولادة .

قصّة وردت في كتب السيرة .. ذكر أبو الليث السمرقندي عن أنس رضي الله عنه أنّ شاباً كان على عهد رسول الله يسمّى علقمة ، فمرض واشتدّ مرضه ، فقيل له : قل لا إله إلا الله . فلم ينطق بها لسانه. فأُخبر بذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . فقال النبيُّ : هل له أبوان ؟ فقيل : أمّا أبوه فقد مات ، وله أمٌ كبيرة . فأرسل إليها ، فجاءت فسألها عن حاله فقالت : يا رسول الله كان يصلّي كذا وكذا ، وكان يصوم كذا وكذا ، وكان يتصدّقُ بجملة دراهم ما ندري ما وزنها وما عددها . قال لها : فما حالك وحاله ؟ قالت : يا رسول الله أنا عليه ساخطة واجدة . قال : ولم ؟ قالت : كان يؤثر عليّ امرأته ويطيعها في الأشياء . فقال عليه الصلاة والسلام : سَخَطُ أُمّه حجب لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله .

فهذه القصّة تفيد أنّ سخط الأُم كبيرة في حقِّ الابن .

آداب برُّ الوالدين كما جاءت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : أن لا يمشوا أمامه ، وأن لا ينادوهم بأسمائهم ، وأن لا يجلسوا قبلهم ، وأن لا يتضجّروا من نصائحهم ، وأن لا يأكلوا من طعامٍ ينظرون إليه ، وأن لا يرقوا مكاناً عالياً فوقهم ، وأن لا يخالفوا أمرهم .

هذه بعض الآداب التي جاءت عن النبيّ صلّي الله عليه وسلّم .

الآن .. ما برَّ أباه من شدّ نظره إليه ، أحياناً النظر الحاد للأب هذا من العقوق .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجل ومعه شيخ . فقال له النبيّ : يا هذا من هذا الذي معك ؟ قال: أبي . فقال عليه الصلاة والسلام : فلا تمشِ أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا تدعوه باسمه ، ولا تستسبّ له .

أي لا تسبب لأبيك السباب عن طريق العمل السيّء .

قال صاحب عيون الأخبار قيل لعمر بن زيد : كيف برُّ ابنك بك؟ قال : ما مشيت نهاراً قط، إلا وهو خلفي ، ولا مشيت ليلاً إلا مشى أمامي ، ولا رقى سقفاً وأنا تحته .

في النهار يمشي خلفي .. وفي الليل يمشي أمامي .. توقّعاً للخطر .

أيُّها الإخوة ... من العقوق أن يعتبر الولد نفسه مساوياً لأبيه ، يريد أن يأخذ الميّزات كلّها ، من العقوق أن يستحوز الغرور على الولد فيستحي أن يعرف بأبيه .

فأحياناً الابن يتفوّق .. يصبح دكتوراً مثلاً أو ذا منصب رفيع جداً ويكون والده عنده بالمكتب .. فأحد الأشخاص له ابن وصل لمنصب رفيع جداً وهناك أحد إخواننا له حاجة عند صاحب هذا المنصب ، فقلت إنّ أباه من إخواننا فقلت له : أريد أن أتكلّم مع ابنك لنقل طالب من جامعة إلى جامعة . فقال لي : لا مانع من ذلك . ولكنني رأيته متلكّئاً .. دخلنا على ابنه والغرفة ملآنة ممتلئة بالمراجعين .. فقال لأبيه : أبا فلان أقعد هناك . لم يشعر أحداً أنّه أبوه ، وهو شخص مرموق ، أنيق في لبسه وبهيّ الطلعة لا يستحيى بمثله ، فلما خرجنا سألته : هذا أين درس ؟ فقال لي : بأمريكا .. معه بورد . فقلت له : على حساب من ؟ فقال لي: والله على حسابي .

على حسابه الأب الشخصي ، وهذا الابن استحيى أن يشعر أحداً في الغرفة أنّ هذا أبوه ، هذا من عقوق الوالدين .. أن يستحي الإبن ذو المنصب المرموق أن يعرِّف الناس بأبيه .

كان في قلعة دمشق من قبل خمسين سنة ، وبصدفة غريبة جداً ، أب برتبة مساعد في الجيش والابن نقيب ، وعلى هذا المساعد حسب النظام العسكري أن يقدّم الصّف ، لابنه فكان هذا الابن بعد أن يقدّم الصّف له من قبل أبيه يأتي أمام ستمائة جندي ويقبّل يد أبيه ، أمام كلّ هؤلاء ، إشعاراً بقيمة الأب ، الابن مهما كان بمرتبة عالية إذا بالغ في احترام أبيه فهذا لا ينقص من قدره بل يرفع من قدره .. فهذا من العقوق.

ومن العقوق ألا يقوم الولد بحقِّ النفقة على أبويه الفقيرين فيضطرّا إلى إقامة الدعوى عليه أيلزمه القاضي بالإنفاق عليهما . هذا عقوق .. لو لم يقيموا دعوى فقد يكون الابن في بحبوحة والأبوان يعانيان ، فكل ابن يرفع مستوى معيشته عن مستوى والديه وقع في عقوق الوالدين .

أمّا أكبر أنواع العقوق : أن يتأفف الولد من أبويه وأن يتضجّر منهما ، ويعلو صوته عليهما، وهناك من يقرّع أبويه بكلماتٍ مؤذيةٍ جارحةٍ ويجلب الإهانة لهما والمسبّة لشخصهما .. هذا منتهى العقوق .. أن تتكلّم كلمةً قاسية أو تأخذ موقفاً قاسياً ، وأقلّ من ذلك أن تحجم عن الإنفاق على والديك ، والأقل أن تستحي من أبيك أو أمّك ، والأقل من ذلك أن ترى نفسك مساوياً لهما ، هذه كلّها من العقوق .

والنبيّ الكريم يقول : ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً ؟ قالوا : بلى . قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين . وكان متّكئاً فجلس . قال : ألا وقول الزّور والعمل به .

هذه ليست كبائر .. بل أكبر الكبائر .

ثلاثةٌ حرّم الله عليهم الجنّة : مدمن خمرٍ ، والعاقُّ لوالديه ، والديُّوث .

الديّوث هو الذي لا يغار على عرضه ، أو يرضى الفاحشة في أهله .

من الكبائر شتم الرجل والديه .. أحد الصحابة قال يا رسول الله: وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال : نعم .. يسبُّ أبا الرجل فيسبّ أباه ، ويسبُّ أُمّه فيسبُّ أُمَّه .

أما النقطة الدقيقة إنّ كلّ الذنوب قد تؤخّر إلى يوم القيامة إلا ذنب العقوق فيعجّل الله لصاحبه في الدنيا .. لذلك فإيّاكم أن تتعاملوا مع عاق للوالدين .. لو كان فيه خير لكان خيره لوالديه ، ليس فيه خير أبداً ، وهذا العاق لوالديه معرّض لنقمة الله في الدنيا ، فإذا شاركه أحد أو تعامل معه فالخسارة  كبيرة جداً ، فشارك من يكون باراً بوالديه ، وصاحب من يكون باراً بوالديه، لذلك كلُّ الذنوب يؤخّر الله ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنّ الله يعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات .

نلخّص هذا الدرس بأنّ من برّ الوالدين أن لا تستسبّ لهما ، وأن ترحمهما ، وأن تعطف عليهما ، وأن تعظمهما ، وأن تصل الرحم التي لم تكن لها صلةٌ إلا بهما ، وأن لا تمشي قبلهما ، وأن لا تمشي أمامهما، وأن لا تقعد قبلهما ، وأن تكون في خدمتهما ، لأنّ هذا جزءٌ يسير من فضلهما عليك ، وبالطبع إذا عرف الأب قيمة أبيه عليه أن يعرّف ابنه بقيمة أبيه أيضاً ، فلا معصية من دون تكليف ، فأنت بيّن لأولادك حقوق الأب عليهم وبعدها حاسبهم ففي التربية عمل عظيم والحمد لله ربِّ العالمين .

الحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين ، اللهمّ أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، وارزقنا الشوق إلى لقائك ولذّة النظر إلى وجهك الكريم ، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، والحمد  لله ربِّ العالمين، الفاتحة .

*  *  *

Copyright © 2007 Nabulsi